تَقَدَّمَ أن ابن القَيِّم - ﵀ - كان قد عاش في بيئة يسودها كثير من الفساد الديني والأخلاقي، وتنتشر فيها عادات اجتماعية متردية، وتروجُ فيها أفكارٌ ونِحَلٌ منحرفةٌ مع انتسابها - زُورًا - للإسلام.
وشاء الله ﷾ - وله الحمد - أن يشرح صدر ابن القَيِّم للمنهج الحق، وأن يريه الطريق المستقيم، وأن يُحَبِّبَ إلى قلبه التمسك بالكتاب والسنة دون سواهما.
وكان من توفيق الله - عزوجل - أن هيَّأ له أستاذًا فاضلًا، وعلمًا شامخًا، وعالمًا نِحْرِيرًا مجاهدًا، وهو: شيخ الإسلام ابن تَيْمِيَّة ﵀، الذي كان سبقه إلى سلوك هذا السبيل، فكان له - بعد توفيق الله - خير القدوة، ونعم المرشد؛ فقد لازمه ابن القَيِّم - ﵀ - منذ عودته من الديار المصرية إلى دمشق سنة (٧١٢هـ)، إلى أن توفي الشيخ -﵀- في سنة (٧٢٨هـ) ١، حتى صار من أصحب الناس له، وألصقهم به ومن أخصِّ تلاميذه والْمُقَرِّبِين إليه، ولقد تَمَكَّنَت محبةُ الشيخ من قلب تلميذه ابن القَيِّم ﵀، فكان لا يفارقه أبدًا، حتى إنه كان محبوسًا معه في القلعة إلى أن مات الشيخ ﵀.
وهكذا كان لابن تَيْمِيَّة - ﵀ - أثرٌ كبيرٌ؛ بل أكبر الأثر في حياة ابن القَيِّم ﵀: توجيهًا وتعليمًا، وتربيةً وإرشادًا؛ فقد أخذ عنه
_________________
(١) ١ البداية والنهاية: (١٤/٢٤٦) .
[ ١ / ١١٣ ]
عِلمًا غزيرًا، واستفاد منه منهجًا قويمًا في حياته ودعوته - (مع ما سلف له من الاشتغال) ١، والتحصيل - حتى حَمَل الراية من بعده، وسار على الدَّرْبِ نفسه، داعيًا للرجوع إلى الكتاب والسنة، والتمسك بهديهما، وفتح الله عليه في ذلك الفتح المبين، فكان - ولا يزال - مِشْعَلَ خير ونور، هدى الله به الكثيرين إلى صراطه المستقيم٢.
فلعلها (سرت إليه بركة ملازمته لشيخه ابن تَيْمِيَّة في السراء والضراء، والقيام معه في محنه، ومواساته بنفسه، وطول تردده إليه) ٣. كما يقول الإمام الشوكاني ﵀.
كانت تلك إلماحة سريعة إلى أبرز العوامل التي هيأها الله - سبحانه - لابن القَيِّم في هذه البيئة المظلمة، فكانت أكبر عون له على الصمود في وجه تلك التحديات.
ولا بد لنا -بعد ذلك- أن نبرز الأهداف التي تَبَنَّاها ابن القَيِّم ﵀، وكان يسعى لتحقيقها، تلك الأهداف التي كانت محور دعوته، ولبَّ رسالته، التي عاش مجاهدًا من أجل تحقيقها، حتى لقي الله - عزوجل- على ذلك، وهذه الأهداف وإن تنوعت وتعددت، فإنها تدور في مجملها حول محور واحد وغاية عظمى، ألا وهي: الدعوة إلى التمسك بالكتاب والسنة ومحاربة البدعة.
_________________
(١) ١ البداية والنهاية: (١٤/٢٤٦) . ٢ وينظر حول اتصال ابن القَيِّم بابن تَيْمِيَّة، وعلاقته به، وأثره فيه، وأنه لم يكن نسخة من شيخه: (ابن قَيِّم الجوزية - حياته وآثاره): (ص٧٨-٩٧) . ٣ البدر الطالع: (٢/١٤٥) .
[ ١ / ١١٤ ]
ومن أبرز تلك الأهداف النبيلة والآراء السديدة:
أولًا: الدعوة إلى التمسك بالكتاب والسنة، والعمل بهما، والتحاكم إليهما عند التنازع، ونبذ ما يخالف ذلك من الآراء والأقوال، فتجعل نصوص الوحي المنزل حكمًا على ما سواها من آراء الرجال وأقوالهم.
وقد أولى - ﵀ - هذا الجانب عناية خاصة، واجتهد في تقريره والدعوة إليه، وسخَّر جهده ووقته وقلمه في سبيل الله تحقيقه، بل أفرد لذلك المصنفات التي يردُّ فيها على الفلاسفة وأهل الكلام، وأتباعهم من المنتسبين إلى الإسلام.
فنراه - ﵀ - يتبرأ من "جَعْلِ سُنَّةِ رسول الله ﷺ تابعة لآراء الرجال، منزلة عليها، مسوقة إليها"١.
وقال مرة: "ولسنا ممن يعرض الحق على آراء الخلق، فما وافقه منها قَبِلَهُ، وما خالفه رُدَّ، وإنما نحن ممن يعرض آراء الرجال وأقوالها على الدليل، فما وافقه منها اعتدَّ به وقبله، وما خالفه خالفه"٢.
وسيأتي مزيد كلام له - ﵀ - في ضرورة التمسك بالسنة، والتحذير من تركها لرأي أحد أو عمله كائنًا من كان٣.
ثانيًا: الدعوة إلى اتِّباع السنة النبوية الصحيحة النقية، كما
_________________
(١) ١ تهذيب السنن: (١/١٠) . ٢ الفروسية: (ص ٤١) . ٣ انظر ص: (٣٢٩ - ٣٣٢) .
[ ١ / ١١٥ ]
جاءت عن النبي ﷺ والتحذير مما خالط ذلك من البدع الْمُحْدَثَات، التي تَدَيَّنَ بها كثير من الناس، معرضين - في الوقت نفسه - عن الثابت الصحيح من سنته ﷺ.
وفي هذا الصدد يقول عنه العلامة الشوكاني ﵀: "وبالجملة فهو أحد من قام بنشر السنة، وجعلها بينه وبين الآراء الْمُحْدَثة أعظم جُنَّةٍ، فرحمه الله، وجزاه عن المسلمين خيرًا"١.
وقال ابن القَيِّم في بيان منزلة صاحب السنة وصاحب البدعة: "فصاحب السنة حيُّ القلب مستنيره، وصاحب البدعة ميت القلب مظلمه"٢.
وَبَيَّنَ مرةً فضل متابعة النبي ﷺ، وأثر ذلك، فقال: " وأكمل الخلق متابعة له: أكملهم انشراحًا ولذةً وقرة عين، وعلى حسب متابعته ينال العبد من انشراح صدره، وقرة عينه، ولذة روحه ما ينال"٣.
وقد كان - ﵀ - دائم التنبيه على البدع، وبيان الصحيح من سنته ﷺ من الدخيل الْمُحْدَثِ، كلما وجد مناسبة لذلك، فمن ذلك:
قوله ﵀: "ولم يكن من هديه ﷺ تَعْليَةُ القبور، ولا بناؤها بآجرٍّ ولا بحجر ولبن، ولا تشييدها فكل هذا بدعة مكروهة، مخالفة لهديه ﷺ"٤.
_________________
(١) ١ البدر الطالع: (٢/١٤٥) . ٢ اجتماع الجيوش الإسلامية: (ص٧) . ٣ زاد المعاد: (٢/٢٨) . ٤ زاد المعاد: (١/٥٢٤) .
[ ١ / ١١٦ ]
وقال عن حديث الاكتحال يوم عاشوراء والتطيب: " مِنْ وضع الكذَّابين، وقَابَلَهُم آخرون فاتخذوه يوم تَأَلَّمٍ وحزنٍ، والطائفتان مبتدعتان خارجتان عن السنة، وأهل السنة يفعلون فيه ما أمر به النبي ﷺ من الصوم، ويجتنبون ما أمر به الشيطان من البدع"١.
وقال ﵀: "وكان من هديه ﷺ تعزية أهل الميت ولم يكن من هديه أن يُجْتَمَعَ للعزاء، ويقرأ له القرآن، لا عند القبر ولا غيره، وكل ذلك بدعة حادثة مكروهة"٢.
إلى غير ذلك من الأمثلة الكثيرة لِذَمِّه - ﵀ - البدع، وقيامه عليها وتنفيره منها.
ثالثًا: ذمُّ التقليد الأعمى، الذي يحمل المقلد على ترك ما جاء به النبي ﷺ لقول مُقَلَّدِهِ، فلا يرى الحق إلا مع إمامه، ولا يقبل من الدين إلا ما جاء من طريقه.
ويصف ابن القَيِّم - ﵀ - هذا النوع من التقليد المذموم بأنه: "الإعراضُ عن القرآنِ والسننِ وآثارِ الصحابةِ، واتخاذُ رَجلٍ بعينه مِعْيَارًا على ذلك، وتركُ النصوص لقوله، وعرضها عليه، وقبول كل ما أفتى به، ورد كل ما خالفه"٣.
ولا شك أن استيلاء التقليد على القلوب سببه: ما تقدم من
_________________
(١) ١ المنار المنيف: (ص١١٢ - ١١٣) . ٢ زاد المعاد: (١/٥٢٧) ٣ إعلام الموقعين: (٢/٢٥٠) .
[ ١ / ١١٧ ]
الإعراض عن نصوص الكتاب والسنة، ونبذهما وراء الظهور، والالتفات - بدلًا من ذلك - إلى القيل والقال، وآراء الرجال؛ فإن الغالب على من كانت هذه حاله، أنه يكون أسيرًا لأقوال إمامه، حبيسًا في سجن آرائه، فتجد الواحد منهم قد "أَخْلَد إلى أرض التقليد، وقنع أن يكون عيالًا على أمثاله من العبيد"١.
ويُبَيِّن ابن القَيِّم - ﵀ - شيئًا من حال الْمُقَلِّد، فيقول: "وعياذًا بالله من شر مقلد عَصَبِيّ، يرى العلم جهلًا، والإنصاف ظلمًا، وترجيح الراجح على المرجوح عدوانًا"٢.
ويُخْرِجُ ابن القَيِّم المقلد من زمرة العلماء؛ لأن العلماء ورثة الأنبياء، والأنبياء قد وَرَّثُوا العلم، "وكيف يكون مِنْ وَرَثة الرسول ﷺ من يجهد ويكدح في رد ما جاء إلى قول مقلد ومتبوعه؟! "٣
أقسام التقليد المحرم:
وقد بَيَّنَ - ﵀ - أن التقليد المحرم ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
١- الإعراض عمَّا أنزل الله، وعدم الالتفات إليه، اكتفاءً بتقليد الآباء.
٢- تقليد من لا يعلم المقلد أنه أهلٌ لأن يُؤْخذ عنه.
٣- التقليد بعد قيام الحجة وظهور الدليل على خلاف قول المقلد.
_________________
(١) ١ تهذيب السنن: (١/٦) . ٢ تهذيب السنن: (٣/٢٥١) . ٣ إعلام الموقعين: (١/٧) .
[ ١ / ١١٨ ]
ثم بَيَّنَ حرمة هذه الأنواع كلها، وذمَّ الله - سبحانه - لها في كتابه، وذلك في بحث له طويل ممتع نفيس١.
رابعًا: ذمُّ التعصب المذهبي ومحاربته، وكشف عواره، والتحذير منه.
فالتعصب المذهبي خطره عظيم، وشره جسيم، وإنما هو ناشئٌ عن التقليد ولا يقل في خطورته عنه، بل إنه أشد ضررًا من التقليد؛ فإن المقلد قد يكون قانعًا بمجرد التقليد، لكن المتعصبين زادوا على ذلك: أنهم - مع تقليدهم - "قد جعلوا التعصب للمذهب ديانتهم التي بها يدينون، ورؤوس أموالهم التي بها يتجرون"٢، وفي سبيلها يوالون ويعادون ويصلون ويقطعون، ويحبون ويبغضون، فقد "أشقاهم التعصب وأصَمَّهم وأعمى أبصارهم عن نور الوحيين: الكتاب والسنة، حتى بلغ بهم الهوس إلى المهاترات، ورد المذهب بمذهب آخر"٣.
وقد سبقت الإشارة إلى شيوع التعصب المذهبي وانتشاره في المجتمع الذي عاش فيه ابن القَيِّم، وما كان يسببه ذلك من: فتن وصراعات، ومحن وخلافات٤، الأمر الذي جعل ابن القَيِّم ﵀ - وهو ابن هذه البيئة - يهبُّ في وجه هؤلاء المتعصبة، ويعلنها حربًا عليهم في كل مناسبة وحين، بل قد أعطى هذه القضية من وقته وجهده وكتاباته الكثير والكثير.
_________________
(١) ١ انظر: إعلام الموقعين: (٢/١٨٧ - ٢٨١) . ٢ إعلام الموقعين: (١/٧) . ٣ ابن قَيِّم الجوزية - حياته وآثاره: (ص٤٤) . ٤ انظر: (ص ٤٩ - ٥٠) .
[ ١ / ١١٩ ]
ويبين ابن القَيِّم - ﵀ - خطر التعصب، وعاقبة أمره، فيقول: "تالله إنها فتنة عمَّت فَأَعْمَت، ورمت القلوب فَأَصَمَّتْ، رَبَا عليها الصغير، وهرم عليها الكبير، واتُّخِذ لأجلها القرآن مهجورًا "١.
ولقد صَبَرَ ابن القَيِّم - ﵀ - في محاربته للتقليد والتعصب على كل ما نَالَهُ مِنَ الأذى، وكَانَ ثَابِتًَا كالجَبَلِ الرَّاسِي، لَمْ تُؤَثِّر فيه مؤامراتُ الحاقدين، ولا نَالَتْ من ثَبَاتِهِ سِهَامُ الْمُقَلِّدة المتعصبين، حتى آتت جهوده أطيب الثمار، "فَذَابَتْ العصبيةُ المذهبية في الطريقة الأَثَرِيَّة، فَصُحِّحَت المفاهيم، وأخذ يَدُبُّ في الناس روحُ الأخذِ بِالدليل معَ احترام الأئمة السالفين، بل هو مَسْلَكُهُم ومَنْهَجُهُم، وما زالَ هذا يَدُبُّ في كل عهدِ ومَهْد حتى أيامنا هذه، بل في هذه الأيام والأزمان الحاضرة لم يجد الناس بُدًّا من ذلك المنهج السَّويِّ، والْمَشْرَعِ الرويِّ؛ لأنه هو الذي يتمشى ووقائع العصر ونوازله، فعاد أعداء المدرسة الأثرية لها أصدقاء، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات"٢.
خامسًا: محاربة الانحراف في العقيدة، والدعوة للرجوع إلى ما كان عليه سلف هذه الأمة في باب العقيدة: فَهْمًا وسلوكًا.
ولقد كان هذا هو هدف ابن القَيِّم الأهم، الذي أنفق في سبيله الكثير من جهده، وسطَّر من أجله العديد من مؤلفاته٣.
_________________
(١) ١ إعلام الموقعين: (١/٧ - ٨) . ٢ ابن قَيِّم الجوزية - حياته وآثاره: (ص٤٨) ٣ ومن أهمها: (اجتماع الجيوش الإسلامية)، و(الصواعق المرسلة)، و(قصيدته النونية) العظيمة التي بلغت ستة آلاف بيت.
[ ١ / ١٢٠ ]
وذلك أنه قد انتشرت في عصره الأفكار الفلسفية، والمناهج الكلامية، وأدى ذلك إلى ظهور بدع التأويل لنصوص الصفات تأويلًا يُفْضي إلى تحريفها عن معناها، أو تعطيلها عن مضمونها ونفيها.
ولاشكَّ أن ذلك مخالف لما عليه سلف هذه الأمة من: إثبات ما وصف الله - سبحانه - به نفسه، وما وصفه به رسوله ﷺ، إثباتًا بلا تشبيه، وتنْزيهه عمَّا نزه عنه نفسه، ونَزَّهه عنه رسوله، تنْزيهًا بلا تعطيل١.
من أجل ذلك هبَّ ابن القَيِّم - ﵀ - للدفاع عن عقيدة السلف، والدعوة إلى الرجوع إلى ما كانوا عليه في فهم نصوص الكتاب والسنة في هذا الباب، فكان له جهد مشكور، وبلاء حسن في إحياء عقيدة السلف بعدمَا دَرَسَت، وتصحيح كثير من المفاهيم بعد ما تحرَّفت وانطمست، ولا تزال بركة دعوتِهِ - وشيخه من قبله - ساريةً إلى وقتنا هذا، بما تركاه من كتب نفيسة ومؤلفات نافعة مباركة، يعتصمُ بها طالبُ الحقِّ من الوقوع في الفتن، وينهل من مَعِينها كل راغب في اتباع خير سَنَنٍ.
سادسًا: تقرير أن سنة رسول الله ﷺ الصحيحة لا يضربُ بعضُهَا بعضًا، وأنها تتفق ولا تفترق، وأنها كلٌّ لا يتجزأ، ولذا فإنه لا ينبغي أخذ بعضها وترك بعضها الآخر، فيأخذ أحدهم ما يناسبه، ويَطِّرِح ما يخالف هواه، بل لابد من تنْزيل كل نص من نصوصها منْزله، وحمله على ما وُضِعَ له.
_________________
(١) ١ انظر: الصواعق المرسلة: (١/٢٢٨ - ٢٢٩) .
[ ١ / ١٢١ ]
يقول ابن القَيِّم - ﵀ - في معرض ذمِّه لأولئك الذين يأخذون أحاديث التخفيف في الصلاة، وَيَدَعُون الأخرى التي جاءت بتطويله ﷺ الصلاة -: "فهو يميل من السنة إلى ما يناسبه، ويأخذ منها ما يوافقه، ويَتَلَطَّف لمن خشن في تأويل ما يخالفه، ودفعه بالتي هي أحسن، ونحن نبرأ إلى الله من سلوك هذه الطريقة، ونسأله أن يُعَافِيَنَا مما ابتلى به أربابها فليس الشأن في الأخذ ببعض سنة رسول الله ﷺ وترك بعضها، بل الشأن في الأخذ بجملتها، وتنزيل كل شيء منها منزلته، ووضْعِهِ بموضعه"١.
وهذا منه - ﵀ - تشخيص دقيق لداءٍ عضال، قد أصيب به كثير من الناس، يتلمسون من نصوص السنة ما يناسب أهواءهم، فيحملونها على غير مَحَامِلها لِتُنَاسب مقصودهم، ويَطِّرحُون - في الوقت نفسه - من النصوص النبوية ما يشق على نفوسهم اتباعه، وما لا توافقهم أهواؤهم على امتثاله.
تلك هي الطائفة التي تقول - كما يصورها ابن القَيِّم -: "حق الله مبني على المسامحة والمساهلة والعفو، وحق العباد مبني على الشح والضيق والاستقصاء، فقامت في خدمة المخلوقين كأنها على الفرش الوثيرة وقامت في خدمة ربها وفاطرها كأنها على الجمر المحرق، تعطيه الفضلة وتستوفي لأنفسها كمال الحظ"٢.
فلله درُّ ابن القَيِّم؛ لقد وَضع يده على كثير من أمراض القلوب وأدوائها، فهبَّ يصف الدواء الناجع الذي فيه الشفاء لها.
_________________
(١) ١ الصلاة: (ص١٦٦) . ٢ الصلاة: (ص١٦٥) .
[ ١ / ١٢٢ ]
سابعًا: الحرص على توجيه العلماء والمفتين والمبلغين عن رب العالمين، وعن رسوله ﷺ إلى أن يكونوا صادقين مخلصين، عالمين عاملين، صادعين بالحق لا يخافون.
وما ذلك إلا لعظمِ مكانةِ العلماء وخطورة شأنهم؛ فإنه لَمَّا كان قيام الإسلام إنما هو بطائفتي: العلماء والأمراء، كان صلاح الدنيا كلها بصلاحهما، وفسادها بفسادهما، كما قال عبد الله بن المبارك ﵀:
وهَلْ أَفْسَدَ الدِّينَ إلا الْمُلُوُكُ وأحبارُ سُوءٍ وَرَهْبَانُهَا
ولاشكَّ أن خطر العلماء أشد، ومسؤوليتهم أعظم، فإنهم إن كانوا قائمين بالحق، آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر، لا يخافون في الله لومة لائم، فإن الملوك سيهابونهم، ويعرفون لهم قدرهم. وأما إن كانوا - والعياذ بالله - علماء سوء، يعينون الحكام على ظلمهم، ويزيِّنون لهم باطلَهم، ولا يُخَوِّفُونهم الله في الناس، فإنهم يكونون شرًّا على الدين والدنيا معًا.
ولما أدرك ابن القَيِّم - ﵀ - خطورة هذا لأمر، وقدره حق قدره، كان حريصًا على التنبيه عليه، والتحذير من التهاون فيه.
من شروط العلماء والمفتين:
قال ﵀: "ولما كان التبليغ عن الله - سبحانه - يعتمد: العلم بما يبلغ، والصدق فيه، لم تصلح مرتبة التبليغ بالرواية والفتيا إلا لمن اتصف بالعلم والصدق، فيكون عالمًا بما يبلغ، صادقًا فيه، ويكون مع ذلك: حسن الطريقة، مَرْضي السيرة، عدلًا في أقواله وأفعاله، متشابه السر
[ ١ / ١٢٣ ]
والعلانية في مدخله ومخرجه وأحواله ولا يكون في صدره حرج من قول الحق والصدع به، فإن الله ناصره وهاديه"١.
ولقد كان ابن القَيِّم - ﵀ - كعادته - ممتثلًا ذلك في نفسه أولًا، فكان خير مثل للعلماء العالمين العاملين، الصادقين المخلصين، آمرًا بالمعروف، ناهيًا عن المنكر بلسانه ويده، قائمًا لله بحقه، فبارك الله له في دعوته، وألقى في القلوب مَحَبَّتِهُ.
ثامنًا: محاربة الفساد والأوضاع الخاطئة في مجتمعه، وإنكار المنكرات السائدة فيه، والتحذير منها.
وقد سبقت الإشارة إلى شيء من مواقفه في ذلك، كموقفه من عادة التحليل، والغناء والسماع الذي عمَّت به البلوى في وقته، وغير ذلك من المنكرات التي انتشرت آنذاك، فوقف لها بالمرصاد: يفضح أمرها، ويبين خطرها وسوءَ عَاقِبَتِهَا.
فكان - ﵀ - يُعدُّ بحق مُصلحًا اجتماعيًا ناجحًا.
تلك هي أبرز الأهداف النبيلة التي كان ابن القَيِّم - ﵀ - يسعى لتحقيقها، والمبادئ التي كان ينادي بالتزامها والتحلِّي بها، والآراء السديدة التي كانت له، فجزاه الله خير الجزاء من عَالِمٍ صادق، وداعية مصلح، وإمامٍ ربانيِّ.
_________________
(١) ١ إعلام الموقعين: (١/١٠-١١) .
[ ١ / ١٢٤ ]