(ليس بحديث)
هذا الكلام شائع على ألسِنة كثير من الناس على أنه من كلام النبي -ﷺ-، وهذا ليس بصحيح وإنما هو من كلام بعض أهل العلم.
قال السخاوي في "المقاصد" (ص: ٢٧٢) رقم (٥٢٦): ذكر الخطابي في "العزلة" عن أكثم بن صيفي أنه قال: (رضى الناس غاية لا تدرك …).
ومن طريق الشافعي أنه قال ليونس بن عبد الأعلى: يا أبا إسحاق: (رضى الناس غاية لا تدرك، وليس إلى السلامة من الناس سبيل، فانظر ما فيه صلاح نفسك الزمه ودع الناس وما هم فيه).
وانظر كذلك:
(١) "أسنى المطالب" (ص: ١٥٢) رقم (٧١٢).
(٢) "كشف الخفاء" (١/ ٥٢٠ - ٥٢١) رقم (١٣٩١).
(٣) "التمييز" (ص: ٨٥).
(٤) "تحذير المسلمين" (ص: ٩٢) رقم (١٠٣).
(٥) "النوافح العطرة" (ص: ١٥٥) رقم (٨١٢).
(٦) "الشذرة " (١/ ٣١٢) رقم (٤٦١).
[ ١ / ٣٧٢ ]
(٧) "الجد الحثيث" (١٨٧).
(٨) "مجمع الأمثال" للميداني (١/ ٤٢٠).
التعليق:
قلت: رضى الناس غاية لا تدرك، نعم والله إرضاء الناس ليس في الإمكان أبدًا، لأن علمهم قاصر، ولأن عقولهم محدودة، يعتريهم الهوى ويعتريهم النقص، ويتفاوتون في الفهم والإدراك فلا يمكن إرضاؤهم، فمن نُرضي إذن؟ ارضِ الله جل وعلا.
يقول الإمام الشافعي -﵀-: رضى الناس غاية لا تدرك، فعليك بالأمر الذي يصلحك، فالزمه ودع ما سواه فلا تعانه، فإرضاء الخلق لا مقدور ولا مأمور، وإرضاء الخالق مقدور ومأمور (^١).
وذكر الشيخ أحمد بن المقري التلمساني في كتابه "نفح الطيب في غصن الأندلس الرطيب" (^٢) عن الشيخ أبي الحسن علي بن موسى بن سعيد أنه قال -﵀-: أخذت مع والدي يومًا في اختلاف مذاهب الناس وأنهم لا يُسلِّمون لأحد في اختياره، فقال: متى أردت أن يسلم لك أحد في هذا التأليف -أعني المغرب- ولا تُعْتَرَض أتبعت نفسك باطلًا، وطلبت غاية لا تُدرك، وأنا أضرب لك مثلًا: يحكى أن رجلًا
_________________
(١) "شرح العقيدة الطحاوية" لابن أبي العز (ص: ٢٦٧).
(٢) (٢/ ٣٢٧).
[ ١ / ٣٧٣ ]
من عقلاء الناس كان له ولد، فقال له يومًا: يا أبي، ما للناس ينتقدون عليك أشياء وأنت عاقل؟ ولو سعيت في مجانبتها سلمت من نقدهم، فقال: يا بني، إنك غِرٌّ لم تجرب الأمور، وإن رضى الناس غاية لا تُدرك، وأنا أوقفك على حقيقة ذلك، وكان عنده حمار، فقال له: اركب هذا الحمار وأنا أتبعك ماشيًا، فبينما هما كذلك إذ قال رجل: انظر، ما أقل هذا الغلام بأدب، يركب ويمشي أبوه، وانظر ما أشد تخلف والده لكونه يتركه لهذا، فقال له: انزل أركب أنا وامش أنت خلفي، فقال شخص آخر: انظر هذا الشخص، ما أقله بشفقة، ركب وترك ابنه يمشي، فقال له: اركب معي، فقال شخص: أشقاهما الله تعالى، انظر كيف ركبا على الحمار، وكان واحد منهما كفاية، فقال له: انزل بنا، وقدماه وليس عليه راكب، فقال شخص: لا خفف الله تعالى عنهما، انظر كيف تركا الحمار فارغًا وجعلا يمشيان خلفه، فقال: يا بني، سمعت كلامهم، وعلمت أن أحدًا لا يسلم من اعتراض الناس على أي حالة كان. اهـ.
ولله در من قال:
ضحكتُ فقالوا ألا تحتشم … بكيتُ فقالوا ألا تبتسم
بسمتُ فقالوا يرائي بها … عبستُ فقالوا بدا ما كتم
حلمتُ فقالوا صنيع الجبان … ولو كان مقتدرًا لانتقم
بسلتُ فقالوا لطيش به … وما كان مجترءًا لو حكم
فأيقنت أني مهما أرد … رضى الناس يومًا فلابد أن أذم
[ ١ / ٣٧٤ ]
وهذا آخر يقول:
وإن يسألوا عن مذهبي لم أبح به … وأكتمه كتمانه لي أسلمُ
فإن حنفيًا قلت قالوا بأنني … أبيح الطلا وهو الشراب المحرم
وإن مالكيًا قلت قالوا بأنني … أبيح لهم لحم الكلاب وهم هُمُ
وإن شافعيًا قلت قالوا بأنني … أبيح نكاح البنت والبنت تحرم
وإن حنبليًا قلت قالوا بأنني … ثقيل حلولي بغيض مجسم
وإن قلت من أهل الحديث وحزبه … يقولون تيس ليس يدري ويفهم
تعجبت من هذا الزمان وأهله … فما أحد من ألسن الناس يسلم
فارضِ الله جل وعلا أخي المسلم وكفى:
فلست بناج من مقالة طاعن
ومن ذا الذي ينجو من الناس سالمًا … ولو كنت في غار على جبل وعر
ولوغاب عنهم بين خافيتي نسر
وإياك أخي في مجاراة الناس لإرضائهم قال -ﷺ-: (من أرضى الله بسخط الناس ﵁ وأرضى عنه الناس، ومن أرضى الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس) (^١).
وربنا يقول: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ﴿الأنعام: ١١٦﴾.
_________________
(١) رواه ابن حبان في "صحيحه" وعبد بن حميد والعقيلي في "الضعفاء" وأبو نعيم في "الحلية" وصححه العلامة الألباني -﵀- في "صحيح الجامع" (٦٠١٠).
[ ١ / ٣٧٥ ]
وذكر الشيخ عمر الأشقر في كتابه "مواقف": أن طفلة صغيرة من بيت محافظ تعود لأمها من المدرسة ذات يوم وعليها سحابة حزن وكآبة وهم وغم، فتسألها أمها عن سبب ذلك فتقول: إن مدرستي هددتني إن جئت مرة أخرى بمثل هذه الملابس الطويلة.
فتقول الأم: ولكنها الملابس التي يريدها الله جل وعلا.
فتقول الطفلة: لكن المدرسة لا تريدها.
قالت الأم: المُدرسة لا تريد والله يريد فمن تطيعين إذن؟ الذي خلقك وصورك وأنعم عليك أم مخلوقًا لا يملك لك ضرًا ولا نفعًا.
فقالت الطفلة بفطرتها السليمة: لا .. بل أطيع الله وليكن ما يكون.
وفي اليوم الثاني تلبس تلك الملابس وتذهب بها إلى المدرسة، فلما رأتها المعلمة انفجرت غاضبة، تؤنب تلك الفتاة التي تتحدى إرادتها، ولا تستجيب لطلبها، ولا تخاف من تهديدها ووعيدها، أكثرت عليها من الكلام، ولما زادت المعلمة في التأنيب والتبكيت ثقل الأمر على الطفلة البريئة المسكينة فانفجرت في بكاء عظيم شديد مرير أليم أذهل المعلمة، ثم كفكفت دموعها وقالت كلمة حق تخرج من فمها كالقذيفة، تقول: والله لا أدري من أطيع أنتِ أم هو؟!!
قالت المعلمة: ومن هو؟!! قالت: الله رب العالمين الذي خلقني وخلقك وصورني وصورك، أأطيعك فألبس ما تريدين وأغضبه هو، أم أطيعه وأعصيك أنتِ، لا لا، سأطيعه وليكن ما يكون.
[ ١ / ٣٧٦ ]
ذهلت المعلمة وشدهت وسكنت، وهل هي تتكلم مع طفلة أم مع راشدة، ووقعت منها الكلمات موقعًا عظيمًا، وسكتت منها المعلِمَة، وفي اليوم الثاني تستدعي المعلمة أم البنت وتقول: لقد وعظتني ابنتك أعظم موعظة سمعتها في حياتي، لقد تبت إلى الله وأُبتُ إلى الله، فقد جعلت نفسي ندًا لله حتى عرفتني ابنتك من أنا، فجزاك الله من مربية خيرًا.
[ ١ / ٣٧٧ ]