١- مِحَنُهُ:
لقد عشنا مع ابن القَيِّم - ﵀ - في بيئته التي نشأ وترعرع فيها، وعرفنا أحوال عصره ومجتمعه وما كان يسوده من سلبيات ومفاسد دينية أخلاقية، ورأينا كيف كان ابن القَيِّم- في ظل هذه الأوضاع السيئة- صاحب رسالة سامية، وأهداف نبيلة، ومبادئ إصلاحية يهدف من ورائها: إلى الرجوع بالناس إلى ما كان عليه سلف هذه الأمة من التمسك بالكتاب والسنة ونبذ البدع والخرافات والتقليد والتعصب.
لكن طريقه هذا الذي سار فيه لم يكن سهلًا ميسورًا، بل كان محفوفًا بالمشاقِّ، فنزلت به بسبب ذلك محن عديدة، وتعرَّض لإيذاء واضطهاد وفتن أثناء جهاده لنشر دعوته، وسعيه لإصلاح حال مجتمعه.
فلم يكن من السهل على هذا المجتمع الذي سيطرت عليه الأفكار الدخيلة، وسادته البدع المتوارثة، أن يستجيب لهذا المصلح المجاهد الذي بزغ نوره في هذا الظلام الحالك، وكيف يتم له ذلك ولهذه البدع حُرَّاسٌ وحماةٌ من أمراء البلاد وحُكَّامها، بل ومن بعض الْمُنْتَسِبين إلى العلم أنفسهم؟!
فقد كان الأمر صعبًا إذًا، والمواجهة إلى أشدِّها، وظهر في الساحة أعداء لابن القَيِّم، يتربصون به الدوائر، ويحيكون ضده الدسائس والمؤامرات، كما فعلوا من قبل مع شيخه وأستاذه ابن تَيْمِيَّة ﵀.
[ ١ / ١٢٥ ]
إنكاره شَدُّ الرَّحْلِ إلى قبر الخليل، ومحنته بسبب ذلك:
من البدع التي سادت المجتمع وقتئذ، وتقرب الناس بها إلى الله: بدعة شَدِّ الرَّحْلِ إلى قبر الخليل إبراهيم ﵇.
فقام ابن القَيِّم - ﵀ - في وجه هذه البدعة منكرًا لها، ومبينًا مخالفتها لسنة رسول الله ﷺ وهَدْيِه، فما كان من أعدائِه وشانئيه إلا أن قاموا ضِدَّه، وآذوه، ثم حُبِس بسبب ذلك.
قال الحافظ الذهبي: "وقد حبس مدة وأوذي لإنكاره شدَّ الرحل إلى قبر الخليل"١.
والظاهر أن هذه هي المرة التي حبس فيها مع شيخه ابن تَيْمِيَّة ﵀؛ ذلك أنه في السادس عشر من شعبان سنة ٧٢٦هـ اعْتُقِل الشيخ ابن تَيْمِيَّة في قلعة دمشق، وذلك بسبب ما أفتى به من المنع من شد الرحل إلى قبور الأنبياء، وبعد ذلك بأيام "أمر قاضي القضاة الشافعي في حبس جماعة من أصحاب الشيخ تقي الدين في سجن الحكم وعزَّرَ جماعة منهم على دواب ونودي عليهم، ثمَّ أطلقوا، سوى شمس الدين محمد بن قيم الجوزية؛ فإنه حُبِس بالقلعة، وسكتت القضية"٢.
ولعل في إطلاقهم كل رفاقه وإبقائه وحده في الحبس، ما يُبَيِّنُ لنا مدى الحِنْق الذي كان في نفوس أعدائه - من أهل البدع - ضده، ويبين لنا في الوقت نفسه، ما كان لابن القَيِّم من دور بارز، وتأثير بالغ في الناس آنذاك، مما جعل هؤلاء يخشونه على بدعهم، فرأوا أن يحجبوه في السجن.
_________________
(١) ١ المعجم المختص: (ص٢٩٦) . ٢ البداية والنهاية: (١٤/١٢٨) .
[ ١ / ١٢٦ ]
ولكن شاء الله سبحانه أن يشاطر ابن القَيِّم شيخه محنته هذه، فَسُجن معه في القلعة، ولأجل التهمة نفسها، ولكنه كان (منفردًا عنه) ١.
ولقد كان للحاقدين على شيخ الإسلام ابن تَيْمِيَّة وتلميذه ابن القَيِّم دورٌ قبيح في حبسهما، وتدبير الشر ضدهما، ذلك أنهم حرَّفوا فتوى ابن تَيْمِيَّة: بأنه يُحَرِّمُ زيارة قبور الأنبياء مطلقًا، ويعتبر ذلك معصية، مع أن الشيخ - وكذا تلميذه - " لم يمنع الزيارة الخالية عن شد الرحل، بل يستحبها ويندب إليها، وكتبه ومناسكه تشهد بذلك ولا قال إنها معصية ولا هو جاهل قول الرسول ﷺ:» زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة «. والله سبحانه لا يخفى عليه شيء ولا تخفى عليه خافية"٢.
ويَحكي المقريزي - ﵀ - هذه الواقعة - مبينًا ملابساتها وظروفها - بأوسع من هذا، وأن ابن القَيِّم - ﵀ - قد ضُرب في هذه المرة قبل أن يُحبس، فيقول: (وفي يوم الاثنين سادس شعبان - يعني سنة ٧٢٦هـ - حُبِس تقي الدين أحمد بن تيمية، ومعه أخوه زين الدين عبد الرحمن بقلعة دمشق. وضُرِب شمس الدين محمد بن أبي بكر بن قَيِّم الجوزية، وشُهِّرَ به على حمار بدمشق.
وسبب ذلك: أن ابن قَيِّم الجوزية تكلم بالقدس في مسألة الشفاعة والتوسل بالأنبياء، وأنكر مجرد القصد للقبر الشريف دون قصد المسجد النبوي، فأنكر المقادسة عليه مسألة الزيارة، وكتبوا فيه إلى قاضي القضاة جلال الدين القزويني وغيره من قضاة دمشق.
_________________
(١) ١ ذيل طبقات الحنابلة: (٢/٤٤٨) . ٢ البداية والنهاية: (١٤/١٢٩) .
[ ١ / ١٢٧ ]
وكان قد وقع من ابن تَيْمِيَّة كلام في مسألة الطلاق بالثلاث: (أنه لا يقع بلفظ واحد، فقام عليه فقهاء دمشق، فلما وصلت كتب الْمَقَادِسَة في ابن القَيِّم، كتبوا في ابن تَيْمِيَّة وصاحبه ابن القَيِّم إلى السلطان، فعرف شمس الدين الحريري - قاضي القضاة الحنفية بديار مصر- بذلك، فشَنَّع على ابن تَيْمِيَّة تشنيعًا فاحشًا، حتى كتب بحبسه، وضُرِبَ ابن القَيِّم) ١.
وقد ظل ابن القَيِّم محبوسًا مدة، ولم يُفْرَج عنه إلا بعد وفاة شيخه بشهر؛ ذلك أن ابن تَيْمِيَّة قد توفي في محبسه بالقلعة في العشرين من ذي القعدة سنة (٧٢٨هـ)، (وفي يوم الثلاثاء عشرين ذي الحجة أُفرج عن الشيخ الإمام العالم العلامة أبي عبد الله شمس الدين بن قَيِّم الجوزية) ٢.
وقد امتحن ابن القَيِّم - ﵀ - غير هذه المرة أيضًا:
فتواه بجواز السباق بغير مُحَلِّل ومحنته بسبب ذلك:
كان ابن القَيِّم - ﵀ - يُفتي بجواز إجراء السباق بين الخيل بغير مُحَلِّل، وَصَّنف في ذلك كتابه: (بيان الاستدلال على بطلان اشتراط محلل السباق والنضال) أو: (بيان الدليل على استغناء المسابقة عن التحليل) ٣. كما أنه تناول هذا الموضوع في بحث طويل مفيد ضمن كتابه (الفروسية) ٤.
_________________
(١) ١ السلوك: (٢/١/٢٧٣) . ٢ البداية والنهاية: (١٤/١٤٥) . ٣ تنظر مؤلفات ابن القَيِّم: ص (٢٣٣) . (ص ٢٠ - ٦١) .
[ ١ / ١٢٨ ]
وقد أشار ابن حجر - ﵀ - إلى محنته هذه، فقال: "وجرت له محن مع القضاة، منها: في ربيع الأول - يعني سنة ٧٤٦هـ - طلبه السبكي بسبب فتواه بجواز المسابقة بغير مُحَلِّل، فأنكر عليه وآل الأمر إلى أنه رجع عما كان يُفتي به من ذلك"١.
وحكى ابن كثير هذه الحادثة، ولكنه ذكر ما يفيد أن ابن القَيِّم كان يفتي في ذلك برأي شيخه، وصَنَّف هذا المصنف لنصرة رأي الشيخ، ثم صار يفتي به دون نسبته إلى شيخه، فظنوه قوله، فحصل له ما حصل، ثم (انفصل الحالُ على أن أظهر الشيخ شمس الدين الموافقة للجمهور) ٢.
قال الشيخ بكر أبو زيد: "وقضية الرجوع محل نظر، فلابد من تثبيت ذلك، وأرجو من الله تعالى أن يمنَّ عليَّ بما يدل على ذلك، نفيًا أو إثباتًا"٣.
قلت: أما كتبه التي بين أيدينا، فليس فيها ما يدل على رجوعه، وبخاصة كتاب (الفروسية)، ولكن ابن كثير - ﵀ - يحكي ما شاهده بنفسه من إظهاره الموافقة للجمهور، فهل أظهر ابن القَيِّم ذلك دفعًا للشر عن نفسه دون أن يرجع حقيقة عن رأيه؟ الله أعلم.
والذي يهمنا في هذه القضية: أن ابن القَيِّم - ﵀ - قد امتحن من القضاة بسببها، وأوذي في سبيل ذلك.
_________________
(١) ١ الدرر الكامنة: (٤/٢٣) . ٢ البداية والنهاية: (١٤/٢٢٧) . ٣ ابن قَيِّم الجوزية - حياته وآثاره: (ص٤٣) .
[ ١ / ١٢٩ ]
فتواه في مسألة الطلاق الثلاث ومحنته بسبب ذلك:
وقد امتحن ابن القَيِّم مرة أخرى بسبب فتواه بأن الطلاق الثلاث بكلمة واحدة يقع طلقة واحدة، وهو اختيار شيخه ابن تَيْمِيَّة أيضًا.
ويشير ابن كثير - ﵀ - إلى ما وقع له بسبب ذلك، فيقول: "وقد كان متصديًا للإفتاء بمسألة الطلاق التي اختارها الشيخ تقي الدين ابن تيمية، وجرت بسببها فُصُولٌ يطول بسطها مع قاضي القضاة تقي الدين السبكي وغيره"١.
ولم يبين لنا ابن كثير ما وقع له بسب ذلك، لكن الظاهر أنه لم يُحْبَس إلا في المرة التي كان فيها مع شيخه ابن تَيْمِيَّة، وذلك بسبب فتوى شد الرحل، وأما مسألة الطلاق، وكذا مسألة المحلل في السباق، فيظهر أنه جرت له بسببهما فتن ومحن مع القضاة فحسب، وأنه لم يُسجن بسبب ذلك، وقد ذكر الشيخ بكر أبو زيد أنه سُجن بسبب هذه الفتاوى كلها٢.
ولم أر ما يدل على ذلك، ولعل كلام ابن رجب صريح في أنه لم يُحبس إلا في تلك المرة مع الشيخ، فقد قال: "وقد امتُحن وأُوذي مرات، وحُبس مع الشيخ تقي الدين في المرة الأخيرة في القلعة "٣.
ومما يؤكد - أيضًا - أن فتواه في مسألة الطلاق قد سببت له
_________________
(١) ١ البداية والنهاية: (١٤/٢٤٦ - ٢٤٧) . ٢ ابن قَيِّم الجوزية - حياته وآثاره: (ص٤٢) . ٣ ذيل طبقات الحنابلة: (٢/٤٤٨) .
[ ١ / ١٣٠ ]
مشكلات مع القضاة، ما حكاه الحافظ ابن كثير - ﵀ - من الصلح الذي تم بين السبكي وابن القَيِّم، فقد ذكر في أحداث سنة ٧٥٠هـ - قبل موت ابن القَيِّم بعام واحد - في السادس عشر من شهر جمادى الآخرة منها، أنه (حصل الصلح بين قاضي القضاة تقي الدين السبكي، وبين الشيخ شمس الدين بن قَيِّم الجوزية، على يدي الأمير سيف الدين بن فضل ملك العرب، في بستان قاضي القضاة، وكان قد نقم عليه إكثاره من الفتيا بمسألة الطلاق) ١.
فالمقصود أنه - ﵀ - ابتلي وأوذي وامتحن بسبب صدعه بالحق، وإعلانه رأيه وما يعتقده دون مجاملة أو خوف من أحد، فرحم الله ابن القَيِّم رحمة واسعة، وجزاه عما قَدَّم خير الجزاء.
٢- وفاتُه:
وبعد هذه الحياة الحافلة بالجهاد المتصل لنشر منهج السلف، ومحاربة كثير من الانحرافات التي ابتدعها الخلف، وما لقيه من محن في سبيل ذلك، وبعد أن كَمُلَ له من العمر ستون سنة، توفي هذا الإمام العالم العلامة، وذلك في ليلة الخميس، ثالث عشر من شهر رجب، من سنة إحدى وخمسين وسبعمائة (٧٥١هـ) وقت أذان العشاء٢.
ووقع عند ابن رجب: (ثالث عشرين رجب) ٣. ولعله تصحيف
_________________
(١) ١ البداية والنهاية: (١٤/٢٤٤) . ٢ الوافي بالوفيات: (٢/٢٧٢)، البداية والنهاية: (١٤/٢٤٦)، والدرر الكامنة: (٤/٢٣) . ٣ ذيل طبقات الحنابلة: (٢/٤٥٠) .
[ ١ / ١٣١ ]
طباعي، فتكون كلمة (من) تصحفت إلى (ين)؟ وذلك لاتفاق المصادر على ما قدمناه من أنه كان في ثالث عشر؛ ولأن ابن رجب من تلاميذ ابن القَيِّم المقَرَّبين، فيبعد أن يخفى عليه يوم وفاته.
ووقع في (البدر الطالع) ١ أنه كان في (ثالث شهر رجب)، وهذا خطأ أيضًا.
وقد صُلِّيَ عليه - ﵀ - من الغد عقب صلاة الظهر بالجامع الأموي٢، ثم بجامع جَرَّاح٣.
ولأن ابن القَيِّم - ﵀ - كان قائمًا لله بالحق، صادقًا في النصح للخلق فقد "كانت جنازته حافلة ﵀، شهدها القضاة والأعيان والصالحون، من الخاصة والعامة، وتزاحم الناس على حمل نعشه"٤.
فقد "شَيَّعَه - ﵀ - خلق كثير"٥، "وكانت جنازته مشهودة"٦،"وحافلة جدًا"٧.
نعم لقد كانت جنازته حافلة عامرة، شهدها كثير من الخلق، كما
_________________
(١) (٢/١٤٥) . ٢ البداية والنهاية: (١٤/٢٤٦) . ٣ ذيل طبقات الحنابلة: (٢/٤٥٠) . ٤ البداية والنهاية: (١٤/٢٤٧) . ٥ ذيل طبقات الحنابلة: (٢/٤٥٠) . ٦ الرد الوافر: (ص٦٨) . ٧ الدرر الكامنة: (٤/٢٣) .
[ ١ / ١٣٢ ]
كانت جنازة شيخه ﵀، التي لم يتخلف عنها من أهل دمشق سوى ثلاثة نفر، وقد قال الإمام أحمد ﵀: "قولوا لأهل البدع: بيننا وبينكم الجنائز"١. كانت هذه جنازته - ﵀ - مع ما كان له في قلوب الكثيرين من العداوات، ومع ما حِيَكَ ضده من المؤامرات.
وَدُفِنَ - ﵀ - عند والدته بمقابر الباب الصغير٢.
وقد رُؤِيَتْ له بعد موته "منامات كثيرة حسنة"٣.
وكان هو - ﵀ - "قد رأى قبل موته بمدة الشيخ تقي الدين - ﵀ - في النوم، وسأله عن منزلته؟ فأشار إلى علوها فوق بعض الأكابر، ثم قال له: وأنت كدت تلحق بنا، ولكن أنت الآن في طبقة ابن خزيمة ﵀"٤.
فَرَحِم الله ابن القَيِّم رحمة واسعة، وجزاه عن الإسلام وأهله خيرًا، وأسكنه فسيح جناته، آمين.
_________________
(١) ١ البداية والنهاية: (١٤/١٤٣) . ٢ البداية والنهاية: (١٤/٢٤٦)، ذيل الطبقات: (٢/٤٥٠) . وأفاد محقق (زاد المعاد) في المقدمة: (١/٢٤): أن قبره معروف إلى الآن، على يسار الداخل إلى المقبرة من الباب الجديد الذي وسع منذ أكثر من عشرين سنة، وقد أزيل القبر عن موضعه، وأبعد أكثر من مترين إلى الشرق. ٣ ذيل الطبقات: (٢/٤٥٠)، وانظر: الدرر الكامنة: (٤/٢٣) . ٤ ذيل طبقات الحنابلة: (٢/٤٥٠ - ٤٥١) .
[ ١ / ١٣٣ ]