لاشك أن لأسرة الرجل وأهل بيته دورًا كبيرًا في تكوينه الخُلُقِي، وتنشأته وتوجيهه، وذلك بحسب ما يكون عليه أفرادها من أخلاق وقيم وعادات، وبحسب ما يولون أولادهم من عناية ورعاية واهتمام.
فإن الأسرة التي يغلب على أفرادها الصلاح والتمسك بتعاليم الإسلام وتقوى الله عزوجل، ينشأ أولادها - في الغالب - كذلك، وإذا كان الأمر على خلاف ذلك، فقلَّ أن يرجى من أبناء هذه الأسرة خير.
من أجل ذلك، كان علينا - ونحن نصف حياة ابن القَيِّم - أن نتعرف على أسرته وأهل بيته، الذين كان لهم الفضل الأكبر - بعد الله سبحانه - في توجيهه الوجهة الصحيحة، وسلوكه طريق العلم وأهله.
ولم يتيسر لي الوقوف على شيء من أخبار هذه الأسرة عن طريق ابن القَيِّم نفسه؛ إذ لم يتعرض لشيء من ذلك - فيما أعلم - مثلما يفعل بعض العلماء، غير أنه أمكن التقاط بعض تلك الأخبار عن هذه الأسرة من خلال بعض الكتب التي تُعنى بالحوادث والتاريخ، وعلى رأسها: (البداية والنهاية) لابن كثير ﵀- تلميذ ابن القَيِّم، وصاحبه المقرب- فقد ذكر جملة من الأخبار عنهم، كما كان للشيخ الفاضل بكر بن عبد الله أبي زيد - حفظه الله - فضل السبق في ذلك؛ إذ ذكر طرفًا من أخبار هذه الأسرة المباركة١.
_________________
(١) ١ في كتابه المفيد النافع (ابن قَيِّم الجوزية - حياته وآثاره): (ص٢١ - ٢٣) .
[ ١ / ٨٩ ]
وَالِدُهُ:
هو الشيخ: أبو بكر بن أيوب بن سعد الزرعي، الدمشقي، الحنبلي، قَيِّم المدرسة (الجوزية) بدمشق، كما مضى ذكر ذلك.
أما عن أخلاقه وعبادته: فيقول ابن كثير ﵀: "كان رجلًا صالحًا، متعبدًا، قليل التكلف، وكان فاضلًا"١.
وقد جاء أنه - ﵀ - اشتهر بكثرة عبادته، ولذلك ترجمه ابن كثير بقوله: "الشيخ العابد: أبو بكر". ولا شك أن ذلك كان له أثر كبير على ولده ابن القَيِّم ﵀، فأخذ عنه كثرة عبادته، كما سيأتي ذكر ذلك عنه إن شاء الله.
وأما عن طلبه للعلم: فيقول ابن كثير ﵀: "سمع شيئًا من دلائل النبوة على الرشيدي العامري"٢.
ولا شك أن عمله في قوامة المدرسة الجوزية والقيام بشأنها، قد أتاح له أن يحيا في جو علمي، وأن يكون على اتصال دائم بالعلم وأهله، وبخاصة أن هذه المدارس كان يوضع في وظيفة التدريس بها أكابر العلماء وأفاضلهم.
وأما عن علومه وإفاداته: فقد كان بارعًا في علم الفرائض، بل كان له فيها اليد الطولى، حتى إن ابنه - ابن القَيِّم - تلقاها عنه، ودرسها عليه٣.
_________________
(١) ١ البداية والنهاية: (١٤/١١٤) . ٢ البداية والنهاية: (١٤/١١٤) . ٣ وسيأتي بيان ذلك عند الكلام على شيوخ ابن القَيِّم ﵀.
[ ١ / ٩٠ ]
وفاته:
توفي - ﵀ - فجأة ليلة الأحد، تاسع عشر ذي الحجة، من سنة (٧٢٣هـ)، وذلك بالمدرسة الجوزية مقر عمله، وصُلِّيَ عليه بعد الظهر من الغد بالجامع - يعني الجامع الأموي- ودفن بباب الصغير١٢.
ولأجل سيرة الوالد الحسنة، وأخلاقه الفاضلة، فقد اكتسب حب الناس ومودتهم، فلما مات - ﵀ - "كانت جنازته حافلة، وأثنى عليه الناس خيرًا"٣.
وعلى هذا، فإن ابن القَيِّم - ﵀ - كان عند وفاة أبيه في أواسط عمره، وريعان شبابه، إذ كان آنذاك في الثانية والثلاثين من العمر، وبذلك يكون - ﵀ - قد نال حظًا وافرًا من رعاية والده وعنايته قبل رحيله عن الحياة الدنيا.
فرحم الله أبا بكر - قيم الجوزية - رحمة واسعة، فقد جمع بين: حسن الخلق، والصلاح والعبادة، مع الاشتغال بالعلم ونشره، مما كان له أكبر الأثر على حياة الولد - ابن القَيِّم - حيث جمع هذه الصفات كلها وزيادة، كما سيأتي الكلام على ذلك.
_________________
(١) ١ البداية والنهاية: (١٤/١١٤) . ٢ قال في (منادمة الأطلال) (ص٤٠): "وهو الباب القبلي للبلد، قال ابن عساكر: سمي بذلك لأنه كان أصغر أبوابها حينما بنيت" اهـ. وهو باق إلى الآن (وفاة ابن بدران صاحب (المنادمة) سنة ١٣٤٦هـ) بمصلبة الشاغور، ومن جانبه الغربي زقاق يقال له: زقاق الصمادية، ومن شرقيه: طريق يوصل إلى حارة الزط، وبناؤه قوي متين) اهـ. ٣ البداية والنهاية: (١٤/١١٤) .
[ ١ / ٩١ ]
َأخُوه:
وقد بورك للشيخ أبي بكر في ذُرِّيَّتِه وبنيه، فكان لابن القَيِّم أخ يصغره بحوالي عامين، وكان هو الآخر من المشتغلين بالعلم.
ولا عجب في ذلك، فإن أباهما كان من أهل العلم-كما سلف- فحبب الله ذلك إلى بنيه، مع ما كان يمارسه الأب من حسن التوجيه، وجميل التربية.
أما عن هذا الأخ، فهو: الشيخ القدوة، أبو الفرج، عبد الرحمن بن أبي بكر بن أيوب مولده سنة (٦٩٣هـ) ١ بعد أخيه ابن القَيِّم بحوالي عامين.
وقد ذكره ابن رجب الحنبلي في (مشيخته) ٢، وقال: "سمعت عليه كتاب (التوكل) لابن أبي الدنيا، بسماعه على الشهاب العابر٣. وتفرد بالرواية عنه"٤.
وقال ابن حجر: "تفرد بالرواية عن الشهاب العابر"٥.
توفي - ﵀ - ليلة الأحد، عشرين من ذي الحجة سنة (٧٦٩هـ)، ودفن بباب الصغير٦. وقد كَمُلَ له من العمر ست وسبعون سنة، فتكون وفاته قد تأخرت عن ابن القَيِّم أخيه بحوالي ثماني عشرة سنة.
_________________
(١) ١ الدرر الكامنة: (٢/٤٣٤) . ٢ ولم أقف عليها. ٣ انظر ترجمته فيما يأتي من كلام على شيوخ ابن القَيِّم ﵀ (ص ١٤٦) . ٤ منادمة الأطلال: (ص٩١) . ٥ الدرر الكامنة: (٢/٤٣٤) . ٦ منادمة الأطلال: (ص٩١) .
[ ١ / ٩٢ ]
أولادُه:
ولما كانت هذه الشجرة المباركة الطيبة، ثابتة الأصول ضاربة بجذورها الخيرة إلى أعماق بعيدة، فقد كانت دائمة الأُكُل، مستمرة العطاء.
فقد رزق الله ابن القَيِّم - ﵀ - أولادًا صالحين، عالمين عاملين، فكانوا خير خلف لخير سلف.
وممن وقفت على تراجمهم وبعض أخبارهم من هؤلاء الأبناء:
١- عبد الله، الفقيه الفاضل الْمُحَصِّل، جمال الدين، ابن الشيخ شمس الدين ابن قَيِّم الجوزية.
مولده سنة (٧٢٣) ١، وهي سنة وفاة جده أبي بكر.
قال الحافظ ابن كثير ﵀: "الشيخ الفاضل المحصل، جمال الدين عبد الله بن العلامة شمس الدين كانت لديه علوم جيدة، وذهنه حاضر خارق، أفتى ودَرَّسَ وأعاد وناظر، وحج مرات عديدة، ﵀ وَبَلَّ بالرحمة ثراه"٢.
وقال ابن حجر: " اشتغل على أبيه وغيره، وكان مفرط الذكاء، حفظ سورة الأعراف في يومين، ثم دَرَسَ (المحرر) في الفقه،
_________________
(١) ١ الدرر الكامنة: (٢/٣٩٦) . ٢ البداية والنهاية: (١٤/٢٦٥) .
[ ١ / ٩٣ ]
و(المحرر) في الحديث ومهر في العلم، وأفتى ودَرَّسَ، وحج مرارًا قال ابن رجب: كان أعجوبة زمانه"١.
وقال ابن حجر أيضًا: "صلى بالقرآن سنة ٧٣١هـ"٢. فيكون ﵀ قد حفظ القرآن وهو ابن تسع سنين.
وأما وظائفه العلمية التي شغلها: فإنه قد دَرَّسَ (بالصدرية) عقب وفاة أبيه، قال ابن كثير ﵀: "وفي يوم الاثنين ثاني عشر شهر شعبان - يعني من سنة ٧٥١هـ، بعد وفاة أبيه بشهر - ذكر الدرس بالصدرية شرف الدين عبد الله بن الشيخ الإمام العلامة شمس الدين ابن قَيِّم الجوزية عوضًا عن أبيه ﵀، فأفاد وأجاد، وسرد طرفًا صالحًا في فضل العلم وأهله"٣.
كما أنه - ﵀ - قد اشتغل بالخطابة؛ قال الحافظ ابن كثير: "وفي يوم الجمعة الثامن والعشرين من شهر ربيع الأول أقيمت جمعة جديدة بمحلة الشاغور بمسجد هناك يقال له: مسجد المزار، وخطب فيه جمال الدين عبد الله بن الشيخ شمس الدين ابن قَيِّم الجوزية "٤.
كما ذكر النعيمي في ترجمته أنه كان خطيبًا في (جامع سليمان) وأنه أول من خطب به٥.
_________________
(١) ١ الدرر الكامنة: (٢/٣٩٦) . ٢ المصدر السابق. ٣ البداية والنهاية: (١٤/٢٤٧) . ٤ البداية والنهاية: (١٤/٢٥٩) حوادث سنة (٧٥٤هـ) . ٥ الدارس في تاريخ المدارس: (٢/٩٠) .
[ ١ / ٩٤ ]
توفي ﵀ شابًا، وذلك سنة (٧٥٦هـ) وله من العمر ثلاث وثلاثون سنة. "وكانت جنازته حافلة" ودفن عند أبيه بالباب الصغير١، فرحمه الله رحمة واسعة.
٢- إبراهيم، العالم الفقيه، برهان الدين، أبو إسحاق، إبراهيم بن محمد بن أبي بكر.
ذكر ابن رافع أن مولده سنة (٧١٦هـ) ٢، ووافقه على ذلك: ابن حجر٣ ﵀، وكذا قال الشيخ بكر أبو زيد٤.
وذكر الحافظ الذهبي أن مولده سنة: "بضعة عشرة وسبعمائة"٥.
وأما الحافظ ابن كثير، فقد ذكر عمره حين وفاته، فقال: "بلغ من العمر ثمانيًا وأربعين سنة"٦. وإذا اعتبرنا ذلك بتاريخ وفاته - الذي اتفقوا على أنه كان سنة ٧٦٧هـ - فيكون وقت ولادته هو سنة (٧١٩هـ)، وبه جزم صاحب (منادمة الأطلال) ٧، ولعله استظهره من كلام ابن كثير ﵀، وهذا يعارض ما تقدم من أنه ولد سنة
_________________
(١) ١ البداية والنهاية: (١٤/٢٦٥) . ٢ الوفيات: (٢/٣٠٤) . ٣ الدرر الكامنة: (١/٦٠) . ٤ ابن قَيِّم الجوزية - حياته وآثاره: (ص٢٣) . ٥ المعجم المختص: (ص٦٦) . ٦ البداية والنهاية: (١٤/٣٢٩) . (ص٢٤٠) .
[ ١ / ٩٥ ]
(٧١٦هـ)، ولعل الحافظ ابن كثير يكون أعرف به من غيره؛ إذ كان على صلة به ومعرفة، والله أعلم.
قال الذهبي ﵀: "قرأ الفقه والنحو على أبيه، وسمع وقرأ وتَنَبَّه وسَمَّعَه أبوه من الحجَّار"١.
وقال الحافظ ابن كثير: "كان بارعًا فاضلًا في النحو والفقه وفنون أخر على طريقة والده، رحمهما الله تعالى، وكان مدرسًا بالصدرية، والتدمرية، وله تصدير٢ بالجامع، وخطابة بجامع ابن صلحان"٣.
وقال ابن رافع: "طلب الحديث وقتًا، وتَفَقَّه، واشتغل بالعربية، وشرح ألفية ابن مالك"٤.
وقال ابن قاضي شهبة: "وكان له أجوبة مسكتة"٥.
وذكر الحافظ ابن كثير - ﵀ - أنه ولي تدريس الحنابلة في مشيخة دار الحديث التي فتحت بدرب القبلي، وذلك في جمادى الأولى من سنة (٧٦٥هـ) ٦.
_________________
(١) ١ المعجم المختص: (ص٦٦ - ٦٧) . ٢ التصدير: كلمة ترد بمعنى التدريس، لأن المدرس حينما يُكَلَّف بتدريس الطلبة يتصدر المجلس في الجامع أو المجلس لهذه الغاية. (معجم المصطلحات والألقاب التاريخية - مصطفى الخطيب: ص١٠٦) . ٣ البداية والنهاية: (١٤/٣٢٩) . ٤ الوفيات: (٢/٣٠٤) . ٥ الدارس في تاريخ المدارس: (٢/٨٩) . ٦ البداية والنهاية: (١٤/٣٢١) .
[ ١ / ٩٦ ]
وبعد عمر حافل بالجد والعطاء، وحياة علمية مزدهرة مشرقة، توفي هذا الإمام البارع، ابن الإمام العلامة، وذلك في يوم الجمعة مستهل صفر من سنة (٧٦٧هـ) ١. "وحضر جنازته القضاة والأعيان، وخلق من التجار والعامة، وكانت جنازته حافلة"٢.
وقد كان - مع هذا العلم والفضل - ذا مال ونعمة، فقد "ترك مالًا جزيلًا يقارب المائة ألف درهم"٣. فرحمه الله رحمة واسعة.
ومن هذا العرض لأسرة ابن القَيِّم - ﵀ - نعلم أن النشأة الأولى كانت طيبة، في جو تسوده الرعاية الدينية الصحيحة، والتربية الإسلامية القويمة، والقدوة الحسنة الرشيدة. فلا عجب إذن أن نجد ابن القَيِّم - ﵀ - ينشأ هذه النشأة السوية في هذه البيئة الطيبة المباركة.
ثم كانت البركة في أسرة ابن القَيِّم مستمرة، فكان أولاده من أهل العلم الأفاضل، الذين بذلوا في خدمته أعمارهم، فكانوا أعلامًا بارزين على طريق البذل والعطاء، كما كان أبوهم من قبلهم، فرحم الله هذه الأسرة الكريمة المباركة، وأسكنها فسيح الجنات، آمين.
_________________
(١) ١ الوفيات لابن رافع: (٢/٣٠٣) . ٢ البداية والنهاية: (١٤/٣٢٩) . ٣ المصدر السابق.
[ ١ / ٩٧ ]