تعريفه: اخْتُلِفَ في تعريف الحديث الشاذ على أقوال، أرجحها: أنه: مخالفة الثقة لمن هو أرجح منه. قال الحافظ ابن حجر: "وهذا هو المعتمد في تعريف الشاذ بحسب الاصطلاح"١. وإلى هذا ذهب الشافعي ﵀، وجماعة من أهل الحجاز٢.
وعلى هذا المذهب: لابد أن يتوافر للحكم بالشذوذ شرطان:
الأول: أن يكون الْمُتَفَرِّد ثقة.
الثاني: أن يكون هذا المتفرد مخالفًا لمن هو أرجح منه: لمزيد ضبط، أو كثرة عدد، أو غير ذلك من المرجحات.
وقد حَدَّ الخليلي الشاذ: بمطلق التفرد، ولم يقيده بالمخالفة، ولا بكون المتفرد ثقة٣.
وذهب الحاكم إلى تقييد الشاذ: بتفرد الثقة، ولكنه لم يشترط فيه المخالفة٤.
والراجح هو التعريف المتقدم أولًا، كما مضى في كلام ابن حجر، ورجحه أيضًا ابن كثير٥.
_________________
(١) ١ انظر: (نخبة الفكر مع نزهة النظر): (ص٣٥) . ٢ مقدمة ابن الصلاح: (ص٣٦)، ونكت ابن حجر على ابن الصلاح: (٢/٦٥٣) . ٣ مقدمة ابن الصلاح: (ص٣٦) . ٤ معرفة علوم الحديث: (ص١١٩) . ٥ اختصار علوم الحديث: (ص٥٨) .
[ ١ / ٤٣٩ ]
وقد حَرَّرَ ابن الصلاح أن الشاذ المردود على قسمين:
أحدهما: الحديث الفرد الذي خالف راويه من هو أولى منه في الحفظ والضبط.
الثاني: الفرد الذي ليس في راويه من الثقة والضبط ما يكون جابرًا لما يوجبه التفرد من النكارة والضعف١.
وهذا الذي حرره ابن الصلاح في حد الشاذ وصفته قال به ابن القَيِّم ﵀؛ فإنه قال - عند كلامه على صفة الراوي المقبول وشروط قبول خبره -: "أن لا يشذ عن الناس: فيروي ما يخالفه فيه من هو أوثق منه وأكبر، أو يروي ما لا يتابع عليه، وليس ممن يُحتمل ذلك منه: كالزهري، وعمرو بن دينار، وسعيد بن المسيب، ومالك، وحماد بن زيد، وسفيان بن عيينة ونحوهم؛ فإن الناس إنما احتملوا تفرد أمثال هؤلاء الأئمة بما لا يتابعون عليه للمحل الذي أحلهم الله به من الإمامة والإتقان والضبط.
فأما مثل: سفيان بن حسين، وسعيد بن بشير، وجعفر بن برقان، وصالح بن أبي الأخضر ونحوهم: فإذا انفرد أحدهم بما لا يتابع عليه فإن أئمة الحديث لا يرفعون به رأسًا. وأما إذا روى أحدهم ما يخالف الثقات فيه، فإنه يزداد وهنًا على وهن"٢.
_________________
(١) ١ مقدمة ابن الصلاح: (ص٣٧) . ٢ الفروسية: (ص ٥٣ - ٥٤) .
[ ١ / ٤٤٠ ]
وهذا الكلام من ابن القَيِّم - ﵀ - يُحَدِّدُ بوضوحٍ صفة الحديث الشاذ بقسميه المتقدم بيانهما عند ابن الصلاح، فقد بيّن - ﵀ - أن الشاذ هو:
١- أن يروي الثقة ما يخالفه فيه من هو أوثق وأكبر.
٢- أو: ينفرد بما لا يتابع عليه، وليس هو ممن يحتمل تفرده، وذلك لقلة ضبطه، وعدم تمام حفظه. وهذا بخلاف تفرد الثقة الضابط، فإنه مقبول محتج به.
ويؤكد ابن القَيِّم - ﵀ - هذا المعنى ويزيده وضوحًا، فيذكر أن التفرد أنواع، وأنه ليس كل تفرد يكون الحديث بموجبه شاذًا، فيقول ﵀:
"التفرد نوعان:
١- تفرد لم يُخَالَف فيه من تفرد به؛ كتفرد مالك وعبد الله بن دينار بهذين الحديثين١، وأشباه ذلك.
٢- وتفردٌ خُولِفَ فيه المتفرد، كتفرد همام بهذا المتن٢ على هذا الإسناد؛ فإن الناس خالفوه فيه، وقالوا: إن النبي ﷺ اتخذ خاتمًا من وَرِق. فهذا هو المعروف عن ابن جريج عن الزهري، فلولم يرو هذا عن ابن جريج، وتفرد همام بحديثه، لكان نظير حديث عبد الله بن دينار ونحوه.
_________________
(١) ١ يشير إلى تفرد مالك بحديث: " دخول النبي ﷺ مكة وعلى رأسه المغفر". وتفرد عبد الله بن دينار بحديث: "النهي عن بيع الولاء وهبته". ٢ وهو حديث: "وضع النبي ﷺ خاتمه إذا دخل الخلاء".
[ ١ / ٤٤١ ]
فينبغي مراعاة هذا الفرق وعدم إهماله"١.
ففي هذا الكلام منه - ﵀ - بيان للفرق بين تَفَرُّدِ الثقة بما لم يروه غيره - مع كونه ممن يحتمل تفرده -: فهذا مقبول، وبين تفرد الثقة بما يخالفه فيه الثقات: فهذا الذي يكون شاذًا مردودًا، وهذا الفرق سبق بيانه واضحًا في كلام ابن الصلاح وغيره.
ويؤكد هذا المعنى في مناسبة أخرى، فيقول ﵀: "والتَّفَرُّدُ الذي يُعَلَّلُ به: هو تفرد الرجل عن الناس بوصل ما أرسلوه، أو رفع ما وقفوه، أو زيادة لفظة لم يذكروها.
وأما الثقة العدل: إذا روى حديثًا وتفرد به، لم يكن تفرده علة، فكم قد تفرد الثقات بسنن عن النبي ﷺ عملت بها الأمة"٢.
ويشير مرة إلى أن تفرد الثقة - إذا لم يخالف - لا يضر، فيقول في حديث السعاية، وما قيل من تفرد ابن أبي عروبة به: "ثم لو قدر تفرد سعيد به لم يضره"٣.
فتخلص من ذلك: أن ابن القَيِّم - ﵀ - قد حرر بكلامه هذا: معنى الشاذ، وصورته الصحيحة، وبيّن الفرق بين التفرد الذي يعد شذوذًا وما لا يكون كذلك.
_________________
(١) ١ تهذيب السنن: (١/٢٩- ٣٠) . ٢ تهذيب السنن: (٣/٢٢٤) . ٣ تهذيب السنن: (٥/٣٩٩) .
[ ١ / ٤٤٢ ]
ومع ذلك، فكأنه - ﵀ - أراد التنزل مع من يسمي تفرد الثقة غير المخالف "شاذًا"، فذهب إلى القول: بأن ذلك وإن سمي شاذًا، فإنه ليس بمردود بل هو محتج به.
وقد سبق أن هذا المعنى وقع في تعريف الحاكم - ﵀ - للشاذ، فهو عنده: تفرد الثقة دون متابع.
قال ابن القَيِّم ﵀: " فأما إذا روى الثقة حديثًا منفردًا به، لم يرو الثقات خلافه: فإن ذلك لا يُسمى شاذًا، وإن اصطلح على تسميته شاذًا بهذا المعنى، لم يكن هذا الاصطلاح مُوجبًا لرده، ولا مُسوِّغًا له".١
وقال مرة في حديث صيام ست شوال: "فإن قيل: مداره على عمر بن ثابت الأنصاري، لم يروه عن أبي أيوب غيره، فهو شاذ، فلا يحتجُّ به.
قيل: ليس هذا من الشاذ الذي لا يحتج به، وكثير من أحاديث الصحيحين بهذه المثابة، كحديث الأعمال بالنيات"٢.
وذلك محمول - كما تَقَدَّمَ - على التنزل منه - ﵀ - مع المخالفين، وإلا فقد سبق تأكيده على أن هذا ليس شاذًا، ونقلنا كلامه في ذلك، والله أعلم.
_________________
(١) ١ إغاثة اللهفان: (١/٢٩٦) . ٢ تهذيب السنن: (٣/٣١٣) .
[ ١ / ٤٤٣ ]