- من كتاب الطهارة
١- باب ما جاء في الرخصة في استقبال القبلة عند قضاء الحاجة
١- (١) عن عائشة ﵂ قالت: ذُكِرَ عِنْدَ رَسُوِلِ الله ﷺ قَومٌ يَكْرَهُونَ أَنْ يَسْتَقْبِلُوا بِفُرُوجِهِمُ القِبْلَةَ. فَقَال: "أُرَاهُمْ قَدْ فَعَلُوهَا، اسْتَقْبِلُوا بِمَقْعَدَتِي القِبْلَة" ١.
أوردَ ابن القَيِّم - ﵀ - هذا الحديث في كتابيه: (زاد المعاد) ٢، و(تهذيب السنن) ٣، وذكر أنه ضعيف بجملة أمور:
- أولها: أنه مضطرب.
- ثانيها: أنه منقطع.
- ثالثها: أن الصواب فيه الوقف.
- رابعها: ضَعفُ "خالد بن أبي الصَّلْت" في إسناده.
قلت: هذا الحديث مداره على: خالد٤ الحَذَّاء، عن خالد بن أبي الصَّلْت٥، عن عراك بن مالك٦، عن عائشة ﵂ به. ورواه عن خالد الحَذَّاء جماعة:
_________________
(١) ١ أي: حَوِّلوا موضع قضاء حاجتي إلى جهة القبلة؛ لبيان جواز ذلك في البيوت، وليزول ما في قلوبهم من الإنكار لذلك. (٢/ ٣٨٤) . (١/ ٢٢-٢٣) . ٤ ابن مهران، أبو المنازل، البصري، الحَذَّاء ثقة يرسل، من الخامسة، أشار حماد بن زيد إلى أن حفظه تَغَيَّرَ لَمَّا قَدِم من الشام / ع. (التقريب ١٩١) . ٥ البصري، مدني الأصل، كان من جهة عمر بن عبد العزيز بواسط، مقبول، من السادسة / ع. (التقريب ١٨٨) . ٦ الغفاري، الكناني، المدني، ثقة فاضل، من الثالثة، مات في خلافة يزيد بن عبد الملك، بعد المائة/ع. (التقريب ٣٨٨) .
[ ٢ / ٨٣ ]
منهم: حماد بن سلمة، فرواه أبو داود الطيالسي١ عن حماد. وأخرجه أحمد٢، وابن ماجه٣، والدارقطني٤ عن وكيع.
وأخرجه الدارقطني في (سننه) ٥ عن يحيى بن إسحاق. وأخرجه أحمد في (مسنده) ٦ عن بَهْز٧. كُلُّهُم عن: حماد بن سلمة، عن خالد الحذاء بالإسناد الماضي ذكره.
وألفاظهم بنحو لفظ ابن ماجه الذي صَدَّرْنَا به البحث، إلا رواية بهز عند أحمد ففيها قول خالد بن أبي الصلت: ذكروا عند عمر بن عبد العزيز - ﵀ - استقبال القبلة بالفُرُوجِ، فقال عراك بن مالك: قالت عائشة الحديث.
وتابع حمادَ بن سلمة على هذه الرواية: عليُّ بن عاصم٨، عن خالد الحَذَّاء، بالإسناد المتقدم، أخرجه: أحمد في (مسنده) ٩، والدارقطني١٠،
_________________
(١) ١ المسند: (ح ١٥٤١) . ٢ المسند: (٦/ ١٣٧) . (١/ ١١٧) ح ٣٢٤، باب الرخصة في ذلك في الكنيف واللفظ الذي ذكرته لفظه. ٤ السنن: (١/ ٦٠) ح ٧. (١/ ٦٠) ح ٧. (٦/ ٢١٩) . ٧ ابن أسد العمي، أبو الأسود البصري، ثقة ثبت، من التاسعة، مات بعد المائتين، وقيل قبلها / ع. (التقريب ١٢٨) . ٨ ابن صهيب الواسطي، التيمي مولاهم، صدوق يُخْطِئ وَيُصِرُّ، وَرُمِيَ بِالتَّشَيُّع، من التاسعة، مات سنة ٢٠١ هـ / د ت ق. (التقريب ٤٠٣) . (٦/ ١٨٤) . ١٠ (١/ ٥٩ - ٦٠) ح ٦.
[ ٢ / ٨٤ ]
والبيهقي١ في (سننيهما)، ولفظه عندهم عن خالد بن أبي الصَّلْت أنه قال: "كنت عند عمر بن عبد العزيز في خلافته، وعنده عراك بن مالك، فقال عمر: ما استقبلت القبلة ولا استدبرتُهَا ببولٍ ولا غائطٍ منذ كذا وكذا. فقال عراك: حَدَّثَتْنِي عائشة فذكره. قال البيهقي عقبه: "تابعه حماد بن سلمة في إقامة إسناده " يشيرُ إلى رواية حماد التي رواها عنه الجماعة المتقدمون، والتي توافق رواية علي بن عاصم هذه.
ورواه أبو عوانة، والقاسم بن مطيب٢، ويحيى بن مطر، ثلاثتهم: عن خالد الحَذَّاء، عن عراك بن مالك عن عائشة به. أخرجه الدارقطني في (سننه) ٣ عنهم هكذا بإسقاط "خالد بن أبي الصَّلْت" من الإسناد، ثم نَبَّهَ - ﵀ - على سقوط ابن أبي الصَّلْت، فقال: "بين خالد وعراك: خالد بن أبي الصَّلْت".
ثم أخرجَ رواية حماد بن سلمة، وعلي بن عاصم المتقدمتين، ثم قال: "وهذا أَضْبَطُ إسنادٍ، وزاد فيه خالد بن أبي الصلت، وهو الصواب"٤.
ورواه عبد الوهاب الثقفي، عن خالد الحذاء، عن رجل، عن عراك، عن عائشة به. أخرجه كذلك الدارقطني في (سننه) ٥، فجعل مكان خالد ابن أبي الصلت: "عن رجل".
_________________
(١) (١/ ٩٢- ٩٣) . ٢ العجلي، البصري، فيه لين، من الخامسة / بخ. (التقريب ٤٥٢) . (١/ ٥٩) ح ٣، ٤، ٥. ٤ سنن الدارقطني: (١/٦٠) . (١/٦٠) ح ٨.
[ ٢ / ٨٥ ]
فهذه بعض أوجه الاختلاف في إسناد هذا الحديث، وقد أُعِلَّ لذلك بالاضطراب، فقال البخاري لَمَّا سَأَلَهُ عنه الترمذي: "هذا حديث فيه اضطراب"١.
ولكن عند التأمل نجدُ أنه يمكنُ ترجيحُ رواية حماد بن سلمة، وعلي ابن عاصم: عن خالد الحذاء، عن خالد بن أبي الصلت، عن عراك، عن عائشة. وقد مضى معنا أن الدارقطني صوب هذه الرواية، وقال إنه "أضبط إسناد".
وأما العِلَّة الثَّانية، وهي أنه منقطعٌ: فقد سألَ ابن أبي حاتم أباه عن هذا الحديث، فقال: "مرسل". فقال له: عراك بن مالك قال: سمعت عائشة ﵂؟ فأنكره، وقال: "عراك بن مالك؟! من أين سمع عائشة؟! ما له ولعائشة، إنما يروى عن عروة، هذا خطأٌ. قال لي: من روى هذا؟ قلت: حمادُ بن سلمة، عن خالد الحذاء. فقال: رواه غير واحد عن خالد الحذاء، ليس فيه "سمعت"، وقال غير واحد أيضًا: عن حماد بن سلمة، ليس فيه: سمعت"٢. ونقل العلائي في (جامع التحصيل) ٣ أن أحمد بن حنبل - ﵀ - حَكَمَ عليه بذلك، وسأله عنه الأثرم، فقال قولًا قريبًا من قول أبي حاتم رحمهما الله تعالى.
وأما العِلَّة الثالثة، وهي أن الصواب وقفه على عائشة: فقد
_________________
(١) ١ علل الترمذي: (١/٩٠) . ٢ علل ابن أبي حاتم: (ص ١٦٢ - ١٦٣) . (ص ٢٨٨) ترجمة عراك بن مالك.
[ ٢ / ٨٦ ]
حكم عليه بذلك البخاري وأبو حاتم رحمهما الله، قال البخاري: "والصحيح: عن عائشة، قولها"١. وسأل ابن أبي حاتم أباه عنه، فقال: "فلم أزل أقفو أثر هذا الحديث، حتى كتبت بمصر عن إسحاق بن بكر بن مضر أو غيره، عن بكر بن مضر، عن جعفر بن ربيعة، عن عراك بن مالك، عن عروة، عن عائشة موقوف. وهذا أشبه"٢.
وأشار البخاري - ﵀ - إلى هذه الرواية في (التاريخ الكبير) ٣، ثم قال: "وهذا أصحُّ". وكذا رَجَّحَ رواية الوقف ابن عساكر ﵀، ونَقَلَهُ عنه الشيخ الألباني في (السلسلة الضعيفة) ٤.
قال ابن القَيِّم - ﵀ - في تأكيده لهذه العلة: "وقال بعض الحُفَّاظ: هذا حديث لا يصحُّ، وله عِلَّةٌ لا يدركها إلا المعتنون بالصناعة، المُعَانُون عليها؛ وذلك أنَّ خالد بن أبي الصَّلْت لم يحفظ متنه، ولا أقامَ إسنَادَهُ. خَالَفَهُ فيه الثقة الثبت، صاحب عِراك بن مالك المختصُّ به، الضابط لحديثه: جعفر بن ربيعة الفقيه، فرواه عن عراك، عن عروة، عن عائشة: أنها كانت تنكر ذلك وجعفر بن ربيعة هو الحجة في عراك بن مالك"٥.
_________________
(١) ١ علل الترمذي: (١/ ٩١) . ٢ علل ابن أبي حاتم: (١/ ٢٩) ح ٥٠. (٢/١/ ١٥٦) . (١/ ٣٥٦) . ٥ تهذيب السنن: (١/ ٢٢) .
[ ٢ / ٨٧ ]
وأما العِلَّة الرابعة، وهي ضعفُ خالد بن أبي الصَّلْت: فقال أحمد بن حنبل: "ليس معروفًا"١. وقال عبد الحق: "ضعيف"٢. وقال ابن حزم: "حديث ساقط، وخالد بن أبي الصلت مجهول، لا يُدْرَى من هو؟ "٣. وقال الذهبي: "لا يَكَاد يُعْرَف"٤. وَوَثَّقَهُ ابن حبان على قاعدته المعروفة٥. وقد سَبَقَ حُكمُ الحافظ ابن حجر عليه بأنه "مقبول" يعني إذا تُوبع، وإلا فلين الحديث، وهو لم يُتَابِع، بل خَالَفَهُ جعفر بن ربيعة كما مضى، فتكون روايته منكرة كما سيأتي.
فَتَحَصَّلَ من ذلك: أن هذا الحديث ضعيف لا تقوم به حُجَّة، وقد تقدمت أقوال العلماء في إعلاله وتضعيفه، وهذا ما ذَهَبَ إليه ابن القَيِّم ﵀، فأصاب.
ومن الأحاديث التي تناولها ابن القَيِّم - ﵀ - في هذا الباب أيضًا:
٢- (٢) عن جابر ﵁ قال: "نَهَى نَبِيُّ الله ﷺ أَنْ نَسْتَقْبِلَ القِبْلَةَ بِبَولٍ، فَرَأَيْتُهُ قَبْلَ أن يُقْبَضَ بِعَامٍ يَسْتَقْبِلُهَا".
ساق ابن القَيِّم - ﵀ - هذا الحديث في (زاد المعاد) ٦ مُبَيِّنًا أنه
_________________
(١) ١ تهذيب التهذيب: (٣/ ٩٨) . ٢ المصدر السابق. ٣ المحلى: (١/ ٢٦١) . ٤ الميزان: (١/ ٦٣٢) . ٥ الثقات: (٦/ ٢٥٢) . (٢/ ٣٨٥) .
[ ٢ / ٨٨ ]
لا يعارضُ أحاديثَ المنع؛ لأنه ما بَين معلولِ السَّنَد، أو ضعيف الدلالة.
ثم نقل عن الترمذي أنه اسْتَغْرَبَهُ بعد تحسينه، وأن البخاري صَحَّحَهُ، ثم قال: "فإن كان مرادُ البخاري صِحَّتَهُ عن ابن إسحاق، لم يدل على صِحَّتِه في نفسه، وإن كان مراده صِحَّته في نفسه، فهي واقعةُ عَين ".
ثم ذَكَر الحديث في (تهذيب السنن) ١، وذكر أن ابن حزم ضَعَّفَهُ بجهالة أبان بن صالح، ثم نقل كلامًا لابن مُفَوِّز في الرد على ابن حزم وتوثيق أبان بن صالح، لكنه انفرد به ابن إسحاق ولا يحتجُّ به في الأحكام.
ثم قال ابن القَيِّم: "وهو - لو صحَّ - حكاية فعل لا عموم لها فكيف يُقَدَّم على النصوص الصحيحة الصريحة بالمنع".
قلت: هذا الحديثُ أخرجه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه في (سننهم) ٢، وأحمد في (مسنده) ٣، وابن الجارود في (المنتقى) ٤، وابن خزيمة وابن حبان في (صحيحيهما) ٥، والدارقطني والبيهقي في
_________________
(١) (١/ ٢٢) . ٢ د: (١/ ٢١) ح ١٣ باب الرخصة في ذلك (يعني استقبال القبلة عند قضاء الحاجة) . ت: (١/ ١٥) ح ٩، باب الرخصة في ذلك. جه: (١/ ١١٧) ح ٣٢٥، باب الرخصة في ذلك في الكنيف، وإباحته دون الصحاري. ثلاثتهم في كتاب الطهارة. (٣/ ٣٦٠) . (ص ٢١) ح ٣١. ٥ خز: (١/ ٣٤) ح ٥٨. حب: الإحسان (٢/ ٣٤٦) ح ١٤١٧. ذكر خبر أوهم من لم يحكم صناعة الحديث أنه ناسخ للزجر
[ ٢ / ٨٩ ]
(سننيهما) ١، والحاكم في (المستدرك) ٢، كلهم من طريق:
محمد بن إسحاق٣، عن أبان بن صالح٤، عن مجاهد٥ عن جابر به. ولفظهم هو الذي سُقْنَاه أول البحث، إلا أن لفظه عند أحمد، وابن الجارود، وابن حبان، والدارقطني: "كَانَ رَسُول الله ﷺ قد نَهَانَا أن نَسْتَدْبِر القِبْلَةَ أو نَسْتَقْبِلَهَا بِفُرُوجِنَا إذا أهرقنا الماء. قال: ثم رأيته قبل موته بعام يبول مستقبل القبلة".
وقد أُعِلَّ هذا الحديث بعلل، وهي:
١- عنعنة ابن إسحاق وهو مُدَلِّس، ومن أجل ذلك توقف فيه النووي - ﵀ - في (كلامه على سنن أبي داود) - ونقله عنه صاحب (البدر المنير) ٦ - فقال: " ابن إسحاق مُدَلِّس، والْمُدَلِّس إِذَا قال: "عن" لا يحتجُّ به، فكيفَ حَسَّنَهُ الترمذي؟! ".
_________________
(١) ١ قط: (١/ ٥٨) ح ٢. هق: (١/ ٩٢) . (١/ ١٥٤) . ٣ ابن يسار، أبو بكر المطلبي مولاهم، المدني، نزيل العراق، إمام المغازي، صدوق يُدَلِّس، وَرُمِيَ بالتَّشَيُّع والقَدر، من صغار الخامسة، مات سنة١٥٠ هـ/خت م٤. (التقريب ٤٦٧) . ٤ ابن عمير بن عبيد القرشي مولاهم، وَثَّقَهُ الأئمة، وَوِهِمَ ابن حزم فَجَهَّلَهُ، وابن عبد البر فضعفه، من الخامسة، مات سنة بضع عشرة / خت ٤. (التقريب ٨٧) . ٥ ابن جبر، أبو الحجاج المخزومي، المكي، ثِقَةٌ إمام في التفسير وفي العلم، من الثالثة، مات سنة ١٠١ هـ، وقيل غير ذلك/ ع. (التقريب ٥٢٠) . ٦ جـ ١ (١٠٥/ أ) .
[ ٢ / ٩٠ ]
- وقال آخرون: انفرد به ابن إسحاق، وليس هو ممن يحتجُّ به في الأحكام، فكيف يُعارض بأحاديثه الأحاديث الصحيحة. قاله ابن مُفَوِّز، ونقله عنه ابن القَيِّم١.
٣- وضعفه آخرون بـ "أبان بن صالح" فقال ابن عبد البر: "وليس حديث جابر بصحيح عنه، فَيُعَرَّجُ عليه؛ لأنَّ أبان بن صالح الذي يرويه ضعيفٌ"٢. وَجَهَّلَهُ ابن حزم٣.
والجواب عن هذه العلل كما يلي:
أولًا: أما عنعنة ابن إسحاق: فقد صَرَّحَ بالتحديث في رواية أحمد، وابن الجارود، وابن حبان، والدارقطني، والحاكم، والبيهقي؛ فعند هؤلاء جميعًا قول ابن إسحاق: "حدثني أَبَانُ بن صالح". فزالت بذلك شُبْهَة التدليس عن ابن إسحاق ولله الحمد، وقد أشار إلى جواب هذه الشبهة ابن الملقن٤ ﵀.
ثانيًا: وأما القول بأن ابن إسحاق لا يُحْتَجُّ به في الأحكام: فليس الأمر كذلك، بل قد وَثَّقَهُ أَئِمَّة، واحتجَّ به آخرون، واسْتَشْهَدَ به الإمام مسلم في (صحيحه)، والأمر فيه على ما قاله الذهبي: "فالذي يظهر لي: أن ابنَ إسحاق حسن الحديث، صالح الحال صدوق، وما انفردَ به ففيه
_________________
(١) ١ تهذيب السنن: (١/ ٢٢) . ٢ التمهيد: (١/ ٣١٢) . ٣ المحلى: (١/ ٢٦٥) . ٤ البدر المنير: جـ ١ (ق ١٠٥/ أ) . وانظر: التلخيص الحبير: (١/١٠٤) .
[ ٢ / ٩١ ]
٢ نكارةٌ؛ فإنَّ في حفظه شيئًا، وقد احتجَّ به أئمة، فالله أعلم"١.
قلت: ولم ينفرد ابن إسحاق برواية هذا الحُكْمِ، بل جاء مثل ذلك عن غيره، كحديث ابن عمر، وحديث عراك بن مالك، على كلام فيه مضى بيانه.
ثالثًا: وأما تضعيفُ ابن عبد البر لأ بَان بن صالح: فقد رَدَّه عليه الأئمة، وكذا رَدُّوا على ابن حزم حكمه عليه بالجهالة. قال ابن الملقن في (البدر المنير) ٢: "وهذا تعليل ساقط؛ فإن أَبَان لم يضعفه أحد، وهو أبان ابن صالح بن عمير القرشي مولاهم " ثم ساق أقوال الأئمة في توثيقه٣. وقال ابن حجر: "وَضَعَّفَهُ ابن عبد البر بِأَبَان بن صالح، وَوَهِمَ في ذلك؛ فإنه ثِقَة باتفاق، وادَّعى ابن حزم أنه مجهول فَغَلِطَ"٤. وكذا رَدَّ ابن مفوز على ابن حزم، وأفاض في إثبات ثقة أبان والاحتجاج به٥، وكذا رد عليه ابن عبد الحق٦.
ومع أن هذه العلل مردودةٌ، فإن هذا الحديث قد صَحَّحَهُ جماعة، وَحَسَّنَهُ آخرون: فقال البخاري: "حديث صحيح، رواه غير واحد عن محمد ابن إسحاق". كذا نقل غير واحد عن البخاري: أن الترمذي سأله عنه؟
_________________
(١) ١ ميزان الاعتدال: (٣/٤٧٥) . ٢ جـ ١ (ق ١٠٥/ أ) . ٣ وانظر: تهذيب الكمال: (٢/١٠-١١) . ٤ التلخيص الحبير: (١/١٠٤) . ٥ انظر: تهذيب السنن: (١/٢٢) . ٦ انظر: البدر المنير: جـ ١ (ق١٠٥/ أ) .
[ ٢ / ٩٢ ]
فقال ذلك، منهم: البيهقي، وعبد الحق١، وكذا ابن القَيِّم٢، وابن حجر٣ وغيرهم. لكن الذي في (العلل) ٤ للترمذي قول البخاري: "رواه غير واحد عن محمد بن إسحاق" دون قوله: "صحيح". ثم رجعت إلى النسخة الخطية من (العلل) فوجدت هذه الكلمة ملحقة في هامش النسخة٥.
وحَسَّنَهُ الترمذي، وكذا البزار٦ وَصَحَّحَهُ ابن السكن٧، وقال الدارقطني عن إسناده: "كلهم ثقات". وقال الحاكم أبو عبد الله: "صحيح على شرط مسلم" ووافقه الذهبي، لكن تعقبهما ابن الملقن، فقال: "وفي كونه على شرط مسلم نظرٌ؛ لأن في إسناده ابن إسحاق، ولم يحتجَّ به مسلم، إنما أخرج له متابعة"٨. وقال ابن الملقن: "صحيح، معمول به"٩. وقال الشيخ الألباني: "حسن"١٠. هذا مع تصحيح ابن خزيمة وابن حبان له.
_________________
(١) ١ كما في البدر المنير: جـ ١ (ق١٠٥/ أ) . ٢ تهذيب السنن: (١/٢٢) . ٣ التلخيص الحبير: (١/١٠٤) . (١/٨٧) . باب الرخصة في استقبال القبلة بغائط أو بول. ٥ انظر العلل رواية أبي طالب: (ق٢/ب) . نسخة أحمد الثالث المصورة في مكتبة المخطوطات بالجامعة الإسلامية برقم ٥٣٠. ٦ انظر: البدر المنير: جـ ١ (ق ١٠٥/ أ) . ٧ المصدر السابق، والتلخيص الحبير: (١/١٠٤) . ٨ البدر المنير: جـ ١ (ق ١٠٥ / أ) . ٩ المصدر السابق. ١٠ صحيح ابن ماجه: (ح ٢٦١) .
[ ٢ / ٩٣ ]
وقد ذَهَبَ بَعْضُهم إلى أن هذا الحديث ناسخٌ لأحاديث المنع، لكن لم يوافق على دعوى النسخ جماعة، منهم: ابن قتيبة١. وقال ابن حجر: "والحق أنه ليس بناسخ لحديث النهي خلافًا لمن زعمه"٢. وكذا استبعد النسخ ابن خزيمة، فقال في ترجمته لهذا الحديث: " وَيَتَوَهَّمُ من لا يفهمُ العلم، ولا يُمَيِّزُ بين المفسر والمجمل: أن فعلَ النبي ﷺ في هذا ناسخٌ لنهيه عن البول مستقبل القبلة"٣. وكذا قال ابن حبان حيث ترجم له بقوله: "ذكرُ خبرٍ أوهم من لم يُحْكِمْ صناعة الحديث أنه ناسخ للزجر الذي تَقَدَّمَ ذكرنا له"٤.
والذي ذهب إليه الجمهور وارتضاه أكثر العلماء: هو الجمع بين الأخبار في هذا الباب، قال ابن قتيبة: "وليسا عندنا من الناسخ والمنسوخ، ولكن لكل واحد منهما موضع يستعمل فيه، فالموضع الذي لا يجوز أن تُسْتَقْبَل القبلة فيه بالغائط والبول: هي الصحارى والبراحات. وكانوا إذا نزلوا في أسفارهم لهيئة الصلاة، استقبل بعضهم القبلة بالصلاة، واستقبلها بعضهم بالغائط، فَأَمَرَهُمْ أن لا يستقبلوا القبلة بغائط ولا بول إكرامًا للقبلة وتنزيهًا للصلاة. فظن قوم أن هذا أيضًا يكره في البيوت والكُنُفِ المحتفرة "٥.
وترجم ابن خزيمة في (صحيحه) ٦ وكذا ابن حبان٧ بما يفيد ذلك.
_________________
(١) ١ تأويل مختلف الحديث: (ص ٩٠) . ٢ فتح الباري: (١/ ٢٤٥) . ٣ صحيح ابن خزيمة: (١/ ٣٤) . ٤ الإحسان: (٢/ ٣٤٦) . ٥ تأويل مختلف الحديث: (ص ٩٠) . (١/ ٣٤) ح ٥٩، باب رقم (٤٤) . ٧ الإحسان: (٢/ ٣٤٧) ح ١٤١٨.
[ ٢ / ٩٤ ]
وقال الخطابي في (معالم السنن) ١: "وذهب عبد الله بن عمر إلى أن النهي عنه إنما جاء في الصحاري، فأما الأبنية فلا بأس باستقبال القبلة فيها". ثم قال: "الذي ذهب إليه ابن عمر ومن تابعه من الفقهاء أولى؛ لأن في ذلك جمعًا بين الأخبار المختلفة، واستعمالها على وجوهها كلها".
وقال ابن عبد البر - بعد أن ذكر أن ذلك مذهب مالك، والشافعي، وقول ابن المبارك، وإسحاق بن راهويه -: "والصحيح عندنا الذي يُذهب إليه: ما قاله مالك وأصحابه، والشافعي؛ لأن في ذلك استعمال السنن على وجوهها الممكنة فيها، دون رَدِّ شيء ثابتٍ منها"٢.
وقال الحافظُ ابن حجر: "وبالتفريق بين البنيان والصحراء مطلقًا قال الجمهور وهو أَعْدَلُ الأقوال، لإعمال جميع الأدلة"٣.
وبعدُ، فإن حديث جابر ﵁ في استقباله ﷺ القبلة ببوله: لا يَقِلُّ عن درجة الحسن، وما أُعِلَّ به قد أُجيب عنه، والذي يظهر من صنيع ابن القَيِّم - ﵀ - الميل إلى القول بضعفه، وأنه ذَهَبَ - بناء على ذلك - إلى القول بعدم جواز استقبال أو استدبار القبلة ببولٍ أو غائطٍ مطلقًا، وقد ظَهَرَ مما تَقَدَّمَ أن الصواب خلاف ذلك، والله أعلم.
_________________
(١) (١/ ٢٠) . ٢ التمهيد: (١/ ٣١٢) . ٣ فتح الباري: (١/ ٢٤٦) .
[ ٢ / ٩٥ ]