٥- (٥) عن خالد بن معدان، عن بعض أصحاب النبي ﷺ: "أَنَّ النبي ﷺ رَأَى رَجُلًا يُصَلِّي، في ظَهْرِ قَدَمِهِ لُمْعَةٌ١ قَدْرَ الدِّرْهَم لم يُصِبْهَا الماءُ، فَأَمَرَهُ النبي ﷺ أن يُعِيدَ الوضوء والصلاة".
بَحَثَ ابن القَيِّم - ﵀ - هذا الحديث، وأجاب عَمَّا أُعِلَّ به، وذلك في (كلامه على سنن أبي داود) ٢، وسيأتي نقل كلامه في ذلك.
قلت: هذا الحديث أخرجه أبو داود في (سننه) ٣، والبيهقي كذلك في (سننه) ٤ من طريق أبي داود. قال أبو داود: حدثنا حيوة بن شريح، حدثنا بقية٥، عن بحير بن سعد٦، عن خالد بن معدان٧، عن بعض أصحاب النبي ﷺ به.
_________________
(١) ١ اللُّمْعَة في الأصل: القطعةُ من النَّبْتِ تأخذُ في اليبس، قال ابن الأعرابي: "وفي الأرض لمعة من خَلىً" أي: شئ قليل، والجمع: لِمَاعٌ ولُمِعٌ. وقيل للموضع الذي لا يصيبه الماء في الغسل أو الوضوء من الجسد: لَمْعَةٌ على التشبيه بالقطعة من النبت. (النهاية: ٤/٢٧٢)، و(المصباح المنير: ٢/٥٥٩) . ٢ تهذيب السنن: (١/١٢٨-١٢٩) . (١/١٢١) ح١٧٥ ك الطهارة، باب تفريق الوضوء. (١/٨٣) . ٥ ابن الوليد بن صائد بن كعب الكلاعي، أبو يحمد، صدوق كثير التدليس عن الضعفاء، من الثامنة، مات سنة ١٩٧هـ/خت م ٤. (التقريب ١٢٦) . ٦ السحولي، أبو خالد الحمصي، ثقة ثبت، من السادسة /بخ ٤. (التقريب ١٢٠) . ٧ الكلاعي الحمصي، أبو عبد الله، ثقة عابد يرسل كثيرًا، من الثالثة، مات سنة ١٠٣هـ، وقيل بعد ذلك /ع. (التقريب ١٩٠) .
[ ٢ / ١١٥ ]
وقد أُعِلَّ هذا الحديث بعلتين:
أولهما: أن في إسناده بقية بن الوليد، وفيه مقال. قال ذلك المنذري في (مختصر السنن) ١.
العلة الثانية: أن راويه مجهول لا يُدْرَى من هو. أَعَلَّه بذلك ابن حزم٢ وأَعَلَّه ببقية أيضًا.
وقد نَقَلَ ابن القَيِّم - ﵀ - هاتين العلتين، ثم شَرَعَ في الجواب عنهما٣ فقال:
"أما الأولى: فإن بقية ثِقَةٌ في نفسه صدوق حافظ، وإنما نُقِمَ عليه التدليس، مع كثرةِ روايته عن الضعفاء والمجهولين٤ وأما إذا صَرَّحَ بالسَّمَاع فهو حُجَّةٌ٥. وقد صَرَّحَ في هذا الحديث بسماعه له٦، قال
_________________
(١) (١/١٢٨) . ٢ المحلى: (٢/٩٨) . ٣ انظر: تهذيب السنن: (١/١٢٩) . ٤ وقد نَصَّ أكثر من واحد من أئمة الشأن على قبول رواية بقية إذا رَوَى عن الثقات المعروفين، وترك روايته إذا روى عن الضعفاء والمجاهيل، منهم: أحمد بن حنبل، وابن معين، والعجلي، وأبو زرعة، وابن سعد وغيرهم. انظر حول ذلك: (تهذيب الكمال: ٤/١٩٦-١٩٨) . ٥ وقد ذكره ابن حجر في الطبقة الرابعة من طبقات المدلسين، وهم الذين اتفق على عدم قبول شيء من حديثهم إلا ما صرحوا فيه بالسماع. (طبقات المدلسين ص١٢١) . ٦ لكن تبقى عنعنته في شيخ شيخه؛ فإنه كان معروفًا بتدليس التسوية، وقد رَوَى هذا الحديث بالعنعنة في شيخ شيخه "خالد بن معدان" فينظر في ذلك، وقد يَجْبرُ ذلك كون روايات بقية عن "بحير بن سعد" لها مزيَّة عن غيرها؛ رُبَّمَا لنوع اختصاص له به، ولذا كان شعبة يحضُّ بقية على التحديث عنه فيقول له: "بَحِّر لنا، بَحِّر لنا". ويقول له: "أهد إلى حديث بحير" وهذا الحديث من روايته عنه، والله أعلم. (الميزان ١/٣٣٨) .
[ ٢ / ١١٦ ]
أحمد في (مسنده) ١: حدثنا إبراهيم بن أبي العباس، حدثنا بقية، حدثني بحير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن بعض أزواج النبي ﷺ فذكر الحديث، وقال: فأمره أن يعيد الوضوء".
كذا قال ابن القَيِّم ﵀، وسبقه إلى هذا الجواب ابن دقيق العيد، على ما نقله عنه ابن الملقن في (البدر المنير) ٢، لكن وقع عنده: (في المستدرك) بدل (مسند أحمد)، وحمله ابن الملقن - ﵀ - على أنه خطأ من الناسخ، بدليل أنه جاء به في (الإلمام) على الصواب. وقد تابع ابن دقيق العيد على ذلك: ابنُ حجر ﵀، لكنه قال: "في المسند والمستدرك تصريح بقية بالتحديث"٣! ونقل ذلك عنه الشيخ الألباني في (إرواء الغليل) ٤! كذا قالوا، وليس هذا الحديث في (المستدرك) ألبتة، كما نَبَّهَ على ذلك ابن الملقن ﵀، وبحثت أنا عنه كثيرًا فلم أقف له على أثر فيه.
وأما قول ابن القَيِّم - ومن بعده ابن الملقن، ثم ابن حجر -: إنه في (المسند) "عن بعض أزواج النبي ﷺ". فلم أجده هكذا، وإنما هو عند الإمام أحمد بالإسناد الذي ساقه ابن القَيِّم: "عن بعض أصحاب النبي" فلينظر في ذلك؟
_________________
(١) ١ انظر: المسند: (٣/٤٢٤) . ٢ جـ ١ (ق٩٧/أ) . ٣ التلخيص الحبير: (١/٩٦) . (١/١٢٧) .
[ ٢ / ١١٧ ]
ثم قال ابن القَيِّم ﵀: "وأما العلة الثانية١: فباطلة أيضًا على أصل ابن حزم، وأصل سائر أهل الحديث، فإن عندهم جهالةُ الصَّحَابِي لا تَقْدَح في الحديث؛ لثبوت عدالة جميعهم. وأما أصل ابن حزم: فإنه قال في كتابه في أثناء مسئلة: كلُّ نساءِ النبي ﷺ ثقات فواضل عند الله ﷿، مقدسات بيقين".
وما ذكره ابن القَيِّم في جوابه عن أصل ابن حزم: فإنه قاله بناءً على رواية أحمد التي ذكرها وفيها: "عن بعض أزواج النبي"، وقد قَدَّمْنَا أن رواية المسند التي أمامنا ليس فيها إلا ما يُوافِقُ رواية أبي داود المتقدمة وهو: "بعض أصحاب النبي".
وقد شاركَ ابن حزم في القول بهذه العلة: البيهقيُّ، فقال في (سننه) ٢: "وهو مرسل". وكذا قال ابن القطان، كما في (البدر المنير) ٣، و(التلخيص الحبير) ٤.
قلت: وما أَعَلُّوهُ به من جهالة راويه قد يكون له وجهٌ؛ حيث إن عَنْعَنَة التابعي عن رجل - أو جماعة - من أصحاب النبي ﷺ لم يَقْبَلْهَا بعضهم، فقال أبو بكر الصيرفي - من الشافعية -: "وإذا قال في الحديث بعض التابعين: عن رجل من أصحاب النبي ﷺ: لا يُقبل؛ لأني لا أعلم سمع التابعيُّ من ذلك الرجل؟ إذ قد يُحَدِّث التَّابِعِيُّ عن رجل وعن رجلين
_________________
(١) ١ وهي جهالة راويه. (١/٨٣) . ٣ جـ ١ (ق٩٧/أ) . (١/٩٦) .
[ ٢ / ١١٨ ]
عن الصحابي، ولا أدري: هل أَمْكَنَ لِقَاءَ ذلك الرجل أم لا، فلو علمت إمكانه منه لجعلته كَمُدْرِكِ العصر. وإذا قال: سمعت رجلًا من أصحاب رسول الله ﷺ قُبِلَ؛ لأن الكل عدول". نقله عنه الحافظ العراقي في (التقييد والإيضاح) ١ ثم قال: "وهو حسنٌ مُتَّجِهٌ، وكلامُ من أَطْلَقَ قبوله محمول على هذا التفصيل، والله أعلم".
لكن نَازَعَهَما الحافظ ابن حجر ﵀، فقال في (النكت على ابن الصلاح) ٢: "وفيه نظرٌ؛ لأن التابعيَّ إذا كان سالمًا من التدليس حُمِلَتْ عنعنته على السماع".
ثم قال ﵀: "وإن قلت: هذا إنما يَتَأتَّى في حقِّ كبار التابعين الذين جُلُّ روايتهم عن الصحابة بلا واسطة، وأما صغارُ التابعين الذين جُلُّ روايتهم عن التابعين: فلابد من تحقيق إدراكه لذلك الصحابي، والفرض أنه لم يسمعه حتى يُعْلَم هل أدركه أم لا؟ فينقدحُ صِحَّة ما قال الصيرفي. قلت: سَلاَمَتُهُ من التدليس كافية في ذلك؛ إذ مدار ذلك على قوة الظَّنِّ به، وهي حاصلة في هذا المقام"٣.
وقد يُقال: خالد بن معدان كثيرُ الإرسال، وَوَصَفَهُ الحافظ الذهبي بالتدليس٤، الأمر الذي قد يورث خشيةً من عنعنته هنا كما قرره الحافظ ابن حجر. لكن يُقال: قد جعله الحافظ ابن حجر - ﵀ - في الطبقة
_________________
(١) (ص ٧٤) في نوع " المرسل ". (٢/ ٥٦٢) . ٣ النكت على ابن الصلاح: (٢/ ٥٦٣) . ٤ طبقات المدلسين: (ص ٦٢) .
[ ٢ / ١١٩ ]
الثانية من طبقات المدلسين، وهم الذين احتمل الأئمةُ تدليسهم لإمامتهم، وَقِلَّةِ تدليسهم في جنبِ ما رووا١. وقد قال أبو عبد الله الحاكم في (مستدركه) ٢- عقب حديث أخرجه من طريقه عن أصحاب النبي ﷺ -: "خالد بن معدان من خيار التابعين، صَحِبَ معاذ ابن جبل فمن بعده من الصحابة، فإذا أَسْنَدَ حديثًا إلى الصحابة فإنه صحيحُ الإسنادِ، وإن لم يُخْرِجَاهُ".
وقد سَأَلَ الأثرمُ الإمام أحمد فقال: "هذا إسناد جيد؟ قال: جيد"٣. وَقَوَّاه كذلك ابن التركماني٤، وصححه الشيخ الألباني٥.
ومع ذلك، فللحديث شاهدٌ من رواية عمر بن الخطاب ﵁: أن رجلًا تَوَضَّأَ فترك موضع ظُفْرٍ على قدمه، فأبصره النبي ﷺ فقال: "ارْجِعْ فَأَحسِن وضُوءَكَ". فرجع ثم صلى٦.
فَظَهَرَ من ذلك أن حديث خالد بن معدان هذا ثابت، وأن ابن القَيِّم - ﵀ - قد وُفِّقَ في رَدِّ العلل التي رُمِيَ بها الحديث على ما بَيَّناهُ من كلامه، مع وجود شاهد له في (صحيح مسلم) . والله أعلم.
_________________
(١) ١ طبقات المدلسين: (ص ٦٢) . (٢/ ٦٠٠) . ٣ نقله ابن القَيِّم في تهذيب السنن: (١/١٢٩) . وانظر: البدر المنير: جـ١ (ق ٩٧/أ)، والتلخيص الحبير: (١/٩٦) . ٤ الجوهر النقي: (١/ ٨٣ - ٨٤) . ٥ إرواء الغليل: (١/ ١٢٧) ح ٨٦. ٦ أخرجه مسلم في صحيحه: (١/ ٢١٥) ح ٢٤٣.
[ ٢ / ١٢٠ ]