قال ابن القَيِّم ﵀ - عند كلامه على صفة سجوده ﷺ -: "وكان ﷺ يضعُ ركبتيه قبل يديه، ثم يديه بعدهما، ثم جبهته وأنفه، هذا هو الصحيح " ثم ذكر ما يؤيد ذلك، ويدل عليه، وهو حديث:
٢٤- (٩) وائل بن حجر ﵁، أنه قال: "رأيتُ رَسُولِ الله ﷺ إِذَا سَجَدَ وَضَعَ رُكْبَتَيهِ قَبْل يديه، وإذا نَهَضَ رفع يديه قبل رُكْبَتَيْهِ".
ثم قال ﵀: "ولم يُرو في فعله ما يخالف ذلك"١.
وقال في موضع آخر: "وقد صححه ابن خزيمة، وأبو حاتم بن حبان، والحاكم"٢.
قلت: هذا الحديث أخرجه أصحاب (السنن الأربعة) ٣، والدارمي في (مسنده) ٤، وابن خزيمة، وابن حبان في (صحيحهما) ٥، والدارقطني،
_________________
(١) ١ زاد المعاد: (١/٢٢٣) . ٢ تهذيب السنن: (١/٣٩٧) . ٣ د: (١/٥٢٤) ح ٨٣٨، ك الصلاة، باب كيف يضع ركبتيه قبل يديه؟. ت: (٢/٥٦) ك الصلاة، باب ما جاء في وضع الركبتين قبل اليدين في السجود. س: (٢/٢٠٦) ك الافتتاح، باب أول ما يصلُ إلى الأرض من الإنسان في سجوده، و(٢/٢٣٤) باب رفع اليدين عن الأرض قبل الركبتين. جه: (١/٢٨٦) ح ٨٨٢ ك إقامة الصلاة والسنة فيها، باب السجود. (١/٢٤٥) ح ١٣٢٦ ك الصلاة، باب أول ما يقع من الإنسان على الأرض ٥ خز: (١/٣١٨) ح٦٢٦، و(١/٣١٩) ح٦٢٩. حب: الإحسان: (٣/١٩٠) ح١٩٠٩.
[ ٢ / ٢٦٨ ]
والبيهقي في (سننيهما) ١، والحاكم في (المستدرك) ٢، والحازمي في (الاعتبار) ٣ كلهم من طريق:
يزيد بن هارون، عن شريك، عن عاصم بن كليب٤، عن أبيه٥، عن وائل بن حجر ﵁ به.
والحديث بهذا الإسناد ضعيف لأجل شريك بن عبد الله؛ فإنه سيئ الحفظ، كثير الخطأ، يغلط في حديثه، كما شهد عليه بذلك غير واحد من أئمة النقد: كيحيى القطان، وابن معين، وأبي حاتم، والجوزجاني، وغيرهم٦. ولذلك قال يحيى بن معين: "إذا خالف فغيره أحبُّ إلينا منه"٧. وسيأتي من كلام الدارقطني مثل ذلك، وقد خُولف شريك في هذا الحديث، فرواه غيره على غير هذا الوجه كما سيأتي بيانه.
وقد أشار الأئمة إلى تفرد شريك به، فقال الترمذي: "حديث حسن غريب، لا نعرف أحدًا رواه مثل هذا عن شريك". وفي بعض نسخ
_________________
(١) ١ قط: (١/٣٤٥) ح ٦. هق: (٢/٩٨) . (١/٢٢٦) . (ص ٨٠) باب ما ذكر في وضع اليدين قبل الركبتين. ٤ ابن شهاب بن المجنون الجَرْمي، الكوفي، صدوقٌ رُمِيَ بالإرجاء، من الخامسة، مات سنة بضع وثلاثين ومائة/ خت م ٤. (التقريب ٢٨٦) . ٥ كليب بن شهاب الجرمي، صدوق، من الثانية، ووهم من ذكره من الصحابة/ي ٤. (التقريب٤٦٢) . ٦ انظر: الميزان: (٢/٢٧٠ - ٢٧١)، وتهذيب التهذيب: (٤/٣٣٣ - ٣٣٧) . ٧ الميزان: (٢/٢٧٠) .
[ ٢ / ٢٦٩ ]
الترمذي: " غير شريك". وهو الأنسب. وقال في (العلل) ١: "قال يزيد - يعني ابن هارون -: لم يرو شريك، عن عاصم بن كليب إلا هذا الحديث الواحد". قال الترمذي عقبه: " وشريك بن عبد الله كثير الغلط والوهم". وقال النسائي: "لم يقل هذا عن شريك غيرُ يزيد بن هارون"٢. وقال الدارقطني: "تفرد به يزيد عن شريك، ولم يحدث به عاصم بن كليب غير شريك، وشريك ليس بالقوي فيما يتفرد به"٣.
وقال البيهقي: "هذا حديث يُعَدُّ في أفراد شريك القاضي"٤. وقد حَكَمَ بتفرد شريك به أيضًا: البخاري، وابن أبي داود، كما في (التلخيص الحبير) ٥.
وقد خُولف شريك - مع ذلك - في إسناد حديثه هذا، فأخرجه أبو داود في (سننه) ٦، والبيهقي٧ كذلك، من طريق: هَمَّام، عن شقيق٨، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن النبي ﷺ مرسلًا، ليس فيه ذكر "وائل بن حجر".
وأشار الترمذي - ﵀ - إلى هذا المرسل، فقال: "وَرُوِيَ
_________________
(١) (١/٢٢٠ - ٢٢١) . ٢ السنن: (٢/٢٣٤ - ٢٣٥) . ٣ السنن: (٢/٣٤٥) . ٤ السنن: (٢/٩٩) . (١/٢٥٤) . (١/٥٢٤ - ٥٢٥) ح ٨٣٩. (٢/٩٩) . ٨ أبو ليث، مجهول، من السادسة /د. (التقريب ٢٦٨) .
[ ٢ / ٢٧٠ ]
هَمَّام بن يحيى، عن شقيق " ثم قال: "وشريك بن عبد الله كثير الغلط والوهم"١. فكأنه يشير إلى تقديم المرسل. وقال البيهقي: " وإنما تابعه همام من هذا الوجه مرسلًا، هكذا ذكره البخاري وغيره من الحفاظ المتقدمين"٢. وقال الحازمي - بعد أن حَسَّنَ حديث وائل المتصل-: "قال هَمَّام: وحدثنا شقيق مرسلًا، وهو المحفوظ"٣.
وحديث هَمَّامٍ هذا مع إرساله، فإن في إسناده رجلًا مجهولًا، وهو شقيق أبو ليث.
وقد رُوِي الموصول من وجه آخر عن وائل بن حجر ﵁، فأخرجه أبو داود في (سننه) ٤، وكذا البيهقي٥ من طريق: همام، عن محمد بن جُحادة٦، عن عبد الجبار بن وائل٧، عن أبيه، عن النبي ﷺ فذكر صفة صلاته ﷺ، إلى أن قال: " فلما أراد أن يسجد، وقعت ركبتاه على الأرض قبل أن تقع كَفَّاه".
ولكنَّ هذه الطريق معلولة؛ فإن عبد الجبار لم يسمع من أبيه، أعَلَّهُ
_________________
(١) ١ علل الترمذي: (١/٢٢١) . ٢ سنن البيهقي: (٢/٩٩) . ٣ الاعتبار: (ص٨٠) . (١/٥٢٤) ح ٨٣٩. (٢/٩٨) . ٦ ثقة، من الخامسة، مات سنة ١٣١ هـ / ع. (التقريب ٤٧١) . ٧ ابن حُجْر، ثقة لكنه أرسل عن أبيه، من الثالثة، مات سنة ١١٢ هـ / م ٤. (التقريب ٣٣٢) .
[ ٢ / ٢٧١ ]
بذلك ابن حجر١. وقد نصَّ الأئمة على عدم سماعه من أبيه، فقال ابن معين: "لم يسمع من أبيه شيئًا، إنما كان يُحَدِّثُ عن أهل بيته عن أبيه"٢. وقال البخاري: "لم يسمع من أبيه، وُلِدَ بعد موت أبيه"٣. وقال ابن حبان: "ومن زعم أنه سمع أباه فقد وَهِمَ؛ لأن وائل بن حجر مات وأمه حامل به، ووضعته بعد موت وائل بستة أشهر"٤. وقال بذلك غير هؤلاء٥.
وأخرجه البيهقي٦ أيضًا: عن محمد بن حجر، عن سعيد بن عبد الجبار٧، عن عبد الجبار بن وائل، عن أمه، عن وائل بن حجر ﵁، أنه قال: "صليت خلف رسول الله ﷺ، ثم سَجَدَ وكان أولُ ما وصلَ إلى الأرض ركبتاه". فهل يصير الإسناد بذلك متصلًا؟
قال ابن حجر في (تهذيبه) ٨ - عند ذكره شيوخ عبد الجبار بن وائل-: " وعن أمه أم يحيى، وقيل: لم يسمع من أبويه". ولقائل أن يقول: لم يَجْزِمْ ابن حجر هنا بعدم سماع عبد الجبار من أمه، وإنما نقل
_________________
(١) ١ التلخيص الحبير: (١/٢٥٤) . ٢ تاريخ الدوري عن يحيى: (٢/٣٤٠) . ٣ علل الترمذي: (٢/٦١٩) . ٤ الثقات: (٧/١٣٥) . ٥ انظر: تهذيب التهذيب: (٦/١٠٥) . ٦ السنن: (٢/٩٩) . ٧ ابن وائل بن حجر، الحضرمي، الكوفي، ضعيف، من السابعة، مات سنة ١٥٨هـ / تمييز. (التقريب ٢٣٨) . (٦/١٠٥) .
[ ٢ / ٢٧٢ ]
ذلك بصيغة تمريض، مما يجعل احتمال الضعف يتطرق إلى هذا القول؟
ويجاب عن ذلك: بأنه لو سُلِّمَ القول بالاتصال، فإنه يبقى الإسناد ضعيفًا من جهة أخرى؛ ذلك أن محمد بن حجر - ابن أخي سعيد بن عبد الجبار - ضعيف، قال أبو حاتم: "شيخ"١ وقال البخاري: "فيه نظر"٢. وقال ابن حبان: "يروي٣ عن عمه سعيد بن عبد الجبار، عن أبيه عبد الجبار، عن أبيه وائل بن حجر بنسخة منكرة لا يجوز الاحتجاج به"٤. وقال الذهبي: "له مناكير"٥.
وعمه سعيد بن عبد الجبار - شيخه في هذا الإسناد - ضعيف أيضًا، قال النسائي: "ليس بالقويِّ"٦.
فَتَبَيَّنَ من ذلك: أن هذا الإسناد دائر بين الانقطاع والضعف، لا ينفك عنه واحدٌ منهما.
فالحاصل: أن حديث وائل بن حُجْر هذا ضعيف؛ لِتَفَرّدِ شريك به، ومخالفة غيره له، ولا حُجَّةَ فيما ينفرد به، وما وُجِدَ من طرق أخرى لحديثه: فهي تدور بين الضعف والانقطاع.
_________________
(١) ١ الجرح والتعديل: (٣/٢/٢٣٩) . ٢ التاريخ الكبير: (١/١/٦٩) . ٣ بمعنى: "يُحَدِّث"، ولذلك قال: "بنسخة" فعدَّاها بالباء. ٤ المجروحين: (٢/٢٧٣) . ٥ الميزان: (٣/٥١١) . ٦ الضعفاء والمتروكين: (ص٥٢) .
[ ٢ / ٢٧٣ ]
وأما اعتماد ابن القَيِّم في ذلك على تصحيح الحاكم، وابن خزيمة، وابن حبان: فإنه مُعَارضٌ بتضعيف من ضَعَّفَهُ من الأئمة المتقدم كلامهم، ولم يقل أحدٌ: إن كلَّ ما أخرجوه في كتبهم صحيح، بل وُجِدَت عندهم أحاديث ضعيفة، على تفاوت بينهم، ومع ذلك: فإن قول الحاكم عقب هذا الحديث: "قد احتج مسلم بشريك " غير مُسَلَّمٍ؛ لأن مسلمًا لم يُخرج له إلا متابعة١. وسيأتي أن الحاكم - ﵀ - لم يأخذ بحديث شريك هذا، مع تصحيحه إياه.
وقد ذكر ابن القَيِّم - ﵀ - شاهدًا لحديث وائل بن حجر، وهو حديث:
٢٥- (١٠) أنس ﵁، أنه قال: " رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ انْحَطَّ بالتكبير، حَتَّى سَبَقَت رُكْبَتَاه يَدَيه".
عزا ابن القَيِّم - ﵀ - هذا الحديث للحاكم، ونقل عنه قوله: "على شرطهما، ولا أعلم له عِلَّة". ثم نقل عن أبي حاتم أنه أنكره، ثم قال: "وإنما أنكره - والله أعلم - لأنه من رواية العلاء بن إسماعيل العطَّار، عن حفص بن غياث، والعلاء هذا مجهول، لا ذكر له في الكتب السِّتة"٢.
_________________
(١) ١ انظر: الميزان: (٢/٢٧٤) . ٢ زاد المعاد: (١/٢٢٨ - ٢٢٩) .
[ ٢ / ٢٧٤ ]
قلت: هذا الحديث أخرجه الدارقطني في (سننه) ١، والحاكم في (المستدرك) ٢، والبيهقي في (السنن) ٣، والحازمي في (الاعتبار) ٤ - من طريق الدارقطني - كلهم من طريق: العباس بن محمد الدوري، عن العلاء بن إسماعيل العطار، عن حفص بن غياث، عن عاصم الأحول، عن أنس ﵁، قال: " رأيت رسول الله ﷺ كَبَّرَ فحاذى بإبهاميه أذنيه، ثم ركع حتى اسْتَقَرَّ كل مفصل منه في موضعه، ورفع رأسه حتى استقرَّ كل مفصل منه في موضعه، ثم انحطَّ بالتكبير حتى سبقت ركبتاه يديه". هذا لفظ الدارقطني، والبيهقي. ولفظ الحاكم مثلهم إلا أنه ليس عنده قوله " ورفع رأسه ". ولفظ الحازمي مختصر، وهو الذي أورده ابن القَيِّم ﵀.
قال أبو عبد الله الحاكم: "إسناد صحيح على شرط الشيخين، ولا أعرف له عِلَّةً، ولم يخرجاه" ووافقه الذهبي، كذا قالا رحمهما الله، وسكت عنه الحازمي مُؤَيِّدًَا!
ولكن الأمر على خلاف ذلك؛ فقد سُئِلَ عنه أبو حاتم؟ فقال: "هذا حديث منكر"٥. وقال الدارقطني: "تفرد به العلاء بن إسماعيل، عن حفص بهذا الإسناد". وكذا قال البيهقي، زاد ابن حجر: "وهو مجهول"٦.
_________________
(١) (١/٣٤٥) ح ٧. (١/٢٢٦) . (٢/٩٩) . (ص ٨٠) . ٥ علل ابن أبي حاتم: (١/١٨٨) ح ٥٣٩. ٦ التلخيص الحبير: (١/٢٥٤) .
[ ٢ / ٢٧٥ ]
والعلاء بن إسماعيل هذا لم أجد له ترجمةً فيما بين يديَّ من كتب الرجال، ولكن ذكره ابن حجر في (لسان الميزان) ١ فلم يزد على أن ذكر فيه قول ابن القَيِّم: "مجهول"، وكلمة أبي حاتم في نكارة هذا الحديث، ثم قال: "وخالفه عمر بن حفص بن غياث - وهو من أثبت الناس في أبيه - فرواه عن أبيه، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة وغيره، عن عمر موقوفًا عليه، وهذا هو المحفوظ".
فَلَتَخَّصَ من ذلك: أن هذا الحديث منكر بإسناد فيه رجلٌ مجهول، وقد تَفَرَّدَ به، فأنى له أن يكون على شرط الشيخين؟!
وإذا كان كذلك، فإنه لا قَيِّمة لهذا الشاهد في تقوية حديث وائل ابن حجر، بل إنه باقٍ على ضعفه.
ثم انتقل ابن القَيِّم بعد ذلك إلى الأحاديث التي تعارض حديث وائل بن حجر المتقدم، فذكر منها:
٢٦ - (١١) حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ، أنه قال: "إذا سَجَدَ أَحَدُكُم، فَلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه".
قال ابن القَيِّم ﵀: "فالحديث - والله أعلم - قد وَقَعَ فيه وَهْمٌ من بضع الرواة؛ فإن أَوَّلَهُ يُخالف آخره، فإنه إذا وضع يديه قبل ركبتيه، فقد بَرَكَ كما يبرك البعير، فإن البعير إنما يضع يديه أولًا"٢.
_________________
(١) (٤/١٨٢ - ١٨٣) . ٢ زاد المعاد: (١/٢٢٣ - ٢٢٤) .
[ ٢ / ٢٧٦ ]
ثم أخذ في الرد على من يقولون: إن رُكْبَتَي البعير في يديه، وأنه إذا بَرَك وضع ركبتيه أولًا، ولهذا نُهِيَ عن التشبه به. وأخذ - ﵀ - في بيان فساد هذا القول، وأن ذلك غير معروف في اللغة، ثم ذكر بعد ذلك: أن البخاري، والترمذي، والدارقطني ضَعَّفُوا حديث أبي هريرة هذا١.
قلت: هذا الحديث أخرجه أبو داود، والنسائي في (سننيهما) ٢، وأحمد، والدارمي في (مسنديهما) ٣، والدارقطني والبيهقي في (سننيهما) ٤، والبخاري في (التاريخ الكبير) ٥، والحازمي في (الاعتبار) ٦، كلهم من طريق:
عبد العزيز بن محمد الدَّراوردي٧، عن محمد بن عبد الله بن حسن٨، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ به. وعند الدارمي زيادة وهي: قيل لعبد الله - لعله الدارمي -: ما تقول؟ قال: "كله
_________________
(١) ١ زاد المعاد: (١/٢٢٨) . ٢ د: (١/٥٢٥) ح ٨٤٠. س: (٢/٢٠٧) . ٣ حم: (٢/٣٨١) . مي: (١/٢٤٥)؛ ١٣٢٧. ٤ قط: (١/٣٤٤ - ٣٤٥) ح ٣، ٤. هق: (٢/٩٩) . (١/١/١٣٩) . (ص ٧٩) . ٧ أبو محمد الجهني مولاهم، المدني، صدوق كان يُحَدِّثُ من كتب غيره فيخطئ، قال النسائي: حديثه عن عبيد الله العُمَري منكر، من الثامنة، مات سنة ١٨٦، أو ١٨٧ هـ / ع. (التقريب ٣٥٨) . ٨ ابن حسن بن علي الهاشمي، المدني، يلقب بـ "النفس الزكية"، ثقة، من السابعة، قتل سنة ١٤٥هـ، وكان خرج على المنصور، وغلب على المدينة، وتسمى بالخلافة، فقتل/ د ت س. (التقريب ٤٨٧) .
[ ٢ / ٢٧٧ ]
طَيِّب"١. وقال: "أهل الكوفة يختارون الأول".
وأخرجه أبو داود - ومن طريقه البيهقي٢ - والترمذي، والنسائي في (سننهم) ٣ من طريق: عبد الله بن نافع٤، عن محمد بن عبد الله بن حسن، بالإسناد السابق إلى أبي هريرة ﵁، لكن بلفظ: "يعمد أَحَدَكُم في صلاته فيبرك كما يبرك الجمل؟! " هكذا بدون ذكر تقديم اليدين.
وقد أَعَلَّ قومٌ حديث أبي هريرة هذا: فقال البخاري في ترجمة محمد بن عبد الله بن حسن: "ولا يتابع عليه، ولا أدري سمع من أبي الزناد أم لا؟ "٥. وقال الترمذي عقبه: "حديث غريب، لا نعرفه من حديث أبي الزناد إلا من هذا الوجه". وقال الدارقطني: "تَفَرَّد به الدراوردي عن محمد بن عبد الله بن حسن "٦. وقال الحازمي مثل قول الترمذي، وزاد: "وهو على شرط أبي داود، والترمذي، والنسائي، أخرجوه في كتبهم"٧. وقدَّمَ عليه الخطابي حديث
_________________
(١) ١ لعل الدارمي - ﵀ - يُنَبِّهُ بذلك إلى أن فِعْل ما هو خلاف الراجح لا ينبغي أن يكون موضع إنكار. ٢ في سننه: (٢/١٠٠) . ٣ د: (١/٥٢٥) ح ٨٤١. ت: (٢/٥٧) ح ٢٦٩. س: (٢/٢٠٧) . ٤ الصائغ المخزومي مولاهم، أبو محمد، المدني، ثقةٌ صحيح الكتاب، في حفظه لِيْنٌ، من كبار العاشرة، مات سنة ٢٠٦هـ وقيل بعدها/ بخ م ٤. (التقريب ٣٢٦) . ٥ التاريخ الكبير: (١/١/١٣٩) . ٦ مختصر السنن للمنذري: (١/٣٩٩) . ٧ الاعتبار: (ص٧٩) .
[ ٢ / ٢٧٨ ]
وائل بن حجر، فقال: "حديث وائل بن حجر أثبت من هذا"١.
والجواب عن ذلك:
- أما تفرد محمد بن عبد الله بن حسن به: فإن ذلك لا يَضُرُّه شيئًا؛ لأن محمدًا ثقة، وثَّقَهُ النسائي٢، وذكره ابن حبان في (الثقات) ٣. صحيح أنه ليس في الدرجة العليا من التوثيق - فإنني لم أر أحدًا وثقه غير النسائي، مع كلام البخاري في سماعه من أبي الزناد، وذكر ابن أبي حاتم له في (الجرح والتعديل) ٤ ساكتًا عنه، وإدخال الذهبي له في كتابه (المغني في الضعفاء) ٥ - لكنه مع ذلك أحسن حالًا من شريك، راوي حديث وائل بن حجر المتقدم، وقد اختار الحافظ ابن حجر - ﵀ - توثيقه، فقال: "ثقة". وقال ابن التركماني: "وقول البخاري: "لا يُتابع على حديثه". ليس بصريح في الجرح، فلا يعارض توثيق النسائي"٦.
- وأما القول بعدم سماع محمد بن عبد الله هذا من أبي الزناد: فإن البخاري - ﵀ - لم يجزم به كما مضى كلامه، وعلى فرض جزم البخاري بذلك، فإنما هو على مذهبه في اشتراط ثبوت اللقاء، قال
_________________
(١) ١ معالم السنن: (١/٣٩٨) . ٢ تهذيب التهذيب: (٩/٢٥٢) . (٩/٤٠) . (٣ / ٢ / ٢٩٥) . (٢/٥٩٦) . ٦ الجوهر النقي: (٢/١٠٠) .
[ ٢ / ٢٧٩ ]
الشيخ الألباني في (إرواء الغليل) ١: "وليس ذلك بشرط عند جمهور المحدثين، بل يكفي عندهم مجرد إمكان اللقاء، مع أمن التدليس وهذا متوفر هنا، فإن محمد بن عبد الله لم يُعرف بتدليس، ثم هو قد عاصر أبا الزناد وأدركه زمانًا طويلًا، فإنه مات سنة (١٤٥هـ) وله من العمر: (٥٣)، وشيخه أبو الزناد مات سنة (١٣٠)، فالحديث صحيحٌ لا ريب فيه". كذا قال الشيخ الألباني، وقد تقدم رُجْحان مذهب البخاري في ذلك. وأما قول الدارقطني بتفرد الدراوردي به عن محمد بن عبد الله بن حسن: فليس كذلك، قال الحافظ المنذري: "وفيما قاله الدارقطني نظرٌ؛ فقد روى نحوه عبد الله بن نافع، عن محمد بن عبد الله بن حسن، وأخرجه أبو داود، والترمذي، والنسائي من حديثه"٢.
قلت: وقد مضى قبل قليل تخريج هذا الطريق، وهو وإن كان أخصر من لفظ الدراوردي، إلا أنه يشهد له في الجملة، وقوله ﷺ فيه: "يعمد أحدكم فيبرك في صلاته برك الجمل". يفسره حديث الدراوردي، وأن عدم التشبه بالبعير يقتضي تقديم اليدين في السجود.
ومما يؤكد عدم ثبوت العلل التي رُمي بها إسناد هذا الحديث: أنه قد صححه جماعة من الأئمة: فصححه عبد الحق، وقال: "إنه أحسن إسنادًا من حديث وائل بن حجر"٣. وقال النووي: "إسناده جَيِّد"٤. وكذا قال
_________________
(١) (٢/٧٩) . ٢ مختصر السنن: (١/٣٩٩) . ٣ إرواء الغليل: (٢/٧٨) . ٤ المجموع: (٣/٣٦٢) .
[ ٢ / ٢٨٠ ]
الزرقاني١. وقال الحافظ ابن حجر: "وهو أقوى من حديث وائل بن حُجْر"٢. ورمز له السيوطي بالصحة٣. وقال العلامة أحمد شاكر: "والظاهر من أقوال العلماء في تعليل الحديثين: أن حديث أبي هريرة هذا حديث صحيح، وهو أصحُّ من حديث وائل، وهو حديث قَوْلِيٌّ يرجح على الحديث الفِعْلِي "٤. وصححه كذلك الشيخ الألباني٥.
وأما ما ذهب إليه ابن القَيِّم - ﵀ - من القول بوقوع قلبٍ في حديث أبي هريرة هذا، وأنه وَقَعَ فيه وهمٌ من بعض الرواة، ولعله: "وليضعْ ركبتيه قبل يديه": فقد استدلَّ على ذلك بأمور، منها:
أولًا: أن أول الحديث يخالف آخره؛ وقد تقدم نقل كلامه في ذلك أول البحث.
ثانيًا: أنه قد رُوي عن أبي هريرة - كما قال ابن القَيِّم -﵀- بلفظ: " إذا سجد أحدكم، فليبدأ بركبتيه قبل يديه، ولا يبرك كبروك الفَحْل". فيتأ يَّدُ بذلك ما ذهب إليه ابن القَيِّم من حدوث القلب في متنه٦.
ثالثًا: أنه قد رُوي عن أبي هريرة - أيضًا - من فعل النبي ﷺ ما
_________________
(١) ١ شرح المواهب: (٧/٣٢٠) . ٢ بلوغ المرام مع سبل السلام: (١/٣١٦) ح ٢٩٢. ٣ الجامع الصغير مع فيض القدير: (١/٣٧٣) ح ٦٧٣. ٤ التعليق على الترمذي: (٢/٥٨) . ٥ الإرواء: (٢/٧٨)، وتمام المنة (ص ١٩٣ - ١٩٦) . ٦ زاد المعاد: (١/٢٢٣ - ٢٢٥) .
[ ٢ / ٢٨١ ]
يوافق ذلك، وهو قوله: " أن النبي ﷺ كان إذا سجد بدأ بركبتيه قبل يديه". فهذا يوافق حديث وائل بن حجر المتقدم في حكاية فعله صلى الله عليه وسلم١.
رابعًا: أن حديث وائل بن حجر لم يُخْتَلفْ فيه، بينما حديث أبي هريرة قد اختلف فيه كما تقدم، فروي عنه ما يوافق حديث وائل بن حجر٢.
فهذا أبرز ما استدل به ابن القَيِّم - ﵀ - على تأكيد دعوى القلب في هذا الحديث، ورجحان البداءة بالركبتين.
والجواب عن ذلك من وجوه:
- أما قوله: إن أهل اللغة لا يعرفون أن ركبتي البعير في يديه: فغير صحيح، فقد قال ابن منظور: "وركبة البعير في يده وركبتا يدي البعير: المفصلان اللذان يليان البطن إذا برك، وأما المفصلان الناتئان من خلف: فهما العرقوبان. وكل ذي أربع ركبتاه في يديه، وعرقوباه في رجليه"٣. فإذا ثبت ذلك لغةً، فإن أول الحديث يوافق آخره ولا يخالفه، فيكون الساجد مأمورًا بالنزول على يديه، مخالفًا بذلك فعل البعير الذي ينزل على ركبتيه، وحينئذٍ لا يكون لابن القَيِّم - ﵀ - متعلق في ذلك من ناحية اللغة.
- وأما الحديث الذي ساقه عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: " إذا
_________________
(١) ١ زاد المعاد: (١/٢٢٣ - ٢٢٥) . ٢ تهذيب السنن: (١/٤٠٠) . ٣ لسان العرب: (ص ١٧١٤ - ١٧١٥) مادة: ركب.
[ ٢ / ٢٨٢ ]
سجد أحدكم فليبدأ بركبتيه ": فحديث ضعيف لا تقوم بمثله حجة، أخرجه ابن أبي شيبة في (مصنفه) ١ - كما عزاه ابن القَيِّم، وعزاه أيضًا: إلى الأثرم في (سننه) - والبيهقي في (سننه) ٢، من طريق:
محمد بن فضيل، عن عبد الله بن سعيد٣، عن جَدِّهِ، عن أبي هريرة ﵁ به. قال البيهقي عقبه: "إلا أن عبد الله بن سعيد المقبري ضعيف". وقال الحافظ ابن حجر: "ولكن إسناده ضعيف"٤.
قلت: بل إنَّ هذا الإسناد شديد الضَّعْفِ؛ فإن عبد الله المقبري قال فيه أحمد، والفلاس، والدارقطني: "متروك". وكَذَّبَه يحيى بن سعيد، وقال الفلاَّس أيضًا: "منكر الحديث". وقال البخاري: "تركوه"٥. فلا أدري كيف أورده ابن القَيِّم - ﵀ - مورد الاحتجاج، مع معارضة الحديث الصحيح له؟ ٦.
وقد قلبَ الشيخ الألباني هذه الدعوى - دعوى القلب - على ابن القَيِّم ﵀؛ فقال في حديث المقبري هذا: "وأحسنُ الظنِّ بهذا الْمُتَّهَم أنه أراد أن يقول: فليبدأ بيديه قبل ركبتيه - كما في الحديث
_________________
(١) (١/٢٦٣) . (٢/١٠٠) . ٣ ابن أبي سعيد المقبري، أبو عبَّاد الليثي، مولاهم، المدني، متروكٌ، من السابعة/ت ق. (التقريب ٣٠٦) . ٤ فتح الباري: (٢/٢٩١) . ٥ تنظر أقوالهم هذه في (الميزان): (٢/٤٢٩) . ٦ مع أن ابن القَيِّم نفسه لم يرض بقول البيهقي في هذا الرجل: "ضعيف". فَتَعَقَّبَهُ قائلًا: "قلت: قال أحمد والبخاري: متروك"! (تهذيب السنن: ١/٤٠٠) .
[ ٢ / ٢٨٣ ]
الصحيح - فانقلب عليه، فقال: بركبتيه قبل يديه"١.
- وأما ما استدل به ابن القَيِّم من رواية أبي هريرة أيضًا: " أن النبي ﷺ كان إذا سجد بدأ بركبتيه": فيقال فيه ما قيل في الذي قبله، فقد ساقه ابن القَيِّم - ﵀ - من رواية: ابن أبي داود، عن يوسف بن عدي، عن ابن فضيل بالإسناد السابق بعينه: ففيه هذا المتروك "عبد الله بن سعيد الْمَقْبُرِيّ". فكيف تُعارَضُ الأحاديث الصحيحة بمثله؟!
فإذا ظهر ذلك، فإن حديث أبي هريرة ﵁ يكون قد سَلِمَ من الإعلال سندًا ومتنًا، وأن ابن القَيِّم - ﵀ - لم يكن مصيبًا في إعلاله إياه.
- وأما قوله بأن حديث أبي هريرة قد وقع فيه اختلاف واضطراب: فَيُجَاب عنه بأن ذلك ليس اضطرابًا مؤثرًا، وذلك لعدم تساوي وجوهه في القوة، فقد تقدم أن حديث أبي هريرة الذي يعارض حديث الباب ضعيف - بل شديد الضعف، لضعف عبد الله بن سعيد - فَيَتَرَجَّحُ عليه حديث أبي هريرة الذي فيه وضعُ اليدين قبل الركبتين، وإذا أمكن الترجيح زالت دعوى الاضطراب.
ثم إن حديث أبي هريرة ﵁ له شاهد من رواية:
_________________
(١) ١ إرواء الغليل: (٢/٧٩) .
[ ٢ / ٢٨٤ ]
٢٧- (١٢) عبد الله بن عمر ﵄: " أَنَّه كَانَ يَضَعُ يَدَيْهِ قبل ركبتيه، ويقول: كَانَ النَّبِيُّ يَفْعَل ذلك".
ذكر ابن القَيِّم - ﵀ - هذا الحديث، ونقل فيه تصحيح الحاكم ولم يتعقبه بشيء١، ولكنه قال مرة: "وأما حديث ابن عمر: فالمرفوع منه ضعيف "٢.
وقال مرة أخرى: "حديث وائل بن حجر أثبت من حديث أبي هريرة وابن عمر"٣.
قلت: هذا الحديث أخرجه ابن خزيمة في (صحيحه) ٤، والدارقطني في (سننه) ٥ من طريق: أصبغ بن الفرج٦. وأخرجه الحاكم في (المستدرك) ٧ - ومن طريقة البيهقي٨ - من طريق: محرز بن سلمة٩.
_________________
(١) ١ زاد المعاد: (١/٢٢٨) . ٢ تهذيب السنن: (١/٤٠٠) . ٣ الصلاة: (ص٢٠٥) . (١/٣١٨) ح ٦٢٧. (١/٣٤٤) ح ٢. ٦ ابن سعيد الأموي مولاهم، الفقيه المصري، أبو عبد الله، ثقة، مات مستترًا أيام المحنة سنة ٢٢٥هـ، من العاشرة/ خ د ت س. (التقريب ١١٣) . (١/٢٢٦) . ٨ السنن: (٢/١٠٠) . ٩ العدني، ثم المكي، صدوق، من العاشرة، مات سنة ٢٣٤ هـ/ق. (التقريب٥٢١) .
[ ٢ / ٢٨٥ ]
والحازمي في (الاعتبار) ١ من طريق: ابن وهب، كلهم عن:
عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر - ﵄ - به.
قال الحاكم أبو عبد الله: "صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه". ووافقه الذهبي. وقال المنذري: "أخرجه الدارقطني في سننه بإسناد حسن"٢. وقال ابن حجر: "صَحَّحَهُ ابن خزيمة"٣. وقد جَعَلَهُ ابن حجر شاهدًا لحديث أبي هريرة الماضي، فقال: "وهو - يعني حديث أبي هريرة - أقوى من حديث وائل بن حجر ؛ فإن للأول شاهدًا من حديث ابن عمر "٤.
ومع ذلك، فقد قال الدارقطني ﵀ عن حديث ابن عمر هذا: "وهذا تَفَرَّدَ به الدراوردي، عن عبيد الله". وقال مرة: "تفرد به أصبغ بن الفرج، عن عبد العزيز الدراوردي عن عبيد الله". نقل ذلك عن الدارقطني المنذري - ولم أقف عليه - ثم قال: "وأصبغ بن الفرج حَدَّثَ عنه البخاري في صحيحه محتجًا به وعبد العزيز الدراوردي احتجَّ مسلم بحديثه في صحيحه، وأخرج البخاري حديثه في صحيحه مقرونًا بعبد العزيز بن أبي حازم"٥.
_________________
(١) (ص٧٩) . ٢ مختصر السنن: (١/٣٩٩) . ٣ بلوغ المرام مع سبل السلام: (١/٣١٧) . ٤ المصدر السابق. ٥ مختصر السنن: (١/٣٩٩) .
[ ٢ / ٢٨٦ ]
قلتُ: أما تَفَرُّد أصبغ بن الفرج به، فقد تقدم أنه تابعه عليه: محرز بن سلمة، وابن وهب، كلاهما عن الدراوردي به، ولذلك قال ابن حجر ﵀: "ولم يتفرد به أصبغ كما ترى"١.
ونظير قول الدارقطني هذا، ما قاله الحازمي ﵀، إذ قال: "هذا الحديث يُعَدُّ في مفاريد عبد العزيز، عن عبيد الله"٢. قال الحافظ ابن حجر عقب قول الحازمي هذا: "وهذا أشبه بالصواب"٣. يعني من قول الدارقطني: "تفرد به أصبغ بن الفرج".
وهذا من ابن حجر - ﵀ - موافقة على القول بتفرد الدراوردي بهذا الحديث عن عبيد الله بن عمر، وقد تُكُلِّم في رواية الدراوردي عن عبيد الله٤.
ولكن، لما كان للحديث شاهدٌ من رواية أبي هريرة كما تقدم، فإن تفرد الدراوردي عن عبيد الله هنا لا يضرُّ؛ لأن أصل الحديث ثابتٌ من وجه آخر.
وقد أعله البيهقي بعلة أخرى، فقال: "ولا أراه إلا وَهْمًا - يعني رفعه - والمشهور عن عبد الله بن عمر في هذا: ما أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد المقري " فساقه بإسناده إلى حماد بن زيد، عن أيوب،
_________________
(١) ١ تغليق التعليق: (٢/٣٢٨) . ٢ الاعتبار: (ص٧٩) . ٣ تغليق التعليق: (٢/٣٢٨) . ٤ تهذيب التهذيب: (٦/٣٥٤) .
[ ٢ / ٢٨٧ ]
عن نافع، عن ابن عمر ﵄، أنه قال: " إذا سجد أحدكم فليضع يديه، فإذا رفع فليرفعهما، فإن اليدين تسجدان كما يسجد الوجه"١.
ورَدَّهُ ابن التركماني، فقال: "وما عَلَّلَه به البيهقي فيه نظر؛ لأن كلًاّ منهما معناه منفصل عن الآخر"٢. وقال الحافظ ابن حجر: "ولقائلٍ أن يقول: هذا الموقوف غير المرفوع؛ فإن الأول في تقديم وضع اليدين على الركبتين، والثاني في إثبات وضع اليدين في الجملة"٣.
فثبت بذلك أن حديث ابن عمر هذا: وإن أُعِلَّ بتفرد الدراوردي به، إلا أنه بانضمام حديث أبي هريرة إليه يتقوَّى، ولا يقلُّ بذلك عن درجة الحسن إن شاء الله.
فالحاصل: أن الراجح في ذلك هو ما جاء عن النبي ﷺ من النزول باليدين في السجود، أمرًا منه ﷺ وفعلًا، وأن ما جاء على خلاف ذلك فإنه لا يقوى على معارضته، حتى إن أبا عبد الله الحاكم مع كلامه في تقوية حديث وائل بن حجر في تقديم الركبتين، إلا أنه قال: "فأما القَلْبُ في هذا فإنه إلى حديث ابن عمر أَمْيَل، لرواياتٍ في ذلك كثيرة عن الصحابة والتابعين"٤.
_________________
(١) ١ سنن البيهقي: (٢/١٠٠ - ١٠١) . ٢ الجوهر النقي: (٢/١٠٠) . ٣ فتح الباري: (٢/٢٩١) . ٤ المستدرك: (١/٢٢٦) .
[ ٢ / ٢٨٨ ]