المرفوع:
هو ما أضيف إلى النبي ﷺ خاصةً: قولًا، أو فعلًا، أو تقريرًا، لا يقع مطلقه على غيره، متصلًا كان أو منقطعًا١.
والموقوف:
قال النووي: "هو المروي عن الصحابة: قولًا لهم، أو فعلًا أو نحوه، متصلًا كان أو منقطعًا. ويستعمل في غيرهم مقيدًا، فيقال: وَقَفَهُ فلانٌ على الزهري ونحوه"٢.
ومن المسائل التي تناولها ابن القَيِّم - ﵀ - مما يتعلق بالمرفوع والموقوف:
المسألة الأولى: إذا قيل عند ذكر الصحابي: يرفعه، أو: يبلغ به.
إذا قيل عند ذكر الصحابي: يرفعه، أو يَنْمِيهِ٣، أو: يَبْلُغُ به، أو: روايةً ونحو ذلك: فإنه مرفوع عند أهل العلم٤.
قال ابن الصلاح: "فكل ذلك وأمثاله: كناية عن رفع الصحابي
_________________
(١) ١ مقدمة ابن الصلاح: (ص٢٢)، وتدريب الراوي: (١/١٨٣ - ١٨٤) . ٢ التقريب: (ص٦) . ٣ نَمَى الحديث إلى فلان: أسنده له ورفعه. (مختار الصحاح: ص٦٨١) . ٤ انظر: فتح المغيث: (١/١٢٢) .
[ ١ / ٣٨٥ ]
الحديث إلى رسول الله ﷺ، وحكمُ ذلك عند أهل العلم حكم المرفوع صريحًا"١.
وكذا إذا قال الراوي عن التابعي: يرفع الحديث، أو: يبلغ به، ونحو ذلك مما تقدم، فإنه مرفوعٌ أيضًا، قال ابن الصلاح: "ولكنه مرفوع مرسل"٢.
وقد نَقَلَ السخاوي - ﵀ - عن ابن القَيِّم كلامًا في مسألة: قول الراوي عن التابعي: يرفعه أو يبلغ به، فقال في ذلك: " مرسل مرفوع بلا خلاف، ولذا قال ابن القَيِّم: جزمًا"٣.
فالسخاوي - ﵀ - يستند إلى ما قرره ابن القَيِّم في نفي الخلاف بين أهل العلم في تحديد اصطلاح "مرسل مرفوع"، وعزا ذلك كالإجماع إلى أهل العلم مستدلًا على ذلك بكلام ابن القَيِّم في المسألة.
المسألة الثانية: في قول الصحابي: أَمَرَ رسول الله ﷺ بكذا، أو حَرَّمَ كذا، أو: أوجب كذا.
قال ابن القَيِّم ﵀: "وقول الصحابي: حرَّمَ رسول الله ﷺ كذا، أو: أَمَرَ بكذا، وقضى بكذا، وأوجب كذا: في حكم المرفوع اتفاقًا عند أهل العلم، إلا خلافًا شاذًّا لا يُعْتدُّ به، ولا يُؤْبَهُ له".
_________________
(١) ١ مقدمة ابن الصلاح: (ص٢٤ - ٢٥) . ٢ مقدمة ابن الصلاح: (ص٢٥) . ٣ فتح المغيث: (١/١٢٢) .
[ ١ / ٣٨٦ ]
ثم بَيَّن - ﵀ - الشبهة التي تعلق بها المخالف في ذلك، فقال: "وشبهة المخالف: أنه لعله رواه بالمعنى، فظن ما ليس بأمر ولا تحريم كذلك".
ثم رد ذلك بقوله: "وهذا فاسدٌ جدًا؛ فإن الصحابة أعلم بمعاني النصوص، وقد تَلَقَّوْها من في رسول الله ﷺ، فلا يُظَنُّ بأحد منهم أن يُقْدِمَ على قوله: أمر رسول الله ﷺ، أو: حرَّم، أو: فَرَضَ. إلا بعد سماع ذلك، ودلالة اللفظ عليه.
واحتمال خلاف هذا كاحتمال الغلط والسهو في الرواية، بل دونه١؛ فإن رُدَّ قوله: أمر، ونحوه بهذا الاحتمال، وَجَبَ ردُّ روايته لاحتمال السهو والغلط، وإن قبلت روايته: وجب قبول الآخر"٢.
وهذا كلام بديع محكم من ابن القَيِّم في رد هذه الشبهة.
وهذه الشبهة نقلها ابن الأثير عن أهل الظاهر، وأجاب عنها بنحو جواب ابن القيم٣.
_________________
(١) ١ أي: أحطَُ منه منزلة، وأراد بذلك تعنيف صاحب الشبهة؛ لأن وصفه للصحابي بسوء الفهم أشد من وصفه له بالغلط والسهو. ٢ تهذيب السنن: (٥/١٠١) . ٣ مقدمة جامع الأصول: (١/٩٢) . وثَمَّة شبهة أخرى تعلق بها المانعون، وهي: احتمال كون الصحابي سمع ذلك من غير النبي ﷺ، وأن يكون رواية عن غيره عنه. وقد رد الخطيب ذلك في (الكفاية) (ص ٥٩٠ - ٥٩١) مرجحًا رأي الجمهور في ذلك، وأنه ينبغي حمله على أن الصحابي سمعه من رسول الله ﷺ.
[ ١ / ٣٨٧ ]
فتلخص من ذلك: أن ما اختاره ابن القَيِّم - ﵀ - في إثبات حكم الرفع لما هذه صفته، هو الصواب الذي عليه الجمهور، وأن ما تَمَسَّك به المخالفون من شبه ضعيف لا يُقَاوِمُ رأي الجمهور، والله أعلم.
المسألة الثالثة: في حكم ما يقوله الصحابي مما لا مجال فيه للرأي والاجتهاد.
إذا قال الصحابي قولًا مما لا مجال فيه للرأي والاجتهاد، فهل يثبت لذلك حكم الرفع؟
قَرَّر ابن القَيِّم - ﵀ - أن ذلك له حكم الرفع؛ فإنه قال في حديث أبي هريرة ﵁ في امتحان أهل الفترة، والمعتوه ونحوهما١ - وقد رُوِيَ عنه مرفوعًا وموقوفًا - قال: "غاية ما يُقَدَّرُ فيه: أنه موقوف على الصحابي، ومثل هذا لا يُقْدِمُ عليه الصحابي بالرأي والاجتهاد، بل يُجْزَمُ بأن ذلك توقيف لا عن رأي"٢.
وقرر ذلك أيضًا: الحافظ ابن حجر ﵀، وذهب إلى أنه من باب المرفوع حكمًا لا تصريحًا، ولكن قَيَّدَهُ بمن لم يُعرف بالأخذ عن الإسرائيليات والكتب القديمة، فإذا قال الصحابي ما "لا مجال للاجتهاد فيه، ولا له تعلق ببيان لغة أو شرح غريب، كالإخبار عن الأمور الماضية: من بدء الخلق، وأخبار الأنبياء. أو الآتية: كالملاحم والفتن، وأحوال يوم
_________________
(١) ١ انظر: أحكام أهل الذمة: (٢/٦٥٠ - ٦٥١) . ٢ أحكام أهل الذمة: (٢/٦٥٤) .
[ ١ / ٣٨٨ ]
القيامة، وكذا الإخبار عمَّا يحصل بفعله ثوابٌ مخصوص أو عقاب مخصوص"١. فإن ذلك له حكم الرفع.
وقد نَبَّهَ الشيخ أحمد شاكر على ضرورة الاحتياط في ذلك، وعدم إطلاق القول بالرفع في كل ما يَرِدُ من ذلك، وأشار إلى أن مما يجب مراعاته في ذلك: بعض فتاوى الصحابة واجتهاداتهم في بعض المسائل، التي بنوها على عمومات وأصول الشريعة، فقد يظَنُّ البعض أن هذا مما لا مجال فيه للرأي٢.
فتلخص من ذلك: أن ابن القَيِّم يذهب إلى إثبات حكم الرفع لما قاله الصحابي مما لا مجال للرأي فيه، ولكنه لم يقيد ذلك ببعض القيود الضرورية التي مرَّ ذكرها. وسبب عدم تقييد ابن القَيِّم كلامه: أنه جاء مرتبطًا بقضية معينة، وحديث بعينه، والله أعلم.
المسألة الرابعة: فيما يَنْسِبُ الصحابي فاعِلَهُ إلى العِصْيَان.
ما يَنْسِبُ الصحابي فاعله إلى الكفر أو العصيان: هل يثبت له حكم الرفع، أم يكون موقوفًا على الصحابي؟
اختار ابن القَيِّم - ﵀ - في هذه المسألة القول: بأن ذلك موقوفٌ على الصحابي، فقال عند كلامه على حديث عمار بن ياسر ﵁: "من صام هذا اليوم - يعني يوم الشك - فقد عصى أبا القاسم ﷺ ": "وذكر جماعة أنه موقوف، ونظير هذا قول أبي هريرة: "من لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله".
_________________
(١) ١ نزهة النظر: (ص٥٣) . ٢ الباعث الحثيث: (ص٤٧) .
[ ١ / ٣٨٩ ]
والحكم على الحديث بأنه مرفوع بمجرد هذا اللفظ لا يصح، وإنما هو لفظ الصحابي قطعًا.
ولعل الصحابي فهم من قول النبي ﷺ: "لا تقدموا رمضان بيوم ولا يومين": أن صيام يوم الشك تَقَدُّمٌ، فهو معصية، كما فهم أبو هريرة من قوله ﷺ: "إذا دعا أحَدَكم أخاه فليجبه ": أن ترك الإجابة معصية لله ورسوله. ولا يجوز أن يُقَوَّلَ رسول الله ﷺ ما لم يقله.
والصحابي إنما يقول ذلك استنادًا منه إلى دليل فَهِمَ منه أن مخالفة مقتضاه معصية، ولعله لو ذكر ذلك الدليل لكان له محمل غير ما ظنه، فقد كان الصحابة يخالف بعضهم بعضًا في كثير من وجوه دلالة النصوص"١.
كذا قال ابن القَيِّم ﵀، إلا أن جمعًا من الأئمة ذهبوا إلى إثبات حكم الرفع لذلك، فجزم به الحاكم في (علوم الحديث) ٢، والفخر الرازي٣، والزركشي٤، وأيَّدَه الحافظ العراقي٥.
وقال الحافظ ابن حجر: "فهذا ظاهره أن له حكم الرفع، ويحتمل أن يكون موقوفًا لجواز إحالة الإثم على ما ظهر من القواعد.
_________________
(١) ١ تهذيب السنن: (٣/٣٢١ - ٣٢٢) . (ص ٢١ - ٢٢) . ٣ النكت على ابن الصلاح - لابن حجر: (٢/٥٣٠) . ٤ تدريب الراوي: (١/١٩١) . ٥ شرح الألفية: (١/١٤٠) .
[ ١ / ٣٩٠ ]
والأول أظهر، بل حكى ابن عبد البر الإجماع على أنه مسند"١.
وأما ما قاله ابن القَيِّم - ﵀ - من أن الصحابي إنما يقول ذلك استنادًا إلى دليل يفهم منه أن مخالفة مقتضاه تكون معصية: فإنه لا يخلو من نظر، ويُجاب عما رآه ابن القَيِّم في هذه المسألة بما أجاب به هو عن المسألة المتقدمة، وهي: قول الصحابي: حرَّم رسول الله ﷺ كذا، أو: أمر بكذا، فيقال: إن الصحابة أعلم بمعاني النصوص، فلا يُظَنُّ بأحدهم أن يُقدِمَ على الحكم بالكفر أو المعصية على أحدٍ إلا وقد سمع ذلك، مع دلالة اللفظ عليه، فالصحابة هم أفهم الناس لدلالة النصوص على الكفر والمعصية من عدم دلالتها على ذلك.
فتخلص من ذلك: أن الراجح في هذه المسألة هو الحكم في ذلك بالرفع، وأن ما ذهب إليه ابن القَيِّم من الحكم لذلك بالوقف: هو خلاف الأظهر من قولي أهل العلم في المسألة، وخلاف الراجح، والله أعلم.
المسألة الخامسة: في حكم تفسير الصحابي للقرآن.
هل ما يُفَسِّرُه الصحابي من آي القرآن يُعَدُّ حديثًا مرفوعًا؟
اشتهر عن الحاكم القول بذلك، بل نسبه إلى البخاري ومسلم، فقد قال في (المستدرك) ٢: "وقد اتفقا على أن تفسير الصحابيّ حديث مسند".
_________________
(١) ١ النكت على ابن الصلاح: (٢/٥٣٠) . (١/٥٤٢) .
[ ١ / ٣٩١ ]
وقد قيده ابن الصلاح١ - وتبعه عليه النووي٢، والعراقي٣- بما يتعلق من ذلك بسبب النزول، وسبق هؤلاء جميعًا إلى التقييد بذلك: الخطيب البغدادي، وأبو منصور البغدادي، كما أفاده الحافظ ابن حجر٤.
على أنه قد جاء عن الحاكم التقييد بذلك أيضًا، فقال - بعد أن ذكر حديث جابر ﵁ في سبب نزول قوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]-: "هذا الحديث وأشباهه مسندة عن آخرها وليست بموقوفة، فإن الصحابي الذي شهد الوحي والتنزيل، فأخبر عن آية من القرآن أنها نزلت في كذا، فإنه حديث مسند"٥.
وقد اعتمد ابن القَيِّم - ﵀ - رأي الحاكم في "المستدرك"، ونقله عنه في كثير من المواضع، محتجًا به على إثبات حكم الرفع لما يقوله الصحابي من التفسير.
فقد نقل عنه كثيرًا قوله: "تفسير الصحابي عندنا في حكم المرفوع"٦.
_________________
(١) ١ مقدمة ابن الصلاح: (ص٢٤) . ٢ التقريب: (ص٦) . ٣ شرح الألفية: (١/١٣٢) . ٤ النكت على ابن الصلاح: (٢/٥٣٠) . ٥ معرفة علوم الحديث: (ص٢٠) . وانظر: تدريب الراوي: (١/١٩٣) . ٦ انظر: تهذيب السنن: (٣/٧٧)، وتحفة المودود: (ص١٧)، وإعلام الموقعين: (٤/١٥٣)، وحادي الأرواح: (ص٣٦٦) .
[ ١ / ٣٩٢ ]
ولكن: هل يَحْمِلُ ابن القَيِّم هذا الكلام من الحاكم على إطلاقه فَيُثْبِتُ لتفسير الصحابي حكم الرفع مطلقًا؟
والجواب عن ذلك يظهر من شرح ابن القَيِّم لمراد الحاكم بمقالته؛ إذ قال ﵀: "ومراده - أي الحاكم -: أنه في حكمه في الاستدلال به والاحتجاج، لا أنه إذا قال الصحابي في آية قولًا، فلنا أن نقول: هذا القول قول رسول الله ﷺ، أو: قال رسول الله ﷺ.
وله وجه آخر: وهو أن يكون في حكم المرفوع، بمعنى: أن رسول الله ﷺ بَيَّنَ لهم معاني القرآن، وفسره لهم، كما وصفه تعالى بقوله: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ " [النحل: ٤٤] .
فَبَيَّن لهم القرآن بيانًا شافيًا كافيًا، وكان إذا أشكل على أحد منهم معنىً، سأله عنه، فأوضحه له، كما سأله الصديق عن قوله تعالى: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ ١ [النساء: ١٢٣] فبين له المراد، وكما سألته أم
_________________
(١) ١ وحديث أبي بكر الصديق أخرجه أحمد في المسند (١/١١)، والحاكم في المستدرك (٣/٧٤ - ٧٥)، والبيهقي في السنن (٣/٣٧٣)، وغيرهم، عن أبي بكر ﵁ قال: يا رسول الله! كيف الصلاح بعد هذه الآية؟ فكل سوء عملنا جزينا به! فقال ﷺ: "يرحمك الله يا أبا بكر، ألست تنصب، ألست تحزن، ألست تصيبك اللأواء؟ فهذا ما تجزون به". (وانظر: مرويات الإمام أحمد في التفسير رقم ٨٧٨) .
[ ١ / ٣٩٣ ]
سلمة عن قوله: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ ١؟ [الانشقاق: ٨] فبين لها أنه العرض وهذا كثير جدًا.
فإذا نقلوا لنا تفسير القرآن، فتارة ينقلونه عنه بلفظه، وتارة بمعناه، فيكون ما فسروا بألفاظهم من باب الرواية بالمعنى، كما يروون عنه السنة تارة بلفظها، وتارة بمعناها. وهذا أحسن الوجهين، والله أعلم"٢.
فابن القَيِّم - ﵀ - ينفي أن يكون المراد بأن له حكم الرفع: نسبته إلى النبي ﷺ، وأنه قاله، ولكنه يؤكد كونه حجة كالمرفوع، كما مضى في كلامه، بل ويصرح بذلك في مناسبة أخرى، فيقول: "تفسير الصحابة حجة"٣.
ويُقيِّدُ ابن القَيِّم - ﵀ - الاحتجاج بتفسير الصحابي
_________________
(١) ١ وهذا الحديث الذي أشار إليه ابن القَيِّم أخرجه البخاري في صحيحه: ك العلم، ب من سمع شيئًا فراجع حتى يعرفه، برقم ١٠٣، وفي غير ذلك من المواضع، من حديث عائشة ﵂ "أنها لما سمعت قول النبي ﷺ: "من نوقش الحساب عذب" قالت: أو ليس يقول الله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾؟ فقال ﷺ: "إنما ذلك العرض، ولكن من نوقش الحاسب يهلك". وكذا وقع عند ابن القَيِّم هنا في "إعلام الموقعين ": (أم سلمة) ! والمشهور عن عائشة ﵂، فلعله وهم من النساخ أو الطابعين؟! فقد أورده على الصواب في الصواعق (٣/١٠٥٣) . ٢ إعلام الموقعين: (٤/١٥٣ - ١٥٤) . ٣ زاد المعاد: (٥/٢٤٣) .
[ ١ / ٣٩٤ ]
بقيدين، وهما:
١- أن لا يعارضه نصٌّ في المسألة.
٢- أن لا يعارضه قول غيره من الصحابة.
فإذا توافر لتفسيره هذان الشرطان عُلِمَ أن الصواب في قوله؛ إذ يمتنع أن يكون قول أحدهم في كتاب الله خطأ محضًا ويُمسكُ الباقون عن الصواب فلا يتكلمون به؛ فإنه من المحال خلوّ عصرهم عن ناطق بالصواب واشتماله على ناطق بالخطأ فقط١.
فهذا حاصل كلام ابن القَيِّم - ﵀ - في تفسير الصحابي، وبيان مراد الحاكم بقوله: إنه في حكم المرفوع، وأن تفسيره في الحجية كحجية المرفوع سواء، ولكن بشرطين مهمين.
ومما يحسن التنبيه عليه هنا: أن الحافظ ابن حجر - ﵀ - ذَكَرَ ضابطًا آخر لما يفسره الصحابي، فقال: "والحق: أن ضابط ما يفسره الصحابي ﵁:
- إن كان مما لا مجال للاجتهاد فيه، ولا منقولًا عن لسان العرب: فحكمه الرفع، وإلا: فلا، كالإخبار عن الأمور الماضية: من بدء الخلق، وقصص الأنبياء. وعن الأمور الآتية: كالملاحم والفتن، والبعث، وصفة الجنة والنار، والإخبار عن عمل يحصل به ثواب أو عقاب مخصوص. فهذه الأشياء لا مجال للاجتهاد فيها، فيحكم لها بالرفع
_________________
(١) ١ إعلام الموقعين: (٤/١٥٥) .
[ ١ / ٣٩٥ ]
- وأما إذا فسر آية تتعلق بحكم شرعي، فيحتمل أن يكون ذلك مستفادًا عن النبي ﷺ، وعن القواعد، فلا يُجْزَم برفعه. وكذا إذا فَسَّرَ مفردًا، فهذا نقل عن اللسان خاصة، فلا يجزم برفعه.
وهذا التحرير الذي حررناه هو معتمد خلق كثير من كبار الأئمة: كصاحبي الصحيح، والإمام الشافعي، وأبي جعفر الطبري، وأبي جعفر الطحاوي، وأبي بكر بن مردويه في تفسيره المسند، والبيهقي، وابن عبد البر في آخرين"١.
وهذا القيد لم يتعرض له ابن القَيِّم ﵀، مع أنه قد تَقَدَّم عنه - في المسألة الثالثة - القول: بأن ما يقوله الصحابي مما لا مجال فيه للرأي والاجتهاد يثبت له حكم الرفع؛ وذلك بناءً على ما تقدم عنه من إطلاق كون تفسير الصحابي مسندًا مرفوعًا بشرط عدم معارضة نصٍّ له أو تفسير لصحابي آخر، فيكون من مختلف الحديث، فكأنه لم يقيده بكونه مما لا مجال للرأي فيه في خصوص التفسير وحده، والله أعلم.
_________________
(١) ١ النكت على ابن الصلاح: (٢/٥٣١ - ٥٣٢) .
[ ١ / ٣٩٦ ]