الفصل الثالث: منهج ابن القَيِّم في تخريج الحديث والحكم عليه
والمقصود في هذا الفصل: بيان المنهج الذي سلكه ابن القَيِّم في الحكم على الأحاديث، وبيان درجتها: من الصحة، أو الضعف، أو غيرهما، وما يلتحق بذلك من الكلام على منهجه في بيان العلل.
وذلك كله من خلال ما وقفت عليه من كلامه على الأحاديث في كتبه المختلفة.
ويسبق ذلك: الكلام على منهجه في تخريج الأحاديث وعزوها.
وقد جعلت هذا الفصل في مبحثين:
المبحث الأول: منهج ابن القَيِّم في تخريج الحديث وعزوه.
المبحث الثاني: منهجه في الحكم على الحديث.
[ ٢ / ٧ ]
المبحث الأول: منهجه في تخريج الحديث وعزوه
لما كانت العلاقة وثيقة بين التخريج وبين التوصل إلى الحكم على الحديث، رأيت أن يكون الكلام على التخريج، ومنهج ابن القَيِّم في ذلك أول مباحث هذا الفصل، وذلك كالتمهيد للكلام على الحكم على الحديث إن شاء الله.
والمراد بالتخريج هنا: عزو الحديث إلى مصادره الأصلية - التي جمعها أصحابها بأسانيدها - والدلالة على موضعه فيها، مع بيان درجته عند الحاجة١.
فيكون المقصود من التخريج بهذا المعنى: التوصل إلى الحكم على الحديث، وبيان درجته من الصحة أو الضعف؛ إذ عن طريق التخريج يمكن للباحث الوقوف على طرق الحديث وجمع أسانيده، ومن ثَمَّ دراسة هذه الطرق والحكم من خلالها على الحديث وبيان حاله، مع ما في ذلك من فائدة الوقوف على شواهد الحديث ومتابعاته، فقد يرتقي بها الحديث من حال الضعف إلى حال القوة والاحتجاج.
ولقد قام ابن القَيِّم - ﵀ - بمهمة التخريج للأحاديث التي أوردها في كتبه، وخلال أبحاثه المختلفة على خير وجه، واعتنى بذلك عناية فائقة، وتنوع أسلوبه في ذلك تبعًا لظروف كل بحث.
وفيما يلي ذكر منهجه في التخريج على وجه الإجمال:
_________________
(١) ١ انظر (أصول التخريج) للدكتور/ محمود الطحان: (ص ١٢- ١٣)، و(دراسات في علوم الحديث) للدكتور/ عجمي دمنهوري: (ص ٧٢-٧٣) .
[ ٢ / ٩ ]
أولًا: إذا كان الحديث في الصحيحين أو أحدهما، فإن ابن القَيِّم - في الغالب - يكتفي بالعزو إليهما، ولا يتعداهما إلى غيرهما إلا في القليل النادر، كأن يحتاج إلى التنبيه على فائدة زائدة وليست عندهما.
- ففي حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ، أنه قال: "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاس حَتَّى يَقُولُوا: لا إله إلا الله " قال: "رواه البخاري ومسلم"١. والحديث مخرج في: سنن أبي داود، والترمذي، والنسائي٢.
- وقال في حديث ابن مسعود ﵁، عن النبي ﷺ: "لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مسلم، يَشْهَدُ ألا إله إلا الله، وَأَنِّي رَسُولُ الله إلا بِإِحدى ثلاث ": "أخرجاه في الصحيحين"٣. والحديث مَخَرَّجٌ أيضًا: عند النسائي وابن ماجه٤، وغيرهما.
- وَخَرَّجَ حديث علي ﵁ في "النهي عن لباس المعصفر" من (صحيح مسلم) وحده٥. والحديث أخرجه أيضًا: أبو داود والنسائي٦.
- وعزا حديث أم سلمة ﵂ "في القسم للبكر والثيب" لمسلم وحده٧.
_________________
(١) ١ الصلاة: (ص ١٧) . ٢ د: (٣/١٠١) ح ٢٦٤٠، ت: (٥/٣) ح٢٦٠٦، س (٥/ ١٤) . ٣ الصلاة: (ص ١٧) . ٤ س: (٧/٩٠)، جه: (٢/٨٤٧) ح ٢٥٣٤. ٥ زاد المعاد: (١/١٣٨) . ٦ د: (٤/٣٢٢) ح ٤٠٤٤، س: (٨/٢٠٤) . ٧ زاد المعاد: (٥/ ١٤٩) .
[ ٢ / ١٠ ]
والحديث أخرجه: مالك، وأبو داود١.
- وقال: "وفي الصحيحين عن عائشة ﵂، أن رسول الله ﷺ قال: "مَنْ مَاتَ وَعَلَيهِ صِيامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ" ٢. والحديث مُخَرَّج: عند أبي داود، وأحمد٣ وغيرهما.
والأمثلة على ذلك أكثر من أن تُحْصَى.
وأما حين يحتاج ابن القَيِّم - ﵀ - إلى التنبيه على لفظة زائدةٍ، أو جملة مغايرةٍ، وليس ذلك في الصحيحين، فإنه يضيف إليهما غيرهما من المصادر التي فيها تلك الزيادة، فمن ذلك:
- أنه ساقَ حديث أبي هريرة مرفوعًا: "يقول الله: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِيَ الصَّالِحِين مَا لا عَينٌ رَأَتْ ". ساقه بطوله، ثم قال: "رواه بهذا اللفظ والسياق: الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وصدره في الصحيحين"٤.
- وقال ﵀: " ما رواه مسلم في صحيحه: "أن رجلًا أعمى قال: يا رسول الله! ليس لي قائد يقودني إلى المسجد " وهذا الرجل هو ابن أم مكتوم وفي مسند أحمد، وسنن أبي داود: عن عمرو بن أم مكتوم قال "٥.
_________________
(١) ١ طأ: (٢/٥٢٩) ح ١٤، د: (٢/ ٥٩٤) ح ٢١٢٢. ٢ الروح: (ص ١٦١) . ٣ د: (٢/ ٧٩١) ح ٢٤٠٠، حم: (٦/ ٦٩) . ٤ حادي الأرواح: (ص ٢٠٦) . ٥ الصلاة: (ص ١١٧) .
[ ٢ / ١١ ]
فقد عزا الحديث إلى أحمد وأبي داود بعد عزوه إلى مسلم، وذلك لما اشتملت عليه روايتهما من زيادة وبيان؛ حيث جاء عندهما التصريح باسم الرجل.
فَتَلَخَّصَ من ذلك: أن ابن القَيِّم - ﵀ - يكتفي بالتخريج من الصحيحين ويَسْتَغْنِي بهما عن غيرهما، إلا إذا دَعَتْ الضرورةُ إلى الزيادة عليهما، فإنه يفعل ذلك.
ثانيًا: لم يلتزم ابن القَيِّم - ﵀ - بتخريجِ كُلِّ حديث أورده في كتبه، بل إنه - في بعض الأحيان - يذكرُ الحديث مُسْتَدِلًا بهِ لِمَسْأَلة، دون أن يعزوه لأحدٍ ممن خرجه١.
والْمُطَالِع لكتبه - ﵀ - يجد اهتمامًا كبيرًا بتخريج الأحاديث التي أوردها في مباحثه، فيكون ما وقعَ له من ذلك: إِمَّا لِشهرةِ الحديث وصحَّتِهِ فيستغني بذلك عن تخريجه، أو لرغبته في الاختصار، أو لأنه خَرَّجَهُ في موضع آخر من كتبه، أو لغير ذلك من الأسباب الكثيرة.
ثالثًا: وكما أنه - ﵀ - قد يذكر الحديث ساكتًا عن تخريجه، فإنه قد يصرح بعدم وقوفه عليه ولا معرفته بمن خرجه، فمن أمثلة ذلك:
_________________
(١) ١ انظر أمثلة لذلك في: زاد المعاد: (١/ ١٨٨، ١٨٩، ١٩١، ٢٤٠، ٢٦٢، ٢٨٥)، (٣/٧٦، ٧٧، ٧٨، ٧٩، ٩١، ١١٥، ٣٢٠)، (٤/٣٣٢) . والوابل الصيب: (ص٩٩)، وروضة المحبين: (ص ٢٧٦، ٢٧٧) وحادي الأرواح: (ص ٢٣٠) .
[ ٢ / ١٢ ]
- قوله في حديث ابن عباس ﵄ مرفوعًا: "مَنْ أَجْلَبَ عَلَى الخيل يوم الرِّهان فليس منا" قال: "ذَكَرَهُ صاحب المغني، ولا أعرف مَنْ خَرَّجَهُ"١.
- وقال في حديث أنس ﵁ مرفوعًا: في إطراق الفحل، وقوله ﷺ: "إِذَا كَانَ إِكْرَامًا فَلا بَأْسَ" قال: "ولا أعرفُ حال هذا الحديث، ولا من خَرَّجَهُ"٢.
أما إذا كان شَاكًَّا وغير متأكد من وجود الحديث في المصدر الذي يعزو إليه، فِإِنَّهُ لا يجزمُ بنسبته إليه، ومن ذلك قوله في حديث: "وأظنه في المسند"٣.
رابعًا: طولُ نَفَسِهِ - ﵀ - واستيعابه في التخريج، فيتوسع أحيانًا في تخريجِ الحديثِ الواحد توسعًا كبيرًا، حتى إنه ليكادُ يأتي على رواياته، ويستوفي جميع طرقه.
ومن أمثلة ذلك:
- حديث: "الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَب". قال ﵀: "رواه عن النبي ﷺ: أنس بن مالك، وعبد الله بن مسعود، وأبو موسى الأشعري، وعلي بن أبي طالب، وأبو سعيد الخدري، وأبو ذر، وصفوان بن عَسَّال،
_________________
(١) ١ الفروسية: (ص ٩٩) . ٢ زاد المعاد: (٥/ ٧٩٦) . ٣ مدارج السالكين: (٢/ ٣٢٧) .
[ ٢ / ١٣ ]
وعبد الله بن يزيد الخطمي " فَعَدَّ تسعة عشر صَحَابيًا، ثُمَّ أخذ في تخريج رواية كل صحابي، وبيان درجتها١.
- وحديث النهي عن لحوم الحمر الأهلية، قال ﵀:" رواها عن النبي ﷺ: عليُّ بن أبي طالب، وجابر بن عبد الله، والبراء بن عازب، وابن أبي أوفى " فعد عِشْرِين صحابيًا، ثم أخذ في تخريجها حديثًا حديثًا٢.
- وحديث: "أَفْطَرَ الحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ" ساقه - ﵀ - من طريق: شداد بن أوس، وأبي هريرة، وعائشة، وأسامة بن زيد، وأبي موسى، ومعقل بن سنان، وابن عباس، وبلال ﵃ أجمعين، مع ذكر من أخرجَ كلَّ رواية من هذه الروايات٣.
- وقال - ﵀ - مرة: " وقد روى عنه ﷺ الأمر بفسخ الحجِّ إلى العمرة أربعة عشر من أصحابه، وأحاديثهم كُلُّهَا صِحَاحٌ، وهم: عائشةُ، وحفصة أَمَّا المؤمنين، وعلي بن أبي طالب، وفاطمة، وأسماء بنت أبي بكر الصديق، وجابر بن عبد الله، وأبو سعيد، والبراء، وعبد الله بن عمر، وأنس بن مالك، وأبو موسى الأشعري، وعبد الله بن عباس، وسبرة بن معبد الجهني، وسراقة بن مالك المدلجي ﵃"٤.
_________________
(١) ١ تهذيب السنن: (٨/ ٢٣ - ٢٦) . ٢ تهذيب السنن: (٥/ ٣١٧- ٣٢٤) . ٣ تهذيب السنن: (٣/ ٢٤٣-٢٤٥) . ٤ زاد المعاد: (٢/ ١٧٨-١٨٧) .
[ ٢ / ١٤ ]
ثُمَّ أَخَذَ في سَرْدِ أحاديثهم حَدِيثًا حديثًا، مع تخريجها والكلام عليها.
وهكذا نجده - ﵀ - يتوسع في إيراد طرق الحديث في مناسبات عديدة، ويكون ذلك منه ﵀:
- إما لمحاولة استقصاء أحاديث الباب، واستيعاب المرويات في الموضوع الذي هو بصدد بحثه؛ كما فعل ذلك كثيرًا في (تهذيب السنن) ١.
- وإما تأييدًا ونصرةً لما يختاره في مسألة مُخْتَلَفٍ فيها، كما هو الحال في المثالين الأخيرين من الأمثلة التي سُقْتَهَا قبل قليل.
- أو لغير ذلك من الأغراض.
خامسًا: قد يعزو الحديث إلى أحد الأئمة المشهورين دون تصريح باسم كتابه. فيقول مثلا: "قال الطبراني: حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي "٢. ويقول: "قال ابن شاهين: حدثنا عبد الله بن سليمان ابن الأشعث "٣. ويقول: "قال عبد الرحمن بن أبي حاتم "٤. ويقول: "قال أبو نعيم: حَدَّثَنَا محمد بن معمر "٥.
_________________
(١) ١ انظر مثلًا: (٣/ ٧٧، ١٢٠)، (٧/ ٦٠، ١٣٠، ١٣٥، ٢٢٨، ٣١٢) . ٢ جلاء الأفهام: (ص ٥٠) . ٣ جلاء الأفهام: (ص٥٣) . ٤ جلاء الأفهام: (ص ٢٢٨) . ٥ حادي الأرواح: (ص ١٩٩) .
[ ٢ / ١٥ ]
ولكنَّ الكثير الغالبَ: أنه يعزو الحديث إلى مصدره، ويذكر الكتابَ الذي خَرَّجَهُ، كما هو ظاهرٌ بَيِّنٌ لمن طَالَعَ كتبه.
سادسًا: تنوع طرق نقله للحديث من مصادره.
- فتارة يسوقُ الحديثَ بإسناد صاحب الكتاب الذي أخرجه، وتارةً يكتفي بذكر صحابيِّ الحديث فقط.
ويُلاحظ أنه - ﵀ - يُكْثِرُ من ذكر أسانيد الأحاديث في بعض كتبه دون بقيتها، فنجد أن ذلك يكثر - مثلا - في (حادي الأرواح)، وفي (جلاء الأفهام)، وغيرهما من الكتب التي أفردها لجمع أحاديث موضوع بعينه، أي: الكتب التي تَتَّسِمُ بوحدة الموضوع.
ولعل السبب في ذلك: أن هذه الكتب يغلبُ عليها المادةُ الحديثية، دون الكلام والشرح والأخذ والردِّ، مِمَّا هو موجود في غيرها من كتبه، فيكونُ - لأجل ذلك - قد أولاها عنايته، واهتم بسردها مسندة.
ويُلاحظ أيضًا: أنه لا يسوق - غالبًا - أسانيدَ الأحاديث الْمُتَّفَقِ على صِحَّتِهَا، أو التي أخرجها أحد صَاحِبَي الصحيح.
- وتارةً نجده يُسقط حَتَّى ذكر الصحابي، ويُعَلِّقُ الحديثَ إلى النبي ﷺ، فيقول: "ثبت عنه ﷺ أنه قال"١. ويقول: "وعنه ﷺ أنه كان في غزوة فقال "٢. ويقول: "قال النبي ﷺ "٣.
_________________
(١) ١ الصلاة: (ص ٣٥) . ٢ الوابل الصيب: (ص ١٥٠) . ٣ الوابل الصيب: (ص ١٨٥) .
[ ٢ / ١٦ ]
ولكنَّ ذلك قليل إذا قُورِنَ بِمَا صَرَّح فيه بذكرِ الصحابي.
- وقد ينقل - ﵀ - بعضَ الأحاديث بإسناده الْمُتَّصِل إلى النبي ﷺ، وغالبًا ما يعبر عن ذلك بقوله: "روينا". قال مرة: "وقد روي لنا عنه - يعني نَبِيِّ الله إبراهيم ﵇ - حديثًا وقع لنا متصل الرواية إليه، رويناه في كتاب الترمذي وغيره "١.
فهذه بعض الملاحظات عن أسلوبه في النقل عن المصادر، والعزو إليها، والتخريج منها، وتنوع ذلك منه ﵀.
سابعًا: قد يذكر الحديث عند تخريجه إياه بالمعنى، ولا يلتزم بذكر لفظه٢.
وهذا - والله أعلم - يقع في بعض الأحاديث التي يذكرها من حفظه خاصة، دون التي ينقلها من مصادرها.
ومع ذلك، فإن الغالب عليه - ﵀ - المحافظة على لفظ الحديث، ونَقْلِهِ بِنَصِّهِ، كما يظهرُ ذلك عند المقارنة بين كثيرٍ من النصوص الحديثية، ومصادرها التي نقل عنها وعزا إليها.
_________________
(١) ١ جلاء الأفهام: (ص ١٤٩) . ٢ انظر مثلا: زاد المعاد: (١/ ٣١٨) وقارن مع الترمذي: (٢/٢٨١) ح٤٢٠، والزاد: (١/٢١٥) وقارن مع ابن حبان: (الإحسان: ٤/١٨٠)، والزاد: (٢/١٠٨) وقارن مع أبي داود: (٢/٥٠٥) ح ١٩٩٢، والمنار المنيف: (ص٨٣) وانظر حاشية رقم ٥ من الكتاب المذكور.
[ ٢ / ١٧ ]
على أنه - ﵀ - قد يَرِدُ عنه ما يدلُّ على نقله الحديث بالمعنى، فنجده يقول مثلا: "أو كما قال ﷺ"١.
وقد ينصُّ صراحةً على أن ما ذكره هو معنى الحديث دون لفظه، فمن ذلك:
- قوله في حديث: "النَّظرةُ سَهْمٌ مسمومٌ من سِهَامِ إبليس، فَمَنْ غَضَّ بَصَرَهُ عن محارمِ امرأة لله، أورثَ الله قلبه حلاوةً إلى يوم يلقاه" قال: "هذا معنى الحديث"٢.
- وقال مرة: "وفي المسند عنه ﷺ حديث معناه: أن الله جعلَ طعامَ ابن آدم، وما يخرجُ منه مثلًا للدنيا "٣.
ثامنًا: الدقة في تمييز الروايات، وبيان الفرق بين ألفاظها، ونسبة كل لفظ إلى الكتاب الذي أخرجه.
- فيقول مثلا: "هذا الحديث في الصحيحين، واللفظ لمسلم"٤.
- ويقول في حديث آخر: "رواه الإمام أحمد وأبو داود، وروى النسائي وابن ماجه أَوَّلَهُ"٥.
_________________
(١) ١ مفتاح دار السعادة: (١/١٨١) . ٢ الجواب الكافي: (ص ٢٢٩) . ٣ طريق الهجرتين: (ص ٤٥٥) . ٤ مختصر الصواعق: (١/ ٦١) . ٥ الروح: (ص ٥٥) .
[ ٢ / ١٨ ]
- ويقول في حديث آخر: "رواه ابنُ ماجه، والترمذي وهذا لفظه"١.
- وعزا حديث أكلِ الحسنِ أو الحسينِ من تَمْرِ الصدقة للبخاري بلفظ: "فقال: أما علمت أن آل محمد لا يأكلون الصدقة". ثم قال: "ورواه مسلم، وقال: "إنا لا تحل لنا الصدقة" ٢.
وبعد، فهذه أهم الخطوات التي سَارَ عليها ابن القَيِّم - ﵀ - في تخريجه للأحاديث وعزوها إلى مظانها من كتب السنن، والمسانيد وغيرها من المصادر، وما اتَّسَمَ به منهجه في ذلك.
وفي ختام ذلك أُورِدُ بعض الملحوظات اليسيرة، وهي وإن كانت مما يؤخذ على ابن القَيِّم ﵀، إلا أنها لا تكادُ تُذْكَرُ في جانب جهده الْمُوَفَّقِ في هذا الباب، وكفى المرء نُبْلًا أن تُعَدَّ مَعَايِبُه.
فمن هذه الملحوظات والمآخذ:
١- أن ابن القَيِّم - ﵀ - قد يطلق عزو الحديث لمؤلف من المؤلفين دون تحديد للكتاب الذي أُخْرِج فيه هذا الحديث، وقد يؤدي ذلك إلى وقوع شيء من الالتباس، وبخاصة إذا كان لهذا المؤلف أكثرُ من كتاب، فمن أمثلة ذلك:
_________________
(١) ١ الروح: (ص ١٠٨) . ٢ جلاء الأفهام: (ص ١١١) . وانظر مزيدًا من الأمثلة على ذلك في: حادي الأرواح: (ص١٥٩، ١٦٦، ٢٠٦، ٢٥٠)، وزاد المعاد: (٣/ ٢٨٥)، والصلاة: (ص١٤٧، ١٥٩)، وتهذيب السنن: (٧/ ٨١، ١٥٠، ١٥١، ٣٣٠) .
[ ٢ / ١٩ ]
- ما ذكره من دعائه ﷺ يوم عرفة، وقوله: "اللهم إِنَّكَ تَسْمَعُ كلامي، وترى مكاني، وتَعْلَم سِرِّي وعلانيتي ". فقد قال عقبه: "ذكره الطبراني"١.
ومعلوم أن للطبراني معاجمَ ثلاثة، وله كتاب (الدعاء) الذي هو مظنة لوجود هذا الحديث، فلا شكَّ أن إطلاق العزو للطبراني - والحالة هذه - يوقع في نوع التباس، فلا يُدرى في أي كتب الطبراني هو؟
فهذا الحديثُ الذي عزاه للطبراني: مُخَرَّجٌ في معجميه: (الكبير) ٢، و(الصغير) ٣، فلزم تقييده لأجل ذلك.
- ومن ذلك: عزوه حديث معاوية بن قرة في قتل من عَرَّسَ بامرأة أبيه. للنسائي دون تحديد٤، مع أن الحديثَ في (سننه الكبرى) ٥. فكان لابد من تقييده دفعًا لالتباسه بالصغرى، إذ هي المرادة عند الإطلاق.
- ومثله: حديث ابن عباس ﵄: "كان رسول الله ﷺ يصلي ركعتين ركعتين، ثم ينصرف فيستاك" وأن ذلك كان في صلاة الليل، فقد عزاه إلى (سنن النسائي) ٦. مع أن الحديث ليس في (الصغرى) كما هو المتبادر عند الإطلاق، وإنما هو في الكبرى٧.
_________________
(١) ١ زاد المعاد: (٢/ ٢٣٧) . (١١/ ١٧٤) ح ١١٤٠٥. (١/٢٤٧) . ٤ تهذيب السنن: (٦/٢٦٧) . (٦/٤٤٤ – ٤٤٥) ح ٧١٨٢ – ٧١٨٦. ٦ المنار المنيف: (ص ٢٧) . (١/٢٣٧) ح ٤٠٤، (٢/١٣٥) ح ١٣٤٥.
[ ٢ / ٢٠ ]
- وعزا حديث عمران بن حصين في ثواب السلام إلى النسائي، فقال: "رواه النسائي"١. وليس الحديث في السنن كما هو المتبادر، وإنما هو في (عمل اليوم والليلة) ٢ له، ولم أر من عزاه للسنن.
- وذكر حديث: "كان إذا عَرَّسَ٣ بليلٍ اضطجع على شقه الأيمن، وإذا عَرَّسَ قبيل الصبح نَصَبَ ذراعه ووضع رأسه على كفه" قال: "هكذا قال الترمذي"٤. وليس هذا الحديث في (جامع الترمذي) كما يُفْهَمُ من إطلاقه، وإنما أخرجه في (الشمائل) ٥.
- وقريب من ذلك أيضًا: قوله عن حديث: "وفي بعض المسانيد "٦. هكذا بدون تحديد.
٢- قد يعزو - ﵀ - الحديثَ إلى المصدر الأدنى رتبةً، والأبعدِ شهرةً، مع وجوده في الكتب المتقدمة رتبة وشهرة، كالصحيحين مثلا. فمن ذلك:
- أنه عزا حديث أنس ﵁: "مَا صَليت خلفَ رجلٍ أوجز صلاة
_________________
(١) ١ زاد المعاد: (٢/ ٤١٧) . (ص ٢٨٧) ح ٣٣٧. ٣ التعريس: نزول المسافر آخر الليل نزلة للنوم والاستراحة. (النهاية ٣/٢٠٦، عرس) . ٤ زاد المعاد: (١/ ١٥٨) . (ص٢٢٢) ح ٢٤٧. ٦ زاد المعاد: (١/ ١٦٨) .
[ ٢ / ٢١ ]
من رسول الله ﷺ " عزاه لأبي داود١. مع أن الحديث بإسناده ولفظه مخرج في (صحيح مسلم) ٢.
- وعزا حديث الرَّجُلِ الذي كان يُتَّهَم بأم ولد النبي ﷺ، وما كان من إرسال النبي ﷺ عليًا لقتله، وأنه وجده مجبوب الذكر. عزاه لابن أبي خيثمة وابن السكن٣. مع أن الحديث في (صحيح مسلم) ٤، وقد نبه على ذلك محقق (الزاد) .
- وعزا حديث زيد بن ثابت ﵁، وقوله لمروان بن الحكم: "ما لك تقرأ في المغرب بقصار المفصل " عزاه لأصحاب السنن٥، مع أن الحديث مخرج في (صحيح البخاري) ٦.
٣- قد تقع لابن القَيِّم - ﵀ - أوهام في العزو والتخريج، فمن ذلك:
- حديث: "قَسَمَ الله الخير، فَجَعَله عشرة، فَجَعَل تسعة أعشاره في الشام، وبقيته في سائر الأرض". عزاه للإمام أحمد في (مسنده) ٧. وليس الحديث في المسند فيما بحثت عنه، ونَبَّهَ على ذلك العلامة أحمد شاكر في تعليقه على (تهذيب السنن) .
_________________
(١) ١ الصلاة: (ص ١٤٨) . (١/ ٣٤٤) ح١٩٦ (٤٧٣) . ٣ زاد المعاد: (٥/ ١٦) . (٤/ ٢١٣٩) ح ٥٩ (٢٧٧١) . ٥ زاد المعاد: (١/ ٢١١) . ٦ ك الأذان، باب القراءة في المغرب، ح٧٦٤ (فتح الباري٢/٢٤٦) . ٧ تهذيب السنن: (٣/ ٣٥٥) .
[ ٢ / ٢٢ ]
- وعزا حديث أنس ﵁: "مَا زَالَ رَسُولُ الله ﷺ يَقنتُ في الفجر حَتَّى فَارَقَ الدنيا". للترمذي١. وليس الحديث في الترمذي٢.
- وعزا حديث إسرائه ﷺ من بيت أم هانئ إلى الصحيح٣، وليس هو في واحد منهما، وقد نَبَّهَ عليه محقق (زاد المعاد) .
- وقال في حديث أبي هريرة ﵁: "أن النبي ﷺ كان إذا كان في سفر فبدا له الفجر قال: "سَمِعَ سَامعٌ بحمد الله ونعمته ". قال: "إسناد صحيح على شرط مسلم"٤. وظاهر عبارته أن مسلمًا لم يخرجه، وأنه على شرط كتابه، مع أن الحديث مُخَرَّج في (صحيح مسلم) ٥.
وأقول: الغالبُ أن ذلك لا يقعُ - على قِلَّته وَنُدْرَتِهِ - لابن القَيِّم إلا فيما كتبه من حفظه؛ حيث إنه كان لا يَكُفُّ عن الكتابة والتأليف حالَ السفر، وفي غياب الكتب، كما نَصَّ على ذلك في (زاد المعاد) وغيره، فهو لأجل ذلك معذور، ومن ذا الذي يسلم من الوهم والخطأ؟! وهذه الأوهام اليسيرة إنما هي قطرة في بحر حفظه وإتقانه وقوة استحضاره، وشيء لا يكاد يذكر إذا قيس بكثرة ما كتب وسطر، رحمه الله تعالى، وأجزل له الأجر والمثوبة، وجزاه عن الإسلام وأهله خير الجزاء.
_________________
(١) ١ زاد المعاد: (١/ ٢٧٥) . ٢ انظر: نصب الراية: (٢/١٣١ -١٣٢) . ٣ زاد المعاد: (٣/٤٣٤) . ٤ الوابل الصيب: (ص ١٩٨) . (٤/ ٢٠٨٦) ح ٦٩ (٢٧١٨) .
[ ٢ / ٢٣ ]