وينقسم إلى قسمين: تدليس الإسناد، وتدليس الشيوخ.
أولًا: تدليس الإسناد: وهو "أن يروي المحدث عمّن قد سمع منه ما لم يسمعه منه، من غير أن يذكر أنه سمعه منه". قاله ابن القطان١.
وعَرَّفَهُ ابن حجر بقوله: "أن يروي عمن لقيه شيئًا لم يسمعه منه بصيغة مُحْتَمِلة، ويلتحق به: من رآه ولم يجالسه"٢.
وهذا النوع هو الذي غلبت تسميته بـ "تدليس الإسناد" وسماه بعضهم: "تدليس السماع"٣.
ويلحق بهذا النوع ما يسمى بـ "تدليس التسوية"، وصورته - كما قال الحافظ العراقي -: "أن يجيء المدلس إلى حديث سمعه من شيخ ثقة، وقد سمعه ذلك الشيخ الثقة من شيخ ضعيف، وذلك الشيخ الضعيف يرويه عن شيخ ثقة، فيعمد الْمُدَلِّس - الذي سمع الحديث من الثقة الأول - فَيُسْقِطُ منه شيخ شيخه الضعيف، ويجعله من رواية شيخه الثقة عن الثقة الثاني، بلفظ محتمل كالعنعنة ونحوها، فيصير الإسناد كله ثقات، ويصرح هو بالاتصال بينه وبين شيخه، لأنه قد سمعه منه، فلا يظهر حينئذ في الإسناد ما يقتضي عدم قبوله إلا لأهل النقد والمعرفة بالعلل"٤.
_________________
(١) ١ انظر (نكت ابن حجر على ابن الصلاح): (٢/٦١٤) . ٢ طبقات المدلسين: (ص٢٥) . ٣ انظر: جامع التحصيل: (ص ١١٠) . ٤ التقييد والإيضاح: (ص٩٦)، وانظر: إتحاف النبيل: (٢/٣١- ٤٢) .
[ ١ / ٤٢٩ ]
ولتدليس الإسناد صور أخرى ذكرها الحافظ ابن حجر١.
ثانيًا: تدليس الشيوخ: وهو: "أن يصف شيخه بما لم يشتهر به من اسم أو لقب أو كنية أو نسبة"٢.
قال الحافظ العلائي: " فهو يختلف باختلاف الأغراض:
فمنهم من يُدَلِّس شيخه لكونه ضعيفًا أو متروكًا حتى لا يُعْرَف ضعفه إذا صَرَّح باسمه.
ومنهم من يفعلُ ذلك لكونه كثير الرواية عنه كي لا يتكرر ذكره كثيرًا "٣.
قال ابن حجر فيمن يفعل ذلك لإخفاء ضعف شيخه: "وهو خيانةٌ ممن تعمّده"٤.
ومن المسائل التي تعرض لها ابن القَيِّم - ﵀ - فيما يتعلق بالتدليس:
المسألة الأولى: في حكم حديث المُدَلِّس.
اختلف أهل العلم في قبول خبر من عُرف بالتدليس - وبخاصة ما يتعلق بتدليس الإسناد - على أقوال:
_________________
(١) ١ انظر: طبقات المدلسين: (ص٢٥) . ٢ طبقات المدلسين: (ص ٢٦) ٣ جامع التحصيل: (ص١١٨- ١١٩) . ٤ طبقات المدلسين: (ص٢٦) .
[ ١ / ٤٣٠ ]
أحدها: أن خبره مردود مطلقًا غير مقبول. عزاه الخطيبُ لفريق من الفقهاء وأصحاب الحديث١.
الثاني: القبول مطلقًا. عزاه الخطيب - أيضًا- إلى خلقِ كثير من أهل العلم.
وذلك أنهم لم يروا التدليس من باب الكذب، ولا أنه ينقض عدالته٢.
الثالث: التفصيل: فمن كان لا يُدَلِّس إلا عن ثقة قُبِلَ تدليسه، وإلا فلا. عزاه ابن عبد البر لأكثر أئمة الحديث٣.
الرابع: يُقبل ممن كان وقوعه منه نادرًا، وأما من غَلَبَ ذلك على حديثه: فلا٤.
الخامس: التفصيل أيضًا، فيُقبَل من المُدَلِّس الثقة إذا صرَّح فيه بالسماع، وأما ما رواه بلفظ محتمل فلا، وهذا هو المعتمد.
قال السخاوي: "وممن ذهب إلى هذا التفصيل: الشافعي، وابن معين، وابن المديني"٥. وقَرَّرَ العلائي: أنه "الصحيح الذي عليه جمهور أئمة الحديث والفقه والأصول"٦. وصححه الحافظ الخطيب٧، وكذا
_________________
(١) ١ الكفاية: (ص٥١٥) . ٢ الكفاية: (ص٥١٥) . ٣ التمهيد: (١/١٧) . ٤ فتح المغيث: (١/١٨١- ١٨٢) . ٥ فتح المغيث: (١/١٨٢) . ٦ جامع التحصيل: (ص١١١) . ٧ الكفاية: (ص٥١٥) .
[ ١ / ٤٣١ ]
صححه ابن الصلاح١.
ونفى ابن القطان الخلاف في ذلك، فقال: "إذا صَرَّحَ المُدَلِّس الثقة بالسماع: قُبِلَ بلا خلاف، وإن عنعن: ففيه الخلاف"٢.
وقد كان ابن القَيِّم يذهب إلى هذا التفصيل في حقِّ المدلسين، وجاءت عباراته صريحة في هذا المعنى في أكثر من مناسبة، فمن ذلك:
قوله في حق محمد بن إسحاق: "إن ابن إسحاق ثقة لم يُجْرَح بما يوجب ترك الاحتجاج به إنما يُخَاف من تدليسه، وهنا قد صرح بسماعه للحديث من محمد بن إبراهيم التيمي، فزالت تهمة تدليسه"٣. قال ذلك في حديث أبي مسعود في صفة الصلاة على النبي ﷺ في الصلاة.
وقال في حديث ابن إسحاق - أيضًا-:حدثني داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس في قصة طلاق ركانة بن عبد يزيد: "وقد زالت تهمة تدليس ابن إسحاق بقوله: حدثني"٤. وقال عنه مرة:"والذي يُخاف من ابن إسحاق: التدليس، وقد قال: حدثني"٥.
_________________
(١) ١ مقدمة ابن الصلاح: (ص٣٥) . ٢ فتح المغيث: (١/١٨٢) . ٣ جلاء الأفهام: (ص٦) . ٤ إغاثة اللهفان: (١/٢٨٧) . ٥ إعلام الموقعين: (٤/٣٥٠) .
[ ١ / ٤٣٢ ]
وقال - ﵀ - في حديث عَنْعَنَ فيه بقية بن الوليد - وهو حديث ذمِّ القدرية وأنهم مجوس هذه الأمة -: "لو قال بقيةُ: حدثنا الأوزاعي. مشى حال الحديث، ولكن عَنْعَنَهُ مع كثرة تدليسه"١. وقال عنه مرة: "وإنما نُقِمَ عليه التدليس، مع كثرة روايته عن الضعفاء والمجهولين، وأما إذا صرح بالسماع: فهو حجة"٢.
ومع تقرير ابن القَيِّم - ﵀ - لمذهب الجمهور، وعمله بمقتضاه في عدة مناسبات - كما سبق نقل أمثلة لذلك - فإنه يذهب إلى استثناء بعض المدلسين من هذه القاعدة، فيرى: أن من كان لا يدلس إلا عن ثقة، فإنه تقبل عنعنته، ولا يطالب بإظهار السماع والتحديث.
وقد مضى معنا أن هذا أحد المذاهب في المسألة، وأن ابن عبد البر حكاه عن أكثر أئمة الحديث، وجزم به الذهبي رحمه الله٣.
فكأن ابن القَيِّم - ﵀ - جمع بين هذين المذهبين في العمل، فيرى: أن حديث المدلس لا يقبل منه إلا ما صَرَّحَ فيه بالسماع، إلا فيمن كان لا يُدَلِّس عن الضعفاء، وكان لا يُدَلِّسُ إلا عن ثقة.
ومما قاله في هذا الصدد:
"وأبو الزبير وإن كان فيه تدليس، فليس معروفًا بالتدليس عن الضعفاء، بل تدليسه من جنس تدليس السلف، لم يكونوا يدلسون عن متهم ولا مجروح، وإنما كثر هذا النوع من التدليس في المتأخرين"٤.
_________________
(١) ١ تهذيب السنن: (٧/٦٠) . ٢ تهذيب السنن: (١/١٢٩) . ٣ الموقظة: (ص ٤٥) . ٤ زاد المعاد: (٥/٤٥٧) .
[ ١ / ٤٣٣ ]
ويؤكد - ﵀ - هذا المعنى في حق أبي الزبير، فيقول في مناسبة أخرى: "وأكثرُ أهلِ الحديث يَحْتَجُّونَ به إذا قال: عن، ولم يُصَرِّح بالسماع، ومسلم يُصَحِّح ذلك من حديثه "١.
ولكن، لعل ابن القَيِّم - ﵀ - أراد بعبارته الأولى أن ينفي عن أبي الزبير تدليس اسم شيخه الضعيف تغطية لحاله، وهو ما يعرف: "بتدليس الشيوخ" كما مرّ، فإن مناسبة كلام ابن القَيِّم هذا: أن أبا الزبير قال في إسناد الحديث الذي ذكره ابن القَيِّم: "عن رجل صالح من أهل المدينة". فقال ابن القَيِّم ما قال دفعًا لتوهم قيام أبي الزبير بذلك في حق شيخه المذكور.
وأما قوله - ﵀ - عن السلف: "لم يكونوا يدلسون عن متهم ولا مجروح": فلعله يشير بالسلف هنا إلى التابعين خاصة، وأبو الزبير منهم، فهل يسلم له أن التابعين لم يقع منهم التدليس عن الضعفاء؟؟
فقد ذهب إلى ذلك أيضًا: الحاكم ﵀، فرأى أن التابعين بأسرهم لم يكونوا يدلسون إلا عن ثقة، نقل ذلك عنه العلائي٢، ثم اعترضه بقوله:
"وهذا لا يتم إلا بعد ثبوت أن من دَلَّسَ من التابعين لم يكن
_________________
(١) ١ زاد المعاد: (٥/٢٢٦) . ٢ جامع التحصيل: (ص١١٥- ١١٦) .
[ ١ / ٤٣٤ ]
وعلى هذا، فإنَّ إطلاق ابن القَيِّم القول بذلك في حق التابعين غير مُسَلّم، ويَرِدُ عليه ما أورده العلائي على أبي عبد الله الحاكم.
فتلخص من ذلك: أن ابن القَيِّم - ﵀ - يذهب إلى أن خبر المدلس لا يحتج به إلا إذا صرح بالسماع، وقد يُستثنى من ذلك عنده: من عُرِفَ بأنه لا يدلس إلا عن ثقة.
المسألة الثانية: حكم ما وجد في "الصحيحين" من عنعنة المدلسين.
تَعَرَّضَ ابن القَيِّم - ﵀ - لهذه المسألة، فقال في حديث أطيط العرش، وما أُعِلَّ به من عنعنة ابن إسحاق عن يعقوب بن عتبة: " فإنه قد لقي يعقوب وسمع منه، وفي الصحيح قطعة من الاحتجاج بعنعنة المدلس: كأبي الزبير عن جابر، وسفيان عن عمرو بن دينار، ونظائر كثيرة لذلك"٢.
فظاهرُ كلام ابن القَيِّم: الحكم بالاتصال لعنعنة الْمُدَلِّس إذا كان لقي من عنعن عنه، وسمع منه. ويستدل لذلك بما وجد في "الصحيحين" من الاحتجاج بعنعنة المدلسين.
أما الحكم على عنعنة الشخص بالاتصال لكونه لقي من
_________________
(١) ١ جامع التحصيل: (ص ١١٦) . ٢ تهذيب السنن: (٧/٩٨) .
[ ١ / ٤٣٥ ]
عنعن عنه وسمع منه: فهذا في غير المدلسين باتفاق العلماء، وقد مضى معنا البحث في ذلك.
وأما المدلس إذا عنعن: فالصحيح - كما مضى قبل قليل - أنه لا يحتج به إلا إذا صرح بالتحديث، بل إن ابن القَيِّم - ﵀ - يذهب إلى ذلك، كما سبق نقله عنه.
أما أن يكون ثبوت اللقاء سببًا للحكم بالاتصال فيما عنعنه المدلس: فلا.
وأما ما وجد في "الصحيحين" من عنعنة المدلسين، وإخراجهما ذلك على سبيل الاحتجاج، واستناد ابن القَيِّم - ﵀ - على ذلك في الحكم لما وُجِدَ في غيرهما بالاتصال: فقد قال غير واحد من أهل العلم بأن ذلك محمول على ثبوت السماع عندهما في هذا المعنعن من جهة أخرى، "ولو لم نقف نحن على ذلك: لا في المستخرجات - التي هي مظنة لكثير منه - ولا في غيرها" كما قال السخاوي١.
وممن صَرَّح بذلك من الأئمة: ابن الصلاح٢، وتبعه النووي - ﵀ - فقال: "وما كان في الصحيحين وشبههما٣ عن المدلسين بـ "عن": محمول على ثبوت السماع من جهة أخرى"٤. ووافقهما الحافظ ابن حجر ﵀، لكنه أشار إلى تقييد ذلك بما كان عندهما على
_________________
(١) ١ فتح المغيث: (١/١٨٣) . ٢ كما في (النكت) لابن حجر: (٢/٦٣٥) . ٣ يعني: من الكتب التي اشترط أصحابها الصحة. ٤ التقريب: (ص٩) .
[ ١ / ٤٣٦ ]
سبيل الاحتجاج، أما ما أخرجاه من عنعنة المدلسين في المتابعات، فقد يحصل في مثله نوع من التساهل١.
وأما ما مَثَّل به ابن القَيِّم ﵀:
فأما أبو الزبير عن جابر: فلابد من تقييد ذلك"بصحيح مسلم"؛ لأن البخاري لم يخرج له إلا متابعة.
ثم إن الأئمة قد احتملوا عنعنة أبي الزبير عن جابر إذا كانت من رواية الليث بن سعد عنه؛لأنه أعلم له على الأحاديث التي سمعها من جابر٢.
وأما ما كان في "صحيح مسلم" من ذلك، وليس من رواية الليث عنه: فقد قال الحافظ العلائي ﵀: "كأن مسلمًا﵀ - اطلع على أنها مما رواه الليث عنه، وإن لم يروها من طريقه"٣.
وأما سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار: فإن ابن عيينة لم يكن يدلس إلا عن ثقة، وقال ابن حبان: "وهذا شيء ليس في الدنيا إلا لسفيان ابن عيينة"٤.
وعلى كل حال، فلابد من حمل ما وقع في "الصحيحين"من ذلك على ما تقدم من كلام الأئمة، تحسينًا للظن بكتابيهما، ولإجماع الأمة على صحة ما وقع فيهما.
_________________
(١) ١ النكت على ابن الصلاح: (٢/٦٣٥- ٦٣٦) . ٢ انظر (الميزان): (٤/٣٧) . ٣ جامع التحصيل: (ص ١٢٦) . ٤ جامع التحصيل: (ص ١١٦) .
[ ١ / ٤٣٧ ]
فهذا ما يجاب به عن تخريج أصحاب "الصحيحين" لعنعنة المدلس في مقام الاحتجاج، وأما إجراء هذا الحكم على ما وقع من ذلك خارج كتابيهما - كما هو ظاهر كلام ابن القَيِّم ﵀ - قياسًا عليهما: فغير مسلّم؛ لما تقدم من أن "للصحيحين" في ذلك خصيصة ليست لغيرهما، لتقدم كتابيهما على غيرهما، ولتلقي الأمة لهما بالقبول.
[ ١ / ٤٣٨ ]