٨- (٨) حديث طلق بن علي أنه سَأَلَ النبي ﷺ عن الرجل يَمَسُّ ذَكَرَهُ بعد الوضوءِ؟ فقال النبي ﷺ: "هَلْ هُوَ إلا مُضْعَةٌ مِنْكَ، أو بَضْعَةٌ مِنْكَ".
تَكَلَّمَ ابن القَيِّم - ﵀ - على هذا الحديث، فَذَهَبَ إلى أنه مَرْجُوحٌ، وأن حديث بُسْرة - الماضي ذِكْره - وغيره من الأحاديث الواردة في انتقاض الوضوء بمس الذَّكَرِ راجحة على حديث طَلْقٍ هذا في عدم الانتقاض، وذكر جملةً من المرجحات١ سيأتي نقلها عنه إن شاء الله.
قلت: حديث طلق هذا مداره على قيس بن طلق٢، عن أبيه طلق بن علي، عن النبي ﷺ مرفوعًا.
وقد رواه عن قيس بن طلق جماعة، منهم:
_________________
(١) عبد الله بن بدر٣: أخرج ذلك أبو داود٤، والترمذي٥، ١ تهذيب السنن: (١/ ١٣٤ - ١٣٥) . ٢ ابن علي الحنفي، اليَّمَامِي، صدوق، من الثالثة، وَهِمَ من عَدَّهُ من الصحابة/٤. (التقريب ٤٥٧) . ٣ ابن عميرة الحنفي السحيمي، اليمامي، كان أحد الأشراف، ثِقةٌ، من الرابعة/ ٤. (التقريب ٢٩٦) . (١/١٢٧) ح ١٨٢ ك الطهارة، باب الرخصة في ذلك (يعني: مس الذكر) . (١/ ١٣١) ح ٨٥ ما جاء في ترك الوضوء من مس الذكر.
[ ٢ / ١٣٥ ]
والنسائي١ في (سننهم)، وابن الجارود في (المنتقى) ٢ وابن حبان في (صحيحه) ٣، والطبراني في (الكبير) ٤، والدارقطني والبيهقي في (سننيهما) ٥ من طرق عن:
مُلاَزِم بن عمرو٦، عن عبد الله بن بدر، عن قيس بن طلق، عن طلق ابن علي قال: قدمنا على نبي الله ﷺ، فجاء رجل كأنه بَدَوِيٌّ فقال: يا نَبِيَّ الله، ما ترى في مَسَّ الرجل ذكره بعدما يتوضأ؟ فقال: "هل هو إلا مُضْغَةٌ٧ منه. أو قال: بَضْعَةٌ٨ منه". هذا لفظ أبي داود، والباقون نحوه، إلا أن عند النسائي، وابن الجارود، والدارقطني قول الرجل: " ما ترى في رجل مَسَّ ذكره في الصلاة؟ ". وعند ابن حبان: "أَحَدُنَا يكون في الصلاة، فيحتك، فتصيب يَدُهُ ذَكَرَه؟ ". وهو عند الترمذي مختصر، ليس فيه إلا ذكر اللفظ المرفوع، دون ذكر كلام طلق، ولا سؤال الرجل.
وهذا إسناد لا ينزلُ عن درجة الحسن، وَكَأَنَّ البيهقي - ﵀ - أراد أن يغمز هذا الإسناد، فنقل عقب روايته عن أحمد بن إسحاق
_________________
(١) (١/ ١٠١) ك الطهارة، باب ترك الوضوء من ذلك. (ح رقم ٢١) . ٣ الإحسان: (٢/ ٢٢٣) ح ١١١٦، ١١١٧. (٨/ ٣٩٨) ح ٨٢٤٣. ٥ قط: (١/ ١٤٩) ح ١٧. هق: (١/ ١٣٤) . ٦ ابن عبد الله بن بدر، أبو عمرو اليَّمامي، صدوق، من الثامنة / ٤. (التقريب ٥٥٥) . ٧ الْمُضْغَةُ: القطعة من اللحم، قدر ما يمضغ، وجمعها: مُضَغٌ. (النهاية ٤ / ٣٣٩) . ٨ البَضْعَةُ: القطعة من اللحم، وقد تكسر. (النهاية ١/١٣٣) .
[ ٢ / ١٣٦ ]
الضبعي قوله: "ملازم فيه نَظَرٌ"!
قلت: قد وَثَّقَهُ الإمام أحمد، وابن معين، وأبو زرعة، والنسائي، وابن حبان، والدارقطني١. وقولهم - لا شكَّ - مُقَدَّمٌ على قول الضبعي؛ فهم أئمة هذا الشأن وفرسانه، كيف وقد انفرد الضبعي بهذه المقالة؟! ولذلك فقد صَحَّحَ الترمذي حديث ملازم هذا، وَقَدَّمَهُ على غيره من طرق حديث طلق، فقال: "وقد روى هذا الحديث أيوب بن عتبة، ومحمد بن جابر، عن قيس بن طلق، عن أبيه وحديث ملازم بن عمرو، عن عبد الله بن بدر أصحُّ وأحسن"٢. فَسَقَطَ بذلك الطعن في ملازم، وتبين أنه لا مجال لغمزه.
٢- محمد بن جابر٣: أخرجه أبو داود وابن ماجه في (سننيهما) ٤، وأحمد في (مسنده) ٥، وابن الجارود في (المنتقى) ٦،
_________________
(١) ١ انظر أقوالهم على الترتيب في: بحر الدم: (رقم ١٠٥٢)، والتاريخ برواية الدوري (٢/ ٥٨٥ رقم ٣٢٤٩)، والجرح والتعديل: (٨/ ٤٣٦)، وتهذيب التهذيب: (١٠/٣٨٤ - ٣٨٥) . ٢ جامع الترمذي: (١/ ١٣٢) . ٣ ابن سَيَّار بن طارق الحنفي، اليمامي، أبو عبد الله، صدوقٌ، ذَهَبَتْ كُتبه فساء حفظه وَخَلَّطَ كثيرًا، وعَمِيَ فصار يُلَقَّن، ورجحه أبو حاتم على ابن لهيعة، من السابعة، مات بعد السبعين/د ق. (التقريب ٤٧١) . ٤ د: (١/١٢٨) ح ١٨٣. جه: (١/١٦٣) ح ٤٨٣. (٤/٢٣) . (ح رقم ٢٠) .
[ ٢ / ١٣٧ ]
وعبد الرزاق في (المصنف) ١، والطبراني في (الكبير) ٢، والدارقطني في (سننه) ٣، والحازمي في (الاعتبار) ٤، وابن الجوزي في (العلل المتناهية) ٥، من طرق، عن:
محمد بن جابر، عن قيس بن طلق، عن أبيه عن النبي ﷺ به. وعندهم أن السائل هو طلق بن علي، إلا في رواية الإمام أحمد والدارقطني فعندهما: أن رجلًا سَأَلَ النبي ﷺ.
ومحمد بن جابر ضعيف، ضعفه غير واحد من أئمة الشأن، فقال ابن معين: "ليس بشيء"٦. وقال عمرو بن علي: " كثيرٌ الوهم، متروكُ الحديثِ"٧. وقال أبو زرعة: "ساقط الحديث"٨. وقال البخاري: "ليس بالقوي عندهم"٩. وقال النسائي: "ضعيف"١٠.
ولذلك فقد ضَعَّفَ هذا الحديث جماعة من العلماء بمحمد بن جابر
_________________
(١) (١/١١٧) ح ٤٢٦. (٨/٣٩٦) ح ٨٢٣٣، ٨٢٣٤. (١/١٤٩) ح ١٥. (ص٤٢) باب ما جاء في مس الذكر. (١/٣٦٢) ح ٥٩٧، ٥٩٩. ٦ تاريخ الدوري عن ابن معين: (٢/٥٠٧) . ٧ تهذيب التهذيب: (٩/٨٩) . ٨ الجرح والتعديل: (٣/٢/٢٢٠) . ٩ الضعفاء الصغير: (ص ٢٠٤) . ١٠ الضعفاء والمتروكين: (ص٩٣) .
[ ٢ / ١٣٨ ]
هذا، فسأل ابنُ أبي حاتم أَبَاه وأبا زرعة عنه "فلم يثبتاه"١. وقال الترمذي: "وقد تَكَلَّمَ بعض أهل العلم في محمد بن جابر وحديث ملازم - يعني الطريق السابق - أصحُّ وأحسن". وضعفه به: ابن الجوزي٢، والبيهقي٣، والزيلعي٤.
٣- أيوب بن عتبة٥: أخرجه أحمد والطيالسي في (مسنديهما) ٦، والحازمي في (الاعتبار) ٧، وابن الجوزي في (العلل المتناهية) ٨.
وهذا أَعَلَّهُ: الترمذيُّ، والبيهقيُّ، وابن الجوزي، والزيلعي، بأيوب بن عتبة٩، فقد ضَعَّفَهُ غير واحدٍ من العلماء١٠.
٤- أيوب بن محمد العِجْلي: أخرجه الدارقطني في (سننه) ١١، وابن
_________________
(١) ١ علل ابن أبي حاتم: (١/٤٨) ح ١١١. ٢ العلل المتناهية: (١/٣٦٣) . ٣ السنن: (١/١٣٤-١٣٥) . ٤ نصب الراية: (١/٦١) . ٥ اليمامي، أبو يحيى القاضي، ضعيف، من السادسة، مات سنة١٦٠هـ/ق. (التقريب١١٨) . ٦ حم: (٤/٢٢) . طس (ح١٠٩٦) . (ص٤٢-٤٣) . (١/٣٦٢) ح ٥٩٦. ٩ انظر كلامهم على الطريق الذي قبله. ١٠ انظر أقوال الأئمة في أيوب هذا في (تهذيب التهذيب): (١/٤٠٨-٤٠٩) . ١١ (١/١٤٩) ح١٨.
[ ٢ / ١٣٩ ]
الجوزي في (علله) ١ من طريق عبد الحميد بن جعفر، عن أيوب بن محمد، عن قيس بن طلق، عن أبيه به.
قال الدارقطني عقب إخراجه: "أيوب مجهول".
قلت: هو أيوب بن محمد، أبو سهل العجلي، اليمامي. ضَعَّفَهُ ابن معين٢. وقال أبو زرعة: "منكر الحديث"٣.
وعبد الحميد بن جعفر - الراوي عنه - كان سفيان الثوري يُضَعِّفُه، وَوَثَّقَه غيره٤. وقد أشار ابن الجوزي٥، والزيلعي٦ إلى ضعف هذا الإسناد بهذين الرجلين.
٥- عكرمة بن عمار٧: أخرجه من طريقه ابن حبان في (صحيحه) ٨ فقال: "ذكر الخبر الْمُدْحِض قول من زعم أن هذا ما رواه ثقة عن قيس بن طلق خلا ملازم بن عمرو". ثم ساقه بإسناده إلى عكرمة،
_________________
(١) (١/٣٦٢) ح٥٩٨. ٢ تاريخ الدارمي عن ابن معين: (ص١٧٩) رقم ٦٤٥. ٣ الجرح والتعديل: (١/١/٢٥٧) . ٤ الجرح والتعديل: (٣/١/١٠)، والميزان: (٢/٥٣٩) . ٥ العلل المتناهية: (١/٣٦٣) . ٦ نصب الراية: (١/٦١) . ٧ العِجْلي، أبو عمار اليمامي، صدوقٌ يغلط، وفي روايته عن يحيى بن أبي كثير اضطراب، ولم يكن له كتاب، من الخامسة، مات قبيل الستين / خت م ٤. (التقريب ٣٩٦) . ٨ الإحسان: (٢/٢٢٣) ح١١١٨.
[ ٢ / ١٤٠ ]
عن قيس بن طلق، عن أبيه مرفوعًا.
وأشار البيهقي - ﵀ - إلى رواية عكرمة هذه، ثم قال:
"وعكرمة بن عمار أمثلُ مَنْ رواه عن قيس، وعكرمة بن عمار قد اختلفوا في تعديله: غمزه يحيى بن سعيد القطان، وأحمد بن حنبل، وضعفه البخاري جدًا"١.
قلت: لكن وَثَّقَهُ ابن معين، وابن المديني، والعجلي، وأبو داود، والدارقطني، ويعقوب بن شيبة، وابن شاهين، وابن حبان وغيرهم٢. وإنما ضعفوه في روايته عن يحيى بن أبي كثير، فإن فيها اضطرابًا. قال ابن التركماني في (الجوهر النقي) ٣ - متعقبًا البيهقي -: "احتجَّ به مسلم، واستشهد به البخاري، وأخرج له ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما، والحاكم في المستدرك ". فالرجل بهذه المثابة حسن الحديث إن شاء الله.
وبعد، فهذه هي طرق هذا الحديث، وهؤلاء هم رواته عن قيس بن طلق، وأمثلُ هذه الطرق: هو طريق "ملازم بن عمرو عن عبد الله بن بدر" كما تقدم، وكذا طريق عكرمة بن عمار عن قيس، فإنه لا غبار عليه،
_________________
(١) ١ سنن البيهقي: (١/١٣٥) . ٢ انظر أقوالهم على الترتيب في: تاريخ الدوري عن ابن معين (٢/٤١٤)، وسؤالات ابن أبي شيبة لعلي بن المديني: (رقم ١٦٩)، وثقات العجلي: (ص٣٣٩ رقم ١١٥٩)، وسؤالات الآجري لأبي داود: (رقم ٧٠٧)، وسؤالات البرقاني للدارقطني (رقم ٤٠٣)، وثقات ابن شاهين: (رقم ١٠٧٤)، وثقات ابن حبان: (٥/٢٣٣)، وتهذيب التهذيب: (٧/٢٦٢) . (١/١٣٤) .
[ ٢ / ١٤١ ]
فهو يلي طريق عبد الله بن بدر في الرتبة، وتكون الطرق الثلاثة الأخرى متابعات لهذين الطريقين ومؤيدة لهما، ومجموع هذه الطرق يجعل هذا الحديث يصل إلى درجة الصحيح لغيره، أو يكون حسنًا على أقل تقدير.
وقد صَحَّحَهُ جمع من الأئمة، منهم: الترمذي، فقال: "هذا الحديث أحسن شيء روي في هذا الباب"، وذهب - ﵀ - إلى أن طريق ملازم بن عمرو هو أصح طرق هذا الحديث وأحسنها. وصححه كذلك الطحاوي، فقال: "هذا حديث مستقيم الإسناد، غير مضطرب في إسناده ولا متنه"١. ثم ذكر بسنده إلى عليِّ بن المديني أنه قَدَّمَهُ على حديث بسرة من طريق ملازم بن عمرو. وَصَحَّحَه كذلك الطبراني٢، وعبد الحق في (أحكامه)، قال الزيلعي: "وذكر عبد الحق في أحكامه حديث طلق هذا، وسكت عنه، فهو صحيح عنده على عادته في مثل ذلك"٣. وصححه كذلك: عمرو بن علي الفلاس، وقال: "هو عندنا أثبت من حديث بسرة"٤. وقال ابن حزم: "هذا خبر صحيح"٥. وظاهرُ صنيع ابن حبان تصحيحه إياه، حيث أخرجه في (صحيحه) وذكر له متابعة ما رأيت أحدًا أخرجها سواه، تلك التي من طريق: عكرمة بن عمار، عن قيس بن طلق به، وتَقَدَّمَ كلامه في ذلك. وقال الزيلعي - عند كلامه على
_________________
(١) ١ شرح معاني الآثار: (١/ ٧٦) . ٢ المعجم الكبير: (٨/ ٤٠٢) . ٣ نصب الراية: (١/ ٦٢) . ٤ التلخيص الحبير: (١/ ١٢٥) . ٥ المحلى: (١/ ١٢٣) .
[ ٢ / ١٤٢ ]
أحاديث عدم النقض -: " حديث طلق بن علي، وهو أمثلها"١. وذهب ابن القطان إلى حُسْنِهِ، مُتَعَقِّبًَا بذلك عبد الحق في سكوته عليه، فقال: "والحديث مختلف فيه، فينبغي أن يقال فيه: حسن، ولا يحكم بصحته"٢. وصححه - أيضًا - الشيخ أحمد شاكر٣ ﵀.
فهذه أقوال المصححين لهذا الحديث، وقد ذهبت طائفة أخرى إلى القول بضعفه، وتنحصر العلل التي أعلوا بها هذا الحديث فيما يلي:
أولًا: ضعفُ قيس بن طلق، فقد قال الشافعي - فيما روى عنه الزعفراني -: "سألنا عن قيس، فلم نجد من يعرفه بما يكون لنا٤ قبول خبره"٥. وقال أبو زرعة وأبو حاتم: "قيس بن طلق ليس ممن تقوم به الحجة"٦ وَوَهَّمَاه. وروى البيهقي بسنده إلى ابن معين أنه قال: "قد أكثر الناس في قيس بن طلق، ولا يحتج بحديثه"٧.
ثانيًا: ضعف محمد بن جابر، وأيوب بن عتبة وغيرهما من الذين رووه عن قيس بن طلق.
والجواب عن ذلك:
_________________
(١) ١ نصب الراية: (١/ ٦٠) . ٢ نصب الراية: (١/ ٦٢) . ٣ التعليق على جامع الترمذي: (١/ ١٣٢) . ٤ يعني: بما يُسَوِّغ لنا. ٥ سنن البيهقي: (١/ ١٣٥) . ٦ علل ابن أبي حاتم: (١/ ٤٨) ح ١١١. ٧ سنن البيهقي: (١/ ١٣٥) .
[ ٢ / ١٤٣ ]
أولًا: أما قيس بن طلق، فإنه وإن لم يعرفه الشافعيُّ فقد عرفه غيره، وَوَثَّقَهُ جماعة من أهل الشأن: ابن معين١، والعِجلي٢، وذكره ابن حبان في (الثقات) ٣، هذا مع رواية جماعة كثيرين عنه٤، ومثله لا يكون مجهولًا، فعدم معرفة الشافعي به لا يوجب تركه ما دام غيره قد عرفه ووثقه.
وأما ما رواه البيهقي عن ابن معين من عدم الاحتجاج به، فقد رَدَّهُ ابن التركماني، فقال: "ذكر البيهقي ذلك بسند فيه محمد بن الحسن النَّقَّاشِ المفسر، وهو من المتهمين بالكذب، وقال البرقاني: كل حديثه مناكير "٥. وقد تَقَدَّمَ من رواية الدارمي عن يحيى أنه وَثَّقَهُ، ولا شكَّ أن ذلك مُقَدَّم.
ثانيًا: وأما ضعف محمد بن جابر، وأيوب بن عتبة: فقد قَدَّمْنَا أن الاعتماد في ذلك على رواية عبد الله بن بدر عن قيس، فإنها أصحُّ هذه الطرق وأحسنها كما قال غير واحد. ثم إن رواية "عكرمة بن عمار" عن قيس متابعة قوية أيضًا، فعكرمة أمثل من رواه عن قيس كما قال غير واحد، وإذا كان الأمر كذلك، فإن روايتي محمد بن جابر وأيوب بن عتبة تكون كالمتابعات لرواية عبد الله بن بدر دون اعتماد عليهما.
فإذا ثَبَتَ لدينا أن حديثَ طلق هذا ليس بضعيف، وأنه بمجموع
_________________
(١) ١ تاريخ الدارمي عن ابن معين: (ص ١٤٤) رقم ٤٨٦. (الثقات) بترتيب الهيثمي: (ص ٣٩٣) . (٥/ ٣١٣) . ٤ انظر: تهذيب التهذيب: (٨/ ٣٩٨) . ٥ الجوهر النقي: (١/١٣٤-١٣٥) .
[ ٢ / ١٤٤ ]
طرقه حسن على أقل أحواله - مع تصحيح جماعة له - وأن ما أُعِلَّ به لا يرد عليه، إذا تَقَرَّرَ ذلك: فإن حديث طلق هذا في عدم الانتقاض بالمسِّ يكون مخالفًا في ظاهره لحديث بُسرة وغيرها من الصحابة الذين رووا الانتقاض، ولقد سلك العلماء إزاء هذا التعارض١ مسالك، أبرزها:
أولًا: الجمع بين الحديثين، وذلك من وجوه:
١- أنَّ خبر طلق يُحْمَلُ على الْمَسِّ بحائل، واستدلوا ببعض ألفاظه التي جاء فيها أنه سُئِلَ عن مَسِّهِ في الصلاة، قالوا: فالْمُصَلي لا يمسُّ فرجه من غير حائل في الصلاة. حكاه الخطابي٢. وقَرَّرَ ابن حبان -﵀- ذلك، فقال في (صحيحه) ٣: "ذكر البيان بأن الأخبار التي ذكرناها مجملة بأن الوضوء إنما يجب من مَسِّ الذكر إذا كان ذلك بالإفضاء دون سائر المسِّ، أو كان بينهما حائل". ثم ساق حديث المقبري عن أبي هريرة، ولفظه: "إِذَا أَفْضَى أَحَدُكُم بيده إلى فرجه، وليس بينهما سِتر ولا حجاب فليتوضأ".
٢- أن المسَّ الذي لا ينقضُ هو ما لم يكن مُتَعَمَّدًَا، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، فقال - وقد سئل عن ذلك -: "إن لم يتعمد ذلك لم ينتقض وضوءه"٤.
وقيل بغير ذلك من وجوه الجمع.
_________________
(١) ١ وقد قَرَّرَ شيخ الإسلام ابن تَيْمِيَّة هذا التعارض، انظر: القواعد النورانية: (ص ٣٣) . ٢ معالم السنن: (١/ ١٣٣) . ٣ الإحسان: (٢/ ٢٢٢) ح ١١١٥. ٤ مجموع الفتاوى: (٢١/ ٢٣١) .
[ ٢ / ١٤٥ ]
ثانيًا: النسخ. فقد ذهب جماعة إلى أن حديثَ طلق منسوخ، منهم:
ابن حبان، والطبراني، والحازمي، وغيرهم. وأوضحَ ابن حبان ذلك، فَرَوى بإسناده إلى قيس بن طلق، عن أبيه في قصة بنائه مسجد المدينة مع النبي ﷺ، ثم قال: "خبر طلق بن علي الذي ذكرناه خبر منسوخ؛ لأن طلقَ ابن علي كان قدومه على النبي ﷺ أول سنةٍ من سِنيِّ الهجرة، حيث كان المسلمون يبنون مسجد رسول الله ﷺ بالمدينة. وقد روى أبو هريرة إيجاب الوضوء من مَسِّ الذكر على حسب ما ذكرناه قبل، وأبو هريرة أسلمَ سنة سبع من الهجرة، فدلَّ ذلك على أن خبر أبي هريرة كان بعد خبر طلق بن علي بسبع سنين"١.
ثم روى ابن حبان بإسناده - أيضًا - إلى طلق حديث قدومه على النبي ﷺ ومبايعته إياه، ثم رجوعه إلى بلده، ثم قال: "في هذا الخبر بيانٌ واضحٌ أنَّ طلقَ بن عليٍّ رجع إلى بلده بعد القَدْمَةِ التي ذكرنا وقتها، ثم لا يُعْلَمُ له رجوعٌ إلى المدينة بعد ذلك. فمن ادَّعَى رجوعه بعد ذلك، فعليه أن يأتي بِسُنَّةٍ مُصَرِّحَةٍ، ولا سبيل له إلى ذلك"٢.
وقد ذكر الحازمي مثل ذلك، ثم قال: "ثم نظرنا: هل نجد أمرًا يؤكد ما صرنا إليه، فوجدنا طلقًا روى حديثًا في المنع، فَدَلَّنَا ذلك على صِحَّةِ النقل في إثبات النسخ، وأن طلقًا قد شاهد الحالتين، وروى الناسخ والمنسوخ"٣.
_________________
(١) ١ الإحسان: (٢/ ٢٢٤) . ٢ الإحسان: (٢/ ٢٢٤ - ٢٢٥) . ٣ الاعتبار: (ص٤٧) .
[ ٢ / ١٤٦ ]
قلت: وحديث طلق في المنع هو الذي أخرجه الطبراني في (الكبير) ١ من طريق: حماد بن محمد، ثنا أيوب بن عتبة، عن قيس بن طلق، عن أبيه، أن النبي ﷺ قال: "مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأ". ثم قال الطبراني - عنه وعن حديث عدم النقض -: "وهما عندي صحيحان، ويشبه أن يكون سمع الحديث الأول من النبي ﷺ قبل هذا، ثم سمع هذا فوافق حديث بسرة، وأم حبيبة، وأبي هريرة، وزيد بن خالد الجهني وغيرهم ممن روى عن النبي ﷺ الأمر بالوضوء من مس الذكر، فسمع المنسوخ والناسخ". ولكن "أيوب بن عتبة" ضعيف كما تقدم.
وذهب ابن حزم - أيضًا - إلى نسخه مستدلًا على ذلك بأمور:
أولها: أن خبر طلق موافق لما كان عليه الناس قبل ورود الأمر بخلافه، وإذا كان كذلك فإنه منسوخ يقينًا بورود الأمر بالوضوء من مس الذكر.
الثاني: أن قوله ﷺ: "هل هو إلا بَضْعَةٌ منك" دليل بَيِّنٌ على أنه كان قبل الأمر بالوضوء منه، لأنه لو كان بعده لم يَقُلْ ﷺ هذا الكلام، بل كان يبين أن الأمر بذلك قد نسخ، فقوله هذا يدل على أنه لم يكن سَلَفَ فيه حكم أصلًا، وأنه كسائر الأعضاء٢.
ثالثًا: الترجيح. وهذا هو المسلك الذي سَلَكَهُ ابن القَيِّم ﵀، وذكر في ذلك عدة مُرَجِّحَات:
_________________
(١) (٨/٤٠١) ح ٢٨٥٢. ٢ انظر: المْحُلَّى: (١/٣٢٣) بتصرف.
[ ٢ / ١٤٧ ]
- منها: قوله بضعف حديث طلق، وقد بَيَّنَّا أن الأمر على خلاف ذلك، وأنه حسن بمجموع طرقه، لكن الذي لا شك فيه أن حديث بسرة أقوى، وبخاصة إذا راعينا مشاركة جملة من الصحابة لها في رواية النقض.
- ومنها: الاختلاف على طلق، فقد روى عنه النقض أيضًا، كما سبق بيان ذلك.
- ومنها: أن حديث طلق مُبْقٍ على الأصل - وهو عدم النقض - وحديث بُسرة ناقل عن الأصل، والناقل مقدم؛ لأن أحكام الشارع ناقلة عما كانوا عليه. وهذا من أدلة النسخ كما تَقَدَّمَ في كلام ابن حزم، لكن جعله ابن القَيِّم من جملة المرجحات لحديث بسرة.
- ومنها: أنه قد روى النقض: بسرة، وأبو هريرة، وعبد الله بن عمرو، وأم حبيبة، وأبو أيوب، وزيد بن خالد، ولا شكَّ أن العدد الكثير من الصحابة مقدم على رواية الواحد.
- ومنها: قولُ أكثر الصحابة بالنقض، منهم: عمر بن الخطاب، وعبد الله ابنه، وأبو أيوب، وزيد بن خالد، وأبو هريرة، وعبد الله بن عمرو، وجابر، وعائشة، وأم حبيبة، وبسرة، وعن كلٍّ من سعد بن أبي وقاص وابن عباس روايتان١.
فَتَلَخَّصَ من ذلك: أن حديث طلق في عدم نقض الوضوء بمس الذكر
_________________
(١) ١ انظر: تهذيب السنن: (١/١٣٤-١٣٥) .
[ ٢ / ١٤٨ ]
ما بين: مُؤَوَّل، ومرجوح، ومنسوخ، ولقد ذهب ابن القَيِّم - ﵀ - إلى ضعف حديث طلق - على ما في ذلك من نظر - وأنه مرجوح بمرجحات أخرى غير ضعفه، وقال بأنه على تقدير صحته منسوخ.
ولعلَّ القول بالجمع بين الخبرين - إعمالًا لجميع الأدلة - أولى، والله أعلم.
[ ٢ / ١٤٩ ]