المجهول عند أهل الفن على قسمين: مجهول العين، ومجهول الحال.
أما مجهول العين: فهو: "من لم يرو عنه إلا واحد، ولم يوثق".
وأما مجهول الحال: فهو: "من روى عنه أكثر من واحد، ولم يوثق". ويقال له أيضًا: المستور١.
ومن المسائل المتعلقة بالمجهول:
المسألة الأولى: تعديل الْمُبْهَم.
ذهب ابن القَيِّم إلى أن المبهم تثبت عدالته: إذا عدّله الراوي عنه الثقة؛ فقد أعلَّ ابن حزم حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن - في سقوط الحضانة بالتزويج - بالجهالة، حيث قال فيه أبو الزبير: "عن رجل صالح من أهل المدينة". فرد ابن القَيِّم ذلك عليه قائلًا: "وعنى بالمجهول: الرجل الصالح الذي شهد له أبو الزبير بالصلاح، ولا ريب أن هذه الشهادة لا تُعَرِّفُ به، ولكنَّ المجهول إذا عَدَّلَهُ الراوي عنه الثقة: ثبتت عدالته؛ وإن كان واحدًا على أصح القولين هذا مع أن أحد القولين: أن مجرد رواية العدل عن غيره تعديل له وإن لم يصرح بالتعديل وأما إذا روى عنه وصَرَّحَ بتعديله: فقد
_________________
(١) ١ نزهة النظر: (ص٥٠) .
[ ١ / ٤٧٥ ]
خَرَجَ عن الجهالة التي تُرَدُّ لأجلها روايته، ولا سيما إذا لم يكن معروفًا بالرواية عن الضعفاء والمتهمين"١.
وهذا الذي ذكره ابن القَيِّم - ﵀ - هو الراجح بالنسبة للراوي الذي سُمِّيَ، إذا كان الْمُعَدِّلُ متأهلًا لذلك٢.
وأما الراوي المبهم الذي لم يسم - كما في المثال الذي معنا - ففيه قولان للعلماء:
الأول: أن ذلك لا يكفي في توثيق الراوي. قاله الخطيب البغدادي، وابن الصباغ، والصيرفي وغيرهم.
الثاني: أن ذلك يكفي في توثيقه، قاله أبو حنيفة.
والصحيح من ذلك القول الأول، قال السخاوي ﵀: "لأنه لا يلزم من تعديله أن يكون عند غيره كذلك، فلعله إذا سَمَّاهُ يعرف بخلافها، وربما يكون قد انفرد بتوثيقه بل إضراب المحدث عن تسميته ريبة توقع ترددًا في القلب"٣.
ثم إنه لو ووفق ابن القَيِّم على ثبوت التوثيق للراوي المبهم، وزوال الجهالة عنه بمجرد ذلك، فإن ذلك لا ينطبق على المثال الذي توجه إليه كلام ابن القَيِّم ﵀؛فقد جاء فيه: "عن رجل صالح ". فما المراد بالصلاح هنا؟
_________________
(١) ١ زاد المعاد: (٥/٤٥٦ - ٤٥٧) . ٢ انظر: نزهة النظر (ص٥٠) . ٣ فتح المغيث: (١/٣٠٨) .
[ ١ / ٤٧٦ ]
ظاهر الكلام: أن المقصود الصلاح في الدين، لا الصلاح في باب الرواية، قال السخاوي - عقب قول الخليلي في رجل: شيخ صالح -: "أراد صلاحيته في دينه، جريًا على عادتهم في إطلاق الصلاحية حيث يريدون بها الديانة، أما حيث أريد: في الحديث، فيقيدونها"١. يعني بقولهم: صالح الحديث.
فإذا تبين ذلك، فإن الوصف بهذا لا يؤخذ منه تعديل، فقد يكون الرجل صالحًا في دينه ولكنه ضعيف في الرواية٢.
فتلخص من ذلك: أن ما ذهب إليه ابن القَيِّم من ثبوت عدالة المجهول بتوثيق الراوي عنه له: مع كونه صوابًا في المجهول المُسَمَّى إذا كان الموثق له متأهلًا لذلك، إلا أنه ليس بصواب في الراوي المبهم.
المسألة الثانية: بمَ ترتفعُ جهالةُ الحالِ عن الراوي؟
وأما مجهول الحال: فقد ذَهَبَ ابن القَيِّم - ﵀ - إلى أن الجهالة تزول عنه، ويحتج بحديثه:
١- إذا روى عنه ثقتان فأكثر.
٢- ولم يُعلم فيه جرحٌ ولا قدحٌ.
ففي حديث سلمة بن المحبق في قضاء النبي ﷺ في الذي وقع على جارية امرأته - وقد أعل بجهالة خالد بن عرفطة - قال ابن القَيِّم ﵀: " فإن الحديث حسن؛ وخالد بن عرفطة قد روى عنه
_________________
(١) ١ فتح المغيث: (١/٢٠٠) . ٢ انظر الكلام على هذه المسألة فيما يأتي: (ص ٥٧٠) .
[ ١ / ٤٧٧ ]
ثقتان: قتادة، وأبو بشر. ولم يعرف فيه قدح، والجهالة ترتفع عنه برواية ثقتين "١.
وخالد هذا: جَهَّلَه أبو حاتم الرازي٢، والبزار٣، وقال الذهبي: "لا يعرف"٤. ولم يوثقه غير ابن حبان على مذهبه.
وقال في حق الوليد بن زوران - وقد أعل ابن القطان حديثًا له بجهالة حاله -: "وفي هذا التعليل نظرٌ؛ فإن الوليد هذا روى عنه جعفر بن بُرْقان، وحجاج بن منهال، وأبو الْمَلِيح الحسن بن عمر الرقي وغيرهم. ولم يعلم فيه جرح"٥.
وقال في حق العالية بنت أنفع - وقد حَكَمَ الشافعي والدارقطني بجهالتها -: "هذا الحديث - يعني حديث النهي عن العينة - حسن، ويحتج بمثله؛ لأنه قد رواه عن العالية ثقتان ثبتان: أبو إسحاق زوجها، ويونس ابنها، ولم يعلم فيها جرح، والجهالة ترتفع عن الراوي بمثل ذلك"٦.
فهكذا يذهب ابن القَيِّم - ﵀ - إلى ارتفاع جهالة الحال عن الراوي والاحتجاج بخبره: برواية ثقتين عنه، ما لم يعلم فيه جرح.
_________________
(١) ١ زاد المعاد: (٥/٣٨) . ٢ الجرح والتعديل: (١/٢/٣٤٠) . ٣ تهذيب التهذيب: (٣/١٠٧) . ٤ المغني: (١/٢٠٤) . ٥ تهذيب السنن: (١/١٠٧) . ٦ تهذيب السنن: (٥/١٠٠) .
[ ١ / ٤٧٨ ]
وقد نصَّ الخطيب البغدادي وغيره على أن: رواية الاثنين عن المجهول ترفع عنه جهالة العين، ولا تُثْبِت له عدالة ولا توثيقًا، وأنه لابد من التصريح بثقته والنص على ذلك١. وهذا مذهب الجمهور من الأئمة والمحققين٢.
على أن ابن القَيِّم - ﵀ - قد سُبِقَ إلى مثل ذلك أيضًا، فقد نُسِبَ إلى البزار والدارقطني القول بارتفاع جهالته والعمل بروايته، وعبارة الدارقطني - كما نقلها السخاوي ﵀ -: "من روى عنه ثقتان فقد ارتفعت جهالته، وثبتت عدالته"٣.
وكذا اكتفى بروايتهما: ابن حبان كما نص عليه السخاوي أيضًا٤.
فَتَلَخَّصَ من ذلك أن في قبول رواية مجهول الحال أقوالًا:
١- رَدُّ روايته مطلقًا. وهو مذهب الجمهور، وذلك بناءً على أنه لابد من التصريح بتوثيقه.
٢- قبولها مطلقًا. وهو منسوب إلى البزار والدارقطني كما مضى، وبه يقول ابن حبان أيضًا.
وقد مضى بيان هذين المذهبين، وهناك مذهب ثالث، وهو:
_________________
(١) ١ انظر: الكفاية: (ص١٥٠) . ٢ فتح المغيث: (١/٣٢٠) . ٣ فتح المغيث: (١/٣٢٠) . ٤ فتح المغيث: (١/٣٢٠) .
[ ١ / ٤٧٩ ]
٣- التوقف فيها، فلا تقبل ولا ترد حتى يتبين حاله، وهو مذهب إمام الحرمين الجويني، وأيده الحافظ ابن حجر ﵀، فقال: "والتحقيق: أن رواية المستور - ونحوه مما فيه الاحتمال - لا يطلق القول بردها ولا بقبولها، بل هي موقوفة إلى استبانة حاله، كما جزم به إمام الحرمين"١.
وبذلك يتضح أن ما اختاره ابن القَيِّم من ارتفاع جهالة الحال عن الراوي بمجرد رواية اثنين عنه، مع عدم العلم بجرحه، ومن ثم الاحتجاج بخبره: مذهب مرجوح، وأن جمهور أهل العلم على خلافه، وأنه لابد في مجهول الحال من التوثيق الصريح، حتى تزول جهالته ويعمل بخبره.
المسألة الثالثة: جهالةُ الصحَابي.
إن توقفَ الأئمة في رواية المجهول وعدم قبولها: إنما هو للجهل بحال الراوي من العدالة.
إذ إن عدالة الرواة شرط من شروط قبول الخبر، ولما كان عدم العلم بعدالة المجهول ينافي تحقق شرط العدالة، لزم - لأجل ذلك - التوقف عن قبول خبره حتى يعلم حاله.
ولكن، هل يقال ذلك - أيضًا - في حق الصحابة رضوان الله عليهم؟؟ بمعنى: أنه إذا جاء الخبر عن صحابي غير مسمى مثلًا، فهل يتوقف عن قبول خبره بدعوى الجهل بحاله؟
الْمُتَقَرِّرُ عند أئمة هذا الشأن: أن ذلك يجري فيمن دون الصحابة، أما الصحابة - ﵃ - فإنهم جميعًا عدول بتعديل الله - عزوجل - ورسوله ﷺ لهم.
_________________
(١) ١ نزهة النظر: (ص٥٠) .
[ ١ / ٤٨٠ ]
قال الخطيب البغدادي ﵀: "كل حديث اتصل إسناده بين من رواه وبين النبي ﷺ، لم يلزم العمل به إلا بعد ثبوت عدالة رجاله، ويجب النظر في أحوالهم، سوى الصحابي الذي رفعه إلى رسول الله ﷺ؛ لأن عدالة الصحابة ثابتة معلومة بتعديل الله لهم، وإخباره عن طهارتهم، واختياره لهم في نص القرآن". ثم ساق - ﵀ - جملة من آيات القرآن في مدحهم والثناء عليهم، ثم قال: "ووصفَ رسولُ الله ﷺ الصحابة مثل ذلك، وأطنب في تعظيمهم، وأحسن الثناء عليهم"١. ثم ساق جملة من الأحاديث في هذا المعنى.
وقال ابن الصلاح ﵀: "للصحابة بأسرهم خِصِّيصَة، وهي: أنه لا يُسْئَلُ عن عدالة أحد منهم، بل ذلك أمر مفروغ منه؛ لكونهم - على الإطلاق - معدلين بنصوص الكتاب، والسنة، وإجماع من يعتد به في الإجماع من الأمة"٢.
وقد أَكَّد ابن القَيِّم - ﵀ - هذا المعنى في أكثر من مناسبة، مبينًا أنه لا ينبغي إعلال حديث بدعوى الجهل بحال صَحَابيِّهِ، ومن أقواله في ذلك:
أن ابن حزم - ﵀ - أعل حديث أبي الزبير، عن بعض
_________________
(١) ١ الكفاية: (ص ٩٣- ٩٤) . ٢ مقدمة ابن الصلاح: (ص١٤٦ - ١٤٧) . وانظر في ذلك أيضًا: معرفة الرواة المتكلم فيهم بما لا يوجب الرد: (ص٤٦)، والإصابة: (١/٩) .
[ ١ / ٤٨١ ]
أصحاب النبي ﷺ " أن النبي ﷺ رأى رجلًا يصلي وفي ظهر قدمه لُمْعَةٌ قدر الدرهم، لم يصبها الماء، فأمره أن يعيد الوضوء والصلاة".
فقال ابن القَيِّم ﵀: "وأما العلة الثانية: فباطلة على أصل ابن حزم وأصل سائر أهل الحديث؛ فإن عندهم جهالة الصحابي لا تقدح في الحديث؛لثبوت عدالة جميعهم "١.
وقال - ﵀ - في حديث لأبي أمامة بن سهل ﵁ في صفة صلاة الجنازة - وقد وقع في بعض طرقه: عن أبي أمامة، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ -: "وليس هذا بعِلَّةٍ قادحة فيه؛ فإنَّ جهالةَ الصحابي لا تَضُرُّ"٢.
المسألة الرابعة: هل تتقوى رواية المجهول بالمتابعات والشواهد؟
إذا بَقِيَ مجهول العين على جهالته، فهل تتقوى روايته برواية غيره، ويُقْبَلُ خبره في المتابعات والشواهد؟
أجاب ابن القَيِّم - ﵀ - عن ذلك، فقال في حديث ميمونة ﵂ في مباشرة النبي ﷺ نساءه في الحيض وهن مُتَّزِرَات - وقد أعله ابن حزم بأن نُدْبة - راويته عن ميمونة - مجهولةٌ لا تعرف - فقال ابن القَيِّم - ﵀ - يرد عليه: "فأما تعليله حديث ندبة بكونها مجهولة: فإنها مدنية، روت عن مولاتها ميمونة، وروى عنها حبيب، ولم يعلم أحد جرحها.
_________________
(١) ١ تهذيب السنن: (١/١٢٩) . ٢ جلاء الأفهام: (ص٤٨) .
[ ١ / ٤٨٢ ]
والراوي إذا كانت هذه حالهُ، إنما يُخشى من تَفَرُّدِهِ بما لا يُتَابع عليه. فأما إذا رَوَى ما رواه الناس، وكانت لروايته شواهد ومتابعات، فإن أئمة الحديث يقبلون حديث مثل هذا، ولا يردونه ولا يعللونه بالجهالة. فإذا صاروا إلى معارضة ما رواه بما هو أثبت منه وأشهر: عللوه بمثل هذه الجهالة، وبالتفرد.
ومن تأمل كلام الأئمة رأى فيه ذلك، فيظن أن ذلك تناقض منهم، وهو بمحض العلم والذوق والوزن المستقيم. فيجب التنبه لهذه النكتة، فكثيرًا ما تمر بك في الأحاديث، ويقع الغلط بسببها"١.
فابن القَيِّم - ﵀ - يقرر: أن رواية مجهول العين تتقوى بغيرها من المتابعات والشواهد، وتكون مقبولة؛ حيث لم ينفرد. وأما إذا انفرد هذا المجهول بهذه الرواية، أو خالف من هو أوثق منه وأشهر: فإن خبره حينئذ يكون مردودًا؛لأنه - والحالة هذه - يكون من قبيل المنكر.
وقد أشار الحافظ الدارقطني - ﵀ - إلى مثل ذلك، فقال: " فأما من لم يرو عنه إلا رجل واحد، وانفرد بخبر، وجب التوقف عن خبره ذلك حتى يوافقه غيره"٢.
وقد نصَّ الحافظ ابن حجر - ﵀ - على ذلك أيضًا، لكنه خصه برواية مجهول الحال - المستور - فقال: "ومتى توبع السيئ الحفظ بِمُعْتَبَرٍ، وكذا: المستور، والمرسل، والمدلس: صار حديثهم حسنًا، لا لذاته بل بالمجموع"٣.
_________________
(١) ١ تهذيب السنن: (١/١٧٦) . ٢ سنن الدارقطني: (٣/١٧٤) . ٣ نخبة الفكر: (ص٥١ - ٥٢) .
[ ١ / ٤٨٣ ]
وجعل الحافظُ السخاوي - ﵀ - روايةَ المجهول مما يصلحُ في المتابعات والشواهد، وأنها تُكْتَبُ روايته للاعتبار، وذلك عند كلامه على مراتبِ الجرح والتعديل، وحكم رواية أصحاب كل مرتبة منها.
فقد جعل "المجهول" في آخر مراتب الجرح - المرتبة السادسة - ثم حَكَمَ بأن أصحاب هذه المرتبة والتي قبلها ممن يُخَرَّجُ حديثهم في المتابعات والشواهد، قال: "لإشعار هذه الصِيَغِ بصلاحيةِ الْمُتَّصِفِ بها لذلك، وعدمِ منافاتها لها"١.
فَتَبَيَّنَ من ذلك: صحة ما ذهبَ إليه ابن القَيِّم - ﵀ - من: أن رواية مجهول العين - وبالأحرى مجهول الحال - تَتَقَوَّى بالمتابعات والشواهد، وأن جماعة من أئمة هذا الشأن قد ذهبوا إلى ذلك.
_________________
(١) ١ فتح المغيث: (١/٣٧٥) .
[ ١ / ٤٨٤ ]