إن أهم الثِّمَار التي تُجْنَى من جهد أولئك العلماء الجهابذة: تخريج التلاميذ والطلاب الذين يحملون راية الخير والهداية لمن بعدهم، امتدادًا لجهود شيوخهم ونشاطهم، وحلقةً في سلسلة متصلة متماسكة لا تنقطع.
وكلما تبوَّأ هؤلاء الطلاب مكانتهم بين أهل العلم العاملين، وأئمته البارزين، وجهابذته المشهورين، كان ذلك تعبيرًا حقيقيًا عن مكانَةِ شيوخهم الذين خَرَّجُوهم، وعلمِهِم، وفَضْلِهِم؛ فالطالب النابغ إنما هو - بعد فضل الله وتوفيقه - ثمرة يانعة من ثمار جهد الأستاذ وعطائه المتواصل، ولعلَّ في قول الحافظ ابن حجر المتقدم في حق ابن القَيِّم وشيخه ابن تَيْمِيَّة، حين قال: "ولو لم يكن للشيخ تقي الدين من المناقب إلا تلميذه الشهير: الشيخ شمس الدين بن قيم الجوزية لكان غايةً في الدلالة على عظم منزلته"١. لعلَّ في هذه الكلمة من ابن حجر - ﵀ - ما يؤكد لنا هذه الحقيقة الظاهرة؛ إذ جعل الطالب النابغ، العالم، الفاضل منقبة من مناقب شيخه، وحسنةً من حسناته.
ولقد أَثْمَرَ جُهْدُ ابن القَيِّم - ﵀ - ونشاطُهُ المتواصل، ودعوتُهُ الصادقة، ومجالسُ درسه وتعليمه، أثمر ذلك كله جملة من خيرة طُلاَّبِ العلم، الذين انتفعوا بابن القَيِّم - كما انتفعوا بغيره - فكانوا
_________________
(١) ١ الرد الوافر: (ص١٤٦) .
[ ١ / ١٩١ ]
مشاعلَ نورٍ، وعلماءَ صدقٍ، وذاع صِيتهُم، وارتفع شأنهم، وبقيت آثارهم بيننا خير دليل على مكانتهم العلمية، وجِدِّهم واجتهادهم، وذلك مثلمًا بقيت بيننا آثار شيخهم وأستاذهم ابن القَيِّم ﵀.
ويشير الحافظ ابن رجب - ﵀ - إلى أخذ الكثيرين من الفضلاء العلم عن ابن القَيِّم، وتتلمذهم على يديه، وانتفاعهم به فيقول: "وأخذ عنه العلم خلق كثير من حياة شيخه، وإلى أن مات، وانتفعوا به، وكان الفضلاءُ يعظمونه ويتتلمذون له "١.
ولم تُحَدِّثْنَا مصادر ترجمة ابن القَيِّم - ﵀ - عن أحد من هؤلاء التلاميذ، إلا ما جاء من ذلك عرضًا، ولكن أمكن الوقوف على أبرز هؤلاء التلاميذ وأشهرهم، وذلك من خلال تتبع كتب التراجم والتواريخ المتعلقة بتلك الفترة، وأشهر هؤلاء:
١- ولده: إبراهيم بن محمد برهان الدين، وقد تَقَدَّمَت ترجمته وذكر أخباره٢، ومضى هناك قول الذهبي ﵀: "قرأ الفقه والنحو على أبيه، وسمع وقرأ وتَنَبَّهَ، وسَمَّعَه أبوه من الحجَّار"٣.
ويتضح لنا مدى تأثر الولد التلميذ بأبيه الشيخ والأستاذ، وذلك من قول الحافظ ابن كثير ﵀: "كان بارعًا فاضلًا في النحو، والفقه، وفنون أُخَر، على طريقة والده رحمهما الله"٤.
_________________
(١) ١ ذيل طبقات الحنابلة: (٢/٤٤٩) . ٢ انظر: (ص ٩٥) . ٣ المعجم المختص: (ص٦٦ - ٦٧) . ٤ البداية والنهاية: (١٤/٣٢٩) .
[ ١ / ١٩٢ ]
٢- الحافظ ابن كثير: إسماعيل بن عمر بن كثير بن ضَوْء بن كثير، القرشيُّ، البُصْرَويّ، الدمشقيُّ، عماد الدين، أبو الفداء، الإمام، الْمُحَدِّث، المُفَسِّر، الحافظ، البارع.
مولده: سنة (٧٠١هـ) .
تَفَقَّه بالشيخ برهان الدين الفَزَاري وغيره، وسمع من ابن عساكر وخلق، ثم صَاهَر الحافظ الْمِزِّي، وَلَزِمَه، وتَخَرَّجَ به، وأقبلَ على حفظ المتون، ومعرفةِ الأسانيدِ والعللِ والرجال، والتاريخ، فَبَرَعَ في ذلك كله، وَأَفْتَى وَدَرَّسَ ونَاظَر.
وله التصانيف المشهورة النافعة السائرة، التي منها: (البداية والنهاية)، و(التفسير) وغير ذلك.
وكانت له خصوصية بابن تَيْمِيَّة ومناضلة عنه، وكان يفتي برأيه في مسألة الطلاق، حتى إنه امتحن بسبب ذلك.
توفي - ﵀ - في شعبان سنة (٧٧٤هـ) ١.
قال الحافظ ابن كثير في ترجمته لابن القَيِّم: "وكنت من أصحب الناس له، وأحبِّ الناس إليه"٢. ونصَّ الشيخ بكر أبو زيد على أنه من تلاميذ ابن القَيِّم٣.
_________________
(١) ١ له ترجمة في: طبقات الشافعية - لابن قاضي شهبة: (٣/١١٣)، وذيل التذكرة - للحسيني: (ص٥٧)، وطبقات الحفاظ - للسيوطي: (ص٥٣٣) . ٢ البداية والنهاية: (١٤/٢٤٦) . ٣ ابن قَيِّم الجوزية - حياته وآثاره: (ص١٠٨) .
[ ١ / ١٩٣ ]
ولم أجد نصًا صريحًا - عن ابن كثير أو غيره - يفيد تلمذته لابن القَيِّم، ولكنه كان دائمًا يذكره بـ "الإمام العلامة"، ويعَبِّر عنه بـ "صاحبنا"١. فلا يبعد انتفاعه به وأخذه عنه، وهو داخل في أولئك الفضلاء الذين كانوا "يعظمونه ويتتلمذون له" كما قال ابن رجب، فهو كثير التعظيم له والثناء عليه في كل مناسبة، كما أن ابن كثير عاش بعد ابن القَيِّم - رحمهما الله - أكثر من عشرين سنة.
٣- الصَّفَدِي: خليل بن أَيْبَك بن عبد الله، الصَّفَدِي، صلاح الدين، العلامة، الأديب، البارع.
مولده: سنة (٦٩٦هـ) .
سمع الكثير، وقرأ الحديث، وأخذ عن القاضي بدر الدين بن جماعة، وابن سيد الناس، والمِزِّي وغيرهم. وحصَّل الفقه، والأدب، والنحو. وكان مليح الخطِّ، كتب بخطه الكثير. وَوَلِيَ عدة وظائف، وتصدَّى للإفادة في الجامع الأموي. وصنف المصنفات النافعة، التي منها: (الوافي بالوفيات) .
توفي - ﵀ - في شوال سنة (٧٦٤هـ) ٢.
وقد ذكر - ﵀ - في ترجمته لابن القَيِّم ما يفيد سماعه منه، وأخْذِه عنه؛ وذلك أنه قال في آخر الترجمة: "وأنشدني من لفظه لنفسه"٣. فذكر القصيدة الميمية في التَّضَرُّع، وقد مضى ذكر بعضها.
_________________
(١) ١ انظر: البداية والنهاية: (١٤/٢١٤،٢٤٦) . ٢ له ترجمة في: البداية والنهاية: (١٤/٣١٨)، وطبقات الشافعية - لابن قاضي شهبة: (٣/١١٩)، والدليل الشافي: (١/٢٩٠) . ٣ الوافي بالوفيات: (٢/٢٧٢) .
[ ١ / ١٩٤ ]
٤- ابن رجب الحنبلي: عبد الرحمن بن أحمد بن رجب بن عبد الرحمن، البغدادي، ثم الدمشقي، الحنبلي، زين الدين، أبو الفرج.
مولده: سنة (٧٣٦هـ) ببغداد.
سمع من أبي الفتح الميدومي وغيره، وأكثر الاشتغال حتى مَهَر وبرع في الحديث والعلل وغيرهما، ولع التصانيف النافعة، التي منها: (شرح علل الترمذي)، و(ذيل طبقات الحنابلة) وغيرهما. وكان إمامًا، زاهدًا، ورعًا، له مجالس التذكير المفيدة.
توفي - ﵀ - سنة (٧٩٥هـ) ١.
وقد نصَّ هو - ﵀ - على تلمذته لابن القَيِّم، وأنه شيخه، فقال في مطلع ترجمته لابن القَيِّم: " شمس الدين، أبو عبد الله، ابن قَيِّم الجوزية، شيخنا"٢. وقال - أيضًا - في أثناء هذه الترجمة: "لازَمْتُ مَجَالِسَهُ قبل موته أزيد من سنة، وسمعت عليه (قصيدته النونية) الطويلة في السُّنَّة، وأشياء من تصانيفه، وغيرها"٣.
٥- ولده: عبد الله بن محمد بن أبي بكر الذي تقدمت ترجمته، والكلام عليه٤، ومضى هناك قول الحافظ ابن حجر: "اشتغل على أبيه وغيره"٥.
_________________
(١) ١ له ترجمة في: (لحظ الألحاظ: (ص١٨٠)، وذيل التذكرة - للسيوطي: (ص٣٦٧)، وذيل ابن عبد الهادي عن طبقات ابن رجب: (ص٣٦-٤١) . ٢ ذيل طبقات الحنابلة: (٢/٤٤٧) . ٣ المصدر السابق: (٢/٤٤٨) . ٤ انظر: ص (٩٣) . ٥ الدرر الكامنة: (٢/٣٩٦) .
[ ١ / ١٩٥ ]
٦- علي بن الحسين بن علي بن عبد الله، الكناني، البغدادي، المقرئ، الحنبلي، زين الدين.
مولده: سنة (٦٩٣هـ) .
وكان رجلًا صالحًا، كثير الخير والتلاوة والذكر، حجَّ مرارًا وجاور بمكة. أفاد ذلك ابن رجب في (مشيخته) .
وقد ترجمه يوسف بن عبد الله في "ذيله على طبقات ابن رجب"١، وذكر أن ابن القَيِّم - ﵀ - أجاز له.
٧- السُّبكي: علي بن عبد الكافي بن علي بن تمام بن يوسف بن موسى بن تمام، الأنصاري، الخزرجي، تقي الدين، أبوالحسن.
مولده: سنة (٦٨٣هـ) .
سمع الحديث من الجمِّ الغفير، ورحل كثيرًا، واشتغل، وأَفْتَى، وَصَنَّفَ، ودَرَّسَ في أماكن عديدة، وتَفَقَّهَ به جماعة من الأئمة.
توفي - ﵀ - سنة (٧٥٦هـ) ٢.
وقد نقل الشيخ بكر أبو زيد أن الحافظ ابن حجر ذكر في "الدرر الكامنة"٣: أن السبكي أخذ عن ابن القَيِّم في رحلته إلى دمشق٤.
_________________
(١) (ص٥٧) وانظر: (الجوهر المنضد): (ص٨٤) . ٢ له ترجمة في: ذيل التذكرة - للحسيني: (ص٣٩)، والبداية والنهاية: (١٤/٢٦٤)، وطبقات الشافعية - لابن قاضي شهبة: (٣/٤٧) . (٣/١٣٤) . ٤ ابن قَيِّم الجوزية - حياته وآثاره: (ص١٠٨) .
[ ١ / ١٩٦ ]
٨- ابن عبد الهادي: محمد بن أحمد بن عبد الهادي بن يوسف بن محمد بن قدامة، المقدسي، الحنبلي، شمس الدين، أبو عبد الله.
مولده: سنة (٧٠٥هـ) .
سمع الكثير، وتفَنَّنَ في الحديث، والنحو، والفقه، والتفسير، والأصلين، وغير ذلك، وحصَّل من العلوم ما لم يحصِّله الشيوخ الكبار.
وكان حافظًا جيدًا لأسماء الرجال، وطرق الحديث، عارفًا بالجرح والتعديل، بصيرًا بعلل الحديث.
توفي - ﵀ - في جمادى الأولى سنة (٧٤٤هـ) ١.
وقد ذكر ابن رجب - ﵀ - في ترجمته لابن القَيِّم تتلمذ ابن عبد الهادي على ابن القَيِّم، فقال: "وكان الفضلاء يعظمونه، ويتتلمذون له: كابن عبد الهادي وغيره"٢.
٩- محمد بن عبد القادر بن محيي الدين بن عثمان بن عبد الرحمن، الجعفري، النابلسي، الجنبلي.
مولده: بنابلس سنة (٧٢٧هـ) .
كان فاضلًا، وله إلمام بالحديث، وكان خطه حسنًا جدًا، وله المصنفات المفيدة، منها: (مختصر العزلة) للخطابي.
_________________
(١) ١ له ترجمة في: ذيل التذكرة - للحسيني: (ص٤٩)، والبداية والنهاية: (١٤/٢٢١)، وطبقات الحفاظ - للسيوطي: (ص٥٢٤) . ٢ ذيل طبقات الحنابلة: (٢/٤٤٩) .
[ ١ / ١٩٧ ]
توفي - ﵀ - سنة (٧٩٧هـ) ١.
قال الحافظ ابن حجر: "قال ابن الْجَزَرِي في مشيخة الْجُنيد البلياني: صحبَ ابن القَيِّم، وتَفَقَّه به، وقرأ عليه أكثر تصانيفه"٢.
١٠- محمد بن محمد بن محمد بن الخضر بن سمرى، الشمس، الزبيري، الغزي، الشافعي.
مولده: سنة (٧٢٤هـ) بالقدس.
دخل دمشق "فأخذ بها عن: ابن كثير، والتَّقِىِّ السبكي، وابن القَيِّم وغيرهم"٣.
توفي - ﵀ - سنة (٨٠٨هـ) .
١١- المقري: محمد بن محمد بن أحمد بن أبي بكر، القرشي، الْمُقْرِي، التلمساني. المتوفى سنة (٧٥٩هـ) .
ذكره الشيخ بكر أبو زيد في تلاميذ ابن القَيِّم، ونقل عن صاحب (نفح الطيب) ٤ - وهو حفيد المقري المذكور - أنه حكى عن جده قوله: "ثم أخذتُ على الشام، فلقيت بدمشق: شمس الدين بن قَيِّم الجوزية، صاحب الفقيه ابن تَيْمِيَّة" وأنه سمع منه شيئًا٥.
_________________
(١) ١ له ترجمة في: الدرر الكامنة: (٤/١٣٨ - ١٣٩)، والشذرات: (٦/٣٤٩) . ٢ الدرر الكامنة: (٤/١٣٩) . وانظر: ابن قَيِّم الجوزية - حياته وآثاره: (ص١٠٩) . ٣ البدر الطالع: (٢/٢٥٤) . وانظر: ابن قَيِّم الجوزية - حياته وآثاره: (ص١١٠) . (٥/٢٥٤) . ٥ ابن قَيِّم الجوزية - حياته وآثاره: (ص١١٠-١١١) .
[ ١ / ١٩٨ ]
١٢- الفيروزابادي: محمد بن يعقوب بن محمد، أبو الطاهر، الفيروزابادي، الشافعي، مجد الدين.
مولده: سنة (٧٢٩هـ) بشيراز.
تفقَّهَ ببلاده، وطَلَب الحديث، وسمع من الشيوخ، ومَهَر في اللغة وهو شاب، ورحل كثيرًا في سماع الحديث إلى: الشام، ومصر، ومكة. وكان كثيرَ الكتبِ لا يسافر إلا بها. وله التصانيف النافعة السائرة، التي منها: (القاموس المحيط) وغيره.
توفي - ﵀ - سنة (٨١٧هـ) ١.
وقد ذكره الشيخ بكر أبو زيد ضمن تلاميذ ابن القَيِّم، ونقل عن الشوكاني قوله: "ارتحل إلى دمشق سنة ٧٥٥هـ، فسمع من: التقي السبكي وجماعة، زيادة على مائة، كابن القَيِّم وطبقته"٢.
وهذه العبارة لا تخلو من إشكال؛ إذ إن وفاة ابن القَيِّم - ﵀ - كانت سنة ٧٥١هـ، وعلى هذا فإن دخول الفيروزابادي دمشق يكون بعد وفاته!.
ثم نظرت ترجمة الفيروزابادي عند غير الشوكاني، فوجدت عبارة ابن حجر في (إنباء الغمر) ٣: " ودخل الديار الشامية بعد الخمسين". ثم قال بعد ذلك: "سمع الشيخ مجد الدين من ابن الخَبَّاز،
_________________
(١) ١ له ترجمة في: إنباء الغمر: (٧/١٥٩)، وطبقات الشافعية –لابن قاضي شهبة: (٤/٧٩)، والضوء اللامع: (١٠/٧٩)، وبغية الوعاة: (١/٢٧٣)، والبدر الطالع: (٢/٢٨٠) . ٢ ابن قَيِّم الجوزية - حياته وآثاره: (ص١١٠) . وانظر: البدر الطالع: (٢/٢٨٠) . (٧/١٦٠) .
[ ١ / ١٩٩ ]
وابن القَيِّم، وابن الحموي وغيرهم بدمشق في سنة نيف وخمسين"١. وقال ابن قاضي شُهبة: "وقدم الشام بعد الخمسين - إما سنة خمس، أو في السنة التي بعدها - وسمع بها الحديث"٢. وجزم السخاوي بأن دخوله كان سنة (٧٥٥هـ) ٣.
وعند النظر إلى هذه الأقوال، نلاحظ اتفاقًا على أن دخوله إلى دمشق كان بعد الخمسين، إلا أنه لم يقع الجزم بسنة دخوله تحديدًا، يتضح ذلك من قول ابن حجر: " سنة نيف وخمسين"، وترددِ ابن قاضي شهبة بين (٧٥٥) و(٧٥٦هـ) كما مضى، إلا أن الذين نصّوا على سنة الدخول جعلوها سنة ٧٥٥هـ، وحتى ابن قاضي شُهبة - مع تردده - لم يجعلها دون ذلك. فلم يبق إلا كلمة الحافظ ابن حجر ﵀، فلو اعتبرنا أن (النَّيِّف) من واحدة إلا ثلاث على التحقيق٤، لاحتمل إدراكه لابن القَيِّم سنة وفاته وهي (٧٥١هـ) .
بقي أمرٌ آخر يلزم التنبيه عليه، وهو أن الشيخ بكر أبا زيد - حفظه الله - قد ذكر الحافظ الذهبي ضمن تلاميذ ابن القَيِّم، ثم قال: "ترجم لابن القَيِّم في كتابه (المعجم المختص) لشيوخه، ومن هنا حَصَلتْ الاستفادة بأنه من شيوخه، وهو بَلَدِيُّه، والله أعلم"٥.
_________________
(١) ١ إنباء الغمر: (٧/١٦٢) . ٢ طبقات الشافعية: (٤/٨٠) . ٣ الضوء اللامع: (١٠/٨٠) . ٤ انظر: لسان العرب: (ص٤٥٨٠) مادة: نوف. ٥ ابن قَيِّم الجوزية - حياته وآثاره: (ص١٠٩) .
[ ١ / ٢٠٠ ]
وأكد الشيخ ذلك في مواضع عديدة من كتابه١، واستبعد - بحسب حكمه هذا - أن يكون الذهبي شيخًا لابن القَيِّم، كما مضى مناقشة ذلك.
ولم أر - بعد البحث والنظر - دليلًا صريحًا يفيد تلمذة الذهبي لابن القَيِّم، بل إن الأدلة تؤيد كون ابن القَيِّم تلميذًا للذهبي كما مضى٢.
أما الذهبي، فلم يرد عنه ما يفيد أخْذه عن ابن القَيِّم أو استفادته منه، وعادته في (المعجم المختص) وغيره: أن يشير في ترجمة الشيخ إلى أنه قد سمع منه أو أخذ شيئًا عنه، حتى ولو كان من تلاميذه، ولكنه في ترجمة ابن القَيِّم، نجده يقول: "سمع معي من جماعة"٣.
وأما اعتماد الشيخ بكر أبي زيد على كون الذهبي قد ترجم ابن القَيِّم في (المعجم المختص)، وأنه خاص بشيوخه: ففيه نظر؛ إذ إنه لم يقل أحدٌ بذلك، بل قال الذهبي نفسه في مقدمته: " فهذا معجمٌ مختصٌّ بذكر من جالسته من المُحَدِّثين، أو أجاز لي مروياته من طلبة الحديث". وقال في (التذكرة) ٤: "وقد أَلَّفت معجمًا لي، يختص بمن طلب هذا الشأن - يعني الحديث - من شيوخي ورفاقي، فاستوعبت من له أدنى عمل".
_________________
(١) ١ انظر منها: (ص ٣٩، ٤٠، ١٧٨) . ٢ انظر: ص (١٥٣ - ١٥٧) . ٣ المعجم المختص: (ص٢٦٩) . (٤/١٥٠٠) .
[ ١ / ٢٠١ ]
ومن هذا يتبين: أن هذا المعجم ليس خاصًا بشيوخ الذهبي وحدهم، بل أدخل فيه كل من عُرِفَ بطلب الحديث والعناية به، وهو الواضح من عنوانه: (المعجم المختص بالمحدثين) .
وأكد هذا المعنى الدكتور بشار عواد في دراسته القيمة للحافظ الذهبي، فقال: "وهذا الكتاب ليس معجمًا لشيوخ الذهبي، بل هو معجم مختصٌّ لطلبة العلم في عصره، فقد ذكر الذهبي فيه حتى صغار الطلبة آنذاك"١.
ثم إن ابن القَيِّم لو كان شيخًا للذهبي، لأدخله في (معجم شيوخه)، الذي ترجم فيه لما يزيد على ألف شيخ، ومنهم من هو دون ابن القَيِّم.
فالذي أراه - والله أعلم - أنه لا يُحْكَم بتلمذة الذهبي لابن القَيِّم لمجرد إدخاله إياه في (المعجم المختص)، فإن وُجِدَ دليل أصرح من ذلك، وإلا فالأمر محل توقف.
_________________
(١) ١ الذهبي ومنهجه في كتابة تاريخ الإسلام: (ص١٨٦) .
[ ١ / ٢٠٢ ]