مناسبة الكلام على رواية المبتدع في مبحث الجرح والتعديل: أن "البِدْعَةَ" من أسباب الطَّعْنِ في الراوي وجرحه، وبالتالي رَدِّ حديثه بشروطه.
والبدعة إما أن تكون مُكَفِّرةً، أو غير مكفرةٍ.
فالبدعة المكفرة١:
الجمهور على عدم قبول رواية صاحبها، قال النووي: "مَنْ كَفَر ببدعته لم يحتج به بالاتفاق"٢. وقال ابن كثير: "المبتدع إن كفر ببدعته، فلا إشكال في ردِّ روايته"٣.
واختار الحافظ ابن حجر - ﵀ - التفصيل في ذلك، فقال: "والتحقيق: أنه لا يُرَدُّ كل مُكَفَّرٍ ببدعته فالمعتمد: أن الذي تُرَدُّ روايته: من أَنْكَرَ أمرًا متواترًا من الشرع، معلومًا من الدين بالضرورة، وكذا من اعتقد عكسه. فأما من لم يكن بهذه الصفة، وانضم إلى ذلك ضَبْطُه لما يرويه، مع وَرَعِهِ وتقواه: فلا مانع من قبوله"٤.
_________________
(١) ١ قال ابن حجر: "لا بد أن يكون ذلك التكفير متفقًا عليه من قواعد جميع الأئمة، كما في غلاة الروافض من دعوى بعضهم حلول الإلهية في عليٍّ أو غيره، أو الإيمان برجوعه إلى الدنيا قبل يوم القيامة، أو غير ذلك". هدي الساري (ص ٣٨٥)، وانظر: فتح المغيث: (١/٣٣٢ - ٣٣٣) . ٢ التقريب: (ص١٣) . ٣ اختصار علوم الحديث: (ص٩٩) . ٤ نزهة النظر: (ص٥٠) .
[ ١ / ٥٥٧ ]
وَسَبَقَهُ إلى هذا المعنى ابنُ دقيق العيد، فقال: "والذي تَقَرَّرَ عندنا: أنه لا تُعْتَبَرُ المذاهب في الرواية؛ إذ لا نُكَفِّرُ أحدًا من أهل القبلة إلا بإنكار متواتر من الشريعة. فإذا اعتقدنا ذلك، وانضم إليه التقوى والورع والضبط والخوف من الله تعالى، فقد حصل معتمد الرواية "١.
وأما البدعة غير الْمُكَفِّرة: فللعلماء في قبول رواية صاحبها أقوال:
أولها: عدم قبولها مطلقًا:
قالوا: لأن في الرواية عنه ترويجًا لأمره، وتنويهًا بذكره.
وقد رَدَّ العلماء هذا القول، قال ابن الصلاح: "بعيدٌ مباعد للشائع عن أئمة الحديث؛ فإن كُتُبَهُم طافحة بالرواية عن المبتدعة غير الدعاة "٢. وقال ابن حجر: "وهو بعيد"٣.
الثاني: تقبل مطلقًا ما لم يكن مُسْتَحِلًاّ للكذب لنصرةِ مذهبه.
قالوا: لأن تزيين بدعته قد يحمله على تحريف الروايات وتسويتها على ما يقتضيه مذهبه٤. وعزاه بعضهم للشافعي، لقوله: "أقبلُ شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية من الرافضة؛ لأنهم يرون الشهادة بالزور لموافقيهم"٥.
_________________
(١) ١ الاقتراح: (ص٣٣٣-٣٣٤) . ٢ مقدمة ابن الصلاح: (ص٥٥) . ٣ نزهة النظر: (ص٥٠) . ٤ المصدر السابق. ٥ مقدمة ابن الصلاح: (ص٥٤) .
[ ١ / ٥٥٨ ]
الثالث: التفصيل، فتقبل رواية من لم يكن داعية إلى بدعته، ولا تقبل رواية الداعية.
وهذا مذهب الأكثرين من العلماء، قال ابن الصلاح: "وهذا المذهب الثالث أعدلها وأولاها"١.
وَفَصَّل ابن حجر - ﵀ - في غير الداعية أيضًا، فقال: "الأكثر على قبول غير الداعية، إلا إنْ روى ما يقوِّي بدعته فَيُرَدُّ على المذهب المختار"٢.
وبالنظر إلى استبعاد الأئمة للمذهب الأول، فإنه يتحصل لدينا من مجموع المذهبين الباقيين أن رواية المبتدع تُقبل بشروط ثلاثة:
١- أن يكون صاحبُها ممن لا يستحل الكذب لنصرة مذهبه، فيقبلُ أهلُ الصدق منهم.
٢- أن يكون غير دَاعِيَةٍ إلى بدعته.
٣- أن لا يروي ما يؤيد بدعته ويوافقها ويُقَوِّيها.
وقد عرض ابن القَيِّم - ﵀ - لهذه القضية في مناسبات مختلفة، والذي يظهر من مجموع كلامه: هو القول بقبول رواية المبتدع بالشروط التي مر ذكرها.
فمن كلامه - ﵀ - في قبول رواية أصحاب البدع غير المكفرة:
_________________
(١) ١ مقدمة ابن الصلاح: (ص٥٥) . ٢ نزهة النظر: (ص٥١) .
[ ١ / ٥٥٩ ]
"وقد رُمِي جماعة من الأئمة الْمُحْتَجِّ بروايتهم بالقدر: كابن أبي عروبة، وابن أبي ذئب، وغيرهما. وبالإرجاء: كَطَلْق بن حبيب وغيره، وهذا أشهر من أن يذكر نظائره، وأئمة الحديث لا يردون حديث الثقة بمثل ذلك"١.
وقال مرة: "رواية أهل البدع مقبولة، فكم في الصحيح من رواية الشيعة الغلاة، والقدرية، والخوارج، والمرجئة، وغيرهم ؛ إذ مجرد كونهم شيعة لا يوجب رد حديثهم"٢.
يعني: إذا لم يكن داعية، ولم يرو ما يؤيد بدعته؛ فإن ما خُرِّجَ في الصحيح من رواية هذا الضرب، محمول على هذا٣.
ومقصوده بالشيعة الغلاة: من كان من هؤلاء في زمان السلف، وهم يختلفون عمن وجد منهم في الأزمنة المتأخرة، قال الذهبي ﵀:
"فالشيعي الغالي في زمان السلف وَعُرْفِهم: هو من تكلم في عثمان والزبير وطلحة ومعاوية وطائفة ممن حارب عليًا ﵁، وتَعَرَّض لِسَبِّهم.
والغالي في زماننا وعرفنا: هو الذي يُكَفِّرُ هؤلاء السادة، ويتبرأ من الشيخين أيضًا، فهذا ضالٌّ مُعَثَّرٌ"٤.
_________________
(١) ١ تهذيب السنن: (١/٣٦١) . ٢ تهذيب السنن: (٣/١٠١) . ٣ انظر: هدي الساري: (ص٣٨٥) . ٤ الميزان: (١/ ٦) .
[ ١ / ٥٦٠ ]
واعتبر - ﵀ - التشيع الغالي في عهد السلف من البدع الصغرى، وأنه لا يُتْرَكُ حديثهم. وأما الرَّفْضُ الكامل، والحطُّ على الشيخين فقد عَدَّه بدعةً كبرى، فلا يحتج بأصحابها ولا كرامة١.
وقد جاء عن ابن القَيِّم - ﵀ - ما يؤكد عدم قبوله رواية المبتدع إذا روى ما يؤيد بدعته، فإنه - ﵀ - قال عن الأجلح بن عبد الله - وكان شيعيًا -:
"وأما حديث الأجلح بن عبد الله بن أبي الهذيل، عن علي ﵁، أنه قال: "ما أعرف أحدًا من هذه الأمة عَبَدَ الله بعد نَبِيِّهَا غَيْري، عبدتُ الله قبل أن يعبده أحد من هذه الأمة سبع سنين": فالأجلح وإن كان صدوقًا، فإنه شيعي، وهذا الحديث معلوم بطلانه بالضرورة؛ فإن عليًارضي الله عنه لم يعبد الله قبل جميع الصحابة سبع سنين"٢.
فتبين من ذلك: أن ابن القَيِّم - ﵀ - يتفق مع أكثر العلماء وجمهورهم في قبول رواية المبتدع بشروطها، كما دل عليه كلامه الذي نقلناه عنه.
_________________
(١) ١ الميزان: (١/٥-٦) . ٢ أحكام أهل الذمة: (٢/٥٠٥) .
[ ١ / ٥٦١ ]