ذكر ابن القَيِّم - ﵀ - حديث سفيان الثوري، عن سلمة بن كهيل، عن حجر بن عنبس،
٢١- (٦) عن وائل بن حُجْرٍ قال: "كان رسول الله ﷺ إذا قال: ولا الضالين قال: آمين، ورفع بها صوته"وفي لفظ: " وطَوَّلَ بها ".
ثم قال ﵀: "رواه الترمذي وغيره، وإسناده صحيح، وقد خالف شعبة سفيان في هذا الحديث فقال: "وخَفَضَ صوته" وحَكَم أئمة الحديث وحُفَّاظُهُ في هذا لسفيان "١.
قلت: ورواية سفيان هذه أخرجها أبو داود في (سننه) ٢، والترمذي في (جامعه) ٣، وأحمد في (مسنده) ٤، ومسلم في (التمييز) ٥، والدارقطني في (سننه) ٦ من طرق، عن: سفيان الثوري، عن سلمة بن كهيل٧، عن حجر بن عنبس٨، عن وائل به.
_________________
(١) ١ إعلام الموقعين: (٢/٣٩٦) . (١/٥٧٤) ح ٩٣٢. ك الصلاة، باب التأمين وراء الإمام. (٢/٢٧) ح ٢٤٨. ك الصلاة، باب ما جاء في التأمين. (٤/٣١٥ - ٣١٦) . (ص ١٨٠) ح ٣٧. (١/٣٣٣ - ٣٣٤) ح ١ - ٣. ٧ الْحَضْرَمي، أبو يحيى الكوفي، ثقة، من الرابعة/ ع. (التقريب ٢٤٨) . ٨ الحضرمي، الكوفي، صدوق مخضرم، من الثانية/ ر د ت. (التقريب ١٥٤) .
[ ٢ / ٢٥٩ ]
قال أبو عيسى الترمذي: "حديث حسن". وقال الدارقطني: "صحيح". وقال الحافظ ابن حجر: "وسنده صحيح"١.
وأما رواية شعبة: فأخرجها: أحمد في (مسنده) ٢، والدارقطني في (سننه) ٣، والحاكم في (المستدرك) ٤ وقال: "صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه" ووافقه الذهبي.
وقد أُعِلَّ هذا الحديث بأربعة أمور ذكرها ابن القطان٥، ولخصها ابن القَيِّم في (تهذيب السنن) ٦ وهي:
- الأول: مخالفة شعبة سفيان حيث قال: "وخَفَضَ بها صَوْتَهُ".
- الثاني: اختلافهما كذلك في اسم "حجر" فسفيان يقول: "حجر ابن عَنْبَس" وشعبة يقول: "حجر أبو العَنْبَس". وقال البخاري: "الصواب: أبو السَّكَن".
- الثالث: زاد شعبة في إسناده "علقمة بن وائل" بين حجر بن عنبس، ووائل بن حجر.
- الرابع: جهالة حال حجر بن عنبس.
_________________
(١) ١ التلخيص الحبير: (١/٢٣٦) . (٤/٣١٦) . (١/٣٣٤) ح٤. (٢/٢٣٢) . ٥ بيان الوهم والإيهام: (٣/٣٧٤ - ٣٧٥) . (١/ ٤٣٨ - ٤٣٩) .
[ ٢ / ٢٦٠ ]
وقد سبق ابن القطان إلى القول بذلك: البخاري١، والدارقطني٢، حيث حكما بخطأ شعبة في هذه الأمور، وترجيح رواية سفيان، وقال الإمام مسلم: "أخطأ شعبة في هذه الرواية حين قال: وأخفى صوته"٣. وقال الأثرم: "اضطرب فيه شعبة في إسناده ومتنه، ورواه سفيان فَضَبَطَهُ، ولم يضطرب في إسناده ولا في متنه"٤. وقال أبو زرعة: "حديث سفيان أصح من حديث شعبة"٥.
وأما العلة الرابعة، وهي جهالة حجر بن عَنْبس، فهي مما تَفَرَّدَ به ابن القطان، ولم يشاركه في ذلك أحدٌ فيما أعلم.
وقد سَلَكَ ابن القَيِّم - ﵀ - طريق الترجيح، فاختار ما ذهب إليه هؤلاء الأئمة من تقديم رواية سفيان الثوري، والحكم على رواية شعبة بالخطأ٦.
وقد ذكر - ﵀ - وجوهًا لترجيح رواية سفيان٧ تتَلَخَّصُ فيما يلي:
١ - أن سفيان أحفظ من شعبة فوجب تقديم روايته. ونقل عن
_________________
(١) ١ كما في علل الترمذي: (١/٢١٧ - ٢١٨) . ٢ في سننه: (١/٣٣٤) . ٣ التمييز: (ص١٨٠) . ٤ التلخيص الحبير: (١/٢٣٧) . ٥ علل الترمذي: (١/٢١٨) . ٦ إعلام الموقعين: (٢/٣٩٦) . ٧ إعلام الموقعين: (٢/٣٩٦ - ٣٩٧) .
[ ٢ / ٢٦١ ]
البيهقي قوله: "لا أعلم اختلافًا بين أهل العلم بالحديث: أن سفيان وشعبة إذا اختلفا فالقول قول سفيان وقال شعبة: سفيان أحفظ مني".
٢ - أن العلاء بن صالح١، ومحمد بن سلمة بن كهيل٢ تابعا سفيان على روايته عن سلمة. وهذا الوجه ذكره الدارقطني في (سننه) ٣.
قلت: أما رواية العلاء - ويقال عليّ - بن صالح: فأخرجها أبو داود في (سننه) ٤، والترمذي في (جامعه) ٥. وهذا الإسناد لا يَقِلُّ عن درجة الحسن إن لم يكن صحيحًا.
وأما رواية محمد بن سلمة: فقد أشار إليها الدارقطني في (سننه) ٦، ومحمد بن سلمة ضعيف جدًا.
٣ - أنه قد رُوِي عن شعبة كرواية سفيان تمامًا. رواه عن شعبة: أبو الوليد الطيالسي، قال ابن القَيِّم: "وحسبك به".
_________________
(١) ١ التيمي، أو الأسدي، الكوفي، صدوق له أوهام، من السابعة / د ت س. (التقريب ٤٣٥) . ٢ قال الجوزجاني: "ذاهب الحديث". (أحوال الرجال ص٦٢)، وانظر الميزان: (٣/٥٦٨) . (١/٣٣٤) . (١/٥٧٤) ح ٩٣٣. (٢/٢٩) ح ٢٤٩. (١/٣٣٤) .
[ ٢ / ٢٦٢ ]
وهذه الرواية أخرجها البيهقي في (سننه) ١.
قال ابن القَيِّم: "قال البيهقي: فيحتمل أن يكون تَنَبَّهَ لذلك فعاد إلى الصواب في متنه، وترك ذكر علقمة في إسناده".
قلت: أما في المتن فيحتمل، وأما في السند فقد روي من طريق شعبة - أيضًا - وفيه تصريح حجر أبي العنبس بسماعه من علقمة، ومن أبيه وائل، وذلك فيما أخرجه أبو داود الطيالسي في (مسنده) ٢: حدثنا شعبة، قال: أخبرني سلمة بن كهيل، قال: سمعت حجرًا أبا العنبس، قال: سمعت علقمة بن وائل - وقد سمعت من وائل - أنه ﷺ فذكره. وأفاد ابن حجر٣ أنه رواه كذلك أبو مسلم الكجي في (سننه) .
٤ - أن الحاكم روى من حديث أبي هريرة بإسنادٍ صحيح أنه قال: "كان رسول الله ﷺ إذا فَرَغَ من قراءة أُمِّ القرآن رَفَعَ صوته بآمين".
قلت: والحديث في (المستدرك) ٤ من طريق: الزبيدي، عن الزهري، عن أبي سلمة وسعيد، عن أبي هريرة به. قال أبو عبد الله: "صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه" ووافقه الذهبي.
وهذا شاهد قويٌّ لحديث وائل بن حجر في أن النبي ﷺ رفع صوته بآمين، لا كما قال شعبة.
_________________
(١) (٢/٥٨) . ٢ ح رقم (١٠٢٤) . ٣ التلخيص الحبير: (١/٢٣٧) . (١/٢٢٣) .
[ ٢ / ٢٦٣ ]
قال الإمام مسلم: "قد تواترت الروايات كلها: أن النبي ﷺ جَهَرَ بآمين. وقد رُوي عن وائل ما يدل على ذلك"١. يشير - ﵀ - إلى رواية وائل المتقدمة التي فيها: "ورَفَعَ بها صوته".
هذا حاصل ما ذكره ابن القَيِّم - ﵀ - من مُرَجِّحَاتٍ لرواية سفيان.
وأما الحافظ ابن حجر - ﵀ - فقد لجأ إلى التوفيق بين هذه الروايات، ولم ير وقوع التعارض إلا في (رَفَع) و(خَفَضَ) فقط:
ففيما يتعلق بقول شعبة: (أبو العنبس) وتخطئة البخاري له، وأن الصواب في كنيته (أبو السكن): فقد أفاد ابن حجر أن ابن حبان ذكر في (الثقات) أن كنيته (أبو العبنس) كاسم أبيه، ثم قال: "ولا مَانِعَ أن يكونَ له كنيتان".
وفيما يتعلق بإدخال شعبة "علقمة بن وائل" بين حجر ووائل: فقد ذكر رواية الطيالسي، وأبي مسلم الكَجِّي، وفيهما تصريح حُجْر بسماعه منهما، قال ابن حجر: "فبهذا تنتفي وجوه الاضطراب عن هذا الحديث، وما بقي إلا التعارض الواقع بين شعبة وسفيان في (الرفع)، (والخفض)، وقد رُجِّحَتْ رواية سفيان بمتابعة اثنين له، بخلاف شعبة، فلذلك جَزَم النُّقَّادُ بأن روايته أصحُّ"٢.
هذا ما يتعلق بالاختلاف الواقع في سنده ومتنه.
_________________
(١) ١ التمييز: (ص١٨١) . ٢ التلخيص الحبير: (١/٢٣٧) .
[ ٢ / ٢٦٤ ]
وأما ما ذكره ابن القطان من جهالة حجر: فلم يتعرض له ابن القَيِّم بشيء، ولكن أجاب عنه ابن حجر، فقال: "وأَعَلَّهُ ابن القطان بحجر بن عنبس، وأنه لا يُعرف، وأخطأ في ذلك، بل هو ثقة معروف، قيل: له صحبة، ووثقه يحيى بن معين وغيره"١.
فَتَلَخَّصَ: أن ابن القَيِّم - ﵀ - قد وُفِّقَ في حُكمه بصحة إسناد هذا الحديث، وترجيحه رواية سفيان على رواية شعبة، والله أعلم.
_________________
(١) ١ التلخيص الحبير: (١/٢٣٦ - ٢٣٧) .
[ ٢ / ٢٦٥ ]