إن أول ما يلمسه المرء ويحسه - وبخاصة إذا كان ممن عَرَفَ ابن القَيِّم، وعاش مع تراثه الممتع النافع - أنه أمام عالم عامل، وداعية مخلص صادق، ومربٍ فاضل، أفنى عمره في محاربة كل شر ورذيلة، والدعوة إلى التخلق بكل خير وفضيلة.
فلم يكن ابن القَيِّم - ﵀ - ممن يتكسبون بدعوتهم، أو يطلبون بها عرضًا زائلًا - كما كان حال البعض في عصره - وإنما كان صاحب رسالة سامية، عاش حياته مبلغًا لها ومنافحًا عنها.
فلا عجب إذن أن يكون على درجة عالية من الأخلاق الفاضلة، والخلال الحميدة، بشهادة كل من عايشه وسعد بصحبته، فقد كان (الغالب عليه الخير والأخلاق الصالحة) كما وصفه بذلك تلميذه ابن كثير رحمه الله١.
كما لا يفوتنا التنبيه على أن هذه الأسرة الطيبة التي نشأ ابن القَيِّم بين أحضانها، وما لقيه منها من رعاية وحسن توجيه - وخاصة والده الذين قدمنا طرفًا من سيرته العطرة - كان لها أكبر الأثر في تحلي ابن القَيِّم - ﵀ - بجميل العادات، ومحاسن الأخلاق، كما سبق التنبيه على ذلك.
ويمكن لنا أن نسجل بعض هذه الصفات التي كان متخلقًا بها،
_________________
(١) ١ البداية والنهاية: (١٤/٢٤٦) .
[ ١ / ٩٩ ]
وذلك من خلال شهادة تلاميذه، وأصحابه ومن عرفوه، وكذا من خلال ما يظهر من مطالعة سيرته ومؤلفاته، فلعل ذلك يكون باعثًا على التحلي بمثل أخلاق هذا الإمام الفاضل.
فمن هذه الصفات:
١ـ حسن العشرة، وكثرة التودد إلى الناس والتَّحَبُّب إليهم، لاسيما أهل الفضل والصلاح منهم، فكان الحافظ ابن كثير - مثلًا - من (أحب الناس إليه) كما حكى هو كذلك١.
٢ـ كَفُّ الأذى عن الخلق، فكان - ﵀ - "لا يحسد أحدًا، ولا يؤذيه، ولا يستعيبه، ولا يحقد على أحد". كما قال ذلك أصحب الناس له: ابن كثير٢ ﵀.
هكذا كان ابن القَيِّم متحببًا إلى الناس متجملًا معهم، كَافًّا أذاه عنهم؛ لأنه - ﵀ - كان يعلم أن حسن الخلق هو: (طلاقة الوجه، وبذل المعروف، وكف الأذى) . فإنه قد نقل ذلك عن عبد الله بن المبارك ﵀، شارحًا به حسن الخلق وموضحًا معناه٣. فرحم الله ابن القَيِّم: الذي عَلِمَ، فتخلق بهذا العلم وعمل به، ثم دعا إليه ونشره بين الناس.
٣ـ شِدَّةُ محبته للعلم، وكتابته، ومطالعته. كما وصفه بذلك تلميذه ابن رجب٤ ﵀.
_________________
(١) ١ البداية والنهاية: (١٤/٢٤٦) . ٢ المصدر السابق. ٣ تهذيب السنن: (٧/١٦١) . ٤ ذيل طبقات الحنابلة: (٢/٤٤٩) .
[ ١ / ١٠٠ ]
وكيف لا يكون شديد الحب للعلم، شديد التعلق به، وهو القائل: "النَّهْمَةُ١ في العلم، وعدم الشبع منه من لوازم الإيمان، وأوصاف المؤمنين"٢.
٤ـ جِدُّهُ واجتهاده - ﵀ - في تحصيل ما نذر نفسه لتحصيله من هذا العلم الشريف، وإنفاق أيام العمر وسِنِيِّه في ذلك، بحيث وصف بـ "كثرة الطلب ليلًا ونهارًا"٣.
٥ـ جرأته - ﵀ - وصلابته في دين الله، وصدعه بالحق؛ فلم يكن يحابي أحدًا فيما يعتقد أنه الحق، ولا يخشى في الله لومة لائم، مع ما سببه ذلك له من محن وإيذاء كما سيأتي. قال الإمام الشوكاني في وصفه إياه: " صادعًا بالحق لا يحابي فيه أحدًا"٤.
٦ـ تجرده - ﵀ - في أبحاثه العلمية من كل هوًى نفسي، أو غرض ذاتي شخصي، وإنما كان يبتغي الوصول إلى الحق والصواب، ولو ظهر هذا الحق على لسان غيره.
فمن ذلك: أنه صوّب إثبات (الواو) في قوله ﷺ: "إذا سلَّم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم" ثم قال: "فهذا ما ظهر لي في هذه اللفظة، فمن وجد شيئًا فليلحقه بالهامش، فيشكر الله له، وعباده سعيه، فإن المقصود: الوصول إلى الصواب، فإذا ظهر وضع ما عداه تحت الأرجل"٥.
_________________
(١) ١ النَّهْمَةُ: بلوغ الهمة في الشيء. وقد نُهِمَ بكذا نَهْمةً، فهو منهوم، أي مولعٌ به. ٢ مفتاح دار السعادة: (١/٧٤) . ٣ البداية والنهاية: (١٤/٢٤٦) . ٤ البدر الطالع: (٢/١٤٣-١٤٤) . ٥ بدائع الفوائد: (٢/١٧٧) .
[ ١ / ١٠١ ]
٧ـ تَوَاضُعُه وإنكاره لِذاتِهِ، واستصغاره لنفسه وعلمه، من ذلك: ما نجده في أكثر كتبه من تصريحه بقلة بضاعته في هذا الشأن، مع إسناده الصواب في ذلك إلى الله، وأن ذلك من فضله وتوفيقه، وإسناده الخطأ والنقص إلى نفسه١.
هذا ما يقوله، مع ما عرف عنه من جودة تصانيفه، وكثرة إفاداته، وغزارة علمه ﵀.
٨ - صَبْرُهُ - ﵀ - على الأذى والْمِحَن والابتلاء في ذات الله سبحانه، دون جزع أو ضَجَر، فكم عانى من ألم السجن ومرارة الحبس، فكان يقابل كل ذلك صابرًا محتسبًا، بل "كان في مدة حبسه مشتغلًا بتلاوة القرآن بالتَّدَبُّرِ والتَّفَكُّرِ، فَفُتِح عليه من ذلك خير كثير " كما يقول ابن رجب٢ ﵀، فانقلبت بذلك محنته إلى منحة، وسجنه إلى خلوة للتعبد والمناجاة. وهذا - لا شك - دال على شجاعته ﵀، تلك الخصلة التي وصفها مرة بقوله: "الشجاعة: ثبات القلب عند النوازل"٣. ولما كانت الشجاعة - بهذا المعنى - "خلقًا كريمًا من أخلاق النفس"٤، فقد كان - ﵀ - متخلقًا بها متحليًا بفضائلها.
وأخيرًا، فإنه ليس بغريب على مثل ابن القَيِّم - ﵀ - أن يجمع بين هذه الأخلاق الفاضلة، ويتحلى بكل هذه الخلال الحميدة، ذلك
_________________
(١) ١ ينظر على سبيل المثال: حادي الأرواح: (ص٣٠)، والفروسية: (ص٢) . ٢ ذيل طبقات الحنابلة: (٢/٤٤٨) . ٣ الفروسية: (ص١٢٩) . ٤ الفروسية: (ص١٣٠) .
[ ١ / ١٠٢ ]
أن "الأخلاق الفاضلة تتلازم وتتصاحب غالبًا"١ كما يقول ابن القَيِّم نفسه.
ومع ذلك، فإن ما ذكرناه هنا ما هو إلا طرف يسير مما يتحلى به هذا الإمام الفاضل، والمربي القدوة من أخلاق حسنة، ومن شاء أن يقف على المزيد من فضائله، ومكارم أخلاقه، ومحاسن طباعه: فعليه بمؤلفاته وكتبه، فإن ما رسمه فيها من منهج متكامل لما ينبغي أن يتخلق به المسلم الحق في دينه ودنياه، لم يكن إلا صورةً حقيقية، ومرآة صادقة لأخلاقه ﵀، فما من خلة حميدة أو خلق فاضل دعا إليه، إلا وهو متخلق به، عامل بمقتضاه كما تقدم بيان شيء من ذلك، وكما سيأتي في الكلام على زهده وعبادته ﵀.
_________________
(١) ١ الفروسية: (ص١٢٩) .
[ ١ / ١٠٣ ]