من المسائل التي تتعلق بكيفية التحمل والأداء مما تعرض له ابن القَيِّم ﵀:
المسألة الأولى: في تحمل الحديث قبل وجود الأهلية لذلك.
هل يصحُّ تحمل الصَّبِي والكافر الحديث، بحيث يُقْبَلُ منهما مَا أَدَّيَاه بعد البلوغ والإسلام؟
أما صِحَّةُ تحمل الكافر: فمتفق عليها بين أهل هذا الشأن١.
وأما تحمل الصغير الذي لم يبلغ: فإنه يصح على المذهب الصحيح الذي جزم به غير واحد من العلماء، منهم: ابن الصلاح٢، والنووي٣، وابن كثير٤، والعراقي٥ وغيرهم.
ومَنَعَ من ذلك آخرون، ولم يُجَوِّزُوه، قالوا: لأنَّ الصبيَّ مَظِنَّةُ عدمِ الضبط٦.
وقد رَدَّ الأئمةُ ذلك عليهم، فقال ابن الصلاح: "وَمَنَعَ من ذلك قومٌ فأخطؤوا"٧.
_________________
(١) ١ انظر: فتح المغيث: (١/٣٨٠) . ٢ مقدمة ابن الصلاح: (ص٦٠) . ٣ التقريب: (ص١٥) . ٤ اختصار علوم الحديث: (ص ١٠٨) . ٥ شرح الألفية: (٢/١٥) . ٦ انظر: فتح المغيث: (١/٣٨١ - ٣٨٢) . ٧ مقدمة ابن الصلاح: (ص٦٠) .
[ ١ / ٤٨٥ ]
وقال العراقي: "وهو خطأ مردود عليهم"١.
ومما يُقَوِّي جانب القبول: أن الأئمة - ﵏ - أجمعوا على قبول حديث جماعة من الصحابة مما تحملوه حال الصغر: كالحسن، والحسين، وابن عباس وغيرهم. فلم يروا فرقًا بين ما تحملوه قبل البلوغ وبعده٢.
ولقد كان ابن القَيِّم - ﵀ - يذهب هذا المذهب الراجح في هذه المسألة، فقد أعل قوم حديث محمد بن عمرو بن عطاء المدني، عن أبي حميد الساعدي في صفة صلاة النبي ﷺ، وقوله فيه: سمعت أبا حميد الساعدي، بعدم سماع محمد بن عمرو من أبي حميد. فَرَدَّ عليهم ابن القَيِّم ذلك، وقال - بعد أن أثبت إمكان لقاء محمد بن عمرو لأبي حميد، وسماعه منه -: "ولو امتنع أن يكون رجلًا - لتقاصر سِنِّهِ عن ذلك - لم يمتنع أن يكون صبيًا مميزًا، وقد شاهد القصة في صغره، ثم أداها بعد بلوغه، وذلك لا يقدح في روايته وتحمله اتفاقًا، وهو أسوة أمثاله في ذلك.
فَرَدُّ الأحاديث الصحيحة بمثل هذه الخيالات الفاسدة: مما يرغب عن مثله أئمة العلم"٣.
فهذا اختيار ابن القَيِّم - ﵀ - في هذه المسألة، وهو
_________________
(١) ١ شرح الألفية: (٢/١٥) . ٢ انظر: فتح المغيث: (١/٣٨٣ - ٣٨٤) . ٣ تهذيب السنن: (١/٣٦٣) .
[ ١ / ٤٨٦ ]
الصحيح كما تقدم، ولعل نقله الاتفاق على ذلك إشارة إلى أن من خالف في هذه المسألة لا يعتد بخلافه، والله أعلم.
المسألة الثانية: متى يصحُّ سَمَاع الصَّغِير؟
اختلف أهل العلم في ضابط سماع الصغير على أقوال عدة، الصحيح المعتبر منها: اعتبار تمييز كلِّ صبيٍّ وفهمه، دون اعتبار لسن معينة في ذلك؛ فَإنْ فَهِمَ الخطاب ورد الجواب: كان سماعه صحيحًا، وإن كان سِنُّهُ أقلَّ من خمس سنين، وإن لم يكن كذلك: لم يصح سماعه، وإن زاد عن الخمس.
هذا ما صححه الأئمة: ابن الصلاح١، والنووي٢، والعراقي٣، وابن حجر٤.
وقد جاء عن ابن القَيِّم - ﵀ - ما يفيد اعتباره للتمييز في صحة السماع.
فقد تَقَدَّم قوله في المسألة التي قبل هذه في حق محمد بن عمرو بن عطاء: "ولو امتنع أن يكون رجلًا لم يمتنع أن يكون صبيًا مميزًا، وقد شاهد القصة في صغره وذلك لا يقدح في روايته وتحمله اتفاقًا".
وقال في حق فاطمة بنت المنذر - وقد أعل قوم حديثًا بأنها روته عن أم سلمة، وقد لقيتها صغيرة -:
_________________
(١) ١ مقدمة ابن الصلاح: (ص٦٢) . ٢ التقريب: (ص١٥) . ٣ شرح الألفية: (٢/٢٠ - ٢١) . ٤ فتح الباري: (١/١٧٣) .
[ ١ / ٤٨٧ ]
" فلا يلزم انقطاع الحديث من أجل أن فاطمة بنت المنذر لقيت أم سلمة صغيرة؛فقد يَعْقِلُ الصغيرجدًا أشياء ويحفظها، وقد عقل محمود بن الربيع الْمَجَّةَ وهو ابن سبع سنين١، ويعقل أصغر منه"٢.
فجعل - ﵀ - عَقْلَ الصغير وتمييزه - دون مراعاة لسن معينة - أساسًا للحكم بصحة سماعه من عدمه، وهذا هو القول المعتبر كما تقدم.
المسألة الثالثة: هل يصح السماع ممن وراء حجاب؟
هل يصح سماع من سمع من شخص دون أن يراه؟
الجمهور على صحة ذلك وجوازه إن ثبت عنده أنه صوته: إما بعلمه وخبرته، أو بإخبار ثقة عدل بأن هذا صوته٣.
ومن الأدلة على صحة ذلك: حديث أمهات المؤمنين ﵅، فقد كن يحدثن من وراء حجاب، ونقل ذلك عنهن، واحْتُجَّ به في الدواوين المعتمدة٤.
ومنع من ذلك شعبة ﵀، فقال: "إذا حَدَّثَكَ المحدثُ فلم تر
_________________
(١) ١ كذا وقع في (زاد المعاد)، والمشهور أنه "خمس سنين" كما في (صحيح البخاري) . انظر: فتح الباري: (١/١٧٢) ح٧٧، ك العلم. والْمَجَّة: الماء أو الشراب يرمي به من فيه. ٢ زاد المعاد: (٥/٥٩٠) . ٣ انظر: مقدمة ابن الصلاح: (ص٧١)، وفتح المغيث: (١/٤٣٤) . ٤ شرح ألفية العراقي - له: (٢/٥٨) .
[ ١ / ٤٨٨ ]
وَجْهَه، فلا ترو عنه، فلعله شيطان قد تَصَوَّرَ في صورته يقول: حدثنا، وأخبرنا"١.
وردَّ الأئمة هذا القول منه ﵀، فقال النووي: "وهو خلاف الصواب وقول الجمهور"٢. وقال ابن كثير: "وهذا عجيب وغريب جدًا"٣.
وقد بين ابن القَيِّم - ﵀ - أن عدم رؤية الراوي المحدث لا يقدح في سماعه منه، وأن عدم الرؤية لا ينافي السماع.
فقد كَذَّبَ هشام بن عروة محمد بن إسحاق في قوله: إنه حَدَّث عن زوجته فاطمة بنت المنذر، واعتمد في ذلك على أنه لم يرها أحد من الرجال منذ تزوجها، فقال ابن القَيِّم ﵀: " إن هشامًا إنما نفى الرؤية، ولم ينف سماعه منها، ومعلوم أنه لا يلزم من انتفاء الرؤية انتفاء السماع.
قال الإمام أحمد: لَعَلَّه سمع منها في المسجد، أو دخل عليها فحدثته من وراء حجاب، فأي شيء في هذا؟! فقد كانت امرأة كبرت وأَسَنَّت"٤.
فابن القَيِّم - ﵀ - يؤكد أنه لا تلازم بين السماع والرؤية، بل قد يحصل سماع لفظ الْمُحَدِّث دون رؤيته، ومع ذلك يكون سماعه صحيحًا معتبرًا، والله أعلم.
_________________
(١) ١ شرح ألفية العراقي - له: (٢/٥٨) . ٢ التقريب: (ص١٧) . ٣ اختصار علوم الحديث: (ص١١٨) . ٤ تهذيب السنن: (٧/٩٧) .
[ ١ / ٤٨٩ ]
المسألة الرابعة: الوجادة، وحكم العمل بها.
تعريفها: قال الحافظ العراقي: "أن تجد بخطِّ من عَاصَرْتَهُ - لقيته أو لم تلقه - أو لم تعاصره - بل كان قبلك - أحاديث يرويها، أو غير ذلك مما لم تسمعه منه ولم يُجِزْهُ لك"١.
ويلحق بذلك: ما يجده الشخص من كتب المصنفين ممن عاصره كذلك، أولم يعاصره٢.
أما حكم الوجادة: فإنها منقطعة غير متصلة، ولكنها تأخذ نوعًا من الاتصال في حالة وثوقه بأنه خط من وجد ذلك عنه، وذلك لقوله: "وجدت بخط فلان"٣.
ولا يجوز أن يقول فيها: "عن فلان" أو: "قال فلان"، فضلًا عن قوله: "حدثنا وأخبرنا"٤.
هذا من ناحية الراوية بالوجادة، فالرواية بها لا تكون متصلة.
وأما جواز العمل بالوجادة: ففيه أقوال ثلاثة:
الأول: المنع من العمل بها. قال بذلك معظم المحدثين والفقهاء من المالكية وغيرهم.
_________________
(١) ١ شرح الألفية - للعراقي: (٢/١١٢) . ٢ فتح المغيث: (١/٥٣٦) . ٣ شرح الألفية - للعراقي: (٢/١١٣- ١١٤) . ٤ انظر: (مقدمة ابن الصلاح): (ص٨٦) .
[ ١ / ٤٩٠ ]
الثاني: جواز العمل بها. وذلك مَحْكِي عن الإمام الشافعي ﵀، وطائفة من نظار أصحابه.
الثالث: وجوب العمل بها عند حصول الثقة به. جزم بذلك بعض المحققين من أصحاب الشافعي في أصول الفقه١.
واختار ابن الصلاح - ﵀ - القولَ بالوجوب، فقال: "وما قَطَعَ به هو الذي لا يَتَّجِه غيره في الأعصار المتأخرة؛ فإنه لو تَوَقَّف العمل فيها على الرواية لانسَدَّ باب العمل بالمنقول، لتعذر شرط الرواية فيها"٢.
ووافق ابنَ الصلاح على ذلك: النووي٣، وابن كثير٤، والعراقي٥.
وقد تناول ابن القَيِّم - ﵀ - قضية النُّسَخ والكتب التي أُخِذَت عن طريق الوجادة، وأكد أن الأخذ عنها، والعمل بمقتضاها متعين، وأن ذلك هو دأب علماء هذه الأمة قديمًا وحديثًا.
قال - ﵀ - في الرد على من طعن في سماع الحسن من سمرة: "وغاية هذا أنه كتاب٦، ولم تزل الأمة تعمل بالكتب قديمًا
_________________
(١) ١ ينظر حول العمل بالوجادة: مقدمة ابن الصلاح: (ص٨٧)، وتدريب الراوي: (٢/٦٣)، وفتح المغيث: (١/٥٣٤ - ٥٣٥) . ٢ مقدمة ابن الصلاح: (ص٨٧) . ٣ التقريب: (ص٢١) . ٤ اختصار علوم الحديث: (ص١٢٨) . ٥ شرح الألفية للعراقي: (٢/١١٤- ١١٥) . ٦ فقد قال بهز بن أسد: إن اعتماده على كتب سمرة. (المراسيل - لابن أبي حاتم: ص٣٢) .
[ ١ / ٤٩١ ]
وحديثًا، وأجمع الصحابة على العمل بالكتب، وكذلك الخلفاء بعدهم وقد كان رسول الله ﷺ يكتب كتبه إلى الآفاق والنواحي، فيعمل بها من تصل إليه، ولا يقول: هذا كتاب. وكذلك خلفاؤه بعده، والناس إلى اليوم.
فَرَدُّ السنن بهذا الخيال البارد الفاسد من أبطل الباطل، والحفظ يخون، والكتاب لا يخون"١.
ويؤكد في مناسبة أخرى حُجِّيَّة هذه الكتب، مشيرًا إلى ضابط العمل بها، وشرط ذلك، فيقول - في الرد على من طعن في رواية مخرمة ابن بكير عن أبيه بأنها كتاب -: "إن كتاب أبيه كان عنده محفوظًا مضبوطًا، فلا فَرْقَ في قيام الحجة بالحديث بين ما حدثه به، أو رآه في كتابه، بل الأخذ عن النسخة أحوط إذا تَيَقَّنَ الراوي أنها نسخة الشيخ بعينها. وهذه طريقة الصحابة والسلف ولو بَطَلَ الاحتجاجُ بالكتب، لم يبق بأيدي الأمة إلا أيسر اليسير؛ فإنَّ الاعتماد على النُّسَخِ لا على الحفظ، والحفظ خَوَّان، والنسخة لا تخونُ، ولا يُحْفظُ في زمنٍ من الأزمان المتقدمة أن أحدًا من أهل العلم رَدَّ الاحتجاج بالكتاب، وقال: لم يُشَافِهْني به الكاتب، فلا أقبله. بل كُلُّهُم مجمعون على قبول الكتاب والعمل به إذا صح عنده أنه كتابه"٢.
_________________
(١) ١ إعلام الموقعين: (٢/١٤٤) . ٢ زاد المعاد: (٥/٢٤٢) .
[ ١ / ٤٩٢ ]
فابن القَيِّم - ﵀ - يؤكد صحة العمل بما وُجدَ من تلك الكتب، وبخاصة ما كان منها موثوقًا به، ومتأكدًا من صحة نسبته إلى صاحبه ومؤلفه.
وهو بذلك يوافق ما رَجَّحَهُ أكثرُ الأئمة المتقدم كلامهم.
[ ١ / ٤٩٣ ]