(ليس بحديث)
هذا حديث لا يُعرف وإن كان اشتهر على ألسِنة العوام على أنه حديث نبوي، والصحيح أنه ليس بحديث، ولم أقف له على مرجع.
التعليق:
تبين مما تقدم أن هذا الكلام ليس بحديث، ومعناه كذلك ليس بصحيح، فإن قبر النبي -ﷺ- معروف وكذلك قبر أبي بكر وعمر ﵄، والقبور إذا لم تُعرف تُداس وتُهان، وعليه فإن تعليم القبر مشروع من أجل ألا يخفى موضعه وليُعلم أنه قبر لميت فيُصان ولا يُهان، ويُزار ويترحم على صاحبهُ وهذا لا شك فيه نفع للميت المقبور فكان مستحبًا، لحديث المطلب قال: لما مات عثمان بن مظعون أُخرج بجنازته فدُفِن، أمر النبي -ﷺ- رجلًا أن يأتيه بحجر فلم يستطع حمله فقام إليها رسول الله -ﷺ- وحسر عن ذراعيه، قال: المطلب قال الذي يخبرني ذلك عن رسول الله -ﷺ-: كأني أنظر إلى بياض ذراعي رسول الله -ﷺ- حين حسر عنهما فوضعها عند رأسه، وقال: (أتعلَّمُ بها قبر أخي، وأدفن إليه من مات من أهلي) (^١).
_________________
(١) رواه أبو داود وحسنه الألباني في "أحكام الجنائز" (ص: ١٩٧).
[ ١ / ٣٦٩ ]
وفي هذا دلالة واضحة على أن النبي -ﷺ- أعلم قبر عثمان -﵁- وهذا الفعل من النبي -ﷺ- يفيد الاستحباب لأنه -ﷺ- أمر بذلك كما جاء في الحديث أنه أمر رجلًا أن يأتيه بحجر فلم يستطع حمله ثم فعله هو مما يدل على تأكد هذا العمل وقد علل النبي -ﷺ- عمله هذا بأنه يتعرف فيه على قبر أخيه وذلك ليزوره ويسلم عليه ولأجل أن يدفن إليه من مات بعده من أهله -ﷺ-.
والطريقة الشرعية لإعلام القبر:
أن يكون بوضع حجر شاخص عند رأس القبر كما فعل النبي -ﷺ- بقبر عثمان بن مظعون -﵁- وهذا هو قول أكثر الفقهاء الذين قالوا بجواز التعليم أو باستحبابه. وذكروا أيضًا أنه يجوز الإعلام بوضع الخشبة والعود ونحو ذلك. ولعل هذا من باب القياس على الحجر الوارد ذكره في الحديث المتقدم.
أما تشييد القبور والبناء عليها وزخرفتها فبدع محدثة.
قال ابن القيم (^١) -﵀-: ولم يكن من هديه -ﷺ- تعلية القبور، ولا بناؤها بآجُرّ، ولا بحجرٍ ولَبِنٍ، ولا تشييدها ولا تطيينها، ولا بناء القباب عليها، فكل هذا بدعة مكرُوهةٌ مُخَالِفَةٌ لهديهِ -ﷺ-.
_________________
(١) زاد المعاد (١/ ٥٢٤ - ٥٢٦).
[ ١ / ٣٧٠ ]
وقد بعث علي بن أَبي طالِب -﵁- إلى اليمن ألا يدع تمثالًا إلا طمسه، ولا قبرًا مُشرِفًا إلا سواه، فسنتُهُ -ﷺ- تسوية هذه القُبورِ المشرفة كلها، ونهى أن يجصص القبر، وأن يبنى عليه، وأن يكتب عليه.
وكانت قبور أصحابه لا مشرفة، ولا لاطِئة، وهكذا كان قبره الكريم وقبر صاحبيهِ، فقبره -ﷺ- مسنم مبطوح ببطحاء العرصة الحمراء، لا مبني ولا مطين، وهكذا كان قبر صاحبيه.
وكان يُعلِم قبر من يريد تَعَرُّف قبره بصخرة.
ونهى رسول الله -ﷺ- عن اتخاذ القبور مساجد، وإيقاد السرج عليها، واشتد نهيه في ذلك حتى لعن فاعله، ونهى عن الصلاة إلى القبور، ونهى أمته أن يتخذوا قبره عيدًا، ولعن زوّراتِ القبور.
وكان هديه أن لا تهان القبور وتُوطَأَ، وألا يُجلس عليها ويتكأَ عليها، ولا تُعَظّم بحيث تتخذ مساجد فيصلى عندها وإليها وتتخذ أعيادًا وأوثانًا.
[ ١ / ٣٧١ ]