الفائدة الأولى: في عدم جواز ذكر الجرح في الرجل، والسكوت عن التعديل.
من المعلوم أنه إذا كان الراوي فيه جرح وتعديل، فإنه لابد لمن يتعرض للكلام فيه - مُصَنِّفًا كان أم ناقلًا - أن يَذْكر كل ما قيل فيه جرحًا وتعديلًا، لا أن يذكر الجرح ويُعْرض عن التعديل، أو يذكر التعديل ويسكت عن الجرح.
ولا شك أن هذا الصنيع مذموم مِنْ فاعله؛ إذ يترتب عليه - في الحالة الأولى وهي: ذكر الجرح - ظن من لا معرفة له بهذا الشأن أن هذا الراوي مجمع على ضعفه، فيبني على ذلك حُكْمَهُ بِرَدِّ حديثه، وإسقاط روايته.
ولذلك فقد عاب الحافظ الذهبي - ﵀ - ابن الجوزي لسلوكه هذا المسلك في كتابه (الضعفاء)، فقال في ترجمة أبان بن يزيد العطار: "وقد أورده - أيضًا - العلامة أبو الفرج بن الجوزي في الضعفاء، ولم يذكر فيه أقوال من وَثَّقَه. وهذا من عيوب كتابه: يسرد الجرح، ويسكتُ عن التوثيق"١.
ولما طَعَنَ الكوثري في "أسد بن موسى" بنقله كلام ابن حزم في جرحه، وسكوته عن نقل كلام من وَثَّقَهُ، كشف حاله العلامة المعلمي في (التنكيل) ٢. ثم قال: "وقد أساء الأستاذ إلى نفسه جدًا؛ إذ يقتصر على
_________________
(١) ١ الميزان: (١/١٦) . وانظر: تهذيب التهذيب: (١/١٠٢) . (١/٢٠٦) .
[ ١ / ٥٦٢ ]
كلمة ابن حزم في صدد الطعن، مع علمه بحقيقة الحال، ولكن! ".
ولقد بَيَّنَ ابن القَيِّم - ﵀ - رأيه في هذه القضية بوضوح، ونَبَّه على خطورة هذا المسلك، وذلك عند كلامه على حديث عبد الله ابن أنيس في كلام الله - ﷿ - بصوت، ومحاولة بعضهم إعلاله بضعف عبد الله بن محمد بن عقيل، والقاسم بن محمد، فقال ﵀: "ولا التفاتَ إلى ما أعلَّه به بعض الجهمية ظلمًا منه وهضمًا للحق، حيث ذكَر كلام الْمُضَعِّفين لعبد الله بن محمد بن عقيل، والقاسم بن محمد، دون من وَثقَهُمَا وأثنى عليهما، فيوهم الغِرَّ١ أنهما مجمعٌ على ضَعْفِهِمَا لا يحتجُّ بحديثهما"٢.
الفائدة الثانية: في أن ثقة الراوي لا تعني صحة كل ما روى.
إذا حَكَم الأئمة للراوي بأنه ثقة، فهل يعني ذلك بالضرورة صحة كل حديث رواه؟
وهذا السؤال يدعونا إلى سؤال آخر، وهو: هل الراوي الذي حُكِمَ له بالثقة لا يجوز عليه الخطأ والوهم؟
وهذان السؤالان مرتبطان تمام الارتباط، وسأحاول الجواب عنهما بشيء من البيان، وذلك من خلال تناول ابن القَيِّم - ﵀ - للمسألة.
_________________
(١) ١ رجل غِرٌّ - بالكسر - وغَرِيرٌ: أي غيرُ مُجَرِّبٍ. (مختار الصحاح: ص٤٧١) . ٢ مختصر الصواعق: (٢/ ٤٠٤) .
[ ١ / ٥٦٣ ]
فقد تناول ابن القَيِّم - ﵀ - هذه القضية في أكثر من مناسبة، وأكد أن الثقة قد يغلط ويهم، وتقع العلل في حديثه، فقال ﵀: " فإن الثِّقَةَ قد يغلط وَيَهِمُ، ويكون الحديثُ من حديثه معلولًا عِلَّة مؤثرة فيه، مانعة من صحته"١.
ويؤكد - ﵀ - هذا المعنى في مناسبة أخرى، فيقولُ - عند الكلام على من وَهِمَ في تحريم متعة النساء، وقال: إنها حُرِّمَت عام حجة الوداع -: "وهو وهم من بعض الرواة، سَافَرَ فيه وهمه من فتحِ مكة إلى حجة الوداعِ وَسَفَرُ الوهمِ من زمان إلى زمان، ومن مكان إلى مكان، ومن واقعة إلى واقعة، كثيرًا ما يَعْرِضُ للحُفَّاظِ فمن دونهم"٢.
وقد تناول الحافظ الذهبي - ﵀ - هذه القضية أيضًا، فكان مما قال - في معرض رَدِّه على العقيلي لإدخاله عليّ بن المديني في كتاب (الضعفاء) -: "وأنا أشتهي أن تُعَرِّفَني: من هو الثَّقَةُ الثَّبْتُ الذي ما غَلِطَ ولا انفرد بما لا يُتَابَعُ عليه، بل الثقةُ الحافظ إذا انفردَ بأحاديث كان أَرْفَعَ له، وأكمل لرُتْبَتِهِ، وأدلَّ على اعتنائه بعلم الأثر "٣.
وقال أيضًا: " ولا مِنْ شرط الثقة: أن يكون معصومًا من الخطايا والخطأ"٤.
_________________
(١) ١ رسالة الموضوعات: (ق ٣٩/ أ) . ٢ زاد المعاد: (٣/٤٥٩) . ٣ الميزان: (٣/١٤٠) . ٤ المصدر السابق: (٣/١٤١) .
[ ١ / ٥٦٤ ]
فإذا تَقَرَّر ذلك، فإنه لا ينبغي الحكم على كل حديث بالصحة بمجرد توثيق الأئمة لراويه، بل ينبغي مراعاة كون هذا الحديث مما لا علة له، ويكون خاليًا من الشذوذ والنكارة.
ويشيرُ ابن القَيِّم - ﵀ - إلى الغلط الحاصل للبعض نتيجة لهذا التصور الخاطئ فيقول: " أن يرى مثل هذا الرجل قد وُثِّقَ وشُهِدَ له بالصدق والعدالة، أو خُرِّجَ حديثه في الصحيح، فيجعلُ كلَّ ما رواه على شرط الصحيح. وهذا غلط ظاهر؛ فإنه إنما يكون على شرط الصحيح: إذا انتفت عنه العلة، والشكوك، والنكارة، وتوبع عليه "١.
ثم يستدل - ﵀ - على أنَّ توثيق الراوي، وإخراجَ حديثه في الصحيح لا تناقض بينه وبين تخطئتِهِ أحيانًا، وإعلال حديثه، بقوله: "فالبخاري يُوَثِّقُ جماعة، ويُعَلِّلُ هو بعينه بعضَ حديثهم، ويُضَعِّفُهُ، وكذلك غيره من الأئمة، ولا تنافي عندهم بين الأمرين، بل هذا عندهم من علم الحديث، وفقه علله، التي بها يُمَيِّزُهُ نُقَّاده وأطباؤه"٢.
ويقول أيضًا - في الرد على من جَعَلَ كل راوٍ أخرج له مسلم واحتج به على شرطه في كل حديث يرويه -: "فإن مسلمًا إذا احتج بثقة، لم يلزمه أن يصحح جميع ما رواه٣، ويكون كل ما رواه على شرطه؛ فإن الثقة قد يَغْلَطُ ويَهِمُ،
_________________
(١) ١ الفروسية: (ص ٤٥) . ٢ الفروسية: (ص ٥٢-٥٣) . ٣ يعني الراوي.
[ ١ / ٥٦٥ ]
ويكون الحديث من حديثه معلولًا علة مؤثرة فيه، مانعة من صحته، فإذا احتج بحديث من حديثه غير معلول، لم يكن الحديث المعلول على شرطه"١.
فتبين بعد هذا العرض: أن الثقة جائز عليه الوهم والغلط، وما دام الأمر كذلك، فلا مانع من إعلال ما تَبَيَّنَ أنه أخطأَ فيه، ولا يُجْعَلُ هذا المعلول صحيحًا اعتمادًا على مجرد ثقة هذا الراوي، والله أعلم.
الفائدة الثالثة: إذا أخطأ الراوي في حديث، فإن ذلك لا يُوجِبُ جَرْحًا لازمًا له.
وهذه المسألة لها صلة بالتي مضت، وهي على العكس منها: هل تضعيف الحديث بكون الراوي أخطأ فيه يورثه جرحًا لازمًا له لا ينفك عنه، فَيُرَدُّ بذلك كل حديث رواه، حتى ولو كان صحيحًا سالمًا من الخطأ؟
فقد تقرر فيما سبق: أن الثقة يغلط، وأن الحُكْمَ بثقتِهِ لا يمنعُ إعلال ما أخطأ فيه أو وهم، وكذلك الحال هنا: فإن إعلال حديث أخطأ فيه الثقة أو وهم، لا يجعله مجروحًا، ولا يجعل كل حديث له مردودًا.
فكما أَنَّا في الحالة الأولى لم نعتبر ثقة الراوي فيما أخطأ فيه، فكذلك الأمر هنا: لا نعتبرُ خطأه مُؤَثِّرًا فيما أصاب فيه، ووافَقَ فيه غَيْرَهُ.
وقد تناولَ ابن القَيِّم - ﵀ - هذه المسألة عند كلامِهِ على المسألة التي سبقتها، فَبَيَّنَ - ﵀ - أن ذلك يقعُ ممن لا نظر عنده،
_________________
(١) ١ رسالة الموضوعات: (ق ٣٩/ أ) .
[ ١ / ٥٦٦ ]
وممن قصر ذوقه وفهمه عن ذوق وفهم أئمة العلل في نقدهم للمرويات، ثم بين غلط من يقع في ذلك، فقال: "النوع الثاني من الغَلَطِ: أن يَرَى الرَّجُلَ قد تُكُلِّمَ في بعض حديثه، وضُعِّفَ في شيخ أو في حديث، فيجعل ذلك سببًا لتعليل حديثه وتضعيفه أين وجده، كما يفعله بعض المتأخرين من أهل الظَّاهر وغيرهم"١.
وقال مرة: "والطائفة الثانية: يرون الرجل قد تُكُلِّمَ فيه بسبب حديث رواه، وضُعِّفَ من أجله، فيجعلون هذا سببًا لتضعيف حديثه أين وجدوه، فيضعفون من حديثه ما يجزم أهل المعرفة بصحته"٢.
ثم يُقَرِّرُ - ﵀ - الصواب في ذلك، فيقول: "كون الرجل يخطئ في شيء، لا يمنع الاحتجاج به فيما ظهر أنه لم يخطئ فيه"٣.
وقال أيضًا: "وأئمة الحديث على التفصيل والنقد، واعتبار حديث الرجل بغيره، والفرق بين ما انفرد به أو وافق فيه الثقات"٤.
ولقد نبه الحافظ ابن حجر - ﵀ - على هذه القاعدة الجليلة النافعة، فقال:
_________________
(١) ١ الفروسية: (ص٤٥) . ٢ تهذيب السنن: (٥/٣٢٦) . ٣ تهذيب السنن: (٣/٣١٢) . ٤ الفروسية: (ص٤٥) .
[ ١ / ٥٦٧ ]
"فإذا جُرِحَ الرجل بكونه أخطأ في حديث أو وهم أو تفرد، لا يكون ذلك جرحًا مُسْتَقَرًا، ولا يُرَدُّ به حديثه"١.
ومن الأمثلة الظاهرة لإيضاح هذه القاعدة وبيانها عند ابن القَيِّم ﵀: كلامه عن "عبد الملك بن أبي سليمان العرزمي" - وقد تُكُلِّم فيه من أجل حديث الشفعة - فقال ﵀: "عبد الملك أجلُّ وأوثق من أن يُتَكَلَّمَ فيه، وكان يُسَمَّى "الميزان" لإتقانه وضبطه وحفظه، ولم يتكلمْ فيه أحدٌ قطُّ إلا شعبة، وتكلم فيه من أجل هذا الحديث - يعني حديث الشفعة - وهو كلام باطل.
فإنه إذا لم يضعفه إلا من أجل هذا الحديث، كان ذلك دورًا باطلا؛ فإنه لا يثبت ضعف الحديث حتى يثبت ضعف عبد الملك، فلا يجوز أن يستفاد ضعفه من ضعف الحديث ؛ فإن الرجل من الثقات الأثبات الحفاظ، الذين لا مَطْمَحَ للطعن فيهم، وقد احتج به مسلم في صحيحه، وخَرَّجَ له عدة أحاديث "٢.
وثمة مثال آخر، وهو ما جاء عن ابن حبان - ﵀ - في تضعيف "بهز بن حكيم" بسبب روايته حديث "إنا آخذوها وشطر إبله"، وقوله: بأنه لولا هذا الحديث لأدخله في الثقات. فَرَدَّه ابن القَيِّم - ﵀ - بقوله: "كلام ساقط جدًا؛ فإنه إذ لم يكن لضعفه سبب إلا روايته هذا الحديث، وهذا الحديث إنما رُدَّ لضعفه، كان هذا دورًا
_________________
(١) ١ لسان الميزان: (١/ ١٧- ١٨) . ٢ تهذيب السنن: (٥/ ١٦٦ - ١٦٧) .
[ ١ / ٥٦٨ ]
باطلًا وهذا غير موجب للضعف بحال"١.
فالحاصل: أن خطأ الراوي في حديث، لا يقضي عليه بالضعف، ولا يُجعل في عداد المجروحين بسبب ذلك، وبخاصة إذا لم يكن هناك سبب لضعفه سوى روايته لهذا الحديث، والله أعلم.
الفائدة الرابعة: لا يلزمُ من كون الراوي لم يُذْكَر في "الصحيحين" أن يكون مجروحًا.
هل من لم يُخَرَّج عنه في "الصحيحين" يكون مجروحًا؟
من المعلوم المقرر: أن البخاريَّ ومسلمًا - رحمهما الله - لم يستوعبا الصحيح في كتابيهما، وذلك باعترافهما وإقرارهما٢.
وما دام الأمر كذلك، وأنه بقيت أحاديث صحيحة كثيرة خارج كتابيهما، فإنه - وتبعًا لذلك - قد بقي رواة كثيرون ثقات عدول لم يخرج عنهم في "الصحيحين".
قال الحافظ الذهبي ﵀: "ومن الثقات الذين لم يُخَرَّجْ لهم في "الصحيحين" خَلْقٌ، منهم: من صَحَّحَ لهم الترمذي وابن خزيمة "٣.
فإذا تقرر ذلك، فإنه لا يلزم من كون الراوي غير مخرج له في "الصحيحين"، أو أحدهما، أن يكون مجروحًا.
وقد أكد ابن القَيِّم - ﵀ - هذا المعنى، فقال في شأن
_________________
(١) ١ تهذيب السنن: (٢/١٩٤) . ٢ انظر مقدمة ابن الصلاح: (ص١٠) . ٣ الموقظة: (ص ٨١) .
[ ١ / ٥٦٩ ]
"يعقوب بن عتبة" - وقد حاول بعضهم تضعيف حديث بكونه تفرد به، وأنه ليس ممن خرج له في الصحيحين -:
"هذا ليس بِعِلَّةٍ باتفاق المحدثين؛ فإن يعقوب بن عتبة لم يُضَعِّفْهُ أحد، وكم من ثقة قد احتجوا به وهو غير مخرج عنه في الصحيحين"١.
ومثل هذا قول الذهبي - ﵀ - في ترجمة أشعث بن عبد الملك الحمراني من "ميزانه"٢: "إنما أوردته لذكر ابن عدي له في "كامله"، ثم إنه ما ذَكَرَ في حقه شيئًا يدلُّ على تليينه بوجه، وما ذكره أحد في كتب الضعفاء أبدًا. نعم ما أخرجا له في "الصحيحين"، فكان ماذا؟ ".
وهذا واضحٌ بَيِّن، والله تعالى أعلم.
الفائدة الخامسة: في عدم الاعتماد في الرواية على الصالحين والزُّهَّاد.
إنَّ الغالب على أمثال هؤلاء - ممن اشتهروا بالصلاح والزهد والعبادة - الغلط والوهم في الحديث. كما قال ابن رجب٣ ﵀.
وقد نَبَّهَ ابن القَيِّم - ﵀ - على أنه لا ينبغي الاغترار بصلاح الرجل وتقواه وزهده، إن لم يكن معروفًا بحمل الحديث
_________________
(١) ١ تهذيب السنن: (٧/ ٩٨) . (١/ ٢٦٧) . ٣ شرح علل الترمذي: (ص٤٨٠) .
[ ١ / ٥٧٠ ]
وحفظه وإتقانه؛ إذ إن صلاحه وزهده لا يلزم منه أن يكون ثقة في الحديث، فقال: " فقد يكون الرجل صالحًا، ويكون مُغَفَّلًا: ليس تَحَمُّلُ الحديث، وحفظُهُ، وروايته من شأنه"١.
وعقد الحافظ الخطيب - ﵀ - في "كفايته"٢ بابًا للتنبيه على ذلك، فقال: "باب ترك الاحتجاج بمن لم يكن من أهل الضبط والدراية، وإن عُرِفَ بالصلاح والعبادة". ثم ذكر تحت هذا الباب جملة من الأخبار عن أهل العلم في التنبيه على ذلك، منها قول يحيى بن سعيد: "ما رأيت الصالحين في شيء أشد فتنة منهم في الحديث"٣.
ونقل ابن رجب عن أبي عبد الله بن منده قوله: "إذا رأيت في حديث: حدثنا فلان الزاهد، فاغسل يدك منه"٤.
ولكن، لا يعني ذلك أنَّ أهلَ الحديث وحُفَّاظَهُ وجهابذته ليسو من أهل الصلاح والعبادة، ولكن المقصود: من لم يكن من أهل الحفظِ والإتقانِ منهم.
_________________
(١) ١ زاد المعاد: (٥/٥٤٠) . (ص ٢٤٧) . ٣ الكفاية: (ص ٢٤٧) . ٤ شرح علل الترمذي: (ص٤٨٠) .
[ ١ / ٥٧١ ]