المبحث الأول: اسمه، ونسبه، ومولده
١- اسمه، ونسبه، وكنيته، ولقبه:
هو: محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد بن حَرِيز، الزُّرَعِي الأصل، ثم الدمشقي، الحنبلي، المشهور بابن قَيِّم الجوزية، شمس الدين، أبو عبد الله.
وقد اتفقت أكثر المصادر على الوصول إلى جده الثالث (حريز) ١، بينما وقف بعضها عند جده الأول (أيوب) ٢.
وقد زاد الشيخ بكر أبو زيد في اسمه جَدًّا رابعًا، فقال: " ابن حريز بن مكي زين الدين". وذكر الشيخ أنه قد تحصل له ذلك من ترجمة أخي ابن القَيِّم عبد الرحمن في (الدرر الكامنة)، حيث زاد فيه هذه الزيادة٣.
وأما أبوه: فالجميع ذكروا أنه (أبو بكر)، لم يسمه أحد بغير ذلك، فعلى هذا تكون كنيته اسمه. ويؤكد ذلك: أن ابن القَيِّم نفسه في
_________________
(١) ١ انظر: الوافي بالوفيات: (٢/٢٧٠)، والذيل على طبقات الحنابلة: (٢/٤٤٧)، والرد الوافر: (ص٦٨)، والدرر الكامنة: (٤/٢١) . ٢ انظر: المعجم المختص: (ص٢٦٩)، والبداية والنهاية: (١٤/٢٤٦)، والنجوم الزاهرة: (١٠/٢٤٩) . ٣ ابن قَيِّم الجوزية - حياته وآثاره: (ص ٧ - ٨) . وانظر الدرر الكامنة: (٢/٤٣٤) .
[ ١ / ٨١ ]
قصيدته الميمية في التضرع١لم يسم أباه إلا بأبي بكر، بل كان يكتب ذلك بخطه٢.
وأما ضبط (حريز) - جده الأعلى-: فقد استظهر الشيخ بكر أبو زيد أنه: بفتح الحاء وكسر الراء المهملتين، وبعدهما ياء منقوطة باثنتين من تحت، ثم الزاي المعجمة في آخره، على وزن (فَعِيل)، وأن هذا الضبط هو الأكثر والأشهر على ألسنة أهل العلم٣.
وأما (الزُّرَعِيُّ): فنسبة إلى قرية (زرع) وقد ذكر ياقوت في (معجم البلدان) ٤ - نقلًا عن أبي القاسم الدمشقي-: أنها كانت تسمى (زُرَّا)، فقال: "علي بن الحسين. .. الزُّرِّي الإمام، من أهل زُرَّا، التي تدعى اليوم: زرع، من حوران"٥.
فَعُلِم من ذلك: أنها كانت في القديم تعرف بـ (زُرَّا) وكانت النسبة إليها: الزُّرِّي، ثم عرفت بعد بـ (زُرَع) فصار المنسوب إليها يقال له: (الزُّرَعِيُّ) .
_________________
(١) ١ انظر أبياتًا منها: (ص ١١٠) . ٢ انظر: صورة خطه في مقدمة (روضة المحبين) بتحقيق الأستاذ أحمد عبيد: ص/ض. ٣ ابن قَيِّم الجوزية - حياته وآثاره: (ص٧) . (٣/١٣٥) . ٥ كورة واسعة من أعمال دمشق من جهة القبلة، ذات قرى كثيرة ومزارع، وتقع حوران في جنوبي دمشق، وهي المعروفة الآن بمحافظتي: درعا، والسويداء. معجم البلدان: (٢/٣١٧)، ومعالم وأعلام في بلاد العرب: (١/٣٥١) .
[ ١ / ٨٢ ]
وأفاد الدكتور أحمد عبيد: أن (زرع) هذه هي التي تعرف اليوم بـ (إِزْرَع) ١. ويوافق الأستاذ أحمد قدامة الأستاذ أحمد عبيد على ذلك، ويزيد الأمر إيضاحًا، فيقول عند كلامه على (إزرع): "بلدة في محافظة درعا٢، هي مركز منطقة إزرع، ومركز الناحية، تبعد عن درعا ٣٢كم، وعن دمشق ٩٦كم، كانت قديمًا تسمَّى: (زرافة) ثم: (زرع) . سكانها: ٣٢٢٦ نسمة"٣.
فتلخص من ذلك كله: أن هذه القرية التي ينسب إليها ابن القَيِّم: كانت قديمًا تسمى: (زرا) - وزرافة على كلام الأستاذ أحمد قدامة - ثم عرفت بعد بـ (زرع)، ثم أصبحت الآن عند العوام: (إِزْرَع) .
ولكن المؤكد عندنا: أنها في أيام ابن القَيِّم - ﵀ - وإلى آخر حياته لم تكن تعرف إلا بـ (زرع)؛ فقد ذكر ابن كثير -﵀– في أحداث سنة (٧٤٨هـ): أنه نزل المطر، وامتلأت الأودية والغدران، "وامتلأت بركة زرع بعد أن لم يكن فيها قطرة"٤. كما أن جماعة كثيرين من أهل العلم قد عرفوا بهذه النسبة في عصر ابن القَيِّم وأيامه٥.
وقد وقعت زيادة في نسبته، وذلك في ترجمة أخيه عبد الرحمن، حيث قال صاحب (الجوهر المنضد) ٦: " ابن أيوب بن سعد بن حريز اليمامي، الزُّرَعِي، ثم الدمشقي".
_________________
(١) ١ مقدمة (روضة المحبين): (ص/ع) . ٢ راجع الكلام الماضي قبل قليل عن (حوران) . ٣ معالم وأعلام في بلاد العرب: (١/٢٩) . ٤ البداية والنهاية: (١٤/٢٣٦) . ٥ انظر مثلًا: البداية والنهاية: (١٤/١٢٨، ١٢٩، ٢٢٤، ٢٢٥) . (ص ٥٧) .
[ ١ / ٨٣ ]
ولم أر أحدًا من الذين ترجموا له ذكر في نسبته (اليمامي".
وأما شهرته - ﵀ - بابن قَيِّم الجوزية: فقد أجمعت على هذه الشهرة كل المصادر التي ترجمته، وبها عُرِف بين أهل العلم قديمًا وحديثًا.
وأما عن سبب هذه الشهرة وأصلها: فلأن والده كان قَيِّمًا١ على المدرسة (الجوزية) ٢ التي كان ابن القَيِّم إمامها.
ومع أن وظيفة القِوامة في (المدرسة الجوزية) لم تكن حكرًا على أبي بكر - والد ابن القَيِّم - وحده، بل لا بد أن يكون قد تولاها غيره - إما قبله أو بعده - إلا أن الواضح: أن والد ابن القَيِّم كان أشهر من تولى هذا المنصب، فصار هو المراد عندما يقال: (قيم الجوزية)، وغلبت - بالتالي - هذه الشهرة على ابنه، حتى صار لا يُعرف إلا بها. وقد يكون الأب اكتسب هذه الشهرة بسبب شهرة ابنه شمس الدين، الذي ذاع صيته آنذاك.
وهذا كثير عند أهل العلم، ينسبون الرجل إلى وظيفة أو صنعة أبيه أو جَدِّه، كما كان الحافظ الذهبي - ﵀ - يعرف بـ (ابن الذهبي) نسبة إلى صنعة الذهب التي مارسها أبوه٣.
_________________
(١) ١ القيِّمُ: السيد وسَائِسُ الأمر. (لسان العرب ص: ٣٧٨٤، مادة: قوم) . فالمعنى: المسؤول عن المدرسة، والقائم بتدبير أمورها. ٢ وتقدم الكلام عليها: (ص ٧٠) . ٣ انظر: الذهبي ومنهجه في تاريخ الإسلام: (ص٧٩) .
[ ١ / ٨٤ ]
والمشهور الآن بين أهل العلم وطلابه، وأكثر الناس قولهم: (ابن القَيِّم) بحذف المضاف إليه اختصارًا وجعل (ال) عوضًا عنه، وهذا الاختصار لا مانع منه؛ فقد صار هو المقصود عند الإطلاق لشهرته، ومع ذلك ينبغي التنبه من التباسه بغيره، فقد وقع في ترجمة محمد بن رافع السلامي - صاحب (الوفيات)، المتوفى سنة ٧٧٤هـ -: أنه سمع من ابن القَيِّم١، هكذا بدون إضافة، ومع ذلك فليس هو ابن قَيِّم الجوزية الذي نترجم له، وإنما هو: علي بن عيسى بن سليمان بن رمضان، الثعلبي، المصري، الشافعي، بهاء الدين، أبو الحسن، مولده ٦١٣هـ. تَفَرَّد بالرواية عن الفخر الفارسي، وليَ نظر الأوقاف، وكان ديِّنًَا، خيِّرًا، متواضعًا. توفي سنة ٧١٠هـ٢.
فإذا قيل: إن ابن رافع سمع من ابن القَيِّم، توهم من لم يمعن النظر أنه ابن قَيِّم الجوزية، وبخاصة أن ابن رافع دخل دمشق مرارًا، وأخذ عن جماعة هم في طبقة ابن قَيِّم الجوزية، فاحتمال التباسه غير بعيد، ولذا أردت التنبيه، والله أعلم.
ومما ينبغي التنبيه عليه أيضًا: ما يسمع على ألسنة البعض من قولهم: (ابن القَيِّم الجوزية) بالجمع بين (أل) والإضافة، ومعلوم أنهما لا يجتمعان في التعريف.
_________________
(١) ١ الوافي بالوفيات: (٣/٦٨)، وذيل التذكرة - للحسيني: (ص٥٣)، والرد الوافر: (ص٤٣) . ٢ له ترجمة في: ذيل العبر - للذهبي: (ص٢٦)، والدرر الكامنة: (٣/١٦٤-١٦٥) . وقد كان أبو هـ قَيِّم قُبَّة الشافعي، كما أفاده الذهبي ﵀. (معجم الشيوخ: ٢/٣٨) .
[ ١ / ٨٥ ]
كنيته:
اتفق كل من ذكر كنيته من مترجميه على أنها (أبو عبد الله)، وذلك تكنية له باسم ولده عبد الله، وهو أصغر ولديه كما سيأتي في ترجمته.
لقبه:
واتفقت مصادر ترجمته - أيضًا - على تلقيبه بـ (شمس الدين)، ولقبه السيوطي بـ (الشمس) ١، بجعل (ال) عوضًا عن المضاف إليه، ومنه قولهم: (التقى ابن تَيْمِيَّة والشهاب ابن حجر)، أي: تقي الدين وشهاب الدين.
وقد كانت هذه الألقاب وأمثالها منتشرة بين أهل العلم في عصره ﵀، وربما لقبه بذلك أبوه - أو غيره - تفاؤلًا بأن ينفع الله به، وأن يجعله من العلماء العاملين، الذين تضيء آثارهم طريق العباد هداية ونورًا، فجاء اللقب - بتوفيق الله - مطابقًا للحقيقة، وانتفع القاصي والداني بأنوار علومه، وكان - بحق - شمسًا بين أقرانه، نفع الله به البلاد والعباد.
٢- مولده:
اتفقت الكتب التي ترجمت لابن القَيِّم - ﵀ - على أن مولده كان في سنة إحدى وتسعين وستمائة (٦٩١هـ) .
_________________
(١) ١ بغية الوعاة: (١/٦٢) .
[ ١ / ٨٦ ]
وذكر الصَّفَدِي - من بينهم - يوم ولادته وشهرها، فقال: "مولده سابع صفر سنة إحدى وتسعين وستمائة"١. وتابعه على ذلك: السيوطي٢، ثم الداودي٣.
أما عن مكان ولادته: فلم ينص أحد ممن ترجم له على ذلك، وقد تقدم أنه منسوب إلى (زرع) أولًا، ثم (دمشق) ثانيًا، فقال ابن ناصر الدين ﵀: " الزرعي الأصل، ثم الدمشقي"٤. فهل يعني ذلك أنه ولد في (زرع)، ثم انتقل إلى دمشق؟ أم أن الانتقال حصل لأبيه أو أحد أجداده، وأن مولده كان في دمشق؟ كلا الأمرين محتمل، وعلى كلٍّ فإن الأمر في ذلك سهل؛ إذ إن مكان ولادته لا يخرج عن أحدهما.
ثم رأيت بعد ذلك الأستاذ أحمد قدامة يجزم بأنه مولود في دمشق٥، فالله أعلم.
_________________
(١) ١ الوافي بالوفيات: (٢/٢٧٠) . ٢ بغية الوعاة: (١/٦٢) . ٣ طبقات المفسرين: (٢/٩١) . ٤ الرد الوافر: (ص٦٨) . ٥ معالم وأعلام في بلاد العرب: (١/٢٦٧) .
[ ١ / ٨٧ ]