الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليمًا، أما بعد:
عزيزي القارئ كما تعلم فإنه لا غنى لأي مشتغل في الحكم على صحة الأحاديث من الرجوع إلى كتب علل الحديث وخصوصًا أقوال البخاري في العلل الموجودة في كتاب العلل الكبير لتلميذة أبي عيسى الترمذي فهذا الكتاب يتميز ببيان حكم كثير من الأحاديث من إمام المحدثين الإمام البخاري، مما يجعله مصدرًا نفيسًا في هذا المجال.
ولما كانت أعمال البشر لا تخلو من مقال لقول ابن عباس الذي رفعه "ليس أحد إلا يؤخذ من قوله ويدع غير النبي ﷺ" (المعجم الكبير ١١/ ٣٣٩ رقم ١١٩٤١) فكذلك أقوال وأحكام البخاري في العلل الكبير. إلا أن ذلك لا ينقص ذلك من قيمته ومكانته. فهكذا هم أهل العلم يتعقبون بعضهم بعضًا ويدورون مع الدليل شدًا وجذبًا.
وفي ضوء ما تقدم وبعد انتهائي من مراجعة أقوال الحافظ ابن حجر في
[ ٥ ]
"تقريب التهذيب" والذي نتج عنه كتاب "تقريب التقريب" أو "تقريب تقريب التهذيب" وكتاب "التكميل على تحفة التحصيل"، شرعتُ في سبر ما فات البخاري في العلل الكبير مستعينًا بالله ثم بالرجوع إلى الأسانيد الصحيحة في بطون الكتب. وقد حرصتُ على المحافظة على نص العلل الكبير الموجود في المكتبة الشاملة (التي حققها صبحي السامرائي، أبو المعاطي النوري، محمود خليل الصعيدي ونشرها عالم الكتب مكتبة النهضة العربية - بيروت في ١٤٠٩ هـ) مع تدوين ما فتح الله عليَ عند كل حديث فأبدأ بـ "قلت: " أي عبد الحكيم. ولبيان الإضافة العلمية أضفتُ عبارة "ولم يذكر ذلك صاحب التهذيب" أو "وعنه أيضًا" و"فائدة" وكذلك "فيه نظر" تأدبًا مع الإمام الجبل البخاري. قاصدًا فقط خدمة علم الرجال مع التأدب مع العلماء. هذا وقد أسميته "التيسير والتبصير لما فات البخاري في العلل الكبير" سائلًا المولى ﷿ القبول والتوفيق.
وإليك إيها القارئ ثلاث أمثلة، قال الترمذي:
٤١ - حدثنا هناد وأحمد بن منيع قالا: حدثنا أبو معاوية عن عاصم الأحول عن عيسى بن حطان عن مسلم بن سلام عن علي بن طلق، قال: أتى النبي ﷺ أعرابي فقال: يا رسول الله الرجل منا يكون في الفلاة فتكون منه الرويحة ويكون في الماء قلة، فقال رسول الله ﷺ: "إذا فسا أحدكم فليتوضأ ولا تأتوا النساء في أعجازهن فإن الله لا يستحي من الحق". سألت محمدا عن هذا الحديث فقال: علي بن طلق هذا أراه غير طلق بن علي ولا أعرف لعلي بن طلق إلا هذا الحديث وعيسى بن حطان الذي روى عنه هذا الحديث رجل مجهول،
[ ٦ ]
فقلت له: أتعرف هذا الحديث الذي روى علي بن طلق من حديث طلق بن علي؟ فقال: لا
قلت: وأما قول البخاري "عيسى بن حطان رجل مجهول" فيه نظر فعيسى بن حطان الرقاشي تابعي حسن الحديث فقد قال عنه العجلي "ثقة" (تاريخ الثقات رقم ١٤٥٩) ولم يذكر ذلك صاحب تهذيب التهذيب. وإيضًا ذكره ابن حبان في الثقات وروى عنه جماعة منهم محمد بن جحادة وعاصم الأحول وزيد بن عياض (تهذيب التهذيب ٨/ ٢٠٧).
وفي حديث رقم ٥٨، قال الترمذي:
٥٨ - حدثنا قتيبة، حدثنا أبو عوانة، عن أبي يعفور، سألت أنس بن مالك، عن المسح على الخفين فقال: كان رسول الله ﷺ يمسح عليهما، سألت محمدا عن هذا الحديث فقال: أخطأ فيه قتيبة بن سعيد، والصحيح عن أنس موقوف، أبو يعفور اسمه واقد ولقبه وقدان
قلت (أي عبد الحكيم): وأما قول البخاري "أخطأ فيه قتيبة بن سعيد" فيه نظر فقد توبع قتيبة على هذا الإسناد من قبل نعيم بن هيصم فقد أخرجه الطبراني بسند قوي في المعجم الأوسط (٨/ ٢٥٩ رقم ٨٥٧٢) وقال: حدثنا معاذ قال: نا نعيم بن هيصم قال: نا أبو عوانة، عن أبي يعفور قال: سألت أنس بن مالك، عن المسح على الخفين، فقال "كان رسول الله ﷺ يمسح عليهما". وأخرجه مرفوعًا ابن حبان في صحيحه (٦/ ٥٦٧ رقم ٥٨٣٠) والضياء في الأحاديث المختارة (٧/ ٢٥٨ رقم ٢٧٠٧).
[ ٧ ]
وختام هذه الأمثلة حديث رقم ٥٥٤، قال الترمذي:
٥٥٤ - حدثنا ابن أبي عمر حدثنا سفيان حدثنا الزهري قال: أخبرني أبو بكر بن عبد الله بن عمر عن جده عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه» الحديث قال سفيان: فذكرت هذا الحديث لمعمر أريد أن أبلوه فأنظر كيف حفظه للحديث فقلت عمن سمعت من الزهري؟ فقال: عن سالم عن ابن عمر. فقلت: لا أخبرنيه الزهري عن أبي بكر بن عبد الله فقال معمر: إنما عرضناه عليه. قال أبو عيسى: كذا يقول ابن عيينة: عن أبي بكر بن عبد الله. وإنما هو أبو بكر بن عبيد الله بن عبد الله. سألت محمدا عن هذا الحديث فقال: روى مالك وعبيد الله بن عمر وابن عيينة عن الزهري عن أبي بكر وهو ابن عبيد الله بن عبد الله بن عمر عن ابن عمر. وروى عقيل ومعمر عن الزهري عن سالم عن أبيه وروى سفيان الثوري وابن وهب عن عمر بن محمد عن القاسم بن عبيد الله عن سالم عن ابن عمر هذا الحديث وزعموا أن القاسم بن عبيد الله كنيته أبو بكر فإن كان هذا صحيحا فإنه يصح حديث معمر وعقيل عن الزهري عن سالم عن أبيه. لأن أبا بكر بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر لا يزعم في حديثه أنه سمع جده ابن عمر
قلت: قول البخاري "لأن أبا بكر بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر لا يزعم في حديثه أنه سمع جده ابن عمر" فيه نظر فقد صرح أبو بكر بسماعه من جده ابن عمر فقد أخرج الحميدي بسند صحيح في مسنده (١/ ٥٢٣ رقم ٦٤٨) وقال: ثنا سفيان، قال: ثنا الزهري، قال: أخبرني أبو بكر بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، أنه سمع جده عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا أكل أحدكم
[ ٨ ]
فليأكل بيمينه، وإذا شرب فليشرب بيمينه، فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله».
ولتسهيل الرجوع لهذه التعقبات فإني أرفق لكم هذا الجدول والذي يحتوي على أرقام الأحاديث التي وقفت عليها:
١، ٢، ١٩، ٢٨، ٣٠، ٣٢، ٣٥، ٤١، ٥٤، ٥٨، ٦٤، ٧٢، ٧٤، ٧٦، ٩٦، ١٤٣، ١٥٣، ١٥٩، ١٦٥، ١٦٦، ١٧٣، ١٧٥، ١٧٦، ١٧٩، ١٨١، ١٩٠، ٢٠٨، ٢١٤، ٢١٩، ٢٢٨، ٢٤١، ٢٥٩، ٢٦٨، ٢٧٤، ٢٧٥، ٢٩٤، ٣٠٦، ٣٠٩، ٣٣١، ٣٤٥، ٣٤٨، ٣٥١، ٣٥٦، ٣٥٧، ٣٥٩، ٣٦١، ٣٧٤، ٣٩٤، ٤٠٠، ٤١٢، ٤٢٣، ٤٤٢، ٤٤٦، ٤٥٠، ٤٥٢، ٤٥٥، ٤٦٠، ٤٦٣، ٤٨٥، ٥١٢، ٥١٣، ٥٢٢، ٥٢٨، ٥٣٢، ٥٤٢، ٥٥٤، ٥٥٧، ٥٦٢، ٥٧٣، ٦٠٠، ٦٢٣، ٦٤٤، ٦٦٠، ٦٦١، ٦٧٢، ٦٧٤، ٦٨٢، ٧٠٠، ٧٠٤، ٧٠٧، ٧١٧
وفي الختام من كان عنده أي ملاحظة فلا يتردد بالتواصل معنا على:
هاتف: ٩٧٤٥٥٥٥٧٠٥٨+
البريد الإلكتروني:
١٢٣ takreeb@gmail.com
كتبه: عبد الحكيم صالح اليزيدي اليافعي
الدوحة - قطر
الكتاب في الجمعة، ٢٨ رمضان ١٤٤٦ هـ، الموافق ٢٨ مارس ٢٠٢٥ م
[ ٩ ]