تَقَدَّم أن ابن القَيِّم - ﵀ - كان صاحب رسالة سامية غالية، وأنه عاش حياته حاملًا أعباء تأدية هذه الرسالة على أتمِّ وجه.
فلا عجب إذن أن نجد ارتباطًا وثيقًا بين مهمة أداء هذه الرسالة والقيام بأعبائها من جهة، وبين الأعمال التي مارسها ابن القَيِّم والوظائف التي تقلدها من جهة ثانية؛ إذ إن هذه الوظائف هي مجال تنفيذ هذه المهمة، ووسيلة تحقيقها.
فقد كانت هذه الأعمال وتلك المناصب منحصرةً في دائرة تبليغ العلم ونشره لا تخرج عن ذلك بحالٍ؛ فقد عاش حياته - ﵀ - متصدرًا "للاشتغال ونشر العلم"١.
ويمكننا حصر الأعمال التي مارسها ابن القَيِّم ﵀، والوظائف التي كان يشغلها - في ضوء ما سَجَّلَتْهُ مصادرُ ترجمته - فيما يلي:
١- التدريس.
٢- الإمامة.
٣- الخطابة.
٤- الإفتاء.
٥- التأليف والتصنيف.
١- التَّدْرِيس:
سبقت الإشارة إلى أن انتشار المدارس في دمشق في عصر ابن القَيِّم وكثرتها، كان من أبرز مظاهر ازدهار الحركة العِلْمِيَّة آنذاك، وأنه كان يَتَقَلَّدُ
_________________
(١) ١ المعجم المختص: (ص٢٦٩) .
[ ١ / ١٨٣ ]
وظيفة التدريس بهذه المدارس أكابرُ علماء الوقت، فكانت المدارس - بهذه المثابة - تُشْبِه الجامعاتِ العِلْمِيَّةَ في وقتنا الحاضر، بل إنَّ نظام الدراسة في كثير من جامعاتنا اليوم يشبه إلى حدٍّ كبير نظام الدراسة قديمًا.
ولَمَّا كان ابن القَيِّم - ﵀ - واحدًا من جهابذة علماء ذلك العصر وأئمته المُقَدَّمين؛ فإنه قد شارك بجهده وعلمه في هذا الجانب المهم، ألا وهو التدريس.
وقد أشار بعض مترجميه إلى ممارسته هذه الوظيفة١.
أما عن الأماكن التي درَّس بها، فقد أجمعت المصادر التي ذكرت ممارسته للتدريس على ذكر تدريسه بالمدرسة "الصدرية"٢، وقد سَبَقَ الكلام عليها٣.
ويُحَدِّد الحافظ ابن كثير تاريخ تَوَلِّيهِ التدريس بهذه المدرسة، فيقول: "وفي يوم الخميس سادس صفر - يعني سنة ٧٤٣هـ - درَّس بالصَّدْرِيَّةِ صاحبنا الإمام العلامة شمس الدين محمد بن أبي بكر بن أيوب الزُّرَعِيّ"٤.
ثم يشير - ﵀ - إلى أن دَرْسَه كان حَافِلًا، حَضَرَهُ جمع من
_________________
(١) ١ انظر: ذيل العبر: (ص١٥٥)، وذيل طبقات الحنابلة: (٢/٤٤٩)، والبدر الطالع: (٢/١٤٣) . ٢ انظر: ذيل الطبقات: (٢/٤٤٩)، والبدر الطالع: (٢/١٤٣) . ٣ انظر ص: (٧٢) . ٤ البداية والنهاية: (١٤/٢١٤) .
[ ١ / ١٨٤ ]
الفضلاء، فيقول: "وَحَضَر عنده الشيخ عِزُّ الدين بن الْمُنَجَّا١ - الذي نزل له عنها - وجماعة من الفضلاء"٢.
وقد اسْتَمَرَّ - ﵀ - في التَّدْرِيسِ بـ "الصدرية" حتى آخر حياته، يدلُّ على ذلك ما حَكَاهُ ابن كثير - ﵀ - من أنه "في يوم الاثنين ثاني عشر شهر شعبان - يعني بعد وفاة ابن القَيِّم بشهر - ذكر الدَّرْسِ بالصدرية شرف الدين عبد الله بن الشيخ الإمام العلامة شمس الدين ابن قيم الجوزية، عوضًا عن أبيه ﵀"٣. وبذلك تكون مدة تدريسه بها قريبًا من ثمان سنين.
ولكن هل كانت بداية ابن القَيِّم مع التدريس بِتَوَلِّيه الصدرية سنة ٧٤٣هـ، وأنه لم يشتغل بالتدريس قبل هذا التاريخ؟
الظاهر - والله أعلم - أنه بدأ التدريس قبل ذلك؛ إذ يبعدُ أن يبقى مثل ابن القَيِّم إلى ما بعد الخمسين من عمره دون أن يمارس وظيفة التدريس، التي كان يمارسها من هو دون ابن القَيِّم بكثير، ولعل ما يؤكد صدق ذلك: ما ذكره السخاوي - ﵀ -: من أن ابن القَيِّم - ﵀ - قد "دَرَّسَ بأماكن"٤. ولكنه لم يحدد هذه الأماكن.
_________________
(١) ١ هو: عز الدين، محمد بن أحمد بن محمد بن عثمان بن أسعد بن الْمُنَجَّا، التَنُّوخِي، الحنبلي، مُحْتَسبُ دمشق، وناظر الجامع. وكان رجلًا خيرًا، كريم النفس، كثير المروءة، محبًا لأهل العلم. توفي سنة (٧٤٦هـ) . له ترجمة في: ذيل العبر - للحسيني: (ص١٣٨)، والوفيات - لابن رافع: (٢/١٢) . ٢ البداية والنهاية: (١٤/٢١٤) . ٣ البداية والنهاية: (١٤/٢٤٧) . ٤ التاج المكلل: (ص٤١٩) .
[ ١ / ١٨٥ ]
وعلى كل حال، فإنَّ هذا ما وصل إلى علمنا من الأماكن التي درَّس فيها وتاريخ ذلك.
٢- الإمَامَةُ:
إن وظيفة الإمامة لا يصلح لها كل أحد، بل لا بد أن يكون المتصدي لها عارفًا بالقراءة وأحكامها، مع أمور أخرى - في دينه وخُلُقِهِ - لابد من توافرها.
ولقد كان ابن القَيِّم - ﵀ - "حَسَن القراءة" كما وصفه بذلك ابن كثير١، مع ما كان عليه: من القراءة بالتدبر والتفكر، والعلم بمعاني ما يقرأ، والخشوع والخضوع والتذلل والإنابة لله - عزوجل - على النحو الذي مضى وصفه.
كل ذلك يجعل ابن القَيِّم مؤهلًا غاية التأهل لشغل منصب الإمامة، بل إن ذلك يجعله من أحق الناس بها.
وقد كان ابن القَيِّم -﵀- متوليًا إمامة المدرسة "الجوزية" - التي كان أبوه قَيِّمَهَا - كما ذكر ذلك عنه جماعة٢.
ويبدو أنه - ﵀ - كان مشهورًا بذلك جدًا، حتى إن بعض مترجميه يذكرونه بذلك في مقام التعريف به، فيقول الذهبي ﵀:
_________________
(١) ١ البداية والنهاية: (١٤/٢٤٦) . ٢ انظر: ذيل طبقات الحنابلة: (٢/٤٤٩)، والدرر الكامنة: (٤/٢١)، والبدر الطالع: (٢/١٤٣) .
[ ١ / ١٨٦ ]
" أبو عبد الله، الدمشقي، إمام الجوزية"١. ويقول ابن كثير ﵀: " إمام الجوزية، وابن قَيِّمها"٢.
ولا تُعْرَفُ مُدَّةُ إمامته بـ "الجوزية"، إلا أن ابن رجب - ﵀ - يقول: "أمَّ بالجوزية مدة طويلة"٣.
٣- الْخَطَابَةُ:
وإلى جانب التدريس والإمامة، فقد كان ابن القَيِّم - ﵀ - مشتغلًا بالخطابة، فقد ذكر الحافظ ابن كثير في أحداث سنة ٧٣٦هـ: أنه "في سَلْخِ رجب أقيمت الجمعة بالجامع الذي أنشأه نجم الدين بن خليخان، تجاه باب كيسان من القبلة٤، وخطب فيه الشيخ الإمام العلامة شمس الدين ابن قَيِّم الجوزية"٥.
ونقل النعيمي كلام ابن كثير هذا، ثم قال: "ورأيت بخط البرزالي في السنة المذكورة نحو ذلك، وزاد - يعني البرزالي -: وكان قد نودي
_________________
(١) ١ المعجم المختص: (ص٢٦٩) . ٢ البداية والنهاية: (١٤/٢٤٦) . ٣ ذيل الطبقات: (٢/٤٤٩) . ٤ ويعرف بالجامع "الخليخاني"، نسبة إلى بانيه، وباب كيسان: نقل ابن بدران عن ابن عساكر قوله: "ينسب إلى كيسان بن معاوية وهو الآن مسدود". قال ابن بدران: "ولم يزل مسدودًا إلى عهدنا هذا". (منادمة الأطلال: ص ٤٠) . أما عن الجامع، فيقول ابن بدران: "وقد أُدْخِل اليوم في بستان له، يقال له: بستان الأمير، ولم يبق من آثاره اليوم إلا بعض منارته، وقبرٌ إلى جانبها، وقد شاهدته بدمشق سنة ١٣٣٣هـ". (منادمة الأطلال: ص٣٧٦) . ٥ البداية والنهاية: (١٤/١٨٣) .
[ ١ / ١٨٧ ]
في البلد لذلك، فحضر خَلْقٌ كثير من الأعيان وغيرهم"١.
وابن القَيِّم - ﵀ - هو أول من خطب بهذا الجامع، كما هو ظاهر كلام ابن كثير الماضي، ونصَّ على ذلك ابن بدران، فقال: "وأول من خطب به: الإمام ابن القَيِّم"٢. وذلك في سنة ٧٣٦هـ تاريخ إقامة الجمعة في هذا الجامع.
ولا يمتنع - أيضًا - أن يكون ابن القَيِّم قد عَمِلَ بالخطابة قبل هذا التاريخ، والله أعلم.
٤- الإِفْتَاءُ:
لا شكَّ أنَّ من كان مثل ابن القَيِّم: في سِعَةِ علمه، وعلوِّ شأنه في هذا العلم، وتَمَكُّنِه منه، وذيوعُ صِيته، مع الدِّيَانة والصِّيَانة؛ فإنه لابُدَّ أن يكون مقصودًا بالفتوى، وينتفعُ بِعِلْمِهِ القريبُ والبعيدُ.
فإذا انضمَّ إلى ذلك ما عَلِمْنَاه عن ابن القَيِّم من: رغبة قوية في نشر العلم وتبليغه، والصَّدْعِ بالحق وبيانه، والأخذ بيد الجاهل ليعلم أحكام دينه؛ فإن الانتصاب والتصدي للفتوى سيكون متأكَّدًا فيه أكثر من غيره.
ولقد وصَفَ غير واحد من الأئمة ابن القَيِّم بأنه كان مشتغلًا بالفتوى، فقال الذهبي: "الإمام، المفتي، الْمُتَفَنِّن"٣.
وقال الحسيني: "أفتى، ودرَّس "٤.
_________________
(١) ١ الدارس في تاريخ المدارس: (٢/٤٢١) . ٢ منادمة الأطلال: (ص٣٧٦) . ٣ المعجم المختص: (ص٢٦٩) . ٤ ذيل العبر: (ص١٥٥) .
[ ١ / ١٨٨ ]
وقال ابن رجب: "تفقه في المذهب، وبرع، وأفتى"١.
وقال ابن تَغْرِي بَرْدي: "تصدى للإقراء والإفتاء سنين، وانتفع به الناس قاطبة"٢.
ولقد كان - ﵀ - فيما يُفتي به: صادعًا بالحق، لا تأخذه في الله لومة لائمٍ، وقد تقدم ما جرى له من محنٍ وحبس بسبب بعض فتاويه، فرحمه الله وأجزل مثوبته.
كما كان ﵀ - إلى جانب قيامه بأعباء الفتوى - كثيرًا ما يعقد مناظرات بينه وبين خصوم السنة، وأعداء الإسلام - الذين كانوا كثيرين في عصره - فكان له معهم صَولاتٌ وجولاتٌ.
ولا شك أن الحاجة تدعو إلى مثل هذه المناظرات: لكبت المعاندين، ورد الخارجين إلى حظيرة أهل السنة، فإن ذلك: "يشبه الجهاد وقتال الكفار"، كما يقول ابن القَيِّم رحمه الله٣.
وقد ذكر غير واحد من مترجميه قيامه بمثل هذه المناظرات٤.
ومن المناظرات التي أشار إليها في كتبه: ما تقدم قريبًا عند الكلام على رحلاته إلى مصر، وما جرى له من مناظرة مع رئيس اليهود هناك٥.
_________________
(١) ١ ذيل الطبقات: (٢/٤٤٨) . ٢ النجوم الزاهرة: (١٠/٢٤٩) . ٣ الفروسية: (ص٢٨) . ٤ انظر: الوافي بالوفيات: (٢/٢٧١)، وذيل العبر: (ص١٥٥)، وبغية الوعاة: (١/٦٣) . ٥ هداية الحيارى: (ص٨٧) .
[ ١ / ١٨٩ ]
ولقد كان ابن القَيِّم - بما آتاه الله من قوة الحجة، ونور البصيرة، وسعة الفهم، وغزارة العلم، مع صدق القصد، والرغبة في نصرة الحق - كثيرًا ما يقطع خصمه في المناظرة ويسكته، فنجده - مثلًا - في تلك المناظرة المذكورة يصف هذا الرئيس اليهوديّ، الْمُقَدَّم في قومه، بقوله: "فأمسك ولم يُحِرْ جوابًا"١. أي لم يرد جوابًا.
٥- التأليف والتصنيف:
أما التأليف والتصنيف: فقد كان له فيه اليد الطولى، والصيت الذائع، والحلاوة الفائقة، والعبارة الرائقة، والفوائد الْجَمَّة، والقبول التام.
ولَمَّا كان جانب التأليف في حياة ابن القَيِّم على درجة كبيرة من الأهمية، فقد رأيت أن أرجئ الكلام عليه إلى حين الكلام على آثاره ومصنفاته٢؛ فإن محله هناك أنسب.
وبعد، فهذه أبرز أعمال ابن القَيِّم ونشاطاته في خدمة هذا العلم الشريف وتبليغه، وتلك مناصبه التي تقَلَّدها وشغلها في سبيل تحقيق هذا الهدف، فكان - في ذلك كله - نعم القدوة، فجزاه الله خيرًا، ورحمه رحمة واسعة.
_________________
(١) ١ هداية الحيارى: (ص٨٨) . وانظر هذه المناظرة في "الصواعق المرسلة": (١/٣٢٧) . ٢ انظر ص: (٢٠٥) .
[ ١ / ١٩٠ ]