لقد كان ابنُ القَيِّم في كثير من الأحيان يقفُ عند الألفاظ الغريبةِ الغامضةِ التي تَمُرُّ في النصوص الحديثية، فيكشفُ غموضها ويوضح معناها.
أما عن المنهج الذي سَلَكَهُ في بيان الألفاظ الغريبة، فقد كان على النحو التالي:
١- تنوع طريقة ابن القَيِّم - ﵀ - من حيث البسط والاختصار؛ فتارةً يشرحُ اللفظةَ الغريبةَ بكلمةٍ أو كلمتين أو جملة قصيرة:
- فيقول في حديث: "إذا بايعت فقل: لا خِلابة": "أي: لا خديعة"١.
- ويقول في حديث: "كلُّ خطبة ليس فيها تَشَهُّدٌ، فهي كاليد الجذماء": "اليد الجذماء: المقطوعة"٢.
- وقال في حديث عائشة ﵂: "وكانَ إِذَا تَعَرَّقْتُ عَرْقًَا٣ أَخَذَهُ فَوَضَعَ فمه موضع فمها": "العَرْق: العظم الذي عليه لحم"٤.
_________________
(١) ١ روضة المحبين: (ص٤٩) . ٢ جلاء الأفهام: (ص٢٠٧) . ٣ العَرْقُ: - بالسكون - العظم إذا أُخِذَ عنه معظمُ اللحم، وجمعه: عُرَاق. وتَعَرَّقَهُ: إذا أخذ عنه اللحم بأسنانه. (النهاية ٣/٢٢٠، عرق) . ٤ زاد المعاد: (١/١٥٢) .
[ ٢ / ٥٩ ]
- وقال في حديث احتجامه ﷺ في الأخدعين والكاهل: "والكَاهِلُ: هو ما بين الكتفين"١.
إلى غير ذلك من الأمثلة على بيانه الغريب بإيجازٍ واختصار٢.
وتارةً أخرى يطيلُ النَّفَسَ في ذكر معنى الكلمة، وبيان وجوهها، ومن ذلك:
- حديث: "الْمُهَجِّرُ إلى الجمعة كالمُهْدي بدنة" فقد أفاض﵀- في شرح معنى التهجير، واشتقاقِ هذه الكلمة ومعانيها، وَطَوَّلَ في نقل أقوال العلماء في ذلك٣.
وهو إنما يلجأ إلى ذلك لحاجة وضرورة تدعوه إلى مثل هذه الإطالة؛ فإن قومًا حملوا هذا الحديث على أن المراد به: الذهابُ في الهاجرة، وهو وقت الزَّوَال، فأرادَ أن يُثْبِتَ أن المراد بالتهجير: التبكير والمبادرة إلى كلِّ شيء.
- وفي حديث عقبة بن عامر ﵁ في قسمة الضحايا، وقوله: فبقي عتود، وأن النبي ﷺ قال له: "ضَحِّ به أنت". قال ابن القَيِّم ﵀: "العَتُودُ من ولدِ المَعْزِ: ما قَوِيَ وَرَعَى، وأتى عليه حولٌ، قاله الجوهري". ثم نَقَلَ أقوالًا أخرى في معنى ما قاله الجوهري، ثم قال: "فيكون هو الثَّنِيُّ
_________________
(١) ١ زاد المعاد: (١/ ١٦٤) . ٢ وانظر أيضًا: حادي الأرواح: (ص ٢٤٥)، وزاد المعاد: (١/ ٣٤٧، ٤٨٤) . ٣ زاد المعاد: (١/ ٤٠٣ - ٤٠٦) .
[ ٢ / ٦٠ ]
من المعز، فتجوز الضَّحِيَّةُ به"١.
فنجده قد استقصى الأقوال في معنى هذه الكلمة لَمَّا أراد أن يثبتَ هذا الحكم، وهو جواز التضحية بالعتود.
- وسلك الطريقة نفسها في شرح معنى "الإهاب" في حديث الدِّبَاغ٢.
فهكذا نجده يشرح الكلمة الغريبة بإيجاز واختصارٍ تارةً، وتارة يُفَصِّلُ ويتوسعُ في بيان معناها حين يقتضي المقامُ ذلك.
٢- قيامه بضبط الكلمة الغريبة وتقييدِهَا بالحروف، وذلك حينما يخشى من التباسها بغيرها:
- فيقول في كلامه على حَجَّةِ النبي ﷺ: "وَلَبَّدَ رسول الله ﷺ - رَأْسَهُ بِالغِسْلِ- وهو بالغين المعجمة، على وزن: كِفْل - وهو: ما يُغْسَلُ بِهِ الرأس من خِطْمِيٍّ ونحوه، ويُلَبَّدُ به الشعرُ حَتَّى لا ينتشر"٣.
- ويقول في حديث وفد بني المنتفق: "الشَّرَبة - بفتح الراء -: الحوض الذي يجتمع فيه الماء، وبالسكون والياء: الحنظلة"٤.
٣- اعتماده في شرح الغريب على أئمة اللغة وأرباب الشأن،
_________________
(١) ١ تهذيب السنن: (٤/ ١٠٣) . ٢ انظر: تهذيب السنن: (٦/ ٦٧- ٦٨) . ٣ زاد المعاد: (٢/ ١٥٨) . ٤ زاد المعاد: (٣/ ٦٧٨) .
[ ٢ / ٦١ ]
سواء منهم من عُرِفَ بالتصنيف في (غريب الحديث): كأبي عبيد١، وابن الأثير٢. أو غيرهم من أئمة اللغة الذين لم يُصَنِّفُوا فيه: كالجوهري في (صحاحه) ٣، والأزهري في (تهذيب اللغة) ٤، وغيرهم.
ولكنه في الكثير الغالب يشرحُ الكلمة بنفسه، دون نقلٍ عن أحد، أو قد يكون ناقلا عن غيره دون تصريح٥.
٤- التنبيه على ما يقع من غلطٍ في ضبطِ كلمةٍ غريبةٍ في الحديث، وبيان وجهَ الصواب فيها، فمن ذلك:
- ما جاء في الحديث: " كيف تُعْرَضُ صَلاتُنَا عَلَيْكَ وقد أَرِمْتَ" - يعني: بَلِيتَ -، فقد بَيَّنَ - ﵀ - أن بعضهم غَلِطَ في لفظ الحديث، فقال: " فقالوا اللفظ به: أَرَمَّتَ، بفتح الراء، وتشديد الميم وفتحها، وفتح التاء "، ثم أَخَذَ في بيان خطأ هذا القول، ووجه الصواب في ذلك٦.
_________________
(١) ١ انظر: حادي الأرواح: (ص ٢٣٣، ٢٤٨) . ٢ انظر: زاد المعاد: (١/ ١٦١) . ٣ انظر: حادي الأرواح: (ص ٢٥٣)، وزاد المعاد: (٤/ ٣٧) . ٤ انظر: زاد المعاد: (١/ ٤٠٤) . ٥ وانظر مزيدًا من الأمثلة على شرحه الغريب في: زاد المعاد: (٢/٢٤٧)، (٤/٣٧، ١١٣)، وروضة المحبين: (ص ٥٧، ٨٤، ٣٦٥)، وحادي الأرواح: (ص ١٨٠، ٢٠٤، ٢٣١)، وإغاثة اللهفان: (١/ ٢٦٢) . ٦ تهذيب السنن: (٢/ ١٥٤) .
[ ٢ / ٦٢ ]