تَقَدَّمَتْ الإشارة - عند الكلام على "مختلف الحديث" - إلى كلام ابن القَيِّم - ﵀ - ورأيه في الأحاديث التي ظاهرها التعارض، وذكرنا هناك جملة من المرجحات التي استعملها في الترجيح عند التعارض١.
وأنبه هنا على بعض المعالم الرئيسة لمنهج ابن القَيِّم في الجمع والتوفيق بين الأحاديث التي ظاهرها التعارض، مع ذكر بعض الأمثلة من كلامه.
- فقد كان - ﵀ - حريصًا على التأليف بين الأحاديث المتعارضة، ونفي التضادِّ عنها ما استطاع إلى ذلك سبيلا، مُقَرِّرًا أن أحاديث النبي ﷺ لا يَضْرِبُ بعضُهَا بعضًا، وإِنَّمَا تتفقُ وتتآلف.
- وبالرغم من أن التعارضَ لا يكون مُعْتَبَرًا إلا بَين حديثين صحيحين، إلا أَنَّ ابن القَيِّم كان رُبَّمَا قَامَ بالجمع بين خبرين أحدهما ضعيف، أو لا يُقَاِوم الآخر في الصحة.
ويكون هذا - في الغالب - من باب التَنَزُّلِ منه، فيقررُ عدم صحة الْمُعَارِض، ثم يقول: بأنه على فرض ثبوته، أو على القول بتسليم صحته، فإن الجمع بينه وبين معارضه ممكن على نحو كذا وكذا، أو يجعل
_________________
(١) ١ انظر: (١/٥٠٢ - ٥٠٨) .
[ ٢ / ٦٩ ]
الجمع والتأويل معلقًا على ثبوته، فيقول مثلًا: إن صَحَّ الخبر فتأويله كذا، أو: وجهه كذا١.
ومن أمثلة الأحاديث التي قام بالتأليف والتوفيق بين ما ظَاهِرُهُ التعارض منها:
١- أحاديث الإذن في الرُّقْيَة، كحديث عائشة ﵂: "أَنَّ النبي ﷺ كان يأمرها أن تَسْتَرْقِي من العين". وحديث جابر ﵁: "رَخَّصَ رسولُ الله ﷺ لآل حزم في رقية الحَيَّة". وغير ذلك من الأحاديث.
وما جاء في النهي عن ذلك، كما في حديث جابر ﵁: "أَنَّ رَسُول الله ﷺ نَهَى عن الرُّقَى".
قال ابن القَيِّم ﵀: "فهذا لا يعارضُ هذه الأحاديث؛ فَإِنَّه إنما نَهَى عن الرُّقى التي تتضمنُ الشِّرْكَ، وتعظيمَ غيرِ الله سبحانه، كغالبِ رُقَى أهل الشرك.
والدليل على هذا: ما رواه مسلم في (صحيحه) ٢ من حديث عوف بن مالك الأشجعي قال: كنا نرقي في الجاهلية، فقلنا: يا رسول الله، كيف ترى في ذلك؟ فقال: "اعرضوا عليَّ رُقَاكُم، لا بأسَ بالرُّقَى ما لم يكن فيه شرك"
_________________
(١) ١ انظر مثلا: تهذيب السنن: (٥/ ٣٦١ -٣٦٢)، والفروسية: (ص ١٠١) . (٤/ ١٧٢٧) ح٦٤ (٢٢٠٠) ك السلام، باب لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك.
[ ٢ / ٧٠ ]
وهذا المسلك في هذه الأحاديث وأمثالِهَا: فيما يكون الْمَنْهِيُّ عنه نوعًا، والمأذون فيه نوعًا آخر، وكلاهما داخلٌ تحت اسمٍ واحدٍ، من تَفَطَّنَ له زال عنه اضطرابٌ كثيرٌ، يَظُنُّهُ من لم يُحِطْ عِلمًا بحقيقة الْمَنْهِيِّ عنه من ذلك الجنس، والمأذون فيه: متعارضًا، ثم يسلكُ مسلك النسخ، أو تضعيف أحد الأحاديث"١.
٢- الأحاديث الواردة في أكل الْمُحْرِم لحمَ الصيد، وما جاء من المنع من ذلك.، قال ﵀:
قال ﵀: "فَحَيْثُ أَكَلَ: ُعُلِمَ أَنَّهُ لم يُصَدْ لأجلهِ، وحيث امتنع: عُلِمَ أنه صيد لأجله. فهذا فعله، وقوله في حديث جابر يدل على الأمرين، فلا تعارض بين أحاديثه ﷺ بحال"٢.
وحديث جابر الذي أشار إليه: هو ما أخرجه أبو داود في (سننه) ٣ عن جابر ﵁ مرفوعًا: "صَيْد البَرِّ لَكُم حلالٌ ما لم تصيدُوه، أو يُصَادُ لكم".
٣- حديث: "من كان له شَعْرٌ فليكرمه" وحديث: "النَّهْي عن التَّرَجُّلِ إلا غِبًّا".
قال ابن القَيِّم ﵀: "والصَّواب: أنه لا تعارض بينهما بحال، فإن العبدَ مأمورٌ بإكرامِ شعره، وَمَنْهِيٌّ عن المبالغةِ والزيادةِ في الرفاهية والتنعيم، فيكرم شعره ولا يتخذُ الرَّفَاهِية والتنعيم ديدنه، بل يترجل غبًا.
_________________
(١) ١ تهذيب السنن: (٥/ ٣٦٧) . ٢ تهذيب السنن: (٢/ ٣٦٥) . (٢/ ٤٢٧) ح ١٨٥١ ك الحج، باب لحم الصيد للمحرم.
[ ٢ / ٧١ ]
هذا أولى ما حمل عليه الحديثان، وبالله التوفيق"١.
إلى غير ذلك من الأمثلة الكثيرة في هذا الباب٢.
وبعدُ، فهذه أبرزُ المسائل المتعلقة بكلام ابن القَيِّم - ﵀ - على الحديث: شرحًا، واستدلالًا، واستنباطًا، وجمعًا وتوجيهًا عند التعارض، وغير ذلك، مع بيان منهجه في كل مسألة من تلك المسائل، والله أعلم.
_________________
(١) ١ تهذيب السنن: (٦/ ٨٥) . ٢ انظر منها: زاد المعاد: (١/٢٠٨، ٢٧٥ - ٢٨٥)، إعلام الموقعين: (٢/٣٣٤ -٣٣٥)، تهذيب السنن: (١/١٣٧- ١٣٨)، بدائع الفوائد: (٢/ ٢٢٢ - ٢٢٣)، مفتاح دار السعادة: (٢/ ٢٦٤-٢٦٩) .
[ ٢ / ٧٢ ]