حدُّ الحديث المرسل وصورته.
اختلفت عبارات الأئمة في حدَّ الحديث المرسل على وجوه، أشهرها:
ما قاله الحافظ ابن حجر: "هو ما سقط من آخره من بعد التابعي". قال: "وصورته: أن يقول التابعيُّ - سواء كان كبيرًا أو صغيرًا-: قال رسول الله ﷺ كذا، أو فعل كذا، أو فُعِلَ بحضرته كذا، أو نحو ذلك"١. قال: "وهذا الذي عليه جمهور الْمُحَدِّثِين"٢.
ويمكن أن نتناول بعض المسائل المتعلقة بالمرسل، مما بحث فيها ابن القَيِّم ﵀، فمن ذلك:
المسألة الأولى: في حكم الحديث المرسل، والقول في قبوله أو رده.
فقد اختلفوا في الاحتجاج بالمرسل على أقوال:
- أحدها: قبول مراسيل الصحابة فقط، ورد ما عداها مطلقًا٣. وهذا الذي عليه عمل أئمة الحديث٤.
_________________
(١) ١ نزهة النظر: (ص٤١) . ٢ النكت على ابن الصلاح: (٢/٥٤٣) . ٣ جامع التحصيل: (ص ٤٧) . ٤ نكت ابن حجر على ابن الصلاح: (٢/٥٤٨) .
[ ١ / ٣٩٧ ]
- الثاني: ردُّ المرسل مطلقًا، حتى مراسيل الصحابة ﵃، وهو قول أبي إسحاق الإسفراييني١.
- الثالث: القبول مطلقًا في جميع الأعصار والأمصار. قال العلائي: "وهو توسُّعٌ بعيدٌ جدًا غير مرضي"٢.
- الرابع: قبول مرسل الصحابة وكبار التابعين فقط، وهو مذهب الشافعي وجماعة من المتقدمين.
ولكن لقبوله شروط عند الشافعي ﵀، بعضها في الخبر الْمُرْسَل نفسه، وبعضها في نفس الراوي الْمُرْسِل.
فأما شروط الخبر المرسل، فهي أن يتوافر له أحد أربعة أشياء تعضده، وهي:
١- أن يُروى هذا المرسل من وجهٍ آخر مسندًا، فيدلُّ ذلك على صحة الحديث.
٢- أو يروى مرسلًا، أرسله من أخذ العلم عن غير شيوخ المرسل الأول؛ فإنه يتقوى بذلك أيضًا، وإن كان أضعف في التقوية من الذي قبله.
٣- أو يوجد ما يوافقه من كلام بعض الصحابة فيُسْتَدَلُّ بذلك على أن لهذا المرسل أصلًا صحيحًا؛ لأن الصحابي إنما أخذ قوله عن النبيصلى الله عليه وسلم.
٤- فإن لم يوجد من ذلك شيء، وَوُجِدَ أكثر أهل العلم يقولون به، فإن ذلك يدل على صحة هذا المرسل أيضًا، وأن له أصلًا، وأنهم قد استندوا في فتواهم إلى ذلك الأصل.
_________________
(١) ١ النكت على ابن الصلاح: (٢/٥٤٦) . ٢ جامع التحصيل: (ص٤٨) .
[ ١ / ٣٩٨ ]
وأما شروط الْمُرْسِل نفسه، فهي:
١- أن يكون من كبار التابعين، فإنهم لا يروون في الغالب إلا عن صحابي أو تابعي كبير.
٢- أن يكون الْمُرْسِل إذا سَمَّى من روى عنه سمى ثقة مقبولًا، ولم يسم ضعيفًا ولا مجهولًا ولا مرغوبًا عن الرواية عنه.
٣- ألا يخالف الحفاظ إذا شارَكَهم فيما أسندوه، فإن كان ممن يخالف لم يقبل مرسله.
فهذه جملة الشروط التي ذكرها الشافعي - ﵀ - لقبول المرسل١.
فإذا توافرت في حديث مرسل قُبِلَ، وقال الحافظ العلائي: "المرسل الذي حصلت فيه هذه الشواهد أو بعضها يسوغ الاحتجاج به"٢.
- الخامس: قبول مرسل من عُرِفَ من عادته أو صريح عبارته أنه لا يُرْسِلُ إلا عن ثقة، فإن كان كذلك قُبِلَ، وإلا فلا.
قال الحافظ العلائي: "فهذا القول أرجح الأقوال في هذه المسألة وأَعْدَلُهَا"٣. وقال مرة عن هذا المذهب ومذهب الشافعي الذي قبله: "وهذا القول والذي قبله أعدلُ المذاهب، وبه يحصل الجمع بين الأدلة المتقدمة من الطرفين"٤.
_________________
(١) ١ الرسالة: (ص٤٦١ - ٤٦٤) . ٢ جامع التحصيل: (ص٤٣) . ٣ جامع التحصيل: (ص٣٤) . ٤ جامع التحصيل: (ص٩٦) .
[ ١ / ٣٩٩ ]
وأيَّدَهُ في ترجيح ذلك: الحافظ ابن حجر - ﵀ - ونقل أقوالًا عدة في تأييده، ثم قال:
"وبهذا المذهب يحصلُ الجمع بين الأدلة لطرفي القبول والرد"١.
وفي المسألة أقوالٌ أخرى غير ما ذكرنا.
فتحَصَّلَ من ذلك أن أقوال العلماء في الاحتجاج بالمرسل تدور على ثلاثة مذاهب، وهي:
١- القبول مطلقًا.
٢- الرد مطلقًا.
٣- التفصيل في المسألة، أو: قبوله بشروط.
وبالنظر إلى تَصَرُّف ابن القَيِّم - ﵀ - في الاحتجاج بالمرسل، واختياره في ذلك: فقد ذهب - ﵀ - إلى قبول المرسل إذا توافرت فيه تلك الشروط التي ذكرها الشافعي ﵀، وأضاف إلى ذلك مُعَضِّدًا - لعله أخذه من الأصوليين- وهو: اعتضاد المرسل بالقياس، وسيأتي نقل ذلك عنه.
فمن أقواله التي يُقَرِّرُ فيها شروط الاحتجاج بالمرسل:
قوله في حديث أبي قتادة في عدم كراهية الصلاة يوم الجمعة وقت الزوال - وقد أُعِلَّ بالإرسال -:
_________________
(١) ١ النكت على ابن الصلاح: (٢/٥٥٢ - ٥٥٥) .
[ ١ / ٤٠٠ ]
"الْمُرْسَلُ: إذا اتصَّل به عملٌ، وعضده قياسٌ، أو قول صحابي، أو كان مُرْسِلُه معروفًا باختيار الشيوخ، ورغبته عن الرواية عن الضعفاء والمتروكين، ونحو ذلك مما يقتضي قوته: عُمِلَ به وأيضًا: فقد عضده شواهد أخر"١.
ثم أخذ في سياق بعض الشواهد المسندة لهذا الحديث.
وبالنظر إلى كلام ابن القَيِّم هذا، نجد أنه قد أعمل شروط المذهبين الراجحين السالف ذكرهما.
فكون المرسل: تعضده شواهد مسندة.
أو يَعْمَلُ به أكثر أهل العلم.
أو يوافقه قول صحابي.
فإن هذه من شروط قبول المرسل عند الإمام الشافعي ﵀.
وكون مُرْسِلهُ: ممن عرف بالرواية عن الثقات، وتجنب الضعفاء والمتروكين، فإن هذا مقتضى المذهب الذي تقدم ترجيحه آنفًا، وأضاف إلى ذلك كله: كونه مما يعضده القياس، وهذا مما زاده الأصوليون في
_________________
(١) ١ زاد المعاد: (١/٣٧٩) .
[ ١ / ٤٠١ ]
الاعتضاد، كما نصَّ عليه السيوطي١ ﵀.
وقال - ﵀ - في حديث ميراث المرأة، وأنها "تحوز ميراث: عتيقها، ولقيطها، والذي لاعنت عليه" - وقد أورد عدة آثار مرسلة ومسندة في ميراثها ولد الملاعنة خاصة - قال: "وهذه الآثار يشد بعضها بعضًا، وقد قال الشافعي: إن المرسل إذا رُوِيَ من وجهين مختلفين، أو رُوِيَ مسندًا، أو اعتضد بعمل بعض الصحابة: فهو حجة".
قال: "وهذا قد رُوِيَ من وجوه متعددة، وعمل به من ذكرنا من الصحابة، والقياس معه "٢.
وقد لاحظنا في هذا المثال ذكر شرط آخر من شروط الاعتضاد، وهو: أن يوافق هذا المرسل مرسل آخر يُروى من وجه آخر.
وأورد مرسل سعيد بن المسيب في القضاء بين رجلين بالقرعة، ثم ساق له شاهدًا مرسلًا - أيضًا - من رواية سليمان بن يسار، ثم قال: "فهذا مرسل: قد روى من وجهين مختلفين،
_________________
(١) ١ تدريب الراوي: (١/٢٠١) . ٢ تهذيب السنن: (٤/١٧٧ - ١٧٨) .
[ ١ / ٤٠٢ ]
وهو من مراسيل ابن المسيب، وتشهد له الأصول التي ذكرناها في القرعة"١.
وقوله هنا بأنه "من مراسيل سعيد بن المسيب" يعني: أنه عُرِفَ من حاله أنه لا يُرْسِل إلا عن ثقة، وتقدم بيان هذا الشرط، والكلام عليه.
فقد قَبِلَ الشافعي - ﵀ - مراسيل ابن المسيب خاصة، فإنه قال: " ليس المنقطع بشيء، ما عدا منقطع ابن المسيب"٢. وقد ذهب آخرون إلى تقديم مراسيل ابن المسيب، والقول بأنها أصح المراسيل٣. أما الشافعي ﵀: فقالوا إنه كَشَفَ عن مراسيل ابن المسيب، فوجده لا يَروِي إلا عن ثقة، وأن مراسيله مسندة متصلة من جهات أخرى٤.
وقد أخذ بذلك ابن القَيِّم ﵀ - كما ستأتي الإشارة إليه - ومن ثم فإن قوله - ﵀ - في هذا الحديث: إنه من رواية ابن المسيب. هو بمثابة قوله في غيره: أرسله من لا يُرْسِلُ إلا عن ثقة متقن.
ومن هذا العرض يتبين لنا: أن ابن القَيِّم - ﵀ - قد اختار في قبول المُرْسَلِ أعدل المذاهب، وهو المذهب المتوسط بين طرفي القبول والرد، والذي يقبل المرسل بشروط وضوابط، إذا توافرت في المرسل دَلَّتْ في الغالب على صحته وثوبته.
_________________
(١) ١ الطرق الحكمية: (ص٣٢٥) . ٢ "المراسيل" لابن أبي حاتم: (ص٦)، و"آداب الشافعي" له: (ص٢٣٢) . ٣ انظر "جامع التحصيل": (ص٤٥ - ٤٦)، (ص٩٩) . ٤ جامع التحصيل: (ص٣٤) .
[ ١ / ٤٠٣ ]
ومع ذلك، فقد وَجَدتُ كلامًا لابن القَيِّم - ﵀ - يؤخذ منه: أنه يذهب إلى قبول الْمُرْسَل مطلقًا بلا قيد ولا شرط، فقد قال - في مرسل مجاهد - ﵀ - في اعتداد المتوفَّى عنها زوجها، وقول النبي ﷺ للنسوة اللاتي سألنه: "تحدَّثْنَ عند إحداكن ما بدا لكن، فإذا أردتن النوم فلتؤب كل امرأة إلى بيتها" - قال:
"وهذا وإن كان مرسلًا، فالظاهر أن مجاهدًا: إما أن يكون سمعه من تابعي ثقة، أو من صحابي.
والتابعون لم يكن الكذب معروفًا فيهم، وهم ثاني القرون المفضلة، وقد شاهدوا أصحاب رسول الله ﷺ، وأخذوا العلم عنهم، وهم خير الأمة بعدهم، فلا يُظَنُّ بهم الكذب على رسول الله ﷺ، ولا الرواية عن الكذابين، ولا سيما العَالِمُ منهم إذا جَزَمَ على رسول الله ﷺ بالرواية، وشهد له بالحديث، فقال: قال رسول الله ﷺ، وفعل رسول الله ﷺ، وأمر ونهى، فيبعد كلَّ البعد أن يُقْدِمَ على ذلك مع كون الواسطة بينه وبين رسول الله ﷺ كَذَّابًا أو مجهولًا.
وهذا بخلاف مراسيل من بعدهم، فكلما تأخرت القرون، ساءَ الظن بالمراسيل، ولم يُشْهَدْ بها على رسول الله ﷺ"١.
وقد تضمن هذا الكلام من ابن القَيِّم - ﵀ - أمورًا تحتاج إلى مناقشة:
- فأما القول بأن مجاهدًا أخذه عن صحابي، أو تابعي ثقة: فكلُّ
_________________
(١) ١ زاد المعاد: (٥/٦٩٢ - ٦٩٣) .
[ ١ / ٤٠٤ ]
ما فيه هو تحسين الظن به، إلا أنهم لم يذكروا مجاهدًا بأنه كان لا يأخذ إلا عن ثقة، كما قالوا في حق سعيد بن المسيب مثلًا.
وقد بَيَّنَ الحافظ العلائي - ﵀ - أن احتمال كونِ الساقط ضعيفًا أو مجهولًا، قد يرجح في بعض المواضع على احتمال كونه صحابيًا أو تابعيًا ثقة، قال: "ولا أقل من أن تتساوى الاحتمالات، وحينئذٍ فلا يصح الاحتجاج به"١.
- وأما قوله: إن الكذب لم يكن معروفًا في هذا العصر: فقد أجاب عن ذلك الحافظ العلائي أيضًا، وقال بأن ذلك "ممنوع؛ بل إن الواقع خلافه"٢. ثم أخذ - ﵀ - في ذكر بعض الوقائع التي تثبت عكس ذلك، وأن جماعة قد أرسلوا عن ضعفاء ومجاهيل٣.
بل حكى ابن عبد البر: أن محمود بن لبيد حكى عن جماعة أنهم حدَّثُوه عن عبد الله بن جعفر بما أنكره ابن جعفر، قال: "وهذا في زمن فيه الصحابة، فما ظنك بمن بعدهم؟ "٤.
- وأما القول بأن الواحد منهم لا يجزم بنسبته إلى النبي ﷺ مع أن الواسطة بينه وبين النبي ﷺ كذاب أو مجهول: يعني أن الراوي لا يرسل الحديث إلا بعد جزمه بعدالة من أرسل عنه، وهذه "دعوى لا دليل عليها" كما قال الحافظ العلائي.
_________________
(١) ١ جامع التحصيل: (ص٨٨) . ٢ جامع التحصيل: (ص٨٢) . ٣ جامع التحصيل: (ص٨٦) . ٤ التمهيد: (١/٥٤) .
[ ١ / ٤٠٥ ]
والذي حملهم على هذا هو القول: بأنه لو لم يكن عدلًا عنده، لكان بجزمه بالرواية عنه فاسقًا؛ لإثباته الخبر وهو لا يغلب على ظنه ثبوته، مع تعديله من ليس عدلًا.
وأجاب عن ذلك الحافظ العلائي - ﵀ - فقال: "لا يلزم ذلك؛ لأنه لم يُكَلَّفْ إلا بما ظهر له، وقد يظهر لغيره خلاف ذلك، ويترجح على تعديل هذا، كما قد وقع للزهري - مع إمامته - في إرساله عن سليمان بن أرقم لظنه تعديله، وهو ضعيف متروك لا يُحْتَجُّ به، ومثل هذا كثير جدًا، فلا تَلازُمَ بين الأمرين كما قالوا"١.
ومن هذا يتبين لنا: أن ابن القَيِّم - ﵀ - بإطلاقه القول بقبول مراسيل التابعين - بناء على قوله هذا - قد تساهل كثيرًا، وتوسَّعَ توسعًا لا يتفق مع ما قدمنا عنه: من أن المرسل لا يُقْبَلُ إلا بالشروط المذكورة، وأنه قد قَرَّرَ ذلك في غير مناسبة.
ولذلك، فإنه لا ينبغي أن يُفهمَ أن ابن القَيِّم - ﵀ - يرتضي هذا المذهب ويعتمده في مسألة الاحتجاج بالمرسل، ولعل ما نقلناه عنه في القول بقبول المرسل بشروطه قد بلغ من الكثرة بحيث لا يُعارضُ بهذا القول الواحد، ولعله كان يرى الإطلاق ثم استقرَّ رأيه على ما هو المذهب المعتمد في ذلك، ولا سيما أنه لم ينظر إلى مراسيل التابعين نظرةً واحدة، بل كان يرى التفاوت بينها قبولًا وردًا؛ كما سيأتي في المسألة الثالثة. فهذا - من جهة أخرى - يؤكد استقرار رأيه على قبوله بشروط، والله أعلم.
_________________
(١) ١ جامع التحصيل: (ص ٨١) .
[ ١ / ٤٠٦ ]
المسألة الثانية: في حكم مراسيل الصحابة.
إذا قال الصحابي الصغير: كابن عباس، وابن الزبير ونحوهما، وكذا الصحابي الكبير فيما ثَبَتَ أنه لم يسمعه من النبي ﷺ إلا بواسطة، إذا قال أحدهم: قال رسول الله ﷺ، فهل يُحْكَمُ لذلك بالاتصال؟
الصحيح الذي عليه جمهور أهل الحديث وغيرهم: أن ذلك صحيح متصل محتج به.
قال ابن الصلاح في ختام كلامه على المرسل: "ثم إنَّا لَمْ نَعُدَّ في أنواع المرسل ونحوه ما يُسَمَّى في أصول الفقه: مرسل الصحابي، مثل ما يرويه ابن عباس وغيره من أحداث الصحابة، عن رسول الله ﷺ، ولم يسمعوه منه؛ لأن ذلك في حكم الموصول المسند؛ لأن روايتهم عن الصحابة١، والجهالة بالصحابي غير قادحة؛ لأن الصحابة كلهم عدول"٢.
وقَرَّرَ النووي: أن الحكم بصحة مرسل الصحابي هو المذهب الصحيح٣.
وحجة من ردَّ مرسل الصحابي: احتمال كون الصحابي سمعه من تابعي، وإذا كان كذلك، فيُحْتَمَلُ أن يكون هذا التابعي ضعيفًا.
_________________
(١) ١ قال العراقي: "الصواب أن يقال: لأن أكثر رواياتهم عن الصحابة؛ إذ قد سمع جماعة من الصحابة من بعض التابعين" (التقييد والإيضاح: ص٧٥) . ٢ مقدمة ابن الصلاح: (ص٢٦) . ٣ التقريب: (ص٧) .
[ ١ / ٤٠٧ ]
وأجاب عن ذلك الحافظ ابن حجر ﵀، فقال: "والانفصال عن ذلك أن يُقال: قول الصحابي: قال رسول الله ﷺ. ظاهر في أنه سمعه منه أومن صحابي آخر، فالاحتمال أن يكون سمعه من تابعي ضعيف نادر جداَّ لا يؤثر في الظاهر، بل حيث رووا عن من هذا سبيله، بينوه وأوضحوه"١.
وقد تَعَرَّضَ ابن القَيِّم - ﵀ - لهذه المسألة أثناء مناقشته لابن القطان في حديث أَعَلَّهُ بأنه مرسل صحابي، ففي الحديث الذي رواه أبو بكرة ﵁ عن النبي ﷺ في صلاة الخوف، وأن النبي ﷺ "صلى بالقوم صلاة المغرب ثلاث ركعات، ثم انصرف، وجاء الآخرون فصلى بهم ثلاث ركعات، وكانت له ست ركعات، وللقوم ثلاث ركعات" قال ابن القطان - عن هذا الحديث، وحديث آخر لأبي بكرة -: "وعندي أن الحديثين غير متصلين؛ فإن أبا بكرة لم يُصَلِّ معه صلاة الخوف؛ لأنه بلا ريب أسلمَ في حصار الطائف وهذا كان بعد فراغه ﷺ من هوازن، ثم لم يلق ﷺ كيدًا إلى أن قبضه الله".
فرد ابن القَيِّم - ﵀ - ذلك عليه قائلًا: "وهذا الذي قاله لا ريب فيه، لكن مثل هذا ليس بعلة ولا انقطاع عند جميع أئمة الحديث والفقه، فإن أبا بكرة وإن لم يشهد القصة، فإنه إنما سمعها من صحابي غيره، وقد اتفقت الأمة على قبول رواية ابن عباس ونظرائه من الصحابة، مع أن عامتها مرسلة عن
_________________
(١) ١ النكت على ابن الصلاح: (٢/٥٧٠) .
[ ١ / ٤٠٨ ]
النبي ﷺ، ولم ينازع في ذلك اثنان من السلف وأهل الحديث والفقهاء، فالتعليل على هذا باطل"١.
فوافق ابن القَيِّم - ﵀ - الجمهور في القول بصحة مراسيل الصحابة، والحكم لها بالاتصال.
المسألة الثالثة: في حكم بعض المراسيل، وبيان منزلتها.
تَكَلَّمَ الأئمة - ﵏ - على حكم مراسيل بعض التابعين عن النبي ﷺ، وبينوا درجتها ومنزلتها، وما يُقْبَلُ منها وما يُرَدُّ.
وقد كانت هذه الأحكام نتيجة بحثهم وتَحَرِّيهِم، واعتبارهم بمرسلات كل واحد من الرواة، وعادته فيما يرسله، ومن ثمَّ حكموا على مرسل كل شخص بما يناسب حاله.
وقد تناول ابن القَيِّم - ﵀ - أثناء بحوثه بعض هؤلاء الْمُرْسِلِين، وَتَكَلَّم عن حالهم، وبين درجة مراسيلهم من حيث القبول والرد، والقوة والضعف.
وأنا أذكر ما وقفت عليه من كلامه في هذا الباب، مُقَارِنًا ذلك بكلام الأئمة أهل هذا الشأن، فمن هؤلاء:
١- سعيد بن المسيب:
ذهب ابن القَيِّم - ﵀ - إلى صحة مراسيل ابن المسيب، وأن ما قال فيه: "قال رسول الله ﷺ" فهو حُجَّةٌ، حتى عند من لم يقبل المرسل.
_________________
(١) ١ تهذيب السنن: (٢/٧١ - ٧٢) .
[ ١ / ٤٠٩ ]
ومن أقواله في هذا المعنى:
قال ﵀: " فإن ابن المسيب إذا قال: قال رسول الله ﷺ، فهو حجة"١.
وقال: "وسعيد بن المسيب إذا أرسَلَ عن رسول الله ﷺ قُبلَ مُرْسَلُهُ"٢.
وقال: " ومن لم يقبل المرسل قَبلَ مرسل سعيد عن النبي ﷺ"٣.
وقال في حديث مرسل يريد أن يُقَوِّيهُ ويعضده: "وهو من مراسيل ابن المسيب"٤.
فهكذا كان ابن القَيِّم - ﵀ - يرى حُجِّيَّةَ مراسيل ابن المسيب، وصحتها على الإطلاق، وهو بذلك موافق للجمهور من أئمة الحديث؛ فقد قال الحافظ العلائي ﵀: "وقد اتفقت كلمتهم على سعيد بن المسيب، وأن جميعَ مراسيله صحيحة، وأنه كان لا يُرسلُ إلا عن ثقة من كبار التابعين، أو صحابي معروف. قال معنى ذلك بعبارات مختلفة جماعة من الأئمة، منهم: مالك، ويحيى بن سعيد القطان، وأحمد بن حنبل، وعلى بن المديني، ويحيى بن معين، وغيرهم"٥.
_________________
(١) ١ تهذيب السنن: (٢/٣١٦) . ٢ تهذيب السنن: (٤/٣٦٤) . ٣ تهذيب السنن: (٧/٢٩٤) . ٤ الطرق الحكمية: (ص ٣٢٥) . ٥ جامع التحصيل: (ص٩٩) .
[ ١ / ٤١٠ ]
وقد تَقَدَّم أن الشافعي - ﵀ - استثنى من المراسيل كلها مراسيل ابن المسيب، فجعلها حجة مطلقًا، وعبارته: " ليس المنقطع بشيء، ما عدا منقطع ابن المسيب"١.
وممن صرَّحَ بتقديمها أيضًا: الحاكم في (علوم الحديث) ٢. وجعله الحافظ الذهبي - ﵀ - من أصح المراسيل٣.
فتبين من ذلك: أن ابن المسيب من أصح الناس مرسلًا، والجمهور على قبول مراسيله مطلقًا، وهو الذي اختاره ابن القَيِّم - ﵀ - ومشى عليه في كتبه.
٢- الزُّهْرِي:
ذهب ابن القَيِّم - ﵀ - إلى ضعف مراسيل الزهري، وعدم الاحتجاج بها، بل ذهب إلى أنها من أضعف المراسيل، فقال: "مراسيل الزهري عندهم ضعيفة، لا يحتجُّ بها"٤.
وقال مرة: "مراسيل الزهري عندهم من أضعف المراسيل، لا تصلح للاحتجاج؛ قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان قال: كان يحيى بن سعيد القطان لا يرى إرسال الزهري وقتادة شيئًا، ويقول: هو بمنزلة الريح. وقُرئ على عباس الدوري، عن ابن معين قال: مراسيل الزهري ليست بشيء"٥.
_________________
(١) ١ المراسيل - لابن أبي حاتم: (ص٦) . (ص ٢٥ - ٢٦) . ٣ الموقظة: (ص٣٨ - ٣٩) . ٤ زاد المعاد: (٥/٣٦٤) . ٥ تحفة المودود: (ص١٧٠ - ١٧١) . وانظر "المراسيل": (ص٣) .
[ ١ / ٤١١ ]
وقال العلائي: "اختلف في مراسيل الزهري، لكن الأكثر على تضعيفها"١ ثم نقل عن الشافعي قوله: "يقولون: نُحَابي، ولو حابينا أحدًا لحابينا الزهري، وإرسال الزهري ليس بشيء، وذلك أنا نجده يروي عن سليمان بن أرقم".
ثم قال العلائي ﵀: "والظاهر: أن قولَ الأكثر أولى بالاعتماد"٢.
وقال الحافظ الذهبي ﵀: "ومن أوهى المراسيل عندهم: مراسيل الحسن، وأوهى من ذلك: مراسيل الزهري، وقتادة، وحميد الطويل من صغار التابعين. وغالب المحققين يَعُدُّون مراسيل هؤلاء معضلات ومنقطعات، فإن غالب روايات هؤلاء عن تابعي كبير، عن صحابي، فالظن بِمُرْسِلِه أنه أسقط من إسناده اثنين"٣.
فظهر من أقوال هؤلاء الأئمة - ﵏ - أن المختار: ضعف مراسيل الزهري، وعدم الاعتماد عليها بحال. وهو ما قَرَّرَهُ ابن القَيِّم ﵀.
٣- الشَّعْبِي:
قال ابن القَيِّم - ﵀ - في قول الشعبي: " إن النبي ﷺ لم يَرُدَّها - يعني زينب ابنته - إلا بنكاح جديد" قال:
_________________
(١) ١ جامع التحصيل: (ص١٠١) . ٢ جامع التحصيل: (ص ١٠١ - ١٠٢) . ٣ الموقظة: (ص٤٠) .
[ ١ / ٤١٢ ]
"إن صحَّ عن الشعبي: فإن كان قاله برأيه فلا حجة فيه، وإن كان قاله رواية فهو منقطع لا تقوم به حجة، فَبَيْنَ الشعبي وبَيْنَ رسول الله ﷺ مَفَازَةٌ١ لا يُدْرى حالها"٢.
هكذا جزم ابن القَيِّم برد مرسل الشعبي، وأنه لا تقوم به حجةٌ! ولننظر أقوال الأئمة في ذلك:
قال العجلي: "مرسل الشعبي صحيح، لا يُرْسِل إلا صحيحًا صحيحًا"٣. وقال أبو داود: "مرسل الشعبي أحبُّ إليّ من مرسل النخعي"٤.
وقَدَّم ابن معين مراسيل إبراهيم النخعي عليها٥.
وقال الحافظ الذهبي ﵀: " مراسيل مجاهد، وإبراهيم، والشعبي: فهو مرسل جيد، لا بأس به، يقبله قوم ويرده آخرون"٦.
وجعل السخاوي مراسيله في مرتبة من كان يَتَحَرَّى في شيوخه٧.
قلت: فغاية مراسيل الشعبي أنه مختلف فيها، وإن كان ظاهرُ كلام
_________________
(١) ١ الْمَفَازَةُ: الموضع المهلك، مأخوذة من فَوَّزَ إذا مات، لأنها مظنة الموت. (المصباح المنير: ٢/٤٨٣) . ٢ أحكام أهل الذمة: (١/٣٣٦) . ٣ تاريخ الثقات (ترتيب الهيثمي): (ص٢٤٤) . ٤ تهذيب التهذيب: (٥/٦٨) . ٥ تاريخ ابن معين - الدوري: (٢/١٨) . ٦ الموقطة: (ص٤٠) . ٧ فتح المغيث: (١/١٥٢) .
[ ١ / ٤١٣ ]
الأئمة احتمالها، ولم أقف على تسمية من حكم بردِّهَا كما ذهب إليه ابن القَيِّم - وإن كان الذهبي أشار إلى جماعة قالت بردها - فهي إلى القبول أقرب منها إلى الردِّ، والله أعلم.
[ ١ / ٤١٤ ]