اختلف أهل العلم في هذه المسألة على أقوال ثلاثة:
أولها: أنه لا يقبل في جرح الرواة وتعديلهم أقل من اثنين، قياسًا على الشهادات.
ثانيها: أنه يكفي في الجرح والتعديل قول الواحد، في الرواية والشهادة على السواء.
ثالثها: التفريق في ذلك بين الرواية والشهادة: فيقبلُ في جرح الرواة وتعديلهم قول الواحد، ولا يقبل في الشهادة إلا اثنان١.
والرَّاجِح هو المذهب الثالث، نَقَلَهُ الخطيب عن كثير من أهل العلم، ثم قال: "والذي نَسْتَحِبُّهُ: أن يكون من يُزَكِّي الْمُحَدِّثَ اثنين للاحتياط، فإن اقْتُصِرَ على تزكية واحد: أَجَزَأَ"٢. وقال ابن الصلاح: "وهو الصحيح الذي اختاره الحافظ أبو بكر الخطيب وغيره ؛ لأن العدد لم يُشْتَرَطْ في قبول الخبر، فلم يشترط في جرح راويه وتعديله، بخلاف الشهادات"٣. ورجحه كذلك: العراقي٤، وابن حجر٥، والسخاوي٦.
_________________
(١) ١ الكفاية: (ص ١٦٠-١٦١) . ومقدمة ابن الصلاح: (ص٥٢) . ٢ الكفاية: (ص ١٦١) . ٣ مقدمة ابن الصلاح: (ص٥٢) . ٤ شرح الألفية: (١/٢٩٥) . ٥ نزهة النظر مع النخبة: (ص٧٢) . ٦ فتح المغيث (١/٢٩٠) .
[ ١ / ٥٢٣ ]
وقد اختار ابن القَيِّم - ﵀ - في هذه المسألة رأي الجمهور: وهو الاكتفاء بقول الواحد في الجرح والتعديل.
قال مرة: " فإن التعديل من باب الإخبار والحُكْم، لا من باب الشهاد ة، ولا سِيَّمَا التعديل في الرواية؛ فإنه يُكْتَفَى فيه بالواحد ولا يزيد عن أصل نصاب الرواية"١.
يعني: لَمَّا كان يُكْتَفَى في قبول الرواية بالواحد، فكذلك تعديلُ رَاوِيهَا وجرحُهُ لا يشترط له أكثر من واحد.
فتلخص من ذلك: أن ابن القَيِّم - ﵀ - يوافق اختياره اختيار الجمهور في هذه المسألة، وهي: الاكتفاء في الجرح والتعديل بقول الواحد، وعدم اشتراط أكثر من ذلك فيهما.
_________________
(١) ١ زاد المعاد: (٥/٤٥٦ - ٤٥٧) .
[ ١ / ٥٢٤ ]