وفيه مسائل:
المسألة الأولى: في تعريف الحسن، وشروطه:
اختُلِفَ في تعريف الحديث الحسن على أوجه كثيرة، ومن أشهر تعريفاته:
- تعريف الإمام الخطابي ﵀، إذ عرفه بأنه: "ما عُرِفَ مخرجه، واشتهر رجاله"، قال: "وعليه مدار أكثر الحديث، وهو الذي يقبله أكثر العلماء، ويستعمله عامة الفقهاء"١.
- وقد اعترض على تعريف الخطابي هذا: بأنه أدخل الصحيح في حد الحسن؛ فإن الصحيح - أيضًا - قد عُرِفَ مخرجه، واشتهر رجاله٢.
- وعرَّفَه الإمام الترمذي بقوله: "كل حديث يُروى: لا يكون في إسناده مَنْ يُتَّهَم بالكذب، ولا يكون الحديث شاذًا، ويروى من غيره وجه نحو ذاك: فهو عندنا حديث حسن"٣.
ولكن اعْتُرِضَ عليه أيضًا٤.
_________________
(١) ١ معالم السنن: (١/١١) . ٢ انظر: مقدمة ابن الصلاح: (ص١٥)، والاقتراح: (ص١٦٣ - ١٦٤) . ٣ علل الترمذي المطبوعة في آخر "جامعه": (٥/٧٥٨) . ٤ انظر: مقدمة ابن الصلاح: (ص١٥)، وتدريب الراوي: (١/١٥٥) .
[ ١ / ٣٧٩ ]
وتعريف الترمذي - على هذا - يدخل فيه: رواية المستور، والضعيف بسبب سوء الحفظ، والموصوفُ بالغلط والخطأ، وحديث المختلط بعد اختلاطه، والمدلس إذا عَنْعَنَ، وما في إسناده انقطاع خفيف، فكل ذلك عند الترمذي من قبيل الحسن بالشروط الثلاثة الماضية في تعريفه. كما أفاد ذلك الحافظ ابن حجر، وذكر لكل نوع من هذه الأنواع مثالًا مما حَسَّنَه الترمذي في كتابه١.
وقد حَمَلَ ابن الصلاح تعريف الترمذي على أنه منصرف إلى الحسن لغيره، وهو ما اعتضد بمجيئه من غير وجه، وحَمَلَ تعريف الخطابي على الحسن لذاته، فكأن كل واحد منهما قد عَرَّفَ أحد نوعي الحسن٢.
وقد عرَّفَه الحافظ ابن حجر ﵀: بأنه الحديث الذي جمع شروط الحديث الصحيح، إلا أنه خفَّ - أي قلَّ - ضبط راويه. وهو الحسن لذاته، لا الحسن لغيره الذي حُسْنُهُ بسبب اعتضاده بغيره٣.
وقد تعرض ابن القَيِّم - ﵀ - في بعض المناسبات لحدِّ الحسن، وبيان بعض ضوابطه، وذلك أثناء دراسته لحديث ميراث الخال، وقول النبي ﷺ: " والخالُ وارث من لا وارث له". حيث حَكَمَ عليه بعضهم بالضعف، فقالوا: إن أحاديثه - يعني ميراث الخال - ضعاف.
فردَّ ابن القَيِّم ذلك بقوله:
_________________
(١) ١ النكت على ابن الصلاح: (١/٣٨٧ - ٣٩٩) . ٢ انظر: مقدمة ابن الصلاح: (ص١٥ - ١٦) . ٣ النكت على نزهة النظر: (ص٩١ - ٩٢) .
[ ١ / ٣٨٠ ]
"وأما قولهم: إن أحاديثه ضعاف: فكلام فيه إجمال، فإن أُرِيدَ بها أنها ليست في درجة الصحاح التي لا علة لها: فصحيح، ولكن هذا لا يمنع الاحتجاج بها، ولا يوجب انحطاطها عن درجة الحسن، بل هذه الأحاديث وأمثالها هي الأحاديث الحِسَانُ؛ فإنها قد تَعَدَّدَت طُرُقُهَا، وَرُوِيَت من جوه مختلفة، وعُرِفَت مخارجها، ورواتها ليسوا بمجروحين ولا مُتَّهَمِين وليس في أحاديث الأصول ما يُعَارِضُها"١.
وبالنظر إلى كلام ابن القَيِّم هذا: نجد أنه قد ضَبَطَ الحديث الحسن وحدَّهُ بما حدَّه به الترمذي والخطابيُّ معًا، وكأنه أراد أن يقول: إن أحاديث توريث الخال ينطبق عليها وصفُ الحسن بقسميه، وأنها لا تخرجُ عمَّا ضُبِطَ به الحسن بحالٍ.
المسألة الثانية: مراتب الحديث الحسن.
تتفاوت مراتب الحديث الحسن في القوة كتفاوت الصحيح، وقد أشارَ إلى هذا التفاوت الحافظ ابن حجر - ﵀ - عند كلامه عن الحسن لذاته، فقال: "وهذا القسم من الحسن مشاركٌ للصحيح في الاحتجاج به - وإن كان دونه - ومشابهٌ له في انقسامه إلى مراتب
_________________
(١) ١ تهذيب السنن: (٤/١٧١) .
[ ١ / ٣٨١ ]
بعضها فوق بعض"١. وقال السيوطي: "الحسن - أيضًا - على مراتب كالصحيح"٢.
وقد ألمح ابن القَيِّم - ﵀ - إلى هذا التفاوت في مراتب الحديث الحسن، بل حدَّدَ - ﵀ - هذه المراتب في ثلاث: عليا، ووسطى، ودنيا، ومن كلامه في ذلك:
أن حديث عامر بن ربيعة في فضل الصلاة على النبي ﷺ، قد رُويَ من طريقين، في أحدهما: عاصم بن عبيد الله العمري، وفي الآخر: عبد الله ابن عمر العمري، فقال ابن القَيِّم ﵀: "وإن كان حديثهما فيه بعض الضعف، فرواية هذا الحديث من هذين الوجهين المختلفين يدل على أن له أصلًا، وهذا لا ينزل عن وسط درجات الحسن"٣.
وأما المرتبة الثالثة للحديث الحسن عند ابن القيم - وهي أدنى مراتبه - فقد قال - ﵀ - في حديث تميم الداري في الرجل يُسْلِمُ على يديه الرجل، وأنه أولى الناس بمحياه ومماته، قال:
"وحديث تميم وإن لم يكن في رتبة الصحيح، فلا ينحط عن أدنى درجات الحسن"٤.
فتخلص من ذلك: أن ابن القَيِّم - ﵀ - يرى أن الحديث
_________________
(١) ١ نزهة النظر: (ص٣٣) . ٢ تدريب الراوي: (١/١٦٠) . ٣ جلاء الأفهام: (ص٢٩) . ٤ تهذيب السنن: (٤/١٨٦) .
[ ١ / ٣٨٢ ]
الحسنَ على مراتب متفاوتة في القوة، وأنه ذكر من ذلك: أوسط درجات الحسن، وأدنى درجاته.
ويؤخذ من كلامه هذا - والله أعلم -: أن هناك درجة عليا للحسن، هي فوق الوسطى، ودون أدنى درجات الصحيح.
[ ١ / ٣٨٣ ]