لقد كان ابن القَيِّم - ﵀ - في بحوثهِ وآرائهِ وتقريراتهِ، يعتمد اعتمادًا كبيرًا - مع القرآن - على النصوصِ الحديثية، يستدل بها على ما يذهب إليه ويراه صوابًا، ويردُّ بها على المخالفين ويدحض بها دعاواهم.
وكان من أهم السمات التي ميزت منهجه في سياق الأدلة، والاستنباط منها، وبيان أوجه الدلالة فيها، ما يلي:
١- كان ابن القَيِّم - ﵀ - يعرضُ القضيةَ التي يريدُ تقريرها، أو الرأيَ الذي يختاره ويذهب إليه، ثم يسوقُ الأدلة على ذلك:
- فيقول مثلًا: "وكان هَدْيُهُ ﷺ في ابتداء السلام أن يقول: السَّلام عليكم ورحمة الله. وكان يَكْرَهُ أن يقولَ المبتدئ: عليك السلام. قال أبو جُزَيّ الهُجَيمِي: أتيتُ النبي ﷺ، فقلت: عليكَ السَّلام يا رسول الله. فقال: "لا تَقُلْ عَلَيك السَّلام؛ فإن عَليك السلام تحية الموتى" ١.
- وقال: "للصوم تأثيرٌ عجيبٌ في حفظِ الجوارحِ الظاهرةِ، والقوى الباطنة وقال النبي ﷺ: "الصَّوم جُنَّة" ٢.
- وقال مرة: "وبالجملة: فَتَنْبيهُ الشَّارع وحكمته يقتضي أن الفِطْرَ لأجل الجهاد أولى منه لمجرد السفر، فكيف وقد أشار إلى العلة، وَنَبَّهَ
_________________
(١) ١ زاد المعاد: (٢/٤٢٠) . ٢ زاد المعاد: (٢/٢٩) .
[ ٢ / ٦٥ ]
عليها، وَصَرَّحَ بِحُكْمِهَا، وَعَزَمَ عليهم بأن يفطروا لأجلها. ويَدُلُّ عليه: ما رواه عيسى بن يونس، عن شعبة، عن عمرو بن دينار قال: سمعت ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ لأصحابه يوم فتح مكة: "إِنَّهَ يَومُ قِتَال فَأَفْطِرُوا "١.
ففي هذه الأمثلة وغيرها: نرى أَنَّ ابن القَيِّم - ﵀ - يُقَرِّرُ المسألة، أو يضعُ القاعدة، أو يُبَوِّبُ الباب، ثم يسوقُ لذلك الأدلة من الأحاديث النبوية.
٢- ومع ذلك، فإنه - في مواطن أخرى - يقومُ بإيراد الحديث في مطلع كلامه، ثم يَتَكَلَّمُ عن أحكامه، وفقهه، ووجه الاستدلال منه، فمن ذلك:
- أَنَّه عند كلامه على حكمِ رسولِ الله ﷺ في حضانة الولد: ساقَ جملة أحاديث في الباب، ثم بدأَ في الكلامِ على الأحكام التي تشتمل عليها هذه الأحاديث٢.
- وعند كلامه على أحكام الرضاعة، وما يحرمُ بها: ذكر أحاديث عِدَّة، ثم قال: "فَتَضَمَّنَتْ هَذِه السُّنَنُ الثَّابِتَة أَحْكَامًَا عديدة "٣ ثم أَخَذَ في بيان هذه الأحكام.
_________________
(١) ١ زاد المعاد: (٢/ ٥٤) . ٢ زاد المعاد: (٥ / ٤٣٢ - ٤٦٥) فما بعدها. ٣ زاد المعاد: (٥/ ٥٥٢ - ٥٥٦) .
[ ٢ / ٦٦ ]
- وَكَذَا صَنَع في الكلام على حكم استبراءِ المرأة من السبي قبل وطئها١.
٣- ومما تميز به ابن القَيِّم - ﵀ - في هذا الباب: الإكثار من الأدلة التي يوردها للمسألة الواحدة:
- فعند كلامه على صِفَةِ حَجَّةِ النبي ﷺ، قال: "وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّه أَحْرَمَ قَارِنًا لبضعة وعشرين حديثًا صحيحة صريحة في ذلك"٢.ثم أَخَذَ في سَرْدِهَا.
- وأورد ثمانية عشر حديثًا في إثبات عذاب القبر٣.
- وَسَاق في بيان فضل السِّواك وتأكيده ثَمَانِيَة عشر حديثًا أيضًا٤. والأمثلة على ذلك كثيرة جدًا.
فهكذا كان ﵀: إذا تناول مسألةً، فَإِنَّهُ يورد في الاستدلالِ عليها قدرًا كبيرًا من الأحاديث النبوية على وجه الخصوص؛ إذ اعتماده في ذلك على النصوص في المقام الأول.
٤- لم يكتف ابن القَيِّم بِمُجَرَّدِ سَوْق النصوصِ الحديثية في معرض الاستدلال، بل إنه - في بعض الأحيان - يُبَيِّنُ وجه الاستدلال من النص
_________________
(١) ١ زاد المعاد: (٥/ ٧١١ - ٧٤٥) . ٢ زاد المعاد: (٢/ ١٠٧ - ١١٥) . ٣ تهذيب السنن: (٧/ ١٤٢ - ١٤٦) . ٤ المنار المنيف: (ص ٢٣ - ٢٨) .
[ ٢ / ٦٧ ]
للمسألة المستدل لها، وبخاصة إذا لم تكن دلالة النص صريحة:
- فيقول مثلًا: عِنْد سِيَاقِه أَدِلَّة كفر تارك الصلاة -: "الدليلُ العاشر: قوله ﷺ: "مَنْ صَلَّى صَلاتَنَا، وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا، وَأَكَلَ ذَبِيحَتَنَا: فَهُوَ المسلم " قال: "ووجه الدلالة فيه من وجهين "١ فذكرهما.
وعلى ذلك أمثلة أخرى٢.
٥- التَّدَرُّجُ في سياقِ الأدلةِ حسب قوتها وأهميتها، وقد مضى الكلام على ذلك عند عرض منهجه - ﵀ - في التأليف٣.
_________________
(١) ١ الصلاة: (ص ٤٨) . ٢ انظر مثلًا: الصلاة: (ص ١٩، ١٢٠، ١٢١، ١٢٥) . ٣ انظر (١/٢١٣) .
[ ٢ / ٦٨ ]