تمهيد
في ذكر إضاءات وقبسات من دُرَرِ كلام العلامة ابن القَيِّم ﵀، جعلتها توطئة وتقدمة بين يدي هذا الباب، وأجملها في النقاط التالية:
أ - بيان حفظ الله - سبحانه - لسنة نبيه ﷺ.
لقد بعث الله - عزوجل - نبيه محمدًا ﷺ بالهُدَى ودين الحق، وأنزل عليه كتابه الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وأمره بتبليغه إلى الناس كافة، فقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧] .
وتَكَفَّلَ - سبحانه - بحفظ هذا الكتاب، فقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] .
وقد وَكَلَ إلي نبيه ﷺ مهمة البيان للقرآن، فقال ﷿: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤] .
وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النحل: ٦٤] .
فَقَامَ رسول الله ﷺ بذلك خير قيام: يُفَصِّلُ مُجْمَلَهُ، ويُقَيِّدُ مطلقه، ويشرح ألفاظه، ويُوَضِّحُ أَحْكامه ومعانيه، فكان هذا البيان منه ﷺ هو سُنَّتَه التي بين أيدينا.
[ ١ / ٣٢٥ ]
ولما كان هذا البيان منه ﷺ بيانًا لكتاب الله، فإنه كان مؤيدًا في ذلك من الله عزوجل، وكانت سُنَّتُه وحيًا من عند الله سبحانه، قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣، ٤] .
وقال عزوجل آمرًا نبيه ﷺ أن يقول: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلاّ مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الأنعام: ٥٠] .
وقال ﷺ: "ألا إني أوتيتُ الكِتَاَب ومثله معه" ١.
قال أبو محمد بن حزم ﵀: "والذِّكْرُ اسم واقعٌ على كل ما أَنزلَ الله على نَبِيِّهِ: من قرآنٍ، أو سُنَّةٍ وحيٍّ يبيِّنُ بها القرآن"٢.
وفيما يلي نصوص فريدة عن العلامة ابن القَيِّم - ﵀ - في هذا الموضوع:
تناول ابن القَيِّم - ﵀ - هذا المعنى بالتوضيح والبيان، فقال مرة - بعد أن ذكر جملة من الآيات الدالة على أن السنة وحي من الله - قال: "فَعُلِمَ أن كلام رسول الله ﷺ في الدين كله وحي من عند الله، وكل وحي من عند الله فهو ذكر أنزله الله.
_________________
(١) ١ أخرجه أحمد في المسند (٤/١٣١)، وأبو داود (٥/١٠) ح ٤٦٠٤ ك السنة، باب في لزوم السنة، وابن حبان في صحيحه - الإحسان (١/١٠٧) ح ١٢. قال الشيخ الألباني: "صحيح". (صحيح الجامع ح ٢٦٤٣) . ٢ الإحكام في أصول الأحكام: (١/٣٦) .
[ ١ / ٣٢٦ ]
وقد قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [النساء: ١١٣]، فالكتاب: القرآن، والحكمة: السنة.
وقد قال النبي ﷺ: "وإني أُوتِيتُ الكتاب ومثله معه"، فأخبَر أنه أُوتي السُّنَّة كما أُوتي الكتاب"١.
وقال - ﵀ - في موضع آخر: "إن كلَّ ما حكم به رسول الله ﷺ فهو مما أنزل الله وهو ذكرٌ من الله أنزله على رسوله"٢.
فإذا تبين أن سنة رسول الله ﷺ من الذكر الذي أنزله الله عليه، فإنها بذلك تكون داخلة في الوعد الذي قطعه - سبحانه - على نفسه بحفظ هذا الذكر حين قال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ فتكون السنة محفوظة - بحفظ الله عزوجل لها - من طعنِ الطاعنين، وعبث العابثين، وكذب الكاذبين.
* وقد عبَّر ابن القَيِّم - ﵀ - عن هذا الحفظ الإلهي للسنة النبوية، فقال: "وقد تكفل الله سبحانه بحفظه - يعني الذكر - فلو جاز على حُكْمِهِ - يعني النبي ﷺ - الكذبُ والغلطُ والسّهوُ من الرواة، ولم يقم
_________________
(١) ١ مختصر الصواعق المرسلة: (٢/٣٧١ - ٣٧٢) . طبعة / دار الفكر. ٢ المصدر السابق: (٢/٤٨١) .
[ ١ / ٣٢٧ ]
دليلٌ على غَلَطِهِ وسهوِ نَاقِلِه، لَسَقَطَ حُكْمُ ضَمَانِ الله وكفالَتِهِ لحفظه، وهذا من أعظم الباطل "١.
وقال ﵀: "والله تعالى قد ضَمِنَ حفظ ما أوحاه إليه وأنزل عليه، ليقيم به حُجَّتَهُ على العباد إلى آخر الدهر فلو جاز على هذه الأخبار أن تكون كذبًا، لم تكن من عند الله، ولا كانت مما أنزل الله على رسوله وآتاه إياه، تفسيرًا لكتابه وتبيينًا له.
وكيف تقوم حجته على خلقه بما يجوز أن يكون كذبًا في نفس الآمر؟ فإن السنة تجري مجرى تفسير الكتاب وبيان المراد، فهي التي تُعَرِّفُنا مراد الله من كتابه، فلو جاز أن تكون كذبًا وغلطًا، لبطلت حجة الله على العباد "٢.
وهذا ظاهر في أن الله - عزوجل - قد تكفل بحفظ سنة نبيه ﷺ؛ إذ هي بيان لكتابه الكريم، ولو لم يكن هذا الْمُبَيِّن محفوظًا، بحيث لم يُدْرَ صَحِيحهُ من خطئه، ولا صِدْقُهُ من كذبه، لعدم الانتفاع به والاعتماد عليه في معرفة مراد الله من كتابه، وهذا من أبطل الباطل، بل هو محال.
وإن من مظاهر هذا الحفظ لسنته ﷺ: ما قام به علماء الإسلام وجهابذته من جهد ظاهر، وعمل دؤوب مُضْنٍ، في سبيل جمع هذه السنة وتدوينها، ووضع القواعد التي تضبط روايتها، وتحدد قبولها من ردها، وتمحص أحوال نقلتها ورواتها.
_________________
(١) ١ مختصر الصواعق المرسلة: (٢/٤٨١) . ٢ مختصر الصواعق المرسلة: (٢/٣٧٢) .
[ ١ / ٣٢٨ ]
ولأجل ذلك، لَمَّا سُئل عبد الله بن المبارك - ﵀ - عن هذه الأحاديث المصنوعة الموضوعة؟ أجاب قائلًا: "يعيش لها الجهابذة ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ "١.
فعدَّ - ﵀ - جهود هؤلاء الجهابذة في تنقيتها وتمحيصها، من تمام حفظ الله - ﷿ - لدينه وسنة نبيه ﷺ.
وقد نوَّه ابن القَيِّم - ﵀ - بجهد هذه الطائفة المنصورة المؤيدة، واعتبر ذلك من تمام حفظ الله لهذا الدين، فقال: "والله - عزوجل - يؤيد من ينافح عن رسوله ﷺ تأييدًا خاصًا، ويفتح له في معرفة نقد الحق من الباطل فتحًا مبينًا، وذلك من تمام حفظه لدينه، فإنه لا يزال من عباده طائفة قائمة بنصرته إلى أن يأتي أمر الله"٢.
فَتَخَلَّصَ من ذلك: تأكيد ابن القيم ﵀ أن هذه السنة النبوية المطهرة لما كانت من وحي الله - عزوجل - الْمُنَزَّلِ، فإنه - سبحانه - قد ضَمِنَ حفظها وصيانتها، وتأييد من يقوم بنصرتها.
ب - بيان وجوب اتباع سنة النبي ﷺ وتعظيمها:
لما كانت سنة رسول الله ﷺ بالمنزلة التي قدمنا، وعلى الأهمية التي وصفنا، فقد وجب على كل من أراد معرفة الله - عزوجل -
_________________
(١) ١ الجرح والتعديل: (١/١٨)، وتدريب الراوي: (١/٢٨٢) . ٢ رسالة الموضوعات: (ق٤٣/ب) .
[ ١ / ٣٢٩ ]
وعبادته على بصيرة أن يتخذ سنة نبيه ﷺ طريقًا إلى تحقيق ذلك، وأن يعبده سبحانه على وفق ما جاء به ﷺ عن ربه.
ولقد حَذَّرَ رسول الله ﷺ مِنْ تَرْكِ سنته والإعراض عنها، بدعوى أنه لا نظير لها في القرآن، فقال ﷺ: "لا أُلْفِيَنَّ أحدكم مُتَّكِئًَا على أَرِيكَتِهِ، يأتيه الأمر من أمري، مما أمرتُ به أو نهيت عنه، فيقول: لا ندري، ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه" ١.
ومن كان على هذه الشاكلة - والعياذ بالله - فهو على خطر عظيم، وشرٍّ جسيم، إذ يُفَرِّق بين كتاب الله عزوجل، وسنة نبيه ﷺ، مع أن الكلَّ من عنده سبحانه.
هذا، مع مخالفة أمره - سبحانه - باتباع نبيه في كل ما جاء به، والأخذ عنه؛ إذ قال سبحانه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] .
وقد وقفت على كلمات رائعة لابن القَيِّم - ﵀ - في هذا الخصوص، فمنها:
قال ﵀ - في بيان خطر هؤلاء الذين يتركون السنن إذا لم يكن لها نظير في القرآن، وذلك عند رَدِّهِ على من نازع في اعتداد المتوفى عنها زوجها في بيتها -:
_________________
(١) ١ أخرجه: أبو داود في سننه: (٥/١٢)؛ ٤٦٠٥ ك السنة، باب في لزوم السنة، وابن ماجه في المقدمة: (١/٦) ح١٣، باب تعظيم حديث رسول الله ﷺ. وصححه الشيخ الألباني كما في (تخريج المشكاة): (ح ١٦٢) .
[ ١ / ٣٣٠ ]
"بل غايتها - يعني هذه السنة - أن تكون بيانًا لحكم سَكَتَ عنه الكتابُ، ومثل هذا لا تُردُّ به السنن، وهذا الذي حَذَّرَ منه رسول الله ﷺ بعينه: أن تُتْرَك السنة إذا لم يكن لها نَظِيْرُ حُكْمِهَا في القرآنِ"١.
يشير - ﵀ - بذلك إلى الحديث الماضي ذكره.
ويقول - ﵀ - في مناسبة أخرى - مؤكدًا وجوبَ التسليم لحكم رسول الله ﷺ ولو خالفه من خالفه، وذلك عند رَدِّهِ على من عارض حديث الصيام عن الميت -: "ولا سبيل إلى مقابلته - يعني حديث رسول الله ﷺ - إلا بالسمع والطاعة والإذعان والقبول، وليس لنا بعده الخيرة، بل الخيرة كلُّ الخيرة في التسليم له والقولِ به، ولو خالفه مَنْ بين المشرقِ والمغرب"٢.
وقال - ﵀ - في خطبة (تهذيب السنن) ٣ محذرًا من ترك سنة النبي ﷺ لآراء الرجال: "فما ظَنُّ من اتَّخَذَ غير الرسول إمَامَه، ونَبَذَ سُنَّتَهُ وراء ظهرهِ وجعل خواطر الرجال وآراءها بين عينيه وأَمَامَهُ، فسيعلمُ يوم العرض: أي بضاعة أضاع، وعند الوزن: ماذا أحضر من الجواهر أو خُرْثِيِّ٤ المتاع".
_________________
(١) ١ زاد المعاد (٥/٦٩٢) . ٢ الروح: (ص١٨٣) . (١/٧) . ٤ الخُرْثِي: أردأ المتاع والغنائم، وهي سَقَطُ البيت من المتاع. (لسان العرب: ص١١٢٤ مادة: خرث) .
[ ١ / ٣٣١ ]
ونبَّه ابن القَيِّم - ﵀ - إلى ضرورة العمل بما صحَّ من حديثه ﷺ، وإن كثر المخالفون، فقال - في الرد على من قدم عمل أهل المدينة على السنن الثابتة -: "وإذا اختلف علماء المسلمين لم يكن عمل بعضهم حُجَّةً على بعض، وإنما الْحُجَّةُ اتباع السُّنَّةِ، ولا تترك السنة لكون عمل بعض المسلمين على خِلافِهَا، أو عمل بها غيرهم، ولو ساغ ترك السنة لعمل بعض الأمة على خلافها، لَتُرِكَتْ السنن وصارت تبعًا لغيرها.
والسنة هي العيار على العمل، وليس العمل عيارًا على السنة، ولم تُضْمن لنا العصمة - قط - في عمل مصر من الأمصار دون سائرها فمن كانت السنة معه فَعَمَلُهُ هو العمل المعتبر حقًا، فكيف تترك السنة المعصومة لعمل غير معصوم؟ "١.
وقال - ﵀ - في مدح أهل السنة، وبيان صفتهم: "والسنة أجَلُّ في صدورهم من أن يقدموا عليها: رأيا فقهيًا، أو بحثًا جدليًا، أو خيالًا صوفيًا، أو تناقضًا كلاميًا، أو قياسًا فلسفيًا، أو حكمًا سياسيًا".
ثم يقول: "فمن قَدَّم عليها شيئًا من ذلك: فبابُ الصواب عليه مسدود، وهو عن طريق الرشاد مصدودٌ"٢.
_________________
(١) ١ إعلام الموقعين: (٢/٣٨٠ - ٣٨١) . ٢ حادي الأرواح: (ص٣٠) .
[ ١ / ٣٣٢ ]
فهكذا يؤكد ابن القَيِّم - ﵀ - ضرورة التمسك بالسنة، وتقديمها على ما سواها، والتحاكم إليها عند التنازع لا إلى آراء الرجال. ويُحَذِّرُ كل التحذير من الإعراض عنها بدعوى عدم وجود حكمها في القرآن.
جـ - بَيَانُ فَضِيْلَةِ الإسنادِ، وأَهَمِّيَتِه فِي نَقْل الأحكامِ الشَّرعِيَّة وتوثيقها.
لقد اختص الله - سبحانه - أمة محمد ﷺ بهذه الخصِّيصة الفاضلة- وهي الإسناد - ومَيَّزَهَا بذلك على سائر الأمم.
روى الخطيب في (شرف أصحاب الحديث) ١ بسنده إلى محمد ابن حاتم بن المظفر، أنه قال: "إِنَّ اللهَ أَكْرَمَ هذه الأمة وشَرَّفَهَا وفَضَّلَهَا بالإسناد، وليس لأحد من الأمم كلها - قديمهم وحديثهم - إسنادٌ، وإنما هي صحفٌ في أيديهم، وقد خَلَطُوا بكتبهم أَخْبَارَهُم ".
وقال أبو علي الجياني: "خصَّ اللهُ هذه الأمةَ بثلاثةِ أشياء لم يُعطها مَنْ قبلها: الإسناد، والأنساب، والإعراب"٢.
وما هذه الفضيلة الغالية إلا من تمام نعمته - سبحانه - على هذه الأمة: حفظًا للرسالة الخاتمة، وصونًا لها عن عبث العابثين، لتقوم بها حجة الله على خلقه إلى قيام الساعة.
_________________
(١) (ص٤٠) . ٢ قواعد التحديث: (ص٢٠١) .
[ ١ / ٣٣٣ ]
إن الإسناد هو الطريق إلى تلقي الأحكام الشرعية عن سيد المرسلين، وقد أكد الأئمة - ﵏ - هذا المعنى، فكان مما نُقِلَ عنهم في ذلك:
ما رواه مسلم في مقدمة (صحيحه) ١، والترمذي في (العلل المفرد) ٢، والخطيب في (شرف أصحاب الحديث) ٣ بأسانيدهم إلى عبد الله بن المبارك ﵀، أنه قال: "الإسناد عندي من الدين، ولولا الإسناد لَقَالَ من شاء ما شاء".
وروى مسلم بإسناده إلى ابن المبارك - أيضًا - أنه قال: "بيننا وبين القوم القوائمُ"٤. يعني الإسناد.
وروى الخطيب بسنده إلى سفيان بن عيينة ﵀، أنه قال: "الإسناد سلاح المؤمن، فإذا لم يكن معه سلاح فبأي شيء يقاتل؟ "٥.
وقال الزهري - ﵀ - لإسحاق بن أبي فروة - وقد حَدَّثَ عنده بأحاديث لم يسندها -: "قَاتَلَكَ الله يا ابن أبي فروة، ما أجرأكَ على الله، لا تُسْنِدُ حديثك؟ تُحَدِّثُنا بأحاديث ليس لها خُطُمٌ ولا أَزِمَّةٌ"٦.
والأقوال في هذا المعنى كثيرة مشهورة.
_________________
(١) (١/٥) . (٥/٧٤٠) من جامع الترمذي. (ص٤١) . ٤ مقدمة صحيح مسلم: (١/٥) . ٥ شرف أصحاب الحديث: (ص٤٢) . ٦ معرفة علوم الحديث: (ص٦) .
[ ١ / ٣٣٤ ]
وتظهر أهمية الإسناد، والحرصُ على طلبه والسؤال عنه: في أنه وسيلة تمييز الأخبار، وتمحيص الآثار، فعن طريق النظر في الإسناد يُعْرَف الصحيح من الضعيف، ويُنفى الكذب عن حديث رسول الله ﷺ.
قال أبو عبد الله الحاكم: "فلولا الإسناد، وطلب هذه الطائفة له، وكثرة مواظبتهم على حفظه: لَدَرَسَ١ منار الإسلام، ولَتَمَكَّنَ أهلُ الإلْحَادِ والبدع فيه بوضع الأحاديث، وقلب الأسانيد؛ فإنَّ الأخبارَ إذا تَعَرَّت عن وجودِ الأسانيد فيها كانت بُتْرًا"٢.
وقد دلَّ صنيع ابن القَيِّم - ﵀ - وأقواله في أكثر من مناسبة على الاهتمام بأمر الإسناد، والتوقف عن قبول ما ليس له إسناد، فمن الأمثلة على ذلك:
قوله - ﵀ - في حديث مالك بن يَخامِر، عن النبي ﷺ مرسلًا: " اللهم صَلِّ على أبي بكر فإنه يحب الله ورسوله ": "لا عِلْمَ لنا بصحة هذا الحديث، ولم تذكروا إسنادَهُ لننظر فيه"٣.
وقال مرة في حديثٍ: "لم يُذكر لهذا الحديث إسناد فيُنْظَرَ فيه، وحديث لا يُعْلَمُ حالُهُ لا يُحْتَجُّ به"٤.
_________________
(١) ١ دَرَسَ المنزل دُرُوسًا: عَفَا وخفيت آثاره. (المصباح المنير: ١/١٩٢) . ٢ معرفة علوم الحديث: (ص٦) . والبُتْرُ: جمع أبتر، وهو المنقطع. ٣ جلاء الأفهام: (ص٢٦٩) . ٤ عدة الصابرين: (ص١٤٨) .
[ ١ / ٣٣٥ ]
وقال في حديث صفية في ولادته ﷺ مختونًا: "ليس له إسناد يُعرف به"١.
وقال - أيضًا - متعقبًا ابن عبد البر في حديث ذكره: "ولم يذكر له إسنادًا فينظر في إسناده"٢.
فهذه بعض أقوال ابن القَيِّم - ﵀ - في تأكيد أهمية الإسناد، وعدمِ قبولِ الحديث ما لم يُذكر إسناده؛ إذ إن قبوله متوقف على النظر في حال رواته كما تقدم.
وأما ما جاء عنه - ﵀ - من قوله في قصة إسلام غيلان بن سلمة وتحته عشر نسوة، وأمر النبي ﷺ له بإمساكٍ أربع منهن: "فشهرةُ القصةِ تُغني عن إسنادها"٣.
وقوله في الآثار المرويَّة عن عمر، وعلي، وعثمان - ﵃ - في جلد الشارب ثمانين: "وشهرتها تغني عن إسنادها"٤.
وقوله عن الشروط العُمَرِيَّة التي كتب بها إلى نصارى أهل الشام: "وشهرة هذه الشروط تغني عن إسنادها: فإن الأئمة تلقوها بالقبول، وذكروها في كتبهم، واحتجوا بها، ولم يزل ذكر الشروط العمرية على ألسنتهم وفي كتبهم، وقد أنفذها بعده الخلفاء وعملوا بموجبها"٥: فإن
_________________
(١) ١ تحفة المودود: (ص٢٠٣) . ٢ أحكام أهل الذمة: (٢/٦٤٠) . ٣ المصدر السابق: (١/٣٤٨) . ٤ إعلام الموقعين: (١/٢١١) . ٥ أحكام أهل الذمة: (٢/٣٦٣ - ٣٦٤) .
[ ١ / ٣٣٦ ]
مراده - ﵀ - بذلك: أن هذه الأحاديث والآثار وإن تكلم في أسانيدها، فإن شهرتها، وتلقى الأمة لها بالقبول، والعمل بمقتضاها يقتضي صحتها ولو كان إسنادها فيه ضعف.
وقد قرَّرَ ذلك كثير من أهل الشأن؛ فقال الحافظ ابن عبد البر - عند كلامه على حديث "البحر هو الطهور ماؤه" -: "وهذا الحديث لا يحتجُّ أهل الحديث بمثل إسناده، وهو عندي صحيحٌ؛ لأن العلماء تَلَقَّوهُ بالقبولِ له والعمل به، ولا يخالف في جملته أحد من الفقهاء"١.
وقال أيضًا في حديث جابر مرفوعًا: "الدينار أربعة وعشرون قيراطًا": "وفي قول جماعة العلماء، وإجماع الناس على معناه غنىً عن الإسناد فيه"٢.
وقال أبو إسحاق الإسفراييني: "تُعرف صحة الحديث: إذا اشتهر عند أئمة الحديث، بغير نكير منهم"٣.
وقال السيوطي: "قال بعضهم: يُحكم للحديث بالصحة إذا تلقاه الناس بالقبول، وإن لم يكن له إسناد صحيح"٤.
فهذا الذي عناه ابن القَيِّم - ﵀ - بما قال، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) ١ التمهيد: (١٦/٢١٨ - ٢١٩) . وانظر: الاستذكار: (١/١٩٨) . ٢ تدريب الراوي: (١/٦٧) . ٣ المصدر السابق. ٤ المصدر السابق.
[ ١ / ٣٣٧ ]
الفصل الأول: آراء ابن القَيِّم وإفاداته في مسائل مصطلح الحديث
لقد تتبعت من كلام ابن القَيِّم - ﵀ - جملًا كثيرةً وحروفًا بارزة يظهر من مجموعها أنه معدود بحق من الأئمة المعنيين بهذا الشأن الْمُبَرِّزَين فيه.
وقد صنفت تلك النصوص بحيث تدخل تحت سبعة عشر بابًا من أبواب علوم الحديث، وسأذكرها مرتبة ضمن مباحث هذا الفصل.
على أنه تجدر الإشارة هنا إلى أن العلاَّمة ابن القَيِّم ﵀ في حديثه عن هذه الأنواع لم يكن بصدد وضع حدود وتعريفات في هذا الفن، إنما كانت الشواهد في ذلك والنصوص تأتي عرضًا:
إما ضمن مناقشة لخصم، أو ردٍّ على مخالف، أو تأييد اختيار له، فيأتي كلامه في ذلك حسبما يقتضيه الحال ويستدعيه المقام، ولا يعدم الناظر فيها أن يراها نُكَتًا نفيسةً وتعليقات طريفة، وإن كانت لم يُقصد بها الإحاطة بما يتصل بها ولا التقصي له.
وفيما يلي تعداد هذه الأنواع، كل نوع في مبحث، ثم كلامه - ﵀ - في كل نوع منها، يتخلل ذلك تعليقات مختصرة، وبيان لآراء الأئمة وأقوالهم في كل نوع منها:
[ ١ / ٣٤١ ]
المبحث الأول: أقسام الخبر.
المبحث الثاني: الحديث الصحيح.
المبحث الثالث: الحديث الحسن.
المبحث الرابع: المرفوع والموقوف.
المبحث الخامس: المرسل.
المبحث السادس: تعارض الوصل والإرسال، أو الوقف والرفع.
المبحث السابع: المنقطع
المبحث الثامن: التدليس وحكم المدلس.
المبحث التاسع: الشاذ.
المبحث العاشر: معرفة الاعتبار والمتابعات والشواهد.
المبحث الحادي عشر: الموضوع.
المبحث الثاني عشر: معرفة صفة من تقبل روايته من تردُّ.
المبحث الثالث عشر: رواية المجهول.
المبحث الرابع عشر: كيفية سماع الحديث وتحمله.
المبحث الخامس عشر: ناسخ الحديث ومنسوخه.
المبحث السادس عشر: مختلف الحديث.
المبحث السابع عشر: معرفة من اختلط من الرواة الثقات.
[ ١ / ٣٤٢ ]
المبحث الأول: أقسام الخبر
الخبر: عند علماء هذا الفن مرادف للحديث.
وقيل: الحديث ما جاء عن النبي ﷺ، والخبر ما جاء عن غيره.
وقيل: بينهما عموم وخصوص مطلق، فكل حديث خبر من غير عكس١.
وعلى هذا القول الأخير: فإن الخبر أعمُّ من الحديث، من جهة شمول الخبر للمرفوع والموقوف، واختصاص الحديث بالمرفوع فقط.
أقسام الخبر باعتبار وصوله إلينا:
ينقسم الخبر باعتبار وصوله ونقله إلينا إلى قسمين:
١- متواتر.
٢- وآحاد.
فالمتواتر:
"هو ما نقله من يحصلُ العلمُ بصدقهم ضرورةً، عن مثلهم، من أوله إلى آخره". قاله النووي٢ ﵀.
وله شروط أربعة، ذكرها الحافظ ابن حجر ﵀، وهي:
١- أن يرويه عدد كثير، ولا تنحصر هذه الكثرة في عدد معين على الصحيح، وإنما يُشترط أن تبلغ هذه الكثرة مبلغًا بحيث:
_________________
(١) ١ نزهة النظر: (ص١٨ - ١٩) . ٢ التقريب: (ص٣١) .
[ ١ / ٣٤٣ ]
٢- تُحيل العادة تواطؤهم على الكذب، وأن يقع ذلك منهم اتفاقًا من غير قصد.
٣- وأن يستوي الأمر في هذه الكثرة من ابتدائه إلى انتهائه، فتكون الكثرة في جميع طبقات السند.
٤- وأن يكون مستند إخبارهم الحسُّ: كمشاهدة أو سماع، لا ما يثبت بقضية العقل الصرف.
فمتى توافرت في الخبر هذه الشروط، وانضاف إلى ذلك: أن يصحبَ خبرهم إفادة العلم لسامعه، كان الخبر متواترًا١.
واتفقوا على إفادة المتواتر العلم اليقيني إذا اجتمعت فيه هذه الشروط، قال الحافظ ابن حجر - ﵀ - في صفة المتواتر: " المفيد للعلم اليقيني بشروطه"٢. وقال الشيخ أحمد شاكر: "أما الحديث المتواتر : فإنه قطعي الثبوت، لا خلاف في هذا بين أهل العلم"٣.
رأي ابن القَيِّم وإفادته في هذه المسألة:
تناول ابن القَيِّم - ﵀ - هذه المسألة على النحو التالي:
أما الحديث المتواتر:
فقد ذكر أن المتواتر ينقسم إلى قسمين:
_________________
(١) ١ نزهة النظر: (ص١٩ - ٢١) . ٢ نخبة الفكر: (ص١٨) . ٣ الباعث الحثيث: (ص٣٥) .
[ ١ / ٣٤٤ ]
١- متواتر لفظًا ومعنىً.
٢- متواتر معنى، وإن لم يتواتر لفظه١.
وبيان ذلك: أن الأخبار إذا اتفقت على معنى كُلِّي مشترك بينها، دون اتفاق ألفاظها، سُمّيَ ذلك: تواترًا معنويًا، كوقائع عمر ﵁ في عدله، وعلي في حروبه، وأبي ذر في زهده؛ فإنها اتفقت على معنى كُلِّي، وهو القدر المشترك بين تلك الوقائع، وهو: شجاعة علي، وعدل عمر، وزهد أبي ذر ﵃.
فإن اتفقت - مع ذلك - ألفاظُ هذه الأخبار: كان متواترًا لفظًا ومعنىً٢.
هذا فيما يتعلق بتقسيم الخبر المتواتر.
وقد أشار ابن القَيِّم - ﵀ - إلى الشروط التي يحكم للخبر بمقتضاها بأنه متواتر، فقال:
"كالأخبار الواردة في عذاب القبر، والشفاعة، والحوض، ورؤية الرب تعالى، وتكليمه عباده يوم القيامة ونحو ذلك:
- مما يُعلم بالاضطرار أن الرسول ﷺ جاء بها فإنه ما من باب من هذه الأبواب، إلا وقد تواتر فيها المعنى المقصود عن النبي ﷺ تواترًا معنويًا:
_________________
(١) ١ مختصر الصواعق: (٢/٣٥٥، ٣٥٦) . طبعة / دار الفكر. ٢ انظر: نظم المتناثر: (ص٩) .
[ ١ / ٣٤٥ ]
-لنقل ذلك عنه بعبارات متنوعة، من وجوه متعددة.
- يمتنع في مثلها - في العادة - التواطؤ على الكذب عمدًا أو سهوًا"١.
فأشار بذلك - ﵀ - إلى أنه:
١- يرويه جمع كثير (من وجوه متعددة) .
٢- تحيل العادة تواطؤهم على الكذب.
٣- ويحصل به - مع ذلك - العلم الضروري لسامعه.
وقد نصَّ في أثناء كلامه على أن هذا من قبيل التواتر المعنوي، وذلك منطبق على الأمثلة التي ساقها.
ثم انتقل - ﵀ - إلى الكلام عن إفادة هذه الأخبار العلم اليقيني، فقال:
"وإذا كانت العادة العامة والخاصة المعهودة من حال سلف الأمة وخلفها، تمنع التواطؤ على الاتفاق على الكذب وتمنع العادة وقوع الغلط فيها: أفادت العلم اليقيني"٢.
هذا فيما يتعلق بالمتواتر.
وأما خبر الآحاد:
لغة: ما يرويه شخص واحد.
_________________
(١) ١ مختصر الصواعق: (٢/٣٥٦) . ٢ مختصر الصواعق: (٢/٣٥٦) .
[ ١ / ٣٤٦ ]
واصطلاحًا: ما لم يجمع شروط المتواتر١.
وينقسم الآحاد إلى: مشهور، وعزيز، وغريب.
- فالمشهور: هو ما له طرق محصورة بأكثر من اثنين، وهو "المستفيض" على رأي.
- والعزيز: هو ما رواه اثنان عن اثنين في كل طبقة من طبقاته، وسمي بذلك: إما لقلة وجوده، وإما لقوته بمجيئه من طريق أخرى.
- والغريب: هو ما انفرد بروايته شخص واحد، في أي موضع وقع التفرد من السند٢.
وخبر الآحاد يقع فيه المقبول والمردود، بخلاف المتواتر فإنه مقبول كله، لإفادة القطع بصدق مخبره٣.
إفادة أخبار الآحاد العلم:
جمهور أهل الحديث، وجمهور أهل الظاهر، وغيرهم: على أن خبر الآحاد يفيد العلم.
وخالف في ذلك: أهل الكلام، وأكثر المتأخرين من الفقهاء، وجماعة من أهل الحديث، فقالوا: لا يوجب العلم.
وقد نقل ابن القَيِّم - ﵀ - عن جماعة كثيرين - منهم:
_________________
(١) ١ نزهة النظر: (٢٥– ٢٦) . ٢ نزهة النظر: (ص ٢٣– ٢٥) . ٣ نزهة النظر: (ص ٢٦) .
[ ١ / ٣٤٧ ]
الشافعي، وابن حزم، وأبو المظفر السمعاني، وشيخ الإسلام بن تَيْمِيَّة - كلامًا طويلًا نافعًا في إثبات إفادة خبر الواحد للعلم١.
وانحصر كلام ابن القَيِّم - ﵀ - في هذا الصدد على إفادة خبر الواحد العلم إذا:
- كان صحيحًا، ورواه الثقات العدول، دون المردود.
- وكان مما تلقته الأمة بالقبول.
قال ﵀ - عند تناوله أقسام الخبر-: " أخبار آحاد مروية بنقل العدل الضابط، عن العدل الضابط، عن مثله، حتى تنتهي إلى رسول الله ﷺ"٢.
وقال مرة: "وكلامنا في أخبار:
- تلقيت بالقبول،
- واشتهرت في الأمة،
- وصرَّح بها الواحد بحضرة الجمع ولم ينكره منهم واحد"٣.
وقال ﵀ - عقب نقله كلام ابن حزم في إفادة خبر الواحد العلم -: "وهذا الذي قاله أبو محمد حقٌّ في الخبر الذي تلقته الأمة بالقبول: عملًا واعتقادًا، دون الغريب الذي لم يُعرف تلقي الأمة له بالقبول"٤.
_________________
(١) ١ مختصر الصواعق: (٢/٣٦٠ - ٤١٢) . ٢ المصدر السابق: (٢/٣٥٦) . ٣ المصدر السابق: (٢/٣٦٥) . ٤ المصدر السابق: (٢/٣٨٩) .
[ ١ / ٣٤٨ ]
فابن القَيِّم - ﵀ - يرى أن تلقي الأمة للخبر بالقبول: من أقوى القرائن التي تدل على إفادته العلم١.
ولقد سبق ابنُ الصلاح ابنَ القَيِّم إلى القول بذلك فيما تلقته الأمة بالقبول، لكنه خصَّ ذلك بأحاديث الصحيحين٢.
ويُنَبِّه ابن القَيِّم - ﵀ - إلى أنه: ليس كل خبر من أخبار الآحاد يفيد العلم، كما لا يجوز القطع بأن أخبار الآحاد كلها لا تفيد علمًا، وإنما ذلك بحسب الدليل القائم بكل خبر:
- فإن قام دليل كذب الخبر، جُزِمَ بكذبه.
- وإن كان دليل كذبه ظَنِّيًّا، فإنه يُظَن كذبه.
- وإذا لم يقم دليل أحدهما، تُوقف في الخبر.
- وإن قام دليل صدقه جُزِم بصدقه.
- وقد يترجحُ صدقه دون جزم بذلك.
ويرتكز ابن القَيِّم - ﵀ - في القول بوجوب إفادة خبر الآحاد العلم على حقيقة ثابتة، وهي: أنه إذا حَدَثَ وهمٌ أو خطأٌ أو كذب في الخبر، فلابد من قيام الدليل على ذلك، فيقول: "وسر المسألة: أن خبر العدول الثقات، الذي أوجب الله تعالى على المسلمين العمل به: هل يجوز أن يكون في نفس الأمر كذبًا أو خطأً ولا يَنْصِبُ الله - تعالى - دليلًا على ذلك؟
_________________
(١) ١ مختصر الصواعق المرسلة: (٢/٣٩٤) . ٢ مقدمة ابن الصلاح: (ص ١٤– ١٥) .
[ ١ / ٣٤٩ ]
فمن قال إنه يوجب العلم يقول: لا يجوز ذلك، بل متى وُجدت الشروط الموجبة للعمل به، وجب ثبوت صدق مخبره في نفس الأمر"١.
وقد تقدم بيان أن من تمام حفظ الله - سبحانه - لهذا الدين: أن يقَيِّم الدليل على الخطأ والكذب إذا وقعا في الخبر.
الأدلة على إفادة خبر الواحد العلم:
ثم عقد ابن القَيِّم - ﵀ - فصلًا في سياق الأدلة على إفادة خبر الواحد العلم، فسرد من ذلك جملة كبيرة، فمن ذلك:
١- أن المسلمين لما أخبرهم مُخْبِرٌ - وهم بقباء في صلاة الصبح - أن القبلة قد حُوِّلت إلى الكعبة، قَبِلُوا خبره، وعملوا به، ولم يُنْكِر عليهم رسول الله ﷺ، فلولا حصول العلم لهم بخبر الواحد لم يتركوا المقطوع به - وهو قبلتهم الأولى - لخبر لا يفيد العلم.
٢- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦] . وفي قراءة: (فتثبتوا) . فهذه الآية دليل على الجزم بقبول خبر الواحد العدل، وأنه لا يحتاج إلى التثبت.
٣- أن الله - سبحانه - قد أمر نبيه بالبلاغ، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧] . فلو كان خبر الواحد لا يحصل به العلم، لم يقع به التبليغ الذي تقوم به الحجة على
_________________
(١) ١ مختصر الصواعق: (٢/٣٧٠) .
[ ١ / ٣٥٠ ]
العباد؛ إذ إن إرسال عدد التواتر إلى الناس جميعًا متعذر، وكذلك مشافهة النبي ﷺ لكل أحد.
فقد قامت حجة الله على العباد بما بلَّغَ الثقات من أقواله وأفعاله ﷺ.
٤- أن هؤلاء المُنْكرين لإفادة خبر الواحد العلم يشهدون شهادة قاطعة على أئمتهم بمذاهبهم وأقوالهم، ومعلوم أن تلك المذاهب لم يَرْوِها عنهم عدد التواتر بحال، فكيف يحصل لهم العلم بأقوال أئمتهم بخبر الواحد، ولا يحصل لهم ذلك بما أخبر به الصحابة عن النبي ﷺ، مع انتشاره في الأمة وتعدد طرقه؟
٥- ما تقدمت الإشارة إليه: من أنَّ كلَّ ما حَكَمَ به رسول الله ﷺ وَقَالَهُ، فهو من الذكر الذي تَكَفَّلَ الله - سبحانه - بحفظه، فلو جاز على حُكمه الغلط والسهو والكذب من الرواة، ولم يقم دليل على ذلك، لسقطَ حكم ضمان الله وحفظه لهذا الذكر، وهذا من أعظم الباطل.
إلى غير ذلك من الأدلة القوية المفحمة التي ساقها - ﵀ - في هذا المقام، والتي أوصلها إلى واحد وعشرين دليلًا١.
حُجِّية خبر الواحد في العقائد والأحكام:
إن الذين قالوا بأن أخبار الآحاد لا تفيد علمًا، رَتَّبوا على ذلك أمورًا، منها قولهم: إن هذا النوع من الأخبار يُحْتَجُّ به في الأحكام دون العقائد؛ إذ إنها لا تفيد عندهم إلا الظن.
_________________
(١) ١ تنظر هذه الأدلة في "مختصر الصواعق": (٢/٣٩٤ - ٤٠٥) .
[ ١ / ٣٥١ ]
قال ابن القَيِّم ﵀ مخبرًا عن هؤلاء: "وطائفة أخرى ردت أحاديث رسول الله ﷺ إذا كانت في باب الصِّفَات، وقَبِلَتْهَا إذا كانت في باب الأحكام والزهد والرقائق ونحوها.
وهؤلاء طوائفُ من أهلِ الكلامِ الْمُبْتَدعِ المذموم "١.
ثم بَيَّنَ - ﵀ - صواب اعتقاد أهل السنة في هذا الباب، وفساد مذهب من سواهم: فقال: "وأهلُ الحديثِ والسُّنَّة يَحْتَجُّون بهذه الأخبار في مسائل الصفات والقَدَرِ، والأسماء، والأحكام، ولم ينقل عن أحدٍ منهم البتة أنه جوَّزَ الاحتجاج بها في مسائل الأحكام دون الإخبار عن الله وأسمائه وصفاته، فأين سلفُ الْمُفَرِّقِين بين البابين؟ نعم، سلفهم بعض متأخري المتكلمين الذين لا عناية لهم بما جاء عن الله ورسوله وأصحابه فهم الذين يُعْرَفُ عنهم التفريق بين الأمرين، فإنهم قَسَّمُوا الدين إلى مسائل علمية، وعملية، وسموها: أصولًا، وفروعًا "٢.
وقال مرة: "فإن الذين نقلوا هذه - يعني أحاديث الأحكام - هم الذين نقلوا أحاديث الصفات، فإن جازَ عليهم الخطأ والكذب في نقلها، جاز عليهم ذلك في نقل غيرها مما ذكرناه، وحينئذ: لا وثوق لنا
_________________
(١) ١ مختصر الصواعق: (٢/٤٤٤) . ٢ المصدر السابق: (٢/٤١٢- ٤١٣) .
[ ١ / ٣٥٢ ]
بشيء نُقِلَ لنا عن نبينا ﷺ، وهذا انسلاخ من الدين والعلم والعقل"١.
فتلخص من ذلك: أن ابن القَيِّم - ﵀ - قد أقام الأدلة الواضحةَ القوية على زيف قول من قال: إن أخبار الآحاد لا تفيد علمًا، كما بين فساد قولهم بأن أخبار الآحاد لا يُحْتَجُّ بها في العقيدة؛ إذ لا فرق بين العقيدة وغيرها من أمور الدين في ذلك كما هي عقيدة أهل السنة في هذا الباب، والله أعلم.
_________________
(١) ١ مختصر الصواعق: (٢/٤٣٣ - ٤٣٤) .
[ ١ / ٣٥٣ ]