إذا روى بعض الثقات الحديث مُرْسَلًا وبعضهم مُتَّصِلًا، فهل يُحكمُ في ذلك للوصل أم للإرسال؟ اختلفَ أهل العلم في ذلك على أقوال:
الأول: أن الحكم في ذلك لمن وصله، سواء كان المخالف له مثله أو أكثر، أحفظ منه أم لا.
وهذا القول صححه: الخطيب١، والنووي٢، والعراقي٣.
قال ابن الصلاح: "وما صححه - يعني الخطيب - هو الصحيح في الفقه وأصوله"٤.
القول الثاني: أن الحكم في ذلك لمن أرسل.
عزاه الخطيبُ لأكثر أصحاب الحديث٥.
قال السخاوي - ﵀ - في توجيه هذا القول: "فسلوك غير الجادة دال على مزيد التحفظ، كما أشار إليه النسائي "٦.
_________________
(١) ١ الكفاية: (ص ٥٨٠ - ٥٨١) . ٢ التقريب: (ص ٨) . ٣ شرح الألفية: (١/١٧٥) . ٤ مقدمة ابن الصلاح: (ص ٣٤) . ٥ الكفاية: (ص٥٨٠) . ٦ فتح المغيث: (١/١٧٠) .
[ ١ / ٤١٥ ]
القول الثالث: أن الحكم للأكثر؛ فإن كان من أرسله أكثر ممن وصله، فالحكم للإرسال، وإن كان من وصله أكثر، فالحكم للوصل.
قال السخاوي: "لأن تطرق السهو والخطأ إلى الأكثر أبعد"١.
القول الرابع: أن الحكم في ذلك للأحفظ.
والذي اختاره الحافظ ابن حجر -﵀-: هو أن الْمُحَدِّثِين﵏ - ليس لهم في ذلك قانونٌ ثابت؛ فإنهم لا يحكمون في مثل ذلك بحكم مطرد، وإنما يرجحون في مثل ذلك بالقرائن٢.
ولكن عملهم هذا، وترجيحهم بالقرائن إنما هو فيما يَظْهَرُ فيه الترجيح، قال الحافظ ابن حجر ﵀: "وهذا إنما هو فيما يظهر لهم فيه الترجيح، وأما ما لا يظهر فيه الترجيح: فالظاهر أنه المفروض في أصل المسألة"٣. يعني أنه هو الذي تجري فيه الأقوال الأربعة الماضية.
وقد ذكر ابن القَيِّم - عند تعرضه لهذه القضية - بعض المذاهب في المسألة، فمن ذلك:
أنه - ﵀ - قال في حديث تخيير البكر الكارهة في الزواج - وقد رُوي مرسلًا ومسندًا-:
"وليس رواية هذا الحديث مرسلة بعلة فيه، فإنه قد روى مسندًا ومرسلًا، فإن قلنا بقول الفقهاء: إن الاتصال زيادةٌ، ومن وصله مُقَدَّم
_________________
(١) ١ فتح المغيث: (١/١٧١) . ٢ انظر: النكت على ابن الصلاح (٢/٦٠٥) . ٣ النكت على ابن الصلاح: (٢/٦٠٥) .
[ ١ / ٤١٦ ]
على من أرسله: فظاهرٌ، وهذا تصرفهم في غالب الأحاديث وإن حكمنا بالإرسال - كقول كثير من المحدثين -: فهذا مرسل قويٌ قد عضدته الآثار الصحيحة الصريحة "١.
ثم يبالغُ - ﵀ - في الرد على من ضَعَّفَهُ بالإرسال، فيقول: "وعلى طريقة البيهقي وأكثر الفقهاء، وجميع أهل الأصول: هذا حديث صحيحٌ؛ لأن جرير بن حازم ثقة ثبت، وقد وصله، وهم يقولون: زيادة الثقة مقبولة، فما بالها تقبل في موضع - بل في أكثر المواضع التي توافقُ مذهب المقلد - وترد في موضع يخالف مذهبه؟! "٢.
وبغَضِّ النظر عن تقديم الوصل أو الإرسال في هذا الحديث، فإن ابن القَيِّم - ﵀ - يُقَرِّر: أن مذهب الفقهاء والأصوليين: تقديمُ الوصل والحكم للزيادة دائمًا إذا كانت من ثقة، وأن مذهب كثير من المحدثين: تقديم الإرسال.
وقال - أيضًا - موضحًا طريقة الفقهاء والأصوليين عند كلامه على أحاديث الفطر بالحجامة: "وعلى قول جمهور الفقهاء والأصوليين: لا يُلتفت إلى شيء من تلك العلل، وأنها ما بين تعليل بوقف بعض الرواة وقد رفعها آخرون، أو إرسالها وقد وصلها آخرون، وهم ثقات، والزيادة من الثقة مقبولة"٣.
_________________
(١) ١ زاد المعاد: (٥/٩٦- ٩٧) . ٢ تهذيب السنن: (٣/٤٠) . ٣ تهذيب السنن: (٣/٢٤٨) .
[ ١ / ٤١٧ ]
وأما اختيار ابن القَيِّم - ﵀ - في هذه المسألة: فقد كان يرى عدم لزوم حكم ثابت مُطَّرِد دائمًا، وإنما يدور الحكم لأحد الجانبين مع القرائن والمُرَجِّحات، فمن أقواله في هذا الصدد: ما قاله في حديث: "من دخل حائطًا فليأكل ولا يَتَّخِذُ خُبْنَةً": "ولكن لو حَاكَمْنَا منازعينا من الفقهاء إلى أصولهم، لكان هذا الحديث حجةً على قولهم؛ لأن يحيى بن سليم من رجال الصحيحين، وهو لو انفرد بلفظةٍ، أو رفعٍ، أو اتصالٍ، وخَالَفَه غيره فيه لحكموا له، ولم يلتفتوا إلى من خالفه، ولو كان أوثق وأكثر ولكنَّا لا نرضى بهذه الطريقة، فالحديثُ عندنا معلول"١.
فابن القَيِّم - ﵀ - ينتقد طريقة الفقهاء عند وقوع ذلك، وأنهم يحكمون دائمًا لمن زاد، دون مراعاة للاعتبارات الأخرى التي قد ترجح الجانب الآخر: كالكثرةِ، وكونِ المخالف أوثق، وغير ذلك من المرجحات.
ويؤكد - ﵀ - في مناسبة أخرى فسادَ طريقة من يحكم بحكمٍ ثابتٍ عند تعارض الوصل والإرسال، فيقول - ﵀ - في حديث ابن عباس ﵁ في القضاء باليمين مع الشاهد: "وقد أَعَلَّه طائفةٌ بالإرسال بأن عمرو بن دينار رواه عن محمد ابن عليّ، عن النبي ﷺ مرسلًا. وهذا أيضًا تعليلٌ فاسدٌ لا يؤثر في الحديث؛ لأن راويه عن عمرو إنسانٌ ضعيفٌ، لا يُعترض بروايته على الثقات
_________________
(١) ١ تهذيب السنن: (٣/٤٢٦) .
[ ١ / ٤١٨ ]
وهذه الطريق في مقابلها طريق الأصوليين، وأكثر الفقهاء: أنهم لا يلتفتون إلى علة للحديث إذا سلمت طريق من الطرق منها، فإذا وصله ثقةٌ أو رفعه، لا يبالون بخلاف من خالفه ولو كثروا"١.
فأشار - ﵀ - بذلك إلى أن من يُقَدِّم الوصلَ دائمًا، وكذا من يُقَدَّم الإرسال على الوصل دائمًا، كلاهما على طرفي نقيض.
ثم يُقَرِّرُ - ﵀ - الصواب في ذلك، فيقول: "والصواب في ذلك: طريقةُ أئمةِ هذا الشأن العَالِمِين به وبعلله، وهو: النظر والتَّمَهُّرُ في العلل، والنظرُ في الواقِفِين والرَّافِعِين، والمُرْسِلين والواصلين: أَيُّهم أكثرُ، وأَوْثَقُ، وأخصُّ بالشيخ، وأعرف بحديثه، إلى غير ذلك من الأمور التي يَجْزِمون معها بالعِلَّة المُؤَثِّرة في موضع، وبانتفائِها في موضعٍ آخر، ولا يرتضون طريقَ هؤلاء، ولا طريقَ هؤلاء"٢.
فهذا بيانُ منه - ﵀ - للطريقةِ المعتبرة في مثل ذلك، وهي: الترجيحُ بالقرائنِ والاعتباراتِ المحيطة بكل خبرِ على حدة.
وقد ذكر في ضمن كلامه هذا بعض المُرَجِّحَاتِ والقرائنِ التي يُلْجَأُ إليها في مثل ذلك، ومنها:
١ - الترجيحُ بالكثرة.
٢- الترجيحُ بالثقةِ والإتقانِ والحفظ، بكون أحد الجانبين أوثق وأحفظ من الآخر.
_________________
(١) ١ تهذيب السنن: (٥/٢٢٨- ٢٢٩) . ٢ تهذيب السنن: (٥/٢٢٩) .
[ ١ / ٤١٩ ]
٣ - الترجيحُ باختصاصِ أحدِ الجانبين بالشيخ، وملازمتِهِ له، ومعرفته بحديثه.
ويشير - ﵀ - إلى وجه رابع من وجوه الترجيح، وهو:
٤ –كون أحد الجانبين قد سمعوا الحديث من الشيخ في أوقات مختلفة، والآخرون سمعوه منه في مجلس واحد عرضًا١.
نقل ذلك عن الترمذي في ترجيحه الوصلَ على الإرسال في حديث أبي موسى مرفوعًا: "لا نكاح إلا بولي".
قال الحافظُ ابن حجر﵀- "ولا يخفى رُجْحَان ما أُخِذَ من لفظِ المُحَدِّث في مجالس متعددة، على ما أُخِذَ عنه عرضًا في محل واحد"٢.
ويؤكد ابن القَيِّم الترجيحَ بالملازمة للشيخ، والاختصاص به، فيقول في حديث أبي موسى الماضي -عند ذكره وجوه ترجيح الوصل-: "ترجيحُ إسرائيل في حفظه وإتقانه لحديثِ أبي إسحاق وإن كان شعبةُ والثوري أجلُّ منه، لكِنَّه لحديثِ أبي إسحاقَ أتقن، وبه أعرف"٣.
ومن أمثلة استعماله القرائن في الترجيحِ، وعدم لزومه حالة واحدة:
قوله في حديث المغيرة بن شعبة ﵁ في مسح أعلى الخف وأسفله:
_________________
(١) ١ تهذيب السنن: (٣/٣١) . ٢ النكت على ابن الصلاح: (٢/٦٠٧) . ٣ تهذيب السنن: (٣/٣١) .
[ ١ / ٤٢٠ ]
"وقد تَفَرَّدَ الوليدُ بن مسلم بإسناده ووصله، وخَالَفَهُ مَنْ هو أحفظ منه وأجلُّ - وهو الإمام الثبت: عبد الله بن المبارك - فرواه عن: ثور، عن رجاء، قال حُدِّثْتُ عن كاتب المغيرة، عن النبي ﷺ.
وإذا اختلف عبد الله بن المبارك والوليد بن مسلم، فالقول ما قال عبد الله"١.
فقد رجح الإرسال هنا: لكون راويه أتقن وأحفظ من الآخر.
أما حينما يكون الذي وصل الحديث أو رفعه ثقة متقن، ولا يقلُّ عن الذي أرسله حفظًا وإتقانًا، فإن ابن القَيِّم - ﵀ - يحكم بتقديم زيادة الثقة؛ فإنه قال في حديث: " لا نكاح إلا بولي " الماضي: "وَصْلُه زيادةٌ من ثقة ليس دون من أرسله، والزيادةُ إذا كان هذا حالها، فهي مقبولة"٢.
فاتَّضَحَ من ذلك طريقةُ ابن القَيِّم - ﵀ - في هذا الباب، واختياره في ذلك، حيث إنَّه اختارَ طريقة أئمة الشأن في تعاملهم مع تعارض الوصل والإرسال؛ وذلك أنهم يدورون مع القرائن التي تُرَجِّح عندهم أحد الجانبين على الآخر، ولا يلتزمون في ذلك حكمًا ثابتًا يطبقونه على كل حالة من هذه الحالات.
وقد قَرَّرَ ابنُ القَيِّم في أكثر من مناسبة - كما مضى - أن هذه الطريقة هي الصواب، وكان -﵀- مُطَبِّقًا لذلك في كلِّ الأحاديث التي بحثها من هذا القبيل.
_________________
(١) ١ تهذيب السنن: (١/١٢٦) . ٢ تهذيب السنن: (٣/٣١) .
[ ١ / ٤٢١ ]
وهكذا كان موقفه - ﵀ - فيما يتعارض فيه الوقف والرفع: فيقدم الرفع تارة إذا كان مَنْ رَفَعَهُ ثقة متقن، فيكون من باب زيادة الثقة١. وتارة يرجح الوقف إذا كانت هناك مرجحات، ككثرة الواقفين، وكونهم أشهر وأعلم بحديث الشيخ٢، إلى غير ذلك من المرجحات، والله أعلم.
_________________
(١) ١ انظر مثلًا: تهذيب السنن: (٤/٩٦) . ٢ انظر مثلًا: تهذيب السنن: (٣/٢٥٢) .
[ ١ / ٤٢٢ ]