المبحث الثالث: اهتمامه باقتناء الكتب، وذكر مكتبته
إن من الأمور المهمة في حياة العالم، وطالب العلم: اقتناء أكبر قدرٍ ممكن من الكتب في سائر الفنون وشتى العلوم.
فلا شك أن وجود مكتبة متكاملة بين يدي طالب العلم يتيح له فرصةً أكبر للقراءة والاطلاع، ومن ثَمَّ يكون ذلك من أكبر العون له على الترقي في المعرفة والتقدم في التحصيل.
كما أن نوع المراجع التي تشتمل عليها هذه المكتبة، له أثر مهمٌ في تكوين الشخصية العلمية لصاحبها.
قال العلامة بدر الدين بن جماعة - عند ذكر آداب طالب العلم مع الكتب -:
"الأول: ينبغي لطالب العلم أن يعتني بتحصيل الكتب المحتاج إليها ما أمكنه، شراءً وإلا فإجارَةً أو عاريةً؛ لأنها آلة التحصيل"١.
ولكن ينبغي أن يُعلم أن مجرد جمع الكتب وتحصيلها ليس كافيًا في حصول الرِّفْعَةِ والتقدم في العلم، بل لا بد أن يَضُمَّ إلى ذلك: الْجِدَّ والاجتهاد في الطلب، وكثرة المطالعة لها، وبذل الجهد والوقت في نظرها.
_________________
(١) ١ تذكرة السامع والمتكلم: (ص١٦٤) .
[ ١ / ١٧٣ ]
قال الشيخ ابن جماعة:"ولا يجعل تحصيلها وكثرتها حظَّهُ من العلم، وجمعها نصيبه من الفهم، كما يفعله كثير من الْمُنْتَحِلِين للفقه والحديث، وقد أحسن القائل:
إذَا لَمْ تَكُنْ حَافِظًَا وَاعِيًَا فَجَمْعُكَ لِلكُتبِ لا يَنْفَعُ"١
وقد تحدَّثت مصادر ترجمة العلامة ابن القَيِّم عن اشتهاره بحب الكتب، وغرامه بجمع الكثير منها، حتى حصل له من ذلك ما لم يحصل لغيره.
ومن أقوال أصحابه ومترجميه في وصف ذلك:
قال ابن كثير ﵀: "واقتنى من الكتب ما لا يتهيأ لغيره تحصيل عُشْرِهِ، من كتب السلف والخلف"٢.
وقال ابن رجب الحنبلي: "وكان شديد المحبة للعلم واقتناء الكتب، واقتنى من الكتب ما لم يحصل لغيره"٣.
وقال الحافظ ابن حجر: "وكان مُغْرىً بجمع الكتب، فَحَصَّل منها ما لا يُحْصَر "٤.
فهكذا كان ابن القيم مغرمًا بجمع الكتب، حريصًا على اقتنائها، ولم يكن حظه منها مجرد جمعها، بل جمع إلى ذلك: جِدًّا واجتهادًا في
_________________
(١) ١ تذكرة السامع والمتكلم: (ص ١٦٤) . ٢ البداية والنهاية: (١٤/٢٦٤) . ٣ ذيل طبقات الحنابلة: (٢/٤٤٩) . ٤ الدرر الكامنة: (٤/٢٢) .
[ ١ / ١٧٤ ]
درسها ونظرها، وإنفاقًا لليله ونهاره في مطالعتها، مع ما آتاه الله - سبحانه - من قوة الذكاء، وسعة الحفظ، ونور البصيرة، ومع ما وصف به من شدة الحب للعلم كما تقدم، فانتفع لأجل ذلك كله بهذه الكتب.
وربما يكون ابن القَيِّم - ﵀ - قد نَسَخَ جملةً من هذه الكتب بخطه، فقد قال ابن كثير ﵀: "وكتب بخطه الحسن شيئًا كثيرًا"١. وقال ابن رجب: "وكتب بخطه ما لا يُوصَف كَثْرَةً"٢.
وقد يكون المراد بذلك: ما كتبه تصنيفًا، ولكن لا يمتنع - أيضًا - كتابته شيئًا من ذلك على سبيل النسخ، وبخاصة في مرحلة الطلب.
وعلى كل حال، فإن الذي يهمنا هو أن ابن القَيِّم - ﵀ - قد حصَّل من الكتب ما لم يحصله غيره، ويظهر ذلك واضحًا عند النظر في قائمة المصادر التي اعتمدها في مؤلفاته، فقد كانت تلك المصادر غزيرةً وفيرةً، وكانت - في الوقت نفسه - قيِّمة ونفيسة، مع تنوعها واختلاف فنونها٣.
وليس أدل على ضَخَامَةِ المكتبة التي خَلَّفَهَا ابنُ القَيِّم -﵀وكثرةِ كتبها، مما حكاه الحافظُ ابن حجر: من أن أولادَ ابن القَيِّم ظلُّوا "يبيعون منها بعد موته دهرًا، سوى ما اصطفوه لأنفسهم"٤.
_________________
(١) ١ البداية والنهاية: (١٤/٢٤٦) . ٢ ذيل طبقات الحنابلة: (٢/٤٤٩) . ٣ انظر ما سيأتي من الكلام على مصادر ابن القَيِّم في كتبه ص: (٢٦٧) . ٤ الدرر الكامنة: (٤/٢٢) .
[ ١ / ١٧٥ ]
وقد نَفَعَ الله بهذه المكتبة العامرة بعد موت ابن القَيِّم ﵀؛ ذلك أنها آلت إلى أولاده من بعده - وقد كانوا أهل علم وفضل كما مضى - فاصطفوا لأنفسهم جملةً كبيرةً منها كما مرَّ، واقتنى كتبًا نفيسةً منها: ابن أخيه عماد الدين إسماعيل بن عبد الرحمن١،"وكان لا يبخل بعاريتها" كما قال ابن حجي٢.
فرحم الله ابنَ القَيِّم، وأجزل له المثوبة، فلقد خَلَّف لأولاده خير زاد، وأفضل ذخيرة ليوم الْمَعَادِ، مع عموم الانتفاعِ بهذه الكتب بالإعارة وغيرها.
_________________
(١) ١ ابن أبي بكر بن أيوب المعروف "بابن قَيِّم الجوزية" كَعَمِّه، وكان رجلًا حسنًا، وقد اقتنى أكثر مكتبة عَمِّه شمس الدين ابن القَيِّم. توفي في رجب سنة ٧٩٩هـ. له ترجمة في: ذيل ابن عبد الهادي على طبقات ابن رجب: (ص٢١)، والدارس في تاريخ المدارس: (٢/٩١) . ٢ الدارس في تاريخ المدارس: (٢/٩١) .
[ ١ / ١٧٦ ]