بسم الله الرّحمن الرّحيم
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان علي رسوله الأمين وعلي آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلي يوم الدين.
أما بعد:
فإنّ الله تعالي وعد بحفظ هذا الدين فقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩]، وقد صدق الله وعده،
﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١١١]، فحفظ لنا دينه، وأتمّ علينا نعمته.
وإن مما حفظ الله به الدين أولئك العلماء الحفاظ الذين أفنوا أعمارهم، وبذلوا مُهجهم وأموالهم لحفظ الدين وصيانة الشريعة.
وإن من أعظم أولئك الأعلام الإمام أبا عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم البخاري، المتوفي ليلة عيد الفطر سنة ست وخمسين ومائتين، صاحب «الصحيح» الذي هو أصحّ مصنّف في الحديث.
وثناء الأئمة علي الإمام البخاري في دينه وفضله، وشهادتهم
[ ١٦٥ ]
برسوخه في العلم عموما وفي الحديث خصوصا كثير جدًا، وهو مذكور في مظانّه المعروفة.
قال النووي - ﵀ - في أول شرحه علي «صحيح البخاري»: واعلم أن وصف البخاري رضي الله تعالي عنه بارتفاع المحل والتقدم في هذا العلم علي الأماثل والأقران متفق عليه فيما تأخر وتقدم من الأزمان، ويكفي في فضله أن معظم من أثني عليه ونشر مناقبه شيوخه الأعلام المبرزون والحذاق المتقنون إلي أن قال: ويوضح لك ذلك ما أشرت إليه من أقوال أعلام أئمة المسلمين أولي الورع والدين، والحفاظ النقاد المتقنين، الذين لا يجازفون في العبارات بل يتأملونها، ويحررونها، ويحافظون علي صيانتها أشد المحافظات (١).
وقال ابن حجر - ﵀ - بعد أن ذكر جملة من أقوال الأئمة المتقدمين في الثناء علي الإمام البخاري: ولو فتحت باب ثناء الأئمة عليه ممن تأخر عن عصره لفني القرطاس، ونفدت الأنفاس؛ فذاك بحر لا ساحل له (٢).
وهذا كله يبين ما لأحكام البخاري علي الأحاديث من المنزلة الرفيعة والشأن العظيم والنصيب الأوفي من الصواب.
قال ابن حجر: لا ريب في تقديم البخاري ثم مسلم علي أهل عصرهما ومن بعده من أئمة هذا الفن في معرفة الصحيح والمعلل (٣).
وقد أردت في هذا البحث أن أبرز أحد الأسس التي يقوم عليها منهج الإمام البخاري ﵀ في نقد متن الحديث، وهو التحقق من سلامة معني المتن من مناقضة الأمور الثابتة في الكتاب أو السنة ومخالفة الحقائق التاريخية والعقلية؛ إذ لا يمكن أن يكون الحديث صحيحًا مع وجود تلك المناقضة أو المخالفة في متنه.
وقد جمعت من كتب الإمام البخاري
_________________
(١) شروح البخاري: ٥.
(٢) هدي الساري: ٤٨٥.
(٣) المصدر السابق: ٣٤٦.
[ ١٦٦ ]
الأحاديث والآثار التي أعلّها مصرحا بعلة في متنها من جهة المعني، تمنع من الحكم عليها بالصحة، لمناقضتها ما ثبت في موضوع ذلك المتن.
وذكرت تلك الأحاديث في هذا البحث دون الأحاديث التي أعلّها بعلة في متنها، أشار إليها دون تصريح بها. فقد يعلّ البخاري حديثا بعبارة مجملة يفهم منها أهل هذا العلم - بحكم الخبرة والممارسة - أن البخاري يشير إلي علة في المتن. وغالب الأحاديث التي أعلّها البخاري من جهة متنها أعلّها أيضا من جهة سندها، وهذا يدل علي ما بين صحة المتن وصحة السند من ملازمة، بمعني أن وجود علة في المتن يقتضي وجود علة في السند، وقد تكون واضحة، وقد تكون خفية لا يفطن لها إلا الراسخون في هذا العلم. وذلك أن العلة في المتن لا بد لها من مصدر، ومصدرها لا بد أن يكون من رواة هذا المتن، ورواة المتن هم السند.
وقد جعلت الأحاديث التي أعلّها البخاري خمسة أقسام، وهي:-
القسم الأول: الأحاديث التي أعلّها البخاري بمناقضة متونها السنة الصحيحة.
القسم الثاني: الأحاديث التي أعلّها البخاري بمناقضة متونها ما صح من رواية أصحابها أنفسهم.
القسم الثالث: الأحاديث التي أعلّها البخاري بمناقضة متونها عمل الصحابة.
القسم الرابع: الأحاديث التي أعلّها البخاري بمناقضة متونها رأي من رواها ومذهبه.
القسم الخامس: الأحاديث التي أعلّها البخاري بمناقضة متونها الواقع.
وخصصت القسم السادس للآثار التي أعلّها البخاري بمناقضة متونها ما ثبت عن أصحابها.
[ ١٦٧ ]
وقد خرّجت الأحاديث، وبيّنت وجه إعلال البخاري إياها، وذكرت علل أسانيدها، ونقلت من كلام الأئمة في ذلك كله ما رأيت الحاجة داعية إلي نقله لبيان مقصود البحث.
وأسأل الله تعالي بأسمائه وصفاته أن يجعل هذا البحث خالصا لوجه نافعا لخلقة.
[ ١٦٨ ]