المبحث الرابع: زهده وعبادته
إنَّ في حياة العلامة ابن القَيِّم وسلوكه جانبًا آخر- غير ما سبق - وهو جانب: اجتهاده مع مولاه، وخوفه منه ورجائه إياه، وسعيه في تحصيل رضاه، واستعداده ليوم لقاه.
فإن (من يقرأ مؤلفات ابن القَيِّم - رحمه الله تعالى - وبخاصة كتابه (مدارج السالكين) - يخرج بدلالة واضحة: على أن ابن القَيِّم –رحمه الله تعالى– كان لديه من عمارة قلبه باليقين بالله والافتقار والعبودية، والاضطرار، والإنابة إلى الله، الثروة الطائلة، والقدح الْمُعَلَّى في جَوِّ العلماء العاملين، الذين هم أهل الله وخاصته.
وأن لديه من الأشواق والمحبة التي أخذت بمجامع قلبه - لا على منهج المتصوفة الغلاة، بل على طريق السلف الصالح - ما عمر قلبه بالتعلق بالله في السِّر والعلن، ودوام ذِكْرِهِ، وأن العبادة حَلَّت منه محل الدواء والمعالجة، وترويض النفس"١.
فلقد عَمَرَ ابن القَيِّم - ﵀ - ما بينه وبين الله سبحانه، بالاجتهاد في العبادات والطاعات، كما عَمَر ما بينه وبين الناس بحسن الخلق، والاتصاف بجميل العادات، فكان بذلك خير مثال للعلماء الصادقين، الذين جمعوا بين العلم والعمل.
_________________
(١) ١ بهذه الكلمات المضيئة وصفه الشيخ بكر بن عبد الله أبو بزيد في كتابه: (ابن قَيِّم الجوزية - حياته وآثاره): (ص٢٥) .
[ ١ / ١٠٥ ]
نعم، لقد شَمَّر ابن القَيِّم - ﵀ - عن ساعد الجد في العبادة ليلًا ونهارًا، حتى قال عنه أقرب الناس إليه، وأعرفهم به، وأصحبهم له - وهو الحافظ ابن كثير -: "ولا أعرف في هذا العالم في زماننا أكثر عبادة منه"١.
وفيما يلي طرفٌ مما حكاه بعض من شاهد أحواله في ذلك:
١ـ طول صلاته وقيامه بين يدي الله سبحانه، وطول ركوعه وسجوده: فقد وُصِفَ –﵀ - بطول الصلاة "إلى الغاية القصوى"٢.
وكانت طريقته - ﵀ - في الصلاة: أنه (يطيلها جدًا، ويمد ركوعها وسجودها، ويلومه كثير من أصحابه في بعض الأحيان، فلا يرجع ولا يَنْزِع عن ذلك ﵀"٣.
وكيف يَنْزِع عن ذلك، أو يُقْلِع عنه، وقد وجد راحة نفسه، وطمأنينة قلبه، والأنس بمحبوبه في طول الوقوف بين يديه سبحانه، وكثرة المناجاة له؟ وكيف يُقْلِع عن ذلك وهو يرى أن (من لم تكن قرة عينه في الصلاة، ونعيمه وسروره ولذته فيها، وحياة قلبه وانشراح صدره"٤، فأولى به أن يكون من السُّرَّاق في صلاتهم، الذين ينقرونها نقرًا.
_________________
(١) ١ البداية والنهاية: (١٤/٢٤٦) . ٢ ذيل طبقات الحنابلة: (٢/٤٤٨) . ٣ البداية والنهاية: (١٤/٢٤٦) . ٤ الصلاة: (ص ١٦٥ - ١٦٦) .
[ ١ / ١٠٦ ]
٢ـ تهجده وقيامه الليل: فقد قال عنه ابن رجب ﵀: "كان ذا عبادة وتهجد"١.
وكيف بهذا العالم الرباني يغفل عن قيام الليل، أو يتوانى في ذلك، وقد علم أنه (وَقْتُ قَسْمِ الغَنَائم) ٢، فأسهر ليله، ووقف بين يدي مولاه والناس نيام حتى يكون يوم القيامة من الآمنين، وفي الموقف من المطمئنين؛ فإن من "سَبَّح الله ليلًا طويلًا، لم يكن ذلك اليوم ثقيلًا عليه، بل كان أخفَّ شيء عليه"٣. كما يقول هو ﵀.
ويقرر - ﵀ - أن في قيام الليل الكثير من الفوائد التي تعود على المسلم بالخير في صحته وبدنه؛ فإن قيام الليل "من أنفع أسباب حفظ الصحة، ومن أمنع الأمور لكثير من الأمراض المزمنة، ومن أنشط شيء للبدن والروح والقلب"٤.
٣ـ كثرة ابتهاله وتضرعه ودعائه: فقد وصفه ابن كثير - ﵀ - بـ (كثير الابتهال) ٥. وقد وُصِفَ أيضًا بـ "الافتقار إلى الله، والانكسار له، والاطِّراح بين يديه على عتبة عبوديته"٦ بحيث لم يشاهد مثله في ذلك.
_________________
(١) ١ ذيل الطبقات: (٢/٤٤٨) . ٢ تحفة المودود: (ص ٢٤١) . ٣ اجتماع الجيوش الإسلامية: (ص٣٧) . ٤ زاد المعاد: (٤/٢٤٧-٢٤٨) . ٥ البداية والنهاية: (١٤/٢٤٦) . ٦ ذيل الطبقات: (٢/٤٤٨) .
[ ١ / ١٠٧ ]
٤ـ ملازمته - ﵀ - لذكر الله واستغفاره: بحيث كان ذا (لَهَجٍ١ بالذكر والإنابة والاستغفار"٢.
ومما يذكر عنه في ذلك أيضًا: أنه كان إذا صلى الفجر يجلس مكانه يذكر الله - تعالى - حتى يتعالى النهار جدًا، وكان إذا سُئِل عن ذلك يقول: هذه غَدْوَتِي٣، ولو لم أَتَغَدّ هذه الغدوة سقطت قواي٤. وقد ذكر هو - ﵀ - عن شيخه ابن تَيْمِيَّة مثل ذلك٥ فلا مانع أن يكون هذا الفعل ثابتًا عنهما رحمهما الله.
وحريّ بمثل ابن القَيِّم أن يحرص على الذكر، ويكثر منه ولا يفارقه، ويجد فيه راحة قلبه؛ وذلك أنه عرف منزلة ذكر الله وفوائده الجمة، حتى أخبر - ﵀ - أن (في الذكر أكثر من مائة فائدة"٦. ثم ساق من هذه الفوائد نيفًا وتسعين فائدة٧.
فرحم الله ابن القَيِّم، ذاك الذي كان مثلًا صادقًا للعلماء العاملين.
_________________
(١) ١ اللَّهَجُ بالشيء: الولوع به. (مختار الصحاح: لهج) . ٢ ذيل طبقات الحنابلة: (٢/٤٤٨) . ٣ أي غدائي، ويقصد به الغداء المعنوي الروحي، فشبهه بالطعام الذي تقوم به القوى؛ لأن العبادة تقوى بها الروح وتسمو. والغُدْوَةُ: ما بين صلاة الغداة وطلوع الشمس (مختار الصحاح، مادة غدا) . ٤ الدرر الكامنة: (٤/٢١)، وابن قَيِّم الجوزية - حياته وآثاره: (٤٦) . ٥ الوابل الصيب: (ص٥٣)، والرد الوافر: (ص٦٩) . ٦ الوابل الصيب: (ص٥٢) . ٧ الوابل الصيب: (ص٥٢ - ١٢٠) .
[ ١ / ١٠٨ ]
٥ـ قراءة القرآن بالتدبر والتفكر: فقد كان - ﵀ - لا يفتر عن ذلك حتى في أوقاته الحرجة، ويصف تلميذه ابن رجب - ﵀ - حاله في السجن، فيقول: "وكان في مدة حبسه مشتغلًا بتلاوة القرآن بالتدبر والتفكر"١.
ولأجل ما كان عليه في ذلك من التدبر والتفكر في كتاب الله، فإن تلميذه ابن رجب لم ير "أعرف بمعاني القرآن منه"٢.
٦ـ حرصه - ﵀ - على أداء الحج مرات وكرات: فقد (حج مرات كثيرة، وجاور بمكة"٣.
وفي أثناء مجاورته بمكة كان مشتغلًا بالعبادة لا يفتر، حتى إن أهل مكة كانوا "يذكرون عنه من شدة العبادة، وكثرة الطواف أمرًا يُتَعَجَّب منه"٤.
ويصف هو - ﵀ - شيئًا من عبادته وخضوعه لربه أثناء مقامه بمكة، وذلك عند كلامه على تأليف كتابه (مفتاح دار السعادة) فيقول: "كان هذا من بعض النزل والتُّحف التي فتح الله بها علي حين انقطاعي إليه عند بيته، وإلقائي نفسي ببابه مسكينًا ذليلًا، وتعرضي لنفحاته في بيته وحوله بكرة وأصيلًا"٥.
_________________
(١) ١ ذيل طبقات الحنابلة: (٢/٤٤٨) . ٢ المصدر السابق. ٣ المصدر السابق. ٤ المصدر السابق. ٥ مفتاح دار السعادة: (١/٤٧) .
[ ١ / ١٠٩ ]
وكيف لا يكثر ابن القَيِّم من أداء الحج وهو يصف تلبية الحجيج بأنها (إجابة محب لدعوة حبيبه وكلما أكثر العبد منها كان أحب إلى ربه وأحظى"١.
فلم يكن ابن القَيِّم في كثرة حجه، وزيارته لبيت الله الحرام، إلا مجيبًا دعوة حبيبه ومولاه.
ومع كل هذا الذي كان عليه ابن القَيِّم - ﵀ - من الجد في العبادة، وبلوغه في ذلك رتبة عَلِيّة، فقد كان يتهم نفسه بالتقصير في حق مولاه، ويشكو كثرة ذنوبه وخطاياه! وهذا من كمال تواضعه وشدة خوفه من الله.
وقد وصف شيئًا من ذلك في قصيدة٢ له يُذَكِّر فيها نفسه، أولها:
بُنَيُّ أبي بكرٍ كثيرٌ ذُنُوبُهُ فَلَيْسَ عَلَى مَنْ نَالَ مِنْ عِرْضِهِ إِثْمُ
بُنَيُّ أبي بكر جَهُولٌ بِنَفْسِهِ جَهُولٌ بِأَمْرِ الله، أَنَّى له العِلْمُ؟!
بُنَيُّ أبي بكر غدا مُتَصَدِّرًَا يُعَلِّمُ عِلْمًَا وَهُو لَيْسَ ُلهُ عِلْمُ
بُنَيُّ أبي بكر غَدَا مُتَمَنِّيًَا وِصَالَ الْمَعَالِي وَالذُّنُوبُ له هَمُّ
إلى آخر هذه القصيدة التي تبين خوفه ورجاءه وتضرعه لربه، مع ما كان عليه من الجد في العبادة ﵀.
_________________
(١) ١ مفتاح دار السعادة: (٢/٤) . ٢ ذكرها عنه صلاح الدين الصَّفَدِي، وقد أنشده إياها من لفظه. الوافي بالوفيات: (٢/٢٧٢) .
[ ١ / ١١٠ ]
وأما زهده: فقد وصف بأنه أزهد أصحاب شيخ الإسلام ابن تَيْمِيَّة رحمه الله١.
ولعل مما يدل على زهده - ﵀ - وتقلله من الدنيا، وعدم حرصه عليها ما ذكر في سبب تأليف كتابه (تحفة المودود)، وهو: أن الله - عزوجل - قد رزق ابنه إبراهيم مولودًا، ولم يكن عند والده - ابن القَيِّم - في ذلك الوقت ما يقدمه لولده من متاع الدنيا، فصنف هذا الكتاب وأعطاه إياه، وقال له: "أُتْحِفكُ بهذا الكتاب إذ لم يكن عندي شيء من الدنيا أعطيك"٢.
فهكذا كان ابن القَيِّم - ﵀ - في عبادته وزهده وخشوعه وانكساره وخوفه وإنابته إلى ربه سبحانه، كان في ذلك كله نِعْمَ القدوة، وأصدق المثلٍ للسائرين إلى ربهم والدار الآخرة، فرحم الله ابن القَيِّم رحمة واسعة، وطَيَّبَ ثراه، وجعل الجنة داره ومثواه، آمين.
_________________
(١) ١ الجوهر المنضد: (ص١١٤) . ٢ انظر مقدمة الأستاذ/ عبد القادر الأرنؤوط لكتاب (تحفة المودود) (ص: ج) .
[ ١ / ١١١ ]