٣- (٣) عن أنس ﵁ قال: "كانَ رسول الله ﷺ إذا دَخَل الخَلاَءَ وَضَعَ خَاتَمه".
قال ابن القَيِّم ﵀: "هذا الحديث رواه همام١ - وهو ثقة - عن ابن جريج، عن الزهري، عن أنس"٢.
ثم نَقَل عن الدارقطني أنه ذكر في (علله) وجوه الاختلاف فيه، وأنه ذهب إلى شذوذه بهذا اللفظ، ونَاقَشَ بعض شواهده، ونقل أقوال الأئمة حول هذا الحديث، وتَوَصَّل في النهاية إلى أن الحديث شاذ أو منكرٌ، وإن كان سَنَدُه صَحِيحًَا.
قلت: الحديث بهذا الإسناد الذي ذكره ابن القَيِّم أخرجه: أصحاب السنن الأربعة٣، والترمذي في (الشمائل) ٤، وابن حبان في
_________________
(١) ١ ابن يحيى بن دينار العوذي، أبو عبد الله أو أبو بكر، البصري، ثِقَة رُبَّما وَهِمَ، من السابعة، مات سنة ١٦٤ هـ أو ١٦٥ هـ / ع. (التقريب ٥٧٤) . ٢ تهذيب السنن: (١/ ٢٦) . ٣ د: (١/٢٥) ح١٩ك الطهارة، باب الخاتم يكون فيه ذكر الله تعالى يدخل به الخلاء. ت: (٤/ ٢٢٩) ح١٧٤٦، ك اللباس، باب ما جاء في لبس الخاتم في اليمين. س: (٨/ ١٧٨) ك الزينة، باب نزع الخاتم عند دخول الخلاء. جه: (١/ ١١٠) ح ٣٠٣، ك الطهارة، باب ذكر الله ﷿ على الخلاء والخاتم في الخلاء. (ص ٩٣) ح ٨٨.
[ ٢ / ٩٦ ]
(صحيحه) ١، والحاكم في (المستدرك) ٢، والبيهقي في (سننه) ٣. كلهم باللفظ المذكور آنفًا، إلا الترمذي في كتابيه، والنسائي، فإنَّ لفظه عندهما: "نَزَع خَاتَمه" بدل: "وَضَعَ".
والحديثُ بهذا الإسناد أعله جماعة من الأئمة، فقال أبو داود: "هذا حديث منكر، وإنما يعرف عن ابن جريج، عن زياد بن سعد، عن الزهري، عن أنس: "أَنَّ النَّبِي ﷺ اتخذ خاتمًا من وَرِق ثم ألقاه"، والوهمُ فيه من هَمَّام، ولم يروه إلا همام". وقال النسائي: "هذا حديث غير محفوظ"٤. وأشار الدارقطني إلى شذوذه٥. وذكره الحافظ العراقي في (ألفيته) ٦ مثالًا للمنكر. وحكم الحافظ ابن حجر بشذوذه٧.
ووجه شُذُوذ هذا الحديث أو نكارته: أن هَمَّامًَا تَفَرَّد عن ابن جريج بذكر نزع الخاتم، والمحفوظ عن ابن
_________________
(١) ١ الإحسان: (٢/ ٣٤٤) ح ١٤١٠، باب الخبر الدال على نفي إجازة دخول المرء الخلاء بشيء فيه ذكر الله. (١/ ١٨٧) . (١/ ٩٤) . ٤ وعبارة النسائي هذه لم أجدها في (المجتبى) عقب روايته الحديث، لكن نقلها عنه: المنذري في: (اختصار السنن ١/٢٦)، والمزي في: (تحفة الأشراف ١/٣٨٥)، وابن حجر في (التلخيص الحبير ١/١٠٧ - ١٠٨)، وفي (النكت على ابن الصلاح ٢/٦٧٧) . ٥ في (علله) ولم أقف على كلامه فيه بعد البحث، لكن نقله عنه ابن القَيِّم هنا، وغيره. ٦ الألفية مع شرحها للعراقي: (١/ ١٩٧ - ٢٠١) . ٧ النكت على ابن الصلاح: (٢/ ٦٧٧) .
[ ٢ / ٩٧ ]
جريج في ذلك ما ذكره أبو داود، وهو حديث اتخاذه ﷺ خاتمًا من ورق، ثم أنه ألقاه بعد ذلك.
وقد كشف الدارقطني - ﵀ - عن وجوه الاختلاف فيه في (علله) - ونقله ابن القَيِّم عنه - فقال: "رواه سعيد بن عامر وهدبة بن خالد، عن همام، عن ابن جريج، عن الزهري عن أنس: أن النبي ﷺ. وخالفهم عمرو بن عاصم، فرواه عن هَمّام، عن ابن جريج، عن الزهري عن أنس "أنه كان إذا دخل الخلاء" موقوفًا، ولم يُتابع عليه. ورواه يحيى ابن المتوكل ويحيى بن الضريس، عن ابن جريج، عن الزهري، عن أنس، نحو قول سعيد بن عامر ومن تابعه عن همام. ورواه عبد الله بن الحارث المخزومي وأبو عاصم وهشام بن سليمان وموسى بن طارق، عن ابن جريج، عن زياد بن سعد، عن الزهري، عن أنس: "أنه رأى في يد النبي ﷺ خاتمًا من ذهب، فاضطربَ النَّاس الخواتيم، فَرَمَى به النبي ﷺ وقال: "لا أَلْبَسُهُ أبدًا". وهذا هو المحفوظ والصحيح عن ابن جريج"١.
وهذه الرواية التي قال عنها الدارقطني: إنها المحفوظة عن ابن جريج، سبق أن نقلنا عن أبي داود أنه قال ذلك فيها أيضًا.
وقد أخرج هذه الرواية الإمام مسلم في (صحيحه) ٢ من طريق ابن جريج، أخبرني زياد بن سعد، أن ابن شهاب أخبره، أن أنس بن مالك أخبره: "أنَّه رَأى في يَدِ رَسُولِ الله ﷺ خَاتَمًَا من وَرق يومًا واحدًا، ثُمَّ
_________________
(١) ١ تهذيب السنن: (١/٢٦-٢٧) . (٣/١٦٥٨) ح (٦٠) ك اللباس، باب في طرح الخواتم.
[ ٢ / ٩٨ ]
إن الناس اضطربوا١ الخواتم من وَرِق، فلبسوها، فَطَرَحَ النبي ﷺ خاتمه، فطرح الناس خواتمهم".
وعَلَّقَه البخاري في (صحيحه) ٢ وقد نُسِبَ الزهري في هذا الحديث إلى الغلط؛ لأن المعروف أن الخاتم الذي طرحه النبي ﷺ كان من ذهب كما في حديث ابن عمر وغيره، وقد أجيب عن ذلك بأجوبة بسطها ابن حجر في (فتح الباري) ٣ فلتنظر هناك.
قال ابن القَيِّم ﵀ - عَقِبَ نقله كلام الدارقطني هذا-: "وهَمَّام وإن كان ثقة صدوقًا احتجَّ به الشيخان في الصحيح، فإن يحيى بن سعيد كان لا يُحَدِّث عنه ولا يَرْضَى حفظه وقال يزيد بن زريع - وسُئِل عن همام-: كتابه صالح، وحفظه لا يسوى شيئًا. وقال عفان: كان هَمَّام لا يكاد يرجع إلى كتابه ولا يَنْظر فيه، وكان يُخَالَفُ فلا يرجع إلى كتاب، وكان يكره ذلك، قال: ثُمَّ رَجَعَ بعد فنظر في كتبه، فقال: يا عفان كُنَّا نخطئ كثيرًا، فنستغفر الله ﷿".
ثم قال ابن القَيِّم: "ولا ريبَ أَنه ثقةٌ صدوق، ولكنه خُولِفَ في هذا الحديث، فَلَعَلَّهُ مِمَّا حَدَّثَ به من حفظه فَغَلِطَ فيه، كما قال أبو داود والنسائي والدارقطني وعلى هذا: فالحديث شاذ أو منكر كما
_________________
(١) ١ اضطرب خاتمًا: سأل أن يُضْرَبَ له، وهو افتعل من الضرب: الصياغة، والطاء بدل من التاء. (النهاية ٣/٨٠، ولسان العرب ص٢٥٦٥، مادة: ضرب) . ٢ البخاري مع الفتح: (١٠/٣١٨) ح٥٨٦٨، ك اللباس، باب خاتم الفضة. (١٠/٣٢٠ - ٣٢١) .
[ ٢ / ٩٩ ]
قال أبو داود، وغريبٌ كما قال الترمذي"١.
قلت: وقد مَالَ الحافظ ابن حجر إلى كونه شاذًا، واستبعد أن يكون منكرًا، فقال: "وَحُكْمُ النسَائِي عليه بكونه غير محفوظ أصوب، فإنه شَاذٌّ في الحقيقة؛ إذ المنفرد به من شرط الصحيح، لكنه بالمخالفة صار حديثه شاذًا"٢.
ثم رد ابن القَيِّم - ﵀ - على من نَازَعَ في نَكَارَتِهِ أو شذوذِهِ، فقال: "فإن قيل: إن هَمَّامًَا ثقة، وتَفَرُّدُ الثقة لا يوجبُ نكارة الحديث، فقد تفرد عبد الله بن دينار بحديث: النهي عن بيع الولاء وهبته، وَتَفَرَّدَ مالك بحديث: دخول النبي ﷺ مكة وعلى رأسه المِغْفَر. فهذا غايته أن يكون غريبًا كما قال الترمذي، وَأَمَّا أن يكون منكرًا أو شاذًا: فلا؟ "٣.
ثم أجاب ابن القَيِّم عن ذلك، فقال: "التَّفَرُّدُ نوعان: تَفَرُّدٌ لم يُخَالَف فيه من تفردَ به، كتفرد مالك وعبد الله بن دينار بهذين الحديثين، وأشباه ذلك. وَتَفَرُّدٌ خُولِفَ فيه المتفرد، كتفرد همام بهذا المتن٤ على هذا الإسناد؛ فإن الناس خالفوه فيه، وقالوا: "إن النبي ﷺ اتخذ خاتمًا من وَرِقٍ " الحديث. فهذا هو المعروف عن ابن جريج عن الزهري، فلو لم يرو هذا عن ابن جريج وَتَفَرَّدَ هَمَّام بحديثه لكان نظير حديث عبد الله بن
_________________
(١) ١ تهذيب السنن: (١/ ٢٨) . وانظر: أقوال العلماء في "همام بن يحيى" في تهذيب التهذيب: (١١/ ٦٨ - ٧٠) . ٢ النكت على ابن الصلاح: (٢/ ٦٧٧) . ٣ تهذيب السنن: (١/ ٢٨) . ٤ وهو حديث (نزع الخاتم عند دخول الخلاء)، وهو موضوع دراستنا هذه.
[ ٢ / ١٠٠ ]
دينار ونحوه. فينبغي مراعاة هذا الفرق وعدم إهماله"١.
قلتُ: وقد خالف هَمَّامًا جماعةٌ من أصحاب ابن جريج كما تقدم من كلام الدارقطني، ولا شك أن العددَ الكثير أولى بالحفظ والضبط من الواحد.
وأما المتابعة التي ذكرها الدارقطني لهمام، من رواية يحيى بن المتوكل٢، ويحيى بن الضريس٣: فقد أخرج رواية ابن المتوكل الحاكم في (المستدرك) ٤، عنه عن ابن جريج، عن الزهري، عن أنس ﵁ "أن رسول الله ﷺ لَبِسَ خَاتَمًَا نقشه "محمد رسول الله"، فكان إذا دَخَلَ الخلاء وَضَعه". قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، إنما أخرجا حديث نقش الخاتم فقط"، ووافقه الذهبي. وقد سقط ذكر أنس ﵁ من مطبوعة (المستدرك)، لكنه في رواية البيهقي من طريقه.
وأخرجه البيهقي في (سننه) ٥ من طريق الحاكم، ثم قال: "وهذا شاهد ضعيف".
قال ابن القَيِّم ﵀: "وإنما ضَعَّفَه لأنَّ يحيى هذا قال فيه الإمام أحمد: وَاهِي الحديث. وقال ابنُ مَعين: ليس بشيءٍ. وَضَعَّفَهُ
_________________
(١) ١ تهذيب السنن: (٢/ ٢٩ - ٣٠) . ٢ الباهلي، البصري، أبو بكر، صدوق يُخْطِئ، من التاسعة، مات بالمصيصة/تمييز. (التقريب ٥٩٦) . ٣ البجلي، الرازي، صدوق، من التاسعة، مات سنة ٢٠٣هـ/م ت. (التقريب٥٩٢) . (١/ ١٨٧) . (١/ ٩٥) .
[ ٢ / ١٠١ ]
الجماعة كلهم"١.
كذا قال ابن القَيِّم! وقد وَهِمَ في ذلك ﵀؛ فإن يحيى بن المتوكل الذي ضَعَّفَه أحمد ويحيى والجماعة كلهم هو: أبو عقيل العمري المدني، مولى العمريين٢، أما المقصود هنا: فَإِنَّه البَاهِلِي البصري أبو بكر، فهو الذي يروي عن ابن جريج، قال ابن معين: "لا أعرفه"٣. وذكره ابن حبان في (الثقات) ٤. وقال: "كان يخطئ". قال ابن حجر: " قُولُ يحيى بن معين: لا أعرفه، أراد به جَهَالة عدالته لا جهالة عينه، فلا يُعْتَرَض عليه بكونه روى عنه جماعة؛ فإن مُجَرَّد روايتهم عنه لا تَسْتَلْزِم معرفة حاله. وأما ذكر ابن حبان له في (الثقات): فإنه قال فيه - مع ذلك -: كان يُخْطِئ، وذلك مِمَّا يُتَوقَّف به عن قبول أفراده"٥.
لكن يحيى هذا قال عنه الذهبي: "صدوق"٦، وقال الحافظ ابن حجر: "صَدُوقٌ يُخْطِئ"، وقال - أيضًا - عن حديثه هذا: "رجاله ثقات"٧. وحينئذٍ فقد يصلح حديثه للمتابعة.
وأما المتابعة الأخرى عن يحيى بن الضريس: فإنني لم أَقِف على من أَخْرَجَها، ولا وَجَدت أحدًا أشار إلى مُخْرِجِها، سوى ما جَاءَ من ذكر
_________________
(١) ١ تهذيب السنن: (١/ ٢٧) . ٢ انظر ترجمته في: (الميزان ٤/٤٠٤)، وتهذيب التهذيب: (١١/٢٧٠) . ٣ سؤالات ابن الجنيد لابن معين: (ص٤٨٧) . (٧/٦١٢) . ٥ النكت على ابن الصلاح: (٢/٦٧٧ - ٦٧٨) . ٦ المغني: (٢/٧٤٢) . ٧ التلخيص الحبير: (١/ ١٠٨) .
[ ٢ / ١٠٢ ]
الدارقطني لها في كلامه آنف الذكر، لكن قال ابن حجر في (التلخيص الحبير) ١: "وأخرجهما - يعني: رواية يحيى بن المتوكل، ويحيى بن الضريس - الحاكم والدارقطني"! كذا قال ﵀، ولم أجده في واحد منهما بعد البحث، أما الحاكم فقد أخرج حديث يحيى بن المتوكل وحده كما تقدم، وأما الدارقطني فلم أجد فيه أَيًّا منهما.
حتى إن ابن القَيِّم - ﵀ - لم يذكر من أخرج هذه المتابعة، وكأنه لم يقف على ذلك، ولكنه قال: "وأما حديث يحيى بن الضريس: فيحيى هذا ثقة، فَيُنْظَرُ الإسنادُ إليه"٢.
وقال مرة: "وحديث ابن الضريس يُنْظَرُ في حاله، ومن أخرجه"٣.
وعلى كل حال: فإنَّ هذه المتابعة من يحيى بن المتوكل، ثم من يحيى ابن الضريس قد تفيد في تقوية رواية همام، لكنها مع ذلك تبقى مُخَالِفَةً لرواية الجماعة من أصحاب ابن جريج، وهم أكثر عَدَدًَا، وفيهم أبو عاصم النبيل "الثقة الثبت"، وعبد الله بن الحارث المخزومي "الثقة"، وغيرهما من ثقات أصحاب ابن جريج؛ ومن هنا جاء حكم الحفاظ على هذه الرواية بالشذوذ.
_________________
(١) (١/ ١٠٨) . ٢ تهذيب السنن: (١/ ٢٧ - ٢٨) . ٣ المصدر السابق: (١/ ٣٠) .
[ ٢ / ١٠٣ ]
على أَنَّ هناك اتجاهًا نحو القول بأن هذا الحديث جاء عن الزهري على أوجه كثيرة، وأن حديث همام هذا أحدها، وقد عَبَّر ابن حجر - ﵀ - عن هذا الاتجاه فقال: "على أن للنظر مجالًا في تصحيح حديث هَمَّام؛ لأنه مبني على أن أصله حديث الزهري، عن أنس في اتخاذ الخاتم. ولا مانع أن يكون هذا متن آخر غير ذلك المتن "١.
لكن أجاب ابن القَيِّم - ﵀ - عن ذلك، فإنه سَاقَ عدة روايات عن الزهري في اتخاذه ﷺ الخاتم، ثم قال: "هذه الروايات كُلها تَدُلُّ على غَلَط هَمَّام؛ فإنها مجمعةٌ على أن الحديث إِنَّمَا هو في اتخاذ الخاتم ولبسه، وليس في شيءٍ منها نزعه إذا دخل الخلاء. فهذا هو الذي حَكَمَ لأجله هؤلاء الحُفَّاظ بنَكَارَة الحديث وشذوذه، والمصحح له لَمَّا لم يمكنه دَفْعَ هذه العلة حكم بغرابته٢ لأجلها، فلو لم يكن مخالفًا لرواية من ذُكِرَ فما وجه غرابته؟ "٣.
وَلِرواية هَمَّام هذه عِلَّة أخرى لم يَتَعَرَّض لَهَا ابن القَيِّم ﵀، وهي: تَدْلِيس ابن جريج، قال الحافظ ابن حجر: "والخَلَلُ في هذا الحديث من جهة أن ابن جريج دَلَّسَهُ عن الزهري بإسقاط الواسطة، وهو زياد بن سعد"٤. بل ذهب الحافظ - ﵀ - إلى أن التَّدْلِيسَ هو
_________________
(١) ١ النكت على ابن الصلاح: (٢/ ٦٧٨) . ٢ يشير بذلك إلى حكم الترمذي - ﵀ - عليه، حيث قال "حسن غريب" وسيأتي. ٣ انظر: تهذيب السنن: (١/ ٣٠- ٣١) . ٤ النكت على ابن الصلاح: (٢/ ٦٧٧) .
[ ٢ / ١٠٤ ]
عِلَّتَهُ الوحيدة - بعد أن قال بإمكان تصحيح رواية هَمَّام وحَمْلِهَا على أَنَّهَا متن آخر لحديث الزهري - فقال: "ولا عِلَّة له عِنْدي إلا تَدْلِيس ابن جريج، فإن وُجْدَ عنه التصريح بالسَّماع فلا مَانِعَ مِنَ الحكم بِصِحَّتِه في نقدي. والله أعلم"١. وقد ذَهَبَ فريق آخر من أهل العلم إلى تصحيح هذا الحديث، ولم يروه معلولًا، فقال الترمذي: "حسن غريب"، وفي نسخة: "حسن صحيح غريب"٢. وصَحَّحَه الحاكم على شرط الشيخين من طريق يحيى ابن المتوكل، عن هَمَّام، ووافقه الذهبي كما مضى. وَرَجَّحَ الْمُنذري ما حكمَ به الترمذي، وأنه يكون غريبًا - كما قال الترمذي - لا شاذًا٣. وذكره ابن دقيق العيد في كتابه (الاقتراح) ٤ ضمن الأحاديث الصحيحة التي خَتَمَ بها كتابه. وصححه كذلك ابن التركماني وقال: بأن الأمر على ما قال الترمذي من الحسن والصحة٥.
وفي نظري: أن أَكْثَر من صَحَّحَه إِنَّمَا نَظَر إلى ظاهر إسنادِهِ، ولم يلتفت إلى العِلَّةِ الواقعة في مَتْنِه، وهو ما الْتَفَتَ إليه وَنَبَّه عليه حُذَّاقُ الأئمة العارفين بمكامن العلل، ومواطن الأدواء: كأبي داود، والنسائي، والدارقطني، وقد تقدم قولهم في ذلك، ولذلك قال النووي في
_________________
(١) ١ النكت على ابن الصلاح: (٢/٦٧٧) . ٢ كما في تحفة الأشراف: (١/ ٣٨٥) . ٣ مختصر السنن: (١/ ٢٦) . (ص ٤٣٣) . ٥ الجوهر النقي: (١/ ٩٥) .
[ ٢ / ١٠٥ ]
(الخلاصة) ١: "قول الترمذي: حسن، مردود عليه".
ثُمَّ إن قول الترمذي - الذي اسْتَنَد إليه بعض من صَحَّحَهُ - يُمْكِنُ أن يَلْتَقِي مع قول من أَعَلَّهُ ولا يُعَارِضُه، وقد عَبَّر ابن القَيِّم - ﵀ - عن ذلك فقال: "وَلَعَلَّ الترمذي موافق للجماعة؛ فإنه صَحَّحَهُ مِن جِهَةِ السَّنَد لِثِقَةِ رُوَّاتِهِ، واسْتغربه لهذه العِلَّة، وهي التي منعت أبا داود من تصحيح متنه، فلا يكون بينهما اختلاف، بل هو صحيح السند لكنه معلول"٢.
فالحاصلُ: أن الراجح إعلال هذا الحديث، وأنه غيرُ محفوظ بهذا اللفظ، بل المحفوظ عن ابن جريج، عن الزهري، عن أنس خلافه، وهذا ما رَجَّحَهُ ابن القَيِّم - ﵀ - في بَحْثٍ لَّهُ نافع ماتع، أثبتَ فيه أن ذلك ليس من باب تَفَرُّدِ الثِّقَةِ بما لم يروه غيره أصلًا، وَإِنَّمَا من باب مُخالفةِ الثِّقَة لِمَنْ هو أَوْثَقُ منه: وهو الشاذُّ.
وإنني أرى أن الحكم عليه بالشذوذ أولى من الحكم بنكارته، وهذا الذي ذهب إليه النسائي، وَرَجَّحَهُ الحافظ ابن حجر كما مضى.
كما أن الحديث معلول - بالإضافة إلى ذلك - بتدليس ابن جريج، وهذا ما لم يتعرض له ابن القَيِّم في بحثه، وقد نَبَّهْتُ على ذلك مُسْتَشْهِدًَا بكلام الحافظ ابن حجر ﵀.
وقد ضَعَّفَ الحديث - أيضًا - الشيخ الألباني، وَصَوَّبَ القول بأنه شاذ٣، والله أعلم.
_________________
(١) (ق ١٠ / ب) . ٢ تهذيب السنن: (١/ ٣١) . ٣ مختصر الشمائل: (ح ٧٥)، والتعليق على المشكاة: (ح ٣٤٣) .
[ ٢ / ١٠٦ ]