فطر الله تَعَالَى الناس عَلَى أن يختلفوا في مواهبهم وقدراتهم وتنوع قابلياتهم في الدقة والضبط والإتقان والحرص عَلَى الشيء، كَمَا أنَّ الناس يختلفون في أحوالهم الأخرى قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَات﴾ (^١)، وهذه المواهب والمنح من الله يعطي من شاء ما شاء. والناس كذلك يختلفون في حرصهم واجتهادهم لِذَلِكَ عَدَّ الإمام الشَّافِعِيُّ (^٢) الحرص من لوازم العلم فَقَالَ:
أخي لن تنال العلم إلا بستة … سأنبيك عن تفصيلها ببيان
ذكاء وحرص واجتهاد وبلغة … وصحبة أستاذ وطول زمان (^٣)
فالحرص إذن من أساسيات العلم، وإن قَلَّ حفظ الرَّاوِي أو كلّت ذاكرته، فبوسعه الحِفاظ على مروياته بالمذاكرة والمتابعة والتعاهد لمحفوظه
_________________
(١) سورة فاطر: ٣٢.
(٢) هُوَ مُحَمَّد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب القرشي المطلبي، فقيه العصر، صاحب المذهب، لَهُ: " الأم " و" اختلاف الْحَدِيْث " وغيرهما، ولد بغزة سنة (١٥٠ هـ) عَلَى الأصح، وتوفي بمصر سنة (٢٠٤ هـ). انظر: " مرآة الجنان " ٢/ ١١ و١٢، و" وفيات الأعيان " ٤/ ١٦٣ و١٦٥، وفي مقدمة تحقيقي "لمسند الشافعي" ١/ ٨ - ٥٢ تجلية وفية لهذا العلم العظيم الذي كان أحد رجالات الدنيا.
(٣) ديوان الشافعي: ١٦٤.
[ ١ / ٦٩ ]
ومراجعة أصوله، حفظًا للسنة النبوية من الخطأ فِيْهَا - بزيادة أَوْ نقص أو تغيير -.
ومع هَذَا كله فإننا لَمْ نعدم في تاريخنا الحديثيِّ بعض الرُّوَاة الَّذِيْنَ لَمْ يبالوا بمروياتهم، وَلَمْ يولوها الاهتمام الكافي، سواء أهمل الرَّاوِي نفسُه تعاهد محفوظاته ومراجعة كتابه، أم تدخل عنصر بالعبث بمروياته (^١)، أم غَيْر ذَلِكَ مِمَّا تكون نتيجته وقوع الوهم في حَدِيْث ذَلِكَ الرَّاوِي، ويؤول في النهاية إلى حدوث الاختلاف مع روايات غيره، عَلَى أنَّ الخطأ والوهم لَمْ يسلم مِنْهُ كبار الحفاظ مع شدة حرصهم وتوقيهم، لذا قَالَ ابن معين (^٢): «لست أعجب ممن يحدّث فيخطئ، إنما العجب ممن يحدث فيصيب» (^٣). غَيْر أنّ الأحاديث التِيْ حصل فِيْهَا الوهم تعد قليلة مغمورة في بحر ما رووه عَلَى الصواب.
والاختلافات يعود غالبها إلى عدم التيقظ وإلى عدم الدقة والضبط، إضافة إلى العوارض البشرية والنفسية، والعوارض الِتيْ تنتاب الإنسان فتُضعف ضبطه وإتقانه، ويقع في وهم من نسيان أَو غفلة أَو خطأ، وَهِيَ متعددة مِنْهَا ما يَكُوْن في الجسم أو النفس أو المال أَو الولد أَو الصديق. وكل ذَلِكَ لَهُ مؤثرات عَلَى الإنسان في عقله وفكره وحفظه وضبطه.
إنّ وراء وقوع العلة في أحاديث الثقات أسباب كامنة، يكشف عنها جهابذة النقاد بطرائق أسلفنا ذكرها، تتمركز حول جمع الطرق والموازنة بينها، وغايتنا هنا ذكر هذه الأسباب القادحة في حديث الثقة، وهي كثيرة، فيها ما هو متداخل يحتاج إلى الفصل والتفصيل، وفيها ما يندرج تحت عنوان واحد، وفيها ما يستحق الإشارة إليه فقط، وهي كالآتي:
_________________
(١) كَمَا حصل لسفيان بن وكيع. انظر: " ميزان الاعتدال " ٢/ ١٧٣ (٣٣٣٤).
(٢) يحيى بن معين بن عون الغطفاني، مولاهم، أبو زكريا البغدادي، ثقة حافظ مشهور إمام الجرح والتعديل، لَهُ: "التاريخ" و"السؤالات" وغيرهما، ولد سنة (١٥٨ هـ) وتوفي سنة (٢٣٣ هـ). انظر: " تهذيب الكمال " ٨/ ٨٩ و٩٥ (٧٥٢١)، و" ميزان الاعتدال " ٤/ ٤١٠ (٩٦٣٦)، و" التقريب " (٧٦٥١).
(٣) تاريخ ابن معين (رِوَايَة الدوري) (٥٢).
[ ١ / ٧٠ ]
١ - الضعف البشري.
٢ - خفة الضبط.
٣ - الاختلاط.
٤ - التصحيف والتحريف.
٥ - انتقال البصر.
٦ - سلوك الجادة.
٧ - الإدخال على الشيوخ.
٨ - التلقين.
٩ - شدة وثوق الراوي بحفظه والاعتماد عليه.
١٠ - التوقي والاحتراز.
١١ - اختصار الحديث أو الرواية بالمعنى.
١٢ - التدليس.
١٣ - التفرد.
١٤ - جمع الشيوخ.
١٥ - كيفية تحمّل الحديث (المذاكرة).
١٦ - قصر الصحبة.
١٧ - تشابه الأسانيد وتقارب المتون.
وسأبدأ الحديث عنها واحدة تلو الأخرى؛ ليكون القارئ على مزيد بيان ومعرفة لتلكم الأسباب، ولتكون منهجًا متصورًا لدى طالب الحديث، يتمكن الباحث الفهم من خلالها من الاطلاع على مواقع الخلل وكوامن العلل التي تشوب كثيرًا من الروايات، في زمن نرى بعض الجامعات الجادة تؤكد على الاهتمام بهذا النوع من علوم الحديث. فأقول وبالله التوفيق:
[ ١ / ٧١ ]