١٨- (٣) عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: كُنَّا خَلْفَ رسول الله ﷺ في صلاة الفجر فقرأ رسول الله ﷺ، فثقلت عليه القراءة، فلما فرغ قال: " لعلكم تقرأون خلف إمامكم؟ "قلنا: نعم، هذًّا١ يا رسول الله، قال: " لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب؛ فإنَّه لا صلاة لمن لم يقرأ بها".
قال ابن القَيِّم ﵀: "وأُعِلَّ هذا الحديث بأن ابن إسحاق رواه عن مكحول وهو مدلس، ولم يُصَرِّحْ بسماعه من مكحول، وإنما عَنْعَنَه، والمدلس إذا عَنعن لم يحتج بحديثه، وكذلك رواه أبو داود. قال البيهقي: وقد رواه إبراهيم بن سعد، عن محمد بن إسحاق، فذكر سماعه فيه من مكحول، فصار الحديث بذلك موصولًا صحيحًا٢. وقد رواه البخاري في كتاب (القراءة خلف الإمام) وقال: هو صحيح، ووثق ابن إسحاق وأثني عليه واحتج بحديثه فيه، ثم رواه من غير حديث ابن إسحاق أيضًا، وقال: هو صحيح"٣.
_________________
(١) ١ قال في المصباح المنير: (٢/٦٣٦): "الْهَذُّ: سرعة القطع، وهذَّ قراءته هذًَّا - من باب قتل-: أسرع فيها" وقال الخطابي: "الهذُّ: سرد القراءة ومداركتها في سرعة واستعجال، وقيل: أراد بالهذِّ الجهر القراءة". (معالم السنن ١/٣٩٠) . ٢ انظر كلام البيهقي في المعرفة: (٣/٨١) رقم ٣٧٧٨. ٣ تهذيب السنن: (١/٣٩٠) .
[ ٢ / ٢٢٨ ]
قلت: هذا الحديث أخرجه أبو داود في (سننه) ١، والترمذي في (جامعه) ٢، وأحمد في (مسنده) ٣، والبخاري في (جزء القراءة) ٤، وابن حبان في (صحيحه) ٥، والدارقطني، والبيهقي في (سننيهما) ٦، والحاكم في (المستدرك) ٧، من طرق عن:
محمد بن إسحاق، عن مكحول، عن محمود بن الربيع، عن عبادة بن الصامت ﵁ به، واللفظ المذكور لفظ أبي داود، وألفاظ الباقين بنحوه.
وقد أُعِلَّ هذا الحديث كما مضى في كلام ابن القَيِّم، وحاصل ما أُعِلَّ به:
١- عنعنة ابن إسحاق وهو مُدَلِّس.
٢- الاضطراب في إسناده.
وذكر ابن القَيِّم من ذلك: العلة الأولى فقط وأجاب عنها، وسأبين ذلك بعون الله وتوفيقه.
أما العلة الأولى؛ وهي عنعنة ابن إسحاق: فقد أجاب عنها
_________________
(١) (١/٥١٥) ح ٨٢٣ ك الصلاة، باب من ترك القراءة في صلاته بفاتحة الكتاب. (٢/١١٦) ح ٣١١ ك الصلاة، باب ما جاء في القراءة خلف الإمام. (٥/٣١٦، ٣٢٢) . (ح ٣٢، ١٦٩) . ٥ الإحسان: (٣/١٣٧) ح ١٧٨٢، (٣/١٤١) ح ١٧٨٩. ٦ قط: (١/٣١٨) ح ٥ - ٨. هق: (٢/١٦٤) . (١/٢٣٨) .
[ ٢ / ٢٢٩ ]
الحافظ البيهقي - ونقله ابن القَيِّم - بأن إبراهيم بن سعد١ رواه عن ابن إسحاق فذكر فيه سماع ابن إسحاق من مكحول، فانتفت بذلك شبهة التدليس عن ابن إسحاق.
وقد أخرج رواية إبراهيم بن سعد هذه: الدارقطني في (سننه) ٢ من طريق: عبيد الله بن سعد، عن عمه، عن أبيه، عن ابن إسحاق، قال: حدثني مكحول فذكره، وفيه: " إِنِّي لأَرَاكُمْ تَقْرَأُون خَلْفَ إِمَامِكُم إِذَا جَهَرَ؟ ".
وأخرجه البيهقي٣ من طريق الدارقطني، ثم قال عقبه: "قال علي ابن عمر - يعني الدارقطني -: هذا إسناد حسن". ولم أجد هذه العبارة في (سنن الدارقطني) عقب هذا الحديث، وإنما قالها الدارقطني عقب الحديث الماضي الذي فيه عنعنة ابن إسحاق٤، وقد تَعَقَّبَ ابن التركماني البيهقي بذلك٥.
ولكن هذا الإسناد إلى ابن إسحاق ثقات لا مطعن فيهم؛ فإن عبيد الله بن سعد بن إبراهيم بن سعد، أبا الفضل البغدادي قاضي أصبهان: "ثقة"٦. وعمه: هو يعقوب بن إبراهيم بن سعد، وأبو يوسف المدني:
_________________
(١) ١ ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، أبو إسحاق المدني، نزيل بغداد، ثقة حجة، تُكُلِّمَ فيه بلا قادح، من الثامنة، مات ١٨٥هـ / ع. (التقريب ٨٩) . (١/٣١٩) ح ٨. ٣ السنن: (٢/١٦٤)، والقراءة خلف الإمام: (ح ١١٤) . ٤ سنن الدارقطني: (١/٣١٨) ح ٥. ٥ انظر: الجوهر النقي: (٢/١٦٤) . ٦ التقريب: (ص٣٧١) .
[ ٢ / ٢٣٠ ]
"ثقة فاضل"١، وإبراهيم بن سعد: "ثقة حجة" كما مضى معنا. فهو إسناد قوي ينجبر به الطريق الآخر الذي فيه عنعنة ابن إسحاق.
وأما العلة الثانية؛ وهي القول بالاضطراب: فقد أعله بذلك ابن عبد البر فقال: "أما حديث ابن إسحاق: فرواه الأوزاعي، عن مكحول، عن رجاء بن حيوة، عن عبد الله بن عمرو قال: صلينا مع النبي ﷺ، فلما انصرف قال لنا: " تقرأون القرآن إذا كنتم معي في الصلاة؟ " قلنا: نعم. قال: " فلا تفعلوا إلا بأم القرآن". ورواه زيد بن خالد٢، عن مكحول، عن نافع بن محمود، عن عبادة ومثل هذا الاضطراب لا يثبت فيه عند أهل العلم بالحديث شيء"٣. وحكى صاحب (الجوهر النقي) ٤ شيئًا من هذا الاضطراب مستشهدًا بكلام ابن عبد البر.
والجواب عن ذلك:
_________________
(١) أن رواية زيد بن واقد٥ - وليس بن خالد كما في (التمهيد) - عن مكحول، عن نافع بن محمود بن الربيع٦، عن عبادة، قد أخرجها: أبو داود، والدارقطني والبيهقي في (سننهم) ٧، ثلاثتهم بهذا ١ التقريب: (ص٦٠٧) . ٢ كذا في التمهيد والصواب أنه "زيد بن واقد" كما سيأتي بيانه. ٣ التمهيد: (١١/٤٦) . (٢/١٦٤) . ٥ القرشي، الدمشقي، ثقة، من السادسة/ خ د س ق. (التقريب ٢٢٥) . ٦ الأنصاري، المدني، نزيل بيت المقدس، مستور، من الثالثة/ ر د س. (التقريب٥٥٨) . ٧ د: (١/٥١٥) ح ٨٢٤، قط: (١/٣١٩) ح٩، هق: (٢/١٦٤) .
[ ٢ / ٢٣١ ]
الإسناد، قال نافع بن محمود: أبطأً عبادة عن صلاة الصبح، فأقام أبو نعيم الْمُؤَذِّن الصلاة، فصلى أبو نعيم بالناس، وأقبل عبادة وأنا معه حتى صففنا خلف أبي نعيم فذكره، وفي آخره قوله ﷺ: " فلا تقرأوا بشيء من القرآن إذا جهرت إلا بأم القرآن".
وقد أعلَّ ابن عبد البر هذه الرواية بجهالة نافع بن محمود، مع عَدِّه ذلك من الاضطراب في الحديث١.
وأقول: إن نافعًا روى عنه اثنان: مكحول الشامي - أحد أئمة أهل الشام - وحرام بن حكيم الأنصاري الدمشقي٢، وَوَثقَه ابن حبان٣، ولم يُعْرَفْ فيه جرحٌ لأحد، ولم يُطَّلَعْ فيه على ما يُترك حديثه لأجله، ومثله إذا لم يأت بما يُنكر عليه فإنه يُقْبل حديثه، وقد قال الدارقطني - عقب إخراجه -: "كلهم ثقات".
ولم ينفرد زيد بن واقد - مع ذلك - برواية هذا الحديث عن مكحول، عن نافع بن محمود، بل تابعه عليه: يزيد بن يزيد بن جابر٤، عن مكحول، عن نافع، عن عبادة به، أخرج ذلك البيهقي في (القراءة خلف الإمام) ٥.
_________________
(١) ١ التمهيد: (١١/٤٦) . ٢ وهو حرام بن معاوية، وَوَهِمَ من جعلهما اثنين، ثقة، من الثالثة/ ر ٤. (التقريب١٥٥) . ٣ الثقات: (٥/٤٧٠) . ٤ الأزدي، الدمشقي، ثقة فقيه، من السادسة، مات سنة ١٣٤هـ / م د ت ق. (التقريب٦٠٦) . (ح١٢٣)، باب ذكر أخبار خاصة دالة على وجوب قراءة الفاتحة على المأموم
[ ٢ / ٢٣٢ ]
وتُوبِعَ مكحول - أيضًا - على هذه الرواية، فقد تابعه حرام بن حكيم، عن نافع بن محمود، عن عبادة به، أخرجه: البخاري في (جزء القراءة) ١، والدارقطني في (سننه) ٢، والبيهقي في (السنن) ٣، وفي (القراءة خلف الإمام) ٤، كلهم من طريق: زيد بن واقد، عن مكحول وحرام بن حكيم، كلاهما: عن نافع بن محمود بن الربيع، عن عبادة بن الصامت به.
قال الدارقطني: "هذا إسناد حسن، ورجاله ثقات كلهم". وقال البيهقي: "وهذا إسناد صحيح، ورواته ثقات". قاله في كتاب (القراءة خلف الإمام) .
ثم وجدت متابعة أخرى لمكحول، فقد تابعه عثمان بن أبي سودة٥، أخرج ذلك الدارقطني في (سننه) ٦ من طريق: صدقة بن خالد، عن زيد بن واقد، عن عثمان بن أبي سودة، عن نافع بن محمود، عن عبادة به. وراويه عن صدقة هو: يحيى بن عبد الله بن الضحَّاك البابلتي، وهو "ضعيف"٧، لكنه إذا انضم إلى الطريقين السابقين حصل بمجموع ذلك للحديث قوة.
فَتَبَيَّنَ من ذلك ثبوت الحديث بهذا الإسناد، وأنه يَقْوَى بمتابعة:
_________________
(١) (ح٣٣) . (١/٣٢٠) ح ١٢. (٢/١٦٥) . ٤ ح (١٢١ - ١٢٢) . ٥ المقدسي، ثقة، من الثالثة/ بخ د ت ق. (التقريب ٣٨٤) . (١/٣٢٠) ح ١٣. ٧ كما في التقريب: (ص ٥٩٣) .
[ ٢ / ٢٣٣ ]
يزيد بن جابر لزيد بن واقد، ثم بمتابعة: حرام بن حكيم وعثمان بن أبي سودة لمكحول.
فإذا تقرر ذلك فيمكن القول بأنه: ليس في رواية "نافع بن محمود" هذه مخالفة لرواية "محمود بن الربيع" المتقدمة، وأن الاضطراب لا وجود له، بل الأمر على ما قال البيهقي ﵀: "مكحول سمع هذا الحديث من محمود بن الربيع ومن ابنه١ نافع بن محمود بن الربيع، ونافع ابن محمود وأبوه محمود بن الربيع سمعاه من عبادة بن الصامت ﵁"٢. وقال ابن حزم ﵀: "وأما رواية مكحول هذا الخبر مرة عن محمود ابن الربيع ومرة عن نافع: فهذا قوة للخبر لا وهنٌ؛ لأن كليهما ثقة"٣.
وحينئذٍ نقول: إن رواية زيد بن واقد هذه بطرقها، وبمتابعة يزيد بن جابر له فيها تعدُّ متابعة قويةً لرواية محمد بن إسحاق المتقدمة، هذا مع تصحيح جماعة من الأئمة لحديث ابن إسحاق، قال الترمذي: "حديث حسن". وقال الدارقطني: "هذا إسناد حسن". وقال الخطابي: "إسناده جيد، لا مطعن فيه"٤. وقال الحاكم عنه وعن غيره من الروايات: "أسانيدها مستقيمة". وقال البيهقي: "صحيح وله شواهد"٥. وقال ابن حجر:
_________________
(١) ١ هكذا اعتبر البيهقي أن نافعًا ابنٌ لمحمود بن الربيع، ولم أجد في المصادر التي ترجمت لهما ما يشير إلى ذلك، فالله أعلم؟؟ ٢ القراءة خلف الإمام: (ص٦٥ - ٦٦) . ٣ المحلى: (٣/٢٤١ - ٢٤٢) . ٤ معالم السنن: (١/٣٩٠) . ٥ السنن: (٢/١٦٦) .
[ ٢ / ٢٣٤ ]
"أخرجه أبو داود بإسناد رجاله ثقات"١. وقال الشيخ أحمد شاكر: "حديث صحيح لا عِلَّة له"٢. حتى إن أبا عمر بن عبد البر - ﵀ - الذي أَعَلَّه في (تمهيده) بأنه مضطرب، وبأن نافع بن محمود مجهول، قال في (الاستذكار) ٣: "وحديث عبادة من رواية مكحول وغيره متصل مسند من رواية الثقات"! فلم يبق بذلك قدح في هذا الحديث بالاضطراب ولله الحمد.
٢- وأما الرواية التي ذكرها ابن عبد البر مُسْتَدِلًا بها على اضطراب الحديث، وهي: رواية الأوزاعي، عن مكحول، عن رجاء بن حيوة، عن عبد الله بن عمرو، فأقول:
المشهور عن الأوزاعي في ذلك ما أخرجه البيهقي في (القراءة خلف الإمام) ٤ من طريق الأوزاعي، حدثني عمرو بن سعد٥، حدثني رجاء بن حيوة، وعن الأوزاعي، عن عمرو بن سعد، عن عمرو بن شعيب، كلاهما: عن عبادة بن الصامت مرفوعًا. قال البيهقي: "والروايتان صحيحتان، فقد رواه الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن عمرو بن سعد عنهما". ثم ساقه بإسناده إلى الوليد. ثم رواه البيهقي - ﵀ - بالإسناد نفسه إلى عمرو بن شعيب متصلًا، فقال: عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن عبادة. ثم أشار البيهقي بعد ذلك إلى الرواية التي ذكرها ابن عبد البر، فقال: "وقيل: عن الأوزاعي، عن مكحول، عن
_________________
(١) ١ الدراية: (١/١٦٤) . ٢ حاشية الترمذي: (٢/١١٧) . (٢/١٩٠) . ٤ الأحاديث: (١٢٩ - ١٣٢) . ٥ الفَدَكِي أو اليمامي، ثقةٌ، من السادسة / ر س ق (التقريب ٤٢١) .
[ ٢ / ٢٣٥ ]
رجاء، عن عبد الله بن عمرو. والمحفوظ ما ذكرنا إسناده"١.
فَعُلِمَ بذلك أن المحفوظ في هذا عن الأوزاعي ما تقدم: عنه، عن عمرو ابن سعد، عن رجاء، وهو إسناد لا غبار عليه، لاسيما إذا انضم إليه طريق عمرو بن شعيب، وحينئذ تكون هذه الطريق متابعة أخرى لمحمود بن الربيع، عن عبادة؛ مما يزيد في قوته، ولا يكون ذلك من قبيل الاضطراب أبدًا.
ثُمَّ إن حديث عبادة هذا أصله في صحيحي (البخاري) ٢ (ومسلم) ٣ مختصرًا، وذلك من طريق: الزهري، عن محمود بن الربيع، عن عبادة، أن رسول الله ﷺ قال: "لا صَلاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأ بِفَاتِحَة الْكِتَاب".
قال الإمام البخاري: "والذي زاد مكحول، وحرام بن حكيم، ورجاء بن حيوة عن ابن الربيع، عن عبادة، فهو تبع لما روى الزهري قال: حدثني محمود بن الربيع، أن عبادة أخبره عن النبي ﷺ "٤.
وقال البيهقي: "ورواية الزهري، عن محمود بن الربيع، عن عبادة ابن الصامت: أن رسول الله ﷺ قال: " لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" وإن كانت مختصرة، فهي لرواية ابن إسحاق شاهدة"٥.
_________________
(١) ١ القراءة خلف القراءة: (ص٦٩) . ٢ مع فتح الباري: (٢/٢٣٦) ح ٧٥٦ ك الأذان، باب وجوب القراءة للإمام والمأموم في الصلوات كلها في الحضر والسفر، وما يجهر فيها وما يخافت. (١/٢٩٥) ح ٣٩٤. باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة ٤ القراءة خلف الإمام للبيهقي: (ص٧٠) . ٥ المعرفة: (٣/٨١) .
[ ٢ / ٢٣٦ ]
وقال الحافظ ابن حجر: "والظاهر أن حديث الباب - يعني حديث الزهري - مختصر من هذا - يعني من حديث ابن إسحاق الذي معنا - وكان هذا سببه والله أعلم"١.
قلت: وسواء أكان مختصرًا منه أم كان مغايرًا له، فإنه يشهد له ويُقَوِّيه، ويثبتُ أن له أصلًا؛ فالحديثان اشتركا في قوله ﷺ: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب". ولكن أحدهما جاء مُطَوَّلًا فَذُكِرَ فيه قصة كانت سبب هذا القول منه ﷺ، ورواية الصحابي الحديث مرة مطولًا ومرة مختصرًا مشهور.
ولهذا الحديث شاهد أشار إليه ابن القَيِّم في (تهذيب السنن) ٢ من رواية البيهقي من طريق: سفيان الثوري، عن خالد الْحَذَّاء، عن أبي قلابة، عن محمد بن أبي عائشة٣، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ: "لعلكم تقرأون والإمام يقرأ؟ ". قالوا: إنا لنفعل. قال: "فلا تفعلوا إلا أن يقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب".
ثم نقل ابن القَيِّم عن البيهقي قوله: "وهذا إسناد صحيح، وأصحاب النبي ﷺ كلهم ثقة، فترك ذكر أسمائهم في الإسناد لا يَضُرُّ إذا لم يعارضه ما هو أصح منه، ولكن لهذا الحديث علة، وهي: أن أيوب خالف فيه خالدًا ورواه عن أبي قلابة، عن النبي ﷺ مرسلًا "٤.
_________________
(١) ١ فتح الباري: (٢/٢٤٢) . (١/٣٩٣) . ٣ قيل: اسم أبيه عبد الرحمن، حجازي، ليس به بأس، من الرابعة / ر م د س ق. (التقريب ٤٨٦) . ٤ انظر: كلام البيهقي هذا في المعرفة: (٣/٨٤) رقم ٣٧٩٢. والكلام إلى قوله: " ما هو أصحُّ منه" منقول بنصه، وباقي الكلام منقول بالمعنى.
[ ٢ / ٢٣٧ ]
وقد ذكر الدارقطني في (علله) ١ روايات هذا الحديث، ووجوه الاختلاف فيه على خالد الحذاء، ثم قال: "والمرسل أصح". يعني: عن ابن أبي عائشة عن النبي ﷺ.
قلت: وهذا المرسل يشهد لحديث عبادة بن الصامت المتقدم ويشد من أزره، وقد جعله البيهقي٢، ثم ابن حجر٣ من شواهده.
فتَحَصَّل من ذلك: أن حديث عبادة بن الصامت صحيح بطرقه وشاهده، مع تصحيح من صححه من الأئمة الذين نقلتُ أقوالهم.
وابن القَيِّم - ﵀ - يميل إلى صحة الحديث، فقد ذكر كلام البيهقي في الرد على من زعم أن الحديث معلول بعنعنة ابن إسحاق. ولكنه لم يتعرض لكلام من أعله بالاضطراب، وقد بينت ذلك ولله الحمد. ثم ساق له ابن القَيِّم هذا الشاهد المرسل من حديث ابن أبي عائشة.
وأما ما نقله ابن القَيِّم عن البيهقي من تصحيح البخاري هذا الحديث في (جزء القراءة) فلم أقف عليه فيه، وقد روى الحديث في مواضع منه - كما مضى - ولم يعقبه بشيء، نعم أثنى على ابن إسحاق هناك وعَدَّلَه ونقل كلام الأئمة في الثناء عليه.
_________________
(١) ١ ج ٤ (ق ٣٦) . ٢ السنن: (٢/١٦٦) . ٣ التلخيص الحبير: (١/٢٣١)
[ ٢ / ٢٣٨ ]