٧- باب الوضوء من لحوم الإبل
٩- (٩) عن جابر بن سمرة ﵁: "أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ: أأتوضأ من لحوم الغَنَم؟ قال: "إِنْ شِئْتَ فَتَوَضَّأْ، وَإِنْ شِئْتَ فَلا تَتَوَضَّأْ" قَالَ: أَتَوَضَّأُ من لحومِ الإبِلِ؟ قال: "نَعَمْ، فَتَوَضَّأْ مِن لُحُومِ الإبِلِ". قال أُصَلِّي في مَرَابِضَ الغَنَمِ؟ قال: "نعم". قِال أُصَلِّي في مباركِ الإبل؟ قال: "لا".
ذكره ابن القَيِّم - ﵀ - في (تهذيب السنن) ١، وذكر أن عليَّ ابن المديني أعله بجهالة "جعفر بن أبي ثور" راويه عن جابر، ثم قال: "وهذا تعليل ضعيف". ثم نقل أقوال العلماء في جعفر.
قلت: هذا الحديث يرويه عن جابر بن سمرة: جعفر بن أبي ثور٢. ورواه عن جعفر ثلاثةُ نَفَرٍ:
أولهم: عثمان بن عبد الله بن موهب. أخرجه مسلم في (صحيحه) ٣، وأحمد في (مسنده) ٤، وابن خزيمة وابن حبان في
_________________
(١) (١/ ١٣٦ - ١٣٧) . ٢ واسم أبيه: عكرمة، وقيل غير ذلك، يكنى: أبا ثور، مقبولٌ، من الثالثة / م ق. (التقريب ١٤٠) . (١/ ٢٧٥) ح ٩٧ (٣٦٠) ك الحيض، باب الوضوء من لحوم الإبل. (٥/ ٩٨، ١٠٦) .
[ ٢ / ١٥٠ ]
(صحيحيهما) ١، والبيهقي في (سننه) ٢ كلهم من طريق:
أبي عوانة، عن عثمان بن عبد الله٣، عن جعفر بن أبي ثور، عن جابر بن سمرة به. واللفظ المسوق أول الباب لفظ مسلم، ولفظ الباقين بنحوه.
ثانيهم: سِمَاك بن حرب٤. أخرجه أحمد في (مسنده) ٥ من طريق زائدة. وابن الجارود في (المنتقى) ٦ من طريق سفيان الثوري، كلاهما عن: سِماك، عن جعفر بن أبي ثور، عن جابر بنحو لفظ مسلم المتقدم.
وأخرجه أحمد والطيالسي في (مسنديهما) ٧، وابن حبان في (صحيحه) ٨، والخطيب في (موضح أوهام الجمع والتفريق) ٩ من طريق شعبة، عن سماك بن حرب، عن أبي ثور بن عكرمة، عن جابر به. كذا
_________________
(١) ١ خز: (١/ ٢١) ح ٣١. حب: الإحسان: (٢/ ٢٢٥) ح ١١٢١. (١/ ١٥٨) . ٣ ابن موهب التيمي مولاهم، المدني، الأعرج، وقد ينسب إلى جده، ثقة، من الرابعة، مات سنة ١٦٠ هـ/ خ م ت س ق. (التقريب ٣٨٥) . ٤ الكوفي، أبو المغيرة، صدوقٌ وروايته عن عِكْرِمة خاصة مضطربةٌ، وقد تَغَيَّرَ بِأخرة فكان رُبَّمَا تَلَقَّنَ، من الرابعة، مات سنة ١٢٣ هـ/ خت م ٤. (التقريب ٢٥٥) . (٥/ ١٠٨) . (ح ٢٥) . ٧ حم: (٥/ ٩٣، ١٠٠) . طس: (ح ٧٦٦) . ٨ الإحسان: (٢/ ٢٢٥) ح ١١٢٣. (٢/ ١٦) .
[ ٢ / ١٥١ ]
عند أحمد وابن حبان، وعند الطيالسي: سمعت أبا ثور يُحَدِّثُ عن جابر ابن سمرة، ومن طريق أبي داود ساقه الخطيب.
وقد خَطَّأوا شُعبة في روايته تلك، فقال الترمذي في (علله) ١: "أخطأ شعبة في حديث سماك، عن جعفر بن أبي ثور، عن جابر بن سمرة فقال: عن سماك، عن أبي ثور". وقال الحاكم أبو أحمد: " وليس ذكر عكرمة في نسبه بمحفوظ"٢.
ونقل ابن القَيِّم إعلال الترمذي لهذه الرواية، وأنه قال: "حديث سفيان أصح من حديث شعبة، وشعبة أخطأ "٣. ونسب ذلك إلى (العلل)، والذي فيه ما نقلته بدون تقديم حديث سفيان.
قلت: ولا أدري ما وجه تخطئة الترمذي شعبة في هذا الحديث، فإنه قد ذكره بكنيته، وقد نَصَّ على كنيته غير واحد، منهم ابن حبان، فقال: "فجعفر بن أبي ثور هو أبو ثور بن عكرمة"٤. ونص على ذلك الخطيب٥ أيضًا، فالرجل كنيته توافق كنية أبيه، فما أخطأ من ذكره بكنيته.
وثالث الرواة له عن جعفر بن أبي ثور: أشعث بن أبي الشعثاء٦.
_________________
(١) (١/ ١٥٤) . ٢ تهذيب التهذيب: (٢/ ٨٧) . ٣ تهذيب السنن: (١/ ١٣٦ - ١٣٧) . ٤ الإحسان: (٢/ ٢٢٦) . ٥ موضح أوهام الجمع والتفريق: (٢/ ١٦) . ٦ المحاربي، الكوفي، ثقة، من السادسة، مات سنة ١٢٥ هـ / ع. (التقريب ١١٣) .
[ ٢ / ١٥٢ ]
أخرجه ابن ماجه في (سننه) ١، وابن حبان في (صحيحه) ٢ عن أشعث، عن جعفر بن أبي ثور، عن جابر بن سمرة ﵁ قال: "أمرنا رسول الله ﷺ أن نَتَوَضَّأَ من لحومِ الإبل، ولا نتوضأ من لحوم الغنم".
فهؤلاء هم رواة هذا الحديث عن جعفر بن أبي ثور، قال ابن خزيمة عقب إخراجه هذا الحديث: "فهؤلاء ثلاثة من أَجِلَّةِ رواة الحديث، قد رووا عن جعفر ابن أبي ثور هذا الخبر".
وأما حكمُ عليِّ بن المديني عليه بالجهالة: فقد روى ذلك البيهقي في (سننه) ٣ بسنده إلى محمد بن أحمد بن البراء عن علي. ولكن هذا غير مقبول منه ﵀؛ فإن جعفرًا هذا وإن لم يوثقه غير ابن حبان، فإنه مشهورٌ شهرةً تغني عن البحث عن حاله، مع رواية هؤلاء الأجلة - المتقدم ذكرهم - عنه، قال الإمام الترمذي: "جعفر بن أبي ثور رجل مشهور"٤. وقال أبو أحمد الحاكم: "هو من مشايخ الكوفيين الذين اشتهرت روايتهم عن جابر "٥. وقال ابن حبان: "أبو ثور بن عكرمة ابن جابر بن سمرة اسمه: جعفر، وكنية أبيه: أبو ثور فمن لم يُحْكِمْ صناعة الحديث تَوَهَّمَ أنهما رجلان مجهولان، فتفهموا رحمكم الله كيلا تغلطوا فيه"٦. وقال البيهقي: "وجعفر بن أبي ثور هو رجل مشهور،
_________________
(١) (١/ ١٦٦) ح ٤٩٥ ك الطهارة، باب ما جاء في الوضوء من لحوم الإبل. ٢ الإحسان: (٢/ ٢٢٥) ح ١١٢٢، و(٢/ ٢٢٦) ح ١١٢٤. (١/ ١٥٨) . ٤ العلل: (١/ ١٥٤) . ٥ تهذيب التهذيب: (٢/ ٨٧) . ٦ الإحسان: (٢/ ٢٢٦) .
[ ٢ / ١٥٣ ]
من ولد جابر بن سمرة" ثم ذكر الرواة عنه وقال: "ومن روى عنه مثل هؤلاء خَرَجَ من أن يكون مجهولًا، ولهذا أَوْدَعَهُ مسلم بن الحجاج في كتابه الصحيح"١.
وهذا الحديث صَحَّحَهُ: أحمد بن حنبل٢، وقال إسحاق بن إبراهيم الحنظلي: "صَحَّ في هذا الباب حديثان عن رسول الله ﷺ: حديث البراء، وحديث جابر بن سمرة"٣. وقال ابن خزيمة: "لَمْ نر خِلافًا بين علماء أهل الحديث أن هذا الخبر صحيحٌ من جهة النقل". وصححه ابن حبان بإخراجه في (صحيحه)، وَمَالَ البيهقيُّ إلى تصحيحه، وقد مضى كلامه. وكفى بإخراج مسلم له في (صحيحه) .
فَتَلَخَّصَ من ذلك: أن ما أَعَلَّهُ به ابن المديني من تجهيل راويه لم يتحقق التعليل به، وقد رَدَّ ذلك ابن القَيِّم ﵀، واستشهد على صحة الحديث بكلام الأئمة الأعلام، فأصاب ﵀.
وقد أَكَّدَ ابن القَيِّم - ﵀ - صِحَّة هذا الخبر، فقال: " أمر النبي ﷺ بالوضوء من أَكْلِهِ في حديثين صحيحين، لا معارضَ لهما، ولا يَصُحُّ تأويلهما بغسل اليد؛ لأنه خلافُ المعهودِ من الوضوءِ في كلامه ﷺ"٤.
_________________
(١) ١ سنن البيهقي: (١/ ١٥٩) . ٢ مختصر سنن أبي داود للمنذري: (١/ ١٣٧) . ٣ علل الترمذي: (١/ ١٥٣ - ١٥٤) . ٤ زاد المعاد: (٤/ ٣٧٦) .
[ ٢ / ١٥٤ ]