الخبر الموضوع: هو الكذب على رسول الله ﷺ المُختلق، المصنوع١. أي: أن واضعه اختلقه وصنعه٢.
والموضوع شرُّ أنواعِ الضعيف، كما قال الخطَّابي٣، وتبعه ابن الصلاح٤رحمهما الله تعالى.
ولقد كان لابن القَيِّم - ﵀ - اهتمام خاص بما يتعلق بالحديث الموضوع، والكشف عنه، وبيان خطره، والتحذير منه، ويتضح ذلك جليًّا في كتابه النافع (المنار المنيف)، إذ ضمَّنه جملة من الضوابط التي يعرف بها كون الحديث موضوعًا، مع التنبيه على الكثير من الأحاديث الموضوعة، وبيان حالها، وذكر المتَّهم بها، وقد مضى بيان ذلك واضحًا٥.
ومن المسائل المتعلقة بالحديث الموضوع مما تناوله ابن القَيِّم ﵀:
المسألة الأولى: حكم رواية الحديث الموضوع أو الاستشهاد به.
لا يجوز - عند أهل العلم بالحديث وغيرهم - ذكر الحديث الموضوع - برواية وغيرها - لمن عَلِمَ حاله، إلا مقرونًا ببيان أمره٦.
_________________
(١) ١ مقدمة ابن الصلاح: (ص٤٧)، وفتح المغيث: (١/٢٤٨) . ٢ شرح ألفية العراقي: (١/٢٦١) . ٣ معالم السنن: (١/١١) . ٤ مقدمة ابن الصلاح: (ص٤٧) . (ص ٣٠٠ - ٣٠٩) . وانظر ما يأتي في (ص ٤٦٠ - ٤٦٩) . ٦ فتح المغيث: (١/٢٤٩- ٢٥٠) .
[ ١ / ٤٥١ ]
قال الخطيب البغدادي ﵀: "يجب على المحدث أن لا يروي شيئًا من الأخبار المصنوعة، والأحاديث الباطلة الموضوعة، فمن فعل ذلك بَاء بالإثم المُبين، ودخل في جملة الكذّابين"١.
وأما من رواه مبينًا حاله، وذكره منبِّهًا على وضعه: فإن ذلك جائز، قال الخطيب ﵀: "ومن روى حديثًا موضوعًا على سبيل البيان لحال واضعه، والاستشهاد على عظيم ما جاء به، والتعجب منه، والتنفير عنه: ساغ له ذلك، وكان بمثابة إظهار جرح الشاهد في الحاجة إلى كشفه والإبانة عنه"٢.
وقد تناول ابن القَيِّم - ﵀ - هذه المسألة المهمة، فأكد عدم جواز ذكر الحديث الموضوع إلا مع بيان حاله.
فقال عن حديث عوج بن عنق الطويل: "وليس العجب من جُرْأَةِ مثل هذا الكَذَّاب على الله، إنما العجبُ ممن يدخل هذا الحديث في كتب العلم: من التفسير وغيره، ولا يبيِّن أمره"٣.
وقد أَوْرَدَ مرة حديثين موضوعين باطلين في فضل "الأرز" ومدحه، ثم قال: "ذكرناهما تنبيهًا وتحذيرًا من نسبتهما إليه ﷺ"٤.
_________________
(١) ١ فتح المغيث: (١/٢٥٠) . ٢ فتح المغيث: (١/٢٥٠- ٢٥١) . ٣ المنار المنيف: (ص٧٧) . ٤ زاد المعاد: (٤/٢٨٥) .
[ ١ / ٤٥٢ ]
فَنَبَّهَ بذلك على ما يلزم العالم من واجب البيان للحديث الموضوع والتحذير منه.
المسألة الثانية: بيان عظم جناية الوضاعين على الإسلام.
لا شك أن خطر الوضاعين على شريعة الإسلام عظيم، وهل هناك جناية أعظم من الكذب على النبي ﷺ؟
وقد نَبَّهَ ابن القَيِّم - ﵀ - على عظم جناية هؤلاء الوضاعين، وكبير جرمهم، فقد أورد - ﵀ - حديث تكليم حمار النبي - ﷺ - يعفور له، وبيّن أنه باطل موضوع، ثم ذكر أن مثل هذه الأحاديث قد فتحت بابًا عظيمًا للزنادقة للطعن في الدين، فقال: "هذه الأحاديث وأمثالها هي التي جرأت الزنادقة والملاحدة على الطعن في الإسلام، والقدح في الدين.
فالجناية على الإسلام بالوضاعين والكذابين، تضاهي الجناية عليه من الزنادقة والطاعنين"١.
المسألة الثالثة: بيان الشبهة التي يتعلق بها بعض الوضاعين، والرد عليها.
والمقصود في هذا المقام خاصة: أولئك الذين حملهم التدين الناشيء عن الجهل على وضع الحديث على النبي ﷺ، يحتسبون بذلك بزعمهم، ويتقربون إلى الله بجهلهم.
_________________
(١) ١ الموضوعات: (ق ٤٣/ب) .
[ ١ / ٤٥٣ ]
وقد اعتنى هؤلاء بوضع أحاديث في الفضائل، والترغيب والترهيب، وكان من الشُّبه التي تعلق بها بعضهم في ذلك قولهم: إن الكذب في الترغيب والترهيب كذب للنبي ﷺ، لا كذب عليه!!
قال الحافظ ابن كثير ﵀: "وهذا من كمال جهلهم، وقلة عقلهم، وكثرة فجورهم وافترائهم؛ فإنه - ﵇ - لا يحتاج - في كمال شريعته وفضلها- إلى غيره"١.
وقد ألمح ابن القَيِّم - ﵀ - إلى شبهتهم هذه، ورد عليها - وذلك عندما أورد بعض الأحاديث التي وضعوها في فضائل سور القرآن- فقال: "وقال بعض جهلاء الوضاعين في هذا النوع: نحن نكذب لرسول الله ﷺ، ولا نكذب عليه.
ولم يعلم هذا الجاهل: أنه من قال عليه ما لم يقل، فقد كذب عليه، واستحق الوعيد الشديد"٢.
المسألة الرابعة: بيان أنه من المحال وقوع الكذب والغلط في حديث رسول الله ﷺ دون كشفه.
إن من تمام حفظ الله - ﷿ - لهذا الدين: أن هيأ جهابذةً نقادًا، وأئمة أفذاذًا، مَحَّصُوا هذه الأحاديث، وميزوا كلام النبي ﷺ من كلام غيره من الكذابين.
_________________
(١) ١ اختصار علوم الحديث: (ص ٧٩) . ٢ المنار المنيف: (ص١١٤- ١١٥) .
[ ١ / ٤٥٤ ]
قيل لعبد الله بن المبارك ﵀: هذه الأحاديث المصنوعة؟ فقال: "يعيش لها الجهابذة ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] "١.
وقد أشار ابن القَيِّم - ﵀ - إلى هذا المعنى، وأن الله - ﷿ - لابد وأن يُقِيمَ في هذه الأمة من ينافح عن دينه، ويذبُّ الكذب عن سنة نبيه ﷺ، فقال: " ونحن لا نَدَّعي عصمة الرواة، بل نقول: إن الراوي إذا كذب، أو غلط، أو سها، فلا بد أن يقوم دليل على ذلك، ولا بد أن يكون في الأمة من يعرف كذبه وغلطه، ليتم حفظه لحججه وأدلته، ولا تلتبس بما ليس منها"٢.
ثم بيّن - ﵀ - أن لهذه الطائفة تأييدًا خاصًا، وتوفيقًا من الله ﷿، فقال: "والله - ﷿ - يؤيد من ينافحُ عن رسوله تأييدًا خاصًا، ويفتحُ له - في معرفة نقد الحق من الباطل - فتحًا مبينًا، وذلك من تمام حفظه لدينه، وأنه لا يزال من عباده طائفة قائمة بنصرة الحق إلى أن يأتي أمر الله، جعلنا الله منهم بمنّه وكرمه"٣.
_________________
(١) ١ الجرح والتعديل: (١/١/١٨) . ٢ مختصر الصواعق: (٢/٤٨١) . ٣ الموضوعات: (ق٤٣/ب) .
[ ١ / ٤٥٥ ]
المسألة الخامسة: في بيان الأغراض الحاملة للوضاعين على وضع الحديث.
تختلف الأغراض الباعِثَةُ للوضَّاعين على وضع الحديث وتتنوع، ومن ثَمَّ فهم ينقسمون إلى فرق وطوائف عديدة، وذلك بحسب الغرض الحامل لكل طائفة منهم على الكذب.
ومن الأسباب التي ذكرها ابن القَيِّم - ﵀ - مما كان باعثًا للوضاعين على وضع الحديث:
١- قوم حملهم على ذلك: الاستخفاف بالدين والطعن فيه، والتنقص للرسول ﷺ والإضلال للناس، وهم الزنادقة: المبطنون للكفر المظهرون للإسلام، أو: الذين لا يتدينون بدين١.
وقد أشار ابن القَيِّم - ﵀ - إلى هذه الطائفة - عند ذكره: أن الحديث الموضوع يشتمل على مجازفات لا يصدر مثلها عن النبي ﷺ - فقال:
"وأمثال هذه المجازفات الباردة لا يخلو حال واضعها من أحد أمرين:
إما أن يكون في غاية الجهل والحمق، وإما أن يكون زنديقًا قصد التنقيص بالرسول ﷺ بإضافة مثل هذه الكلمات إليه"٢.
_________________
(١) ١ فتح المغيث: (١/٢٥٣) . ٢ المنار المنيف: (ص ٥١) .
[ ١ / ٤٥٦ ]
٢- وصنف آخر، كان قصدهم من وضع الحديث: شغل الناس بالخير وصرفهم عن الشر بزعمهم، فوضعوا أحاديث في الترغيب والترهيب، والفضائل: كفضائل سور القرآن سورة سورة، وغير ذلك.
وقد أشار ابن القَيِّم - ﵀ - إلى هذه الطائفة وصنيعها، فذكر ما قاموا به من وضع أحاديث فضائل السور، ثم قال: "وقد اعترف بوضعها واضعها، وقال: قصدت أن أشغل الناس بالقرآن عن غيره. وقال بعض جهلاء الوضاعين في هذا النوع: نحن نكذب لرسول الله ﷺ، ولا نكذب عليه. ولم يعلم هذا الجاهل: أنه من قال عليه ما لم يقل، فقد كذب عليه واستحق الوعيد الشديد"١. وهذه الطائفة غالبًا ما ينسبون إلى الزهد والصلاح، ولذا فهم أعظم هذه الطوائف خطرًا؛ لثقة الناس بهم٢.
وقد أشار بعض الأئمة - ﵏ - إلى حال هؤلاء القوم وسوء صنيعهم وكذبهم في الحديث النبوي، من ذلك قول يحيى بن سعيد القطان ﵀: "ما رأيت الصالحين في شيء أكذب منهم في الحديث"٣.
٣- وطائفة ثالثة من أصحاب الأهواء والبدع، وضعوا الحديث نصرةً لمذاهبهم، وتعصبًا لِنِحَلِهم، وتأييدًا لبدعهم: كالروافض، والخوارج، وغيرهم.
_________________
(١) ١ المنار المنيف: (ص١١٤ - ١١٥) . ٢ انظر: ألفية الحديث وشرحها - للعراقي: (١/٢٦٦) ٣ الجامع للخطيب البغدادي: (٢/١٩٩) . وانظر أيضًا: مقدمة صحيح مسلم مع شرح النووي: (١/٩٤)، والتمهيد: (١/٥٢) .
[ ١ / ٤٥٧ ]
قال ابن القَيِّم ﵀: "وأما ما وضعه الرافضة في فضائل علي: فأكثر من أن يعد". ثم نقل عن الخليلي قوله: إنهم وضعوا ثلثمائة ألف حديث، ثم قال: "ولا تستبعد هذا؛ فإنك لو تتبعت ما عندهم من ذلك لوجدت الأمر كما قال"١.
ومن ذلك أيضًا: ما أشار إليه - ﵀ - من وضع أهل البدع أحاديث في الاكتحال والتطيب يوم عاشوراء، وذكر أن ذلك كله كذب من وضع المبتدعة، تأييدًا لبدعهم٢.
٤- وطائفة من هؤلاء كانوا من أصحاب المصالح الدنيوية، والأغراض الشخصية، فوضعوا أحاديث لتحقيق تلك المصالح، وتحصيل تلك الأغراض.
قال ابن القَيِّم - ﵀ - يصف بعض هذه الطوائف: "وكل حديث في الصخرة فهو كذب مفترى، والقدم الذي فيها كذب موضوع، مما عملته أيدي الْمُزَوِّرين، الذين يُرَوِّجُون لها ليكثر سواد الزائرين"٣.
ويشير بذلك إلى الأحاديث التي وُضعت في فضل الصخرة ببيت المقدس.
وبعد، فهذه بعض الأغراض التي ذكرها ابن القَيِّم - ﵀ - مما حمل بعض الناس على وضع الحديث.
_________________
(١) ١ المنار المنيف: (ص١١٦) . ٢ المنار المنيف: (ص١١١- ١١٣) . ٣ المنار المنيف: (ص٨٧) .
[ ١ / ٤٥٨ ]
المسألة السادسة: العلامات التي يُعرف بها كون الحديث موضوعًا.
تناول الأئمة ﵏ - عند كلامهم على الحديث الموضوع - بعض العلامات التي تدل على كون الحديث موضوعًا، وذلك مما يقع في متنه دون إسناده، بحيث ترشد هذه العلامات الناظرَ فيه إلى أنه ليس من كلام النبيصلى الله عليه وسلم.
ولكن ليس ذلك بمقدور كل أحد، وإنما تميزت بذلك طائفة معينة من الأئمة، هيأهم الله لذلك، واختصهم بخصائص ليست لغيرهم، أولئك: هم جهابذةُ الحديث وأطباؤه، وصيارفته ونقاده.
قال ابن القَيِّم - ﵀ - في بيان صفة هذه الطائفة، والأسباب التي أوصلتهم إلى هذه المرتبة:
"وإنما يعلم ذلك - يعني كون الحديث موضوعًا -: من تَضَلَّع١ في معرفة السنن الصحيحة، واختلطت بلحمه ودمه، وصار له فيها ملكة، وصار له اختصاص شديد بمعرفة السنن والآثار، ومعرفة سيرة رسول الله ﷺ وهديه فيما يأمر به وينهى عنه، ويخبر عنه ويدعو إليه، ويحبه ويكرهه، ويشرعه للأمة، بحيث كأنه مخالط للرسول ﷺ كواحد من أصحابه"٢.
_________________
(١) ١ تَضَلَّعَ الرجل: امتلأ ما بين أضلاعه شبعًا وريًا. (لسان العرب: ص٢٥٩٩، مادة: ضلع) .فمراد ابن القَيِّم هنا: من تَشَبَّعَ بمعرفة السنن حتى امتلأ من هذه المعرفة، وصار له فيها شأن. ٢ المنار المنيف: (ص٤٤) .
[ ١ / ٤٥٩ ]
ولقد أسهم ابن القَيِّم - ﵀ - في هذا الجانب إسهامًا فَعَّالًا، وشارك بجهد نافع؛ذلك أنه - ﵀ - قد سئل عن إمكان معرفة الحديث الموضوع بضابط من غير نظر في إسناده.
فأجاب - بعد أن بين أهمية هذا السؤال وعظم قدره - بجملة من الضوابط والدلائل التي يعرف بها ذلك١فجاءت كلماته نافعة في بابها، مفيدة لمن طالعها ونظرها.
فمن هذه الضوابط والعلامات التي ذكرها ابن القَيِّم ﵀:
١- اشتمال الحديث على مجازفات باردة لا يمكن أن يقول مثلها رسول الله ﷺ.
والْمُجَازَفَة: هي إرسال الكلام إرسالًا من غير قانون. ويُقَالُ لمن كان هذا شأنه: جازف في كلامه٢.
فقصد ابن القَيِّم بذلك: أن يكون الحديث مشتملًا على كلام مبالغ فيه، وتهويلات لا ضابط لها.
ويكثر هذا النوع من المجازفات الفارغة في أحاديث الترغيب والترهيب، وقد مثَّل ابن القَيِّم لذلك بأحاديث، منها:
- حديث: " من صلى الضحى كذا وكذا ركعة، أعطي ثواب سبعين نبيًا".
_________________
(١) ١ انظر: المنار المنيف: (ص٥٠ - ١٠٢) . ٢ المصباح المنير: (١/٩٩) .
[ ١ / ٤٦٠ ]
قال ابن القَيِّم: "وكأن هذا الكذاب الخبيث لم يعلم أن غير النبي لو صَلَّى عُمْرَ نوحٍ - ﵇ - لم يعط ثواب نبيٍّ واحد".١
- وحديث: " من صلى بعد المغرب ست ركعات، لم يتكلم بينهن بشيء عدلن له عبادة اثنتي عشرة سنة " ٢.
إلى غير ذلك من المبالغات الكثيرة التي نسجها الكذابون على هذا المنوال٣.
٢- أن يكون الحديث مما يكذبه الحس.
كأن يكون الحديث مشتملًا على أمر يشهد الواقع المحسوس المشاهد بكذبه، ومن أمثلة ما وضع من هذا القبيل:
- حديث: " الباذنجان شفاء من كل داء " ٤.
- وحديث: " الباذنجان لما أكل له " ٥.
_________________
(١) ١ المنار المنيف: (ص٥٠)، وانظر (الموضوعات) لابن الجوزي (٢/٤١٦- ٤١٧) ح٩٩٢، فقد ذكر حديثًا طويلًا في ثواب من صلى الضحى يوم الجمعة، وفيه: "والذي بعثني بالحق إن له من الثواب كثواب إبراهيم، وموسى ويحيى وعيسى ". ثم حكم بوضعه. أما اللفظ الذي ذكره ابن القَيِّم ﵀: فلم أقف عليه. ٢ المنار المنيف: (ص٤٧)، وأورده ابن طاهر في (معرفة التذكرة في الأحاديث الموضوعة): (ص٢١٩ح٨٢٤) . ورواه ابن حبان في (المجروحين) (٢/٨٣) في ترجمة عمر بن راشد اليمامي، قال: "كان ممن يروي الموضوعات عن ثقات أئمة". ثم قال: "وهو الذي روى عن يحيى بن أبي كثير " فساق هذا الحديث. ٣ المنار المنيف: (ص٤٤- ٥١) . ٤ انظر: الفوائد المجموعة (ص١٦٧) ح٣٦ من كتاب الأطعمة والأشربة، وتذكرة الموضوعات (ص١٤٨) . ٥ انظر: تذكرة الموضوعات: (ص١٤٨)، والمصنوع: (ص٧٣ح٧٥)، وكشف الخفاء (ح٨٧٤) .
[ ١ / ٤٦١ ]
قال ابن القَيِّم ﵀: " ولو أكل الباذنجان للحمى والسوداء الغالبة، وكثير من الأمراض لم يزدها إلا شِدَّة، ولو أكله فقيرٌ ليستغني لم يفده الغنى، أو جاهلٌ ليتعلم لم يفده العلم"١.
فهذه الأحاديث وأمثالها مما يكذبها الواقع، وتدل المشاهدة والحقائق المقررة على خلافها.
٣- سماجة الحديث، وكونه مما يُسْخَرُ منه.
والسَّمَاجُة: نقيض الملاحة، وسَمُجَ الشيء، فهو سَمْجٌ، وَسَمِجٌ: قَبُحَ٢.
ومن الأمثلة التي أوردها ابن القَيِّم - ﵀ - على هذا الأمر:
- حديث: " لو كان الأرز رجلًا لكان حليمًا " ٣.
- حديث: " لا تسبوا الديك؛ فإنه صديقي " ٤.
٤- مخالفة الحديث لصريح القرآن.
- كحديث مقدار الدنيا، " وأنها سبعة آلاف سنة، ونحن في الألف السابعة" ٥.
_________________
(١) ١ المنار المنيف: (ص٥١) . ٢ لسان العرب: (ص٢٠٨٧. مادة: سمج)، والمصباح المنير: (١/٢٨٧) . ٣ المنار المنيف: (ص٥٤)، وانظر المصنوع (١٤٨ح٢٥٢)، وتذكرة الموضوعات (ص١٤٨)، وتمييز الطيب من الخبيث (ص ١٣٥) . ٤ المنار المنيف: (ص٥٥)، وانظر: الموضوعات لابن الجوزي (٣/١٣٣ح١٣٤٧)، وتنزيه الشريعة (٢/٢٤٩ح٦٠) . ٥ المنار المنيف: (ص٨٠) .
[ ١ / ٤٦٢ ]
فهذا الحديث يناقض نصوص القرآن الكثيرة التي فيها أن الله ﷿ قد اختص بعلم الساعة، ولم يطلع على ذلك أحدًا، كقوله تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاّ هُوَ﴾ [الأعراف: ١٨٧] .
٥- مناقضة الحديث لما جاءت به السُّنة الصريحة مناقضةً بَيِّنة.
قال ابن القَيِّم ﵀: "فكل حديث يشتمل على فساد، أو ظلم، أو عبث، أو مدح باطل، أو ذم حق، أو نحو ذلك: فرسول الله ﷺ منه بريء"١.
ومن أمثلة ذلك مما ساقه ابن القَيِّم ﵀: الأحاديث الواردة في مدح من اسمه محمد أو أحمد، وأنه من تسمى بذلك لا يدخل النار٢.
قال ابن القَيِّم: "وهذا مناقض لما هو معلوم من دينه ﷺ: أن النار
_________________
(١) ١ المنار المنيف: (ص٥٧) . ٢ من أمثلة ذلك: ما يروى عن أنس ﵁ مرفوعًا: "يُوقف عبدان بين يدي الله عزوجل فيأمر بهما إلى الجنة، فيقولان: ربنا بما نستأهل الجنة ولم نعمل عملًا تجازينا؟! فيقول الله لهما: عبديّ ادخلا الجنة، فإني آليت على نفسي أن لا يدخل النار من اسمه أحمد أو محمد". أخرجه ابن الجوزي في (الموضوعات): (١/٢٤٠- ٢٤١ح٣٢٦) . أخرجه ابن الجوزي، وأورده ابن عراق في (تنزيه الشريعة): (١/١٧٣ح١٣) . وينظر جملة من الأحاديث الواردة في ذلك في موضوعات ابن الجوزي - المصدر السابق - الأحاديث رقم (٣٢٠ - ٣٢٨) .
[ ١ / ٤٦٣ ]
لا يجار منها بالأسماء والألقاب، وإنما النجاة منها بالإيمان والأعمال الصالحة"١.
٦- أن يُدَّعى أن النبي ﷺ فَعَلَ أمرًا ظاهرًا بمحضر من الصحابة كلهم، وأنهم اتفقوا على كتمانه ولم ينقلوه.
فإن العادة قد جرت على أن مثل ذلك ينقله العدد الكثير، أما أن يطبق الجميع على كتمان ذلك وعدم نقله، أو ينفرد واحد من دون هذا الجمع بنقل ذلك: فإنه لا يكاد يقع.
وقد مَثَّل ابن القَيِّم - ﵀ - لذلك بما ادَّعته الرافضة: من أن النبي ﷺ أخذ بيد علي ﵁ بمحضر من الصحابة كلهم وهم راجعون من حجة الوداع، فأقامه بينهم حتى عرفه الجميع، ثم قال: " هذا وَصِيّ وأخي، والخليفة من بعدي، فاسمعوا له وأطيعوا ". ثم اتفقوا جميعًا على كتمان ذلك ومخالفته٢.
٧- أن يكون الحديث باطلًا في نفسه، فَيَدُلُّ بطلانه على أنه ليس من كلام الرسول ﷺ.
ومن أمثلة ذلك:
_________________
(١) ١ المنار المنيف: (ص٥٧) . ٢ المنار المنيف: (ص٥٧)، وأخرج حديث الوصية لعلي: الجورقاني في (الأباطيل): (٢/١٤٨) ح٥٤٣ - ٥٤٤. ثم قال في الأول منهما: "هذا حديث باطل، لا أصل له". وقال في الثاني: "هذا حديث باطل، وفي إسناده ظلمات" وأخرج ابن الجوزي في (موضوعاته) (٢/١٤٧) عدة أحاديث في الوصية لعلي، برقم (٧٠٢ - ٧٠٩) . وحكم عليها كلها بالضعف والوضع.
[ ١ / ٤٦٤ ]
- حديث: "الحجامة على القفا تورث النسيان" ١.
- وحديث: " إذا غضب الله أنزل الوحي بالفارسية، وإذا رضي أنزله بالعربية" ٢.
- وحديث: " الْمَجَرَّةُ التي في السماء من عرق الأفعى التي تحت العرش" ٣.
٨ - أن يكون كلامه لا يشبه كلام الأنبياء، فضلًا عن كلام رسول الله ﷺ، الذي هو وحي.
وقد ساق ابن القَيِّم - ﵀ - أمثلة كثيرة لذلك، أغلبها من الأحاديث الواردة في حسان الوجوه، وأن النظر إليهم يجلو البصر، أو أنه عبادة، أو أنهم لا يعذبون، وغير ذلك٤.
٩- أن يكون الحديث مشتملًا على ذكر تاريخ حوادث مستقبلة.
نحو: "إذا كان سنة كذا وكذا وقع كيت وكيت، وإذا كان شهر كذا وكذا وقع كيت وكيت". قال ابن القَيِّم ﵀: "وأحاديث هذا
_________________
(١) ١ المنار المنيف: (ص٥٩) .وانظر: كشف الخفاء (ح١١٠٦)، وتمييز الطيب من الخبيث (ص٦٨)، والأسرار المرفوعة (ح١٦٨) . وعزوه جميعًا للديلمي من طريق عمر بن واصل، وابن واصل اتهمه الخطيب بالوضع. وهو عندهم بلفظ " الحجامة في نقرة الرأس ". ونقرة القفا: حفرة في آخر الدماغ. (كما في المعجم الوسيط: نقر) . ٢ المنار المنيف: (ص٥٩) . ٣ النار المنيف: (ص٥٩) . ٤ المنار المنيف: (ص٦١ - ٦٣) . وانظر: الموضوعات لابن الجوزي (١/٢٥٢) ح٣٣٧، ٣٣٨، باب: النظر إلى الوجه الحسن.
[ ١ / ٤٦٥ ]
الباب كلها كذب مفترى"١.
وهذا الحكم - لا شك - مبني على استقراءٍ لأحاديث الباب كلها، فإنه قد قرر أن هذه الأحاديث - مع اشتمالها على معان باطلة - لم يصح منها عن النبي ﷺ شيء.
١٠- أن يكون الحديث بوصف الأطباء والطُّرُقِيَّة أشبه وأليق.
ومن الأمثلة التي ذكرها ابن القَيِّم - ﵀ - لذلك:
- حديث: "الهريسة تشد الظهر" ٢.
- وحديث: "أكل السمك يوهن الجسد" ٣.
- وحديث: "من أخذ لقمة من مجرى الغائط أو البول، فغسلها ثم أكلها غفر له" ٤.
١١- أن يكون مما تقوم الشواهد الصحيحة على بطلانه.
والظاهر أن ابن القَيِّم - ﵀ - قصد بذلك: مخالفة الحديث للشواهد الصحيحة من الكتاب والسنة.
_________________
(١) ١ المنار المنيف: (ص٦٤)، وانظر ص (١١٠ - ١١١) . وينظر حول ذلك: الموضوعات لابن الجوزي (٣/٤٦٠ - ٤٧٦) . ٢ المنار المنيف: (ص٦٤) . وانظر: الأسرار المرفوعة (ص٤١٨) . ٣ المنار المنيف: (ص٦٤) . وانظر: الموضوعات لابن الجوزي (٣/١٥٥) ح١٣٦٨، واللآلئ (٢/٢٣٣)، وتنزيه الشريعة (٢/٢٣٩) ح١٧. ولفظه عند هؤلاء الثلاثة: "يذهب الجسد". قال ابن الجوزي عقبه: "هذا حديث ليس بشيء لا في إسناده، ولا في معناه، ولعله "يذيب الجسد" فقد اختلط على الراوي وفسره على الغلط، والسمك لا يذيب الجسد، ولا يذهب الحسد"، ثم بين شدة ضعف إسناده، ثم قال: "وكلام رسول الله ﷺ يُتحاشى عن مثل هذا". ٤ المنار المنيف: (ص٦٥) ح١١٧. وانظر: الأسرار المرفوعة (ص٤٢٠) .
[ ١ / ٤٦٦ ]
وقد مثَّل - ﵀ - لذلك بحديث عُوج بن عُنُق، وما جاء من: أن طوله كان ثلاثة آلاف ذراع وثلاث مائة وثلاثة ثلاثين وثلثًا، وأن نوحًا لما خَوَّفَهُ الغَرَقَ، قال له: احملني في قصعتك هذه إلى آخر ما جاء في الحديث.
ثم بين ابن القَيِّم - ﵀ - قيام شواهد عديدة من الكتاب والسنة على بطلانه١.
١٢- ركاكةُ ألفاظِ الحديثِ وسَمَاجَتُهَا، بحيث يَمُجُّهَا السَّمع، ويدفعها الطبع ويسمج معناها للفطن٢.
١٣- ما يقترن بالحديث من القرائن التي يعلم بها أنه باطل.
وقد مثل ابن القَيِّم لهذا الضابط بحديث: " وضع الجزية عن أهل خيبر". ثم بين أنه يشتمل على قرائن عديدة تدل على بطلانه٣.
فمن القرائن التي جاءت في هذا الخبر، وهي تدل على كذبه:
- أن فيه "شهادة سعد بن معاذ"، وسعد توفي قبل ذلك في غزوة الخندق.
- وفيه: "وكتب معاوية بن أبي سفيان". ومعاوية إنما أسلم زمن الفتح. إلى غير ذلك من القرائن الدالة على كذبه.
_________________
(١) ١ المنار المنيف: (ص٧٦ - ٧٧) . وانظر: الأسرار المرفوعة (ص٤٢٥ - ٤٢٧)، وتعليق محقق الكتاب على هذا الحديث. ٢ المنار المنيف: (ص٩٠) . ٣ المنار المنيف: (ص١٠٢ - ١٠٥) . وانظر: الأسرار المرفوعة (ص٤٤٤)، وتعليق المحقق على الحديث.
[ ١ / ٤٦٧ ]
١٤- أن يكون الحديث مما لم يوقف عليه في المصنفات الحديثية.
قال ابن القَيِّم - ﵀ - في حديث عمر ﵁ في قصة فاطمة بنت قيس، وقوله: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لها السكنى والنفقة":
" فنحن نشهد بالله شهادة نُسأل عنها إذا لقيناه: أن هذا كذب على عمر ﵁، وكذب على رسول الله ﷺ فلو يكون هذا عند عمر ﵁، عن النبي ﷺ لما فات هذا الحديث أئمة الحديث والمصنفين في السنن والأحكام"١.
وقد ذهب الفخر الرازي - ﵀ - إلى أن الخبر إذا روي في زمان استقرت فيه الأخبار، فَفُتِّشَ عنه فلم يوجد في بطون الكتب، ولا في صدور الرجال، عُلِمَ بطلانه، وذلك فيما بعد عصر الصحابة؛ فإنَّ الأخبار في عصرهم لم تكن استقرت٢.
ولكن هذا الأمر ليس على إطلاقه، بحيث يَتَسَنَّى لكل شخص الحكم ببطلان الحديث لمجرد أنه لم يقف عليه في كتب السنن، بل لابد من قيد وضابط لهذه المسألة، وقد ذكر الحافظ العلائي - ﵀ - لذلك قيدًا حسنًا، فقال: "وهذا إنما يقوم به - يعني التفتيش عن الحديث - الحافظ الكبير، الذي قد أحاط حفظه بجميع الحديث أو بمعظمه؛ كالإمام أحمد، وعلي بن المديني، ويحيى بن معين، ومن بعدهم: كالبخاري، وأبي
_________________
(١) ١ زاد المعاد: (٥/٥٣٩) . ٢ نكت ابن حجر على ابن الصلاح: (٢/٨٤٧) .
[ ١ / ٤٦٨ ]
حاتم، وأبي زرعة، ومن دونهم: كالنسائي ثم الدارقطنى؛ لأن المأخذ الذي يحكم به - غالبًا - على الحديث بأنه موضوع: إنما هي الملكة النفسانية الناشئة عن جمع الطرق، والاطلاع على غالب المرويِّ في البلدان المتنائية، بحيث يعرف بذلك ما هو من حديث الرواة مما ليس من حديثهم.
وأما من لم يصل إلى هذه المرتبة، فكيف يَقْضِي بعدم وُجْدَانِهِ للحديث بأنه موضوع؟! هذا ما يأباه تصرفهم، فالله أعلم"١.
فلابد من تقييد كلام ابن القَيِّم - ﵀ - بمثل ذلك.
وبعد، فهذه هي الأمارات والضوابط التي وضعها ابن القَيِّم - ﵀ - لمعرفة الحديث الموضوع بمجرد النظر في متنه، دون البحث في إسناده.
ويحسنُ في هذا المقام التنبيه على أن بعض الأئمة قد ذكر بعضًا من هذه الضوابط٢، إلا أن ابن القَيِّم قد انفرد بزيادات عنهم٣، مع حُسْنِ عرضها وتنسيقها، وجمع أمثلة وشواهد عديدة تحت كل ضابط منها، بحيث تكون مرجعًا مهمًا في هذا الباب.
_________________
(١) ١ نكت ابن حجر: (٢/٨٤٧) . ٢ انظر الكفاية: (ص ٥٠ - ٥١)، ونكت ابن حجر على ابن الصلاح: (٢/٨٤٤- ٨٤٧)، وفتح المغيث: (١/٢٦٤ - ٢٦٥) . ٣ انظر مثلًا العلامات والضوابط رقم: (١، ٣، ٥، ٨، ٩، ١٠) .
[ ١ / ٤٦٩ ]