إنّ الله ﷾ شرّف هَذِهِ الأمة بشرف الإسناد، وَمَنَّ عَلَيْهَا بسلسلة الإسناد واتصاله، فهو خصيصة فاضلة لهذه الأمة وليس لغيرها من الأمم السابقة، وَقَدْ أسند الْخَطِيْب إلى مُحَمَّد بن حاتم بن المظفر قوله: «إنّ الله أَكْرَمَ هَذِهِ الأمة وشرّفها وفضّلها بالإسناد، وليس لأحد من الأمم كلها، قديمهم وحديثهم إسنادٌ، وإنما هِيَ صحف في أيديهم وَقَدْ خلطوا بكتبهم أخبارهم، وليس عندهم تمييز بَيْنَ ما نزل من التوراة والإنجيل مِمَّا جاءهم بِهِ أنبياؤهم، وتمييز بَيْنَ ما ألحقوه بكتبهم من الأخبار الَّتِيْ أخذوا عن غَيْر الثقات. وهذه الأمة إنما تنُصّ الْحَدِيْث من الثقة المعروف في زمانه، المشهور بالصدق والأمانة عن
_________________
(١) انظر: " نُزهة النظر ": ٢٢.
(٢) انظر: " الخلاصة ": ٣٠.
(٣) " المنهل الروي ": ٣٠.
(٤) انظر: " تيسير مصطلح الْحَدِيْث ": ١٦.
(٥) انظر: " لسان المحدّثين " (الإسناد).
[ ١ / ١٧٦ ]
مثله حَتَّى تتناهى أخبارهم، ثُمَّ يبحثون أشد البحث حَتَّى يعرفوا الأحفظ فالأحفظ، والأضبط فالأضبط، والأطول مجالسةً، لِمَنْ فوقه ممن كَانَ أقل مجالسةً. ثُمَّ يكتبون الْحَدِيْث من عشرين وجهًا وأكثر، حَتَّى يهذبوه من الغلط والزلل، ويضبطوا حروفه ويعدوه عدًا، فهذا من أعظم نعم الله تَعَالَى عَلَى هَذِهِ الأمة» (^١).
وَقَالَ أبو علي الجياني (^٢): «خصّ الله تَعَالَى هَذِهِ الأمة بثلاثة أشياء لَمْ يعطها مَنْ قَبْلَهَا مِنَ الأمم: الإسناد، والأنساب، والإعراب» (^٣).
وَقَالَ الْحَاكِم النيسابوري: «فلولا الإسناد وطلب هَذِهِ الطائفة لَهُ، وكثرة مواظبتهم عَلَى حفظه لَدَرَسَ منار الإِسْلَام، ولتمكن أهل الإلحاد والبدع فِيْهِ بوضع الأحاديث، وقلب الأسانيد، فإنَّ الأخبار إذا تعرّت عن وجود الأسانيد فِيْهَا كانت بُترًا، كَمَا حَدَّثَنَا أبو العباس مُحَمَّد بن يعقوب (^٤)، قَالَ: حَدَّثَنَا العباس بن مُحَمَّد الدوري (^٥)، قَالَ: حَدَّثَنَا أبو بكر بن أبي الأسود، قَالَ:
_________________
(١) " شرف أصحاب الْحَدِيْث " (٧٦).
(٢) أبو علي الحسين بن مُحَمَّد بن أحمد الجياني، كَانَ إمامًا في الْحَدِيْث، وبصيرًا بالعربية والشعر والأنساب، لَهُ كتب مفيدة مِنْهَا: " تقييد المهمل " ولد سنة (٤٢٧ هـ)، وتوفي سنة (٤٩٨ هـ). انظر: " وفيات الأعيان " ٢/ ١٩٥، و" تذكرة الحفاظ " ٤/ ١٢٣٣ و١٢٣٤، و" مرآة الجنان " ٣/ ٣٦ - ٣٧.
(٣) " قواعد التحديث ": ٢٠١.
(٤) مُحَمَّد بن يعقوب بن يوسف الأصم، أبو العباس الأموي، حّدث بكتاب الأم للشافعي عن الربيع، وَكَانَ ثقة كَثِيْر الرحلة والرواية، مَعَ ضبط الأصول، توفي سنة (٣٤٦ هـ). انظر: "الأنساب" ١/ ١٨٧ - ١٨٩، و"سير أعلام النبلاء" ١٥/ ٤٥٢، و"شذرات الذهب" ٢/ ٤٧٣.
(٥) الإمام الحافظ أبو الفضل، عَبَّاس بن مُحَمَّد بن حاتم بن واقد الدوري ثُمَّ البغدادي، مولى بني هاشم، أحد الأثبات المصنفين، رَوَى عن الإمام أحمد ولد سنة (١٨٥ هـ)، وتوفي سنة (٢٧١ هـ). انظر: " تهذيب الكمال " ٤/ ٧٥ (٣١٢٩)، و" سير أعلام النبلاء " ١٢/ ٥٢٢، و" التقريب " (٣١٨٩).
[ ١ / ١٧٧ ]
حَدَّثَنَا إبراهيم بن عيسى أبو إسحاق الطالقاني (^١)، قَالَ: حَدَّثَنَا بقية، قَالَ: حَدَّثَنَا عتبة بن أبي حكيم (^٢)، أنه كَانَ عِنْدَ إسحاق ابن أبي فروة، وعنده الزهري، قَالَ: فجعل ابن أبي فروة يقول: قَالَ رَسُوْل الله ﷺ، قال رسول الله ﷺ فَقَالَ لَهُ الزهري: قاتلك الله يا ابن أبي فروة، ما أجرأك عَلَى الله! ألا (^٣) تسند حديثك؟ تُحَدِّثُنا بأحاديث ليس لها خُطُم (^٤)، ولا أَزِمَّة (^٥)» (^٦).
_________________
(١) إبراهيم بن إسحاق بن عيسى البناني، مولاهم، أبو إسحاق الطالقاني، نزيل مرو، قدم بغداد وحدّث بِهَا، صنف كتاب " الرؤيا " وكتاب " الغرس " وغيرهما، توفي بمرو سنة (٢١٥ هـ). انظر: " تاريخ بغداد " ٦/ ٢٤، و" تهذيب الكمال " ١/ ٩٩ (١٤١)، و" تاريخ الإِسْلَام ": ٥١ - ٥٢ وفيات (٢١٥ هـ).
(٢) عتبة بن أبي حكيم الهمداني ثُمَّ الشعباني، أبو العباس الشامي الأردني الطبراني: صدوق يخطئ كثيرًا، مات بصور سنة (١٤٧ هـ). انظر: " تهذيب الكمال " ٥/ ٩٣ و٩٤ (٤٣٦٠)، و" التقريب " (٤٤٢٧).
(٣) وقع في المطبوع من الطبعة العلمية: «لا»، وهو تحريف، والتصحيح من نسختنا الخطية المصورة عن الأصل المحفوظ في مكتبة أوقاف بغداد، ومن طبعة ابن حزم.
(٤) الخطم: جمع خطام وَهُوَ الحبل الَّذِيْ يقاد بِهِ البعير. " لسان العرب "، و" تاج العروس " مادة (خطم).
(٥) زمّ الشيء يزمه زمًا فانزم: شده، والزمام ما زم بِهِ، والجمع أزمة، وزممت البعير خطمته. "لسان العرب " و" تاج العروس " مادة (زمم).
(٦) " مَعْرِفَة علوم الْحَدِيْث ": ٦ ط. العلمية و(١١) ط. ابن حزم. وهَذِهِ القصة في " المجروحين " ١/ ١٣١ و١٣٢، و" أدب الإملاء والاستملاء ": ١١ - ١٢. تنبيه: قد ورد عن الزهري نحو هذا المعنى، إذ قال سفيان بن عيينة: «حدث الزهري يومًا بحديث فقلت له: هاته بلا إسناد، فقال: أترقى السطح بلا سلم؟» (" جامع التحصيل ": ٥٨ - ٥٩)، لكن في التطبيق العملي نجد للزهري مرسلات غير قليلة، فله في السنن الأربع أربعة وثمانون حديثًا (" تحفة الأشراف " (١٩٣٣٧ - ١٩٤٢٠»، بل نجد أن أهل العلم قد تكلموا في مرسلات الزهري، فقد نص الشافعي على عدم قبولها (كما في " جامع التحصيل ": ٤٦) وكذلك قال أبو حاتم (كما في "العلل " لابنه (٥٧٣». وقال يحيى القطان: «مرسل الزهري شر من مرسل غيره» (" تاريخ ابن عساكر " ٥٨/ ٢٧١) وعلى ذلك فيكون الزهري قد خالف قوله بفعله.
[ ١ / ١٧٨ ]
هكذا أدرك الْمُحَدِّثُوْنَ - منذ الصدر الأول - ما للإسناد من أهمية بالغة في الصناعة الحديثية؛ إِذْ هُوَ دعامتها الأساسية ومرتكزها في أبحاث العدالة والضبط.
وكذلك أدرك الْمُحَدِّثُوْنَ أنَّه لا يمكن نقد الْمَتْن نقدًا صحيحًا إلا من طريق البحث في الإسناد، ومعرفة حلقات الإسناد والرواة النقلة، فلا صحة لمتن إلا بثبوت إسناده.
وأعظم مثال عَلَى اهتمام المسلمين بالإسناد هُوَ ما ورّثوه لنا من التراث الضخم الكبير الهائل، وما سخّروا للإسناد من ثروة علمية في كتب الرجال.
والبحث في الإسناد مهم جدًا في علم الْحَدِيْث، من أجل التوصل إلى مَعْرِفَة الْحَدِيْث الصَّحِيْح من غَيْر الصَّحِيْح، إِذْ إنَّه كلما تزداد الحاجة يشتد نظام المراقبة، فعندما انتشر الْحَدِيْث بَعْدَ وفاة النَّبِيّ ﷺ اشتد الاهتمام بنظام الإسناد، وعندما بدأ السهو والنسيان يظهران كثر الالتجاء إلى مقارنة الروايات، حَتَّى أصبح هَذَا المنهج مألوفًا معروفًا عِنْدَ الْمُحَدِّثِيْنَ؛ إِذْ إنَّه لا يمكن الوصول إلى النص السليم القويم إلا من طريق البحث في الإسناد، والنظر والموازنة والمقارنة فِيْمَا بَيْنَ الروايات والطرق. من هنا ندرك سر اهتمام الْمُحَدِّثِيْنَ بِهِ، إذ جالوا في الآفاق ينقّرون أَوْ يبحثون في إسنادٍ، أَوْ يقعون عَلَى علة أَوْ متابعة أَوْ مخالفة، وكتاب " الرحلة في طلب الْحَدِيْث " (^١) للخطيب البغدادي خير شاهد عَلَى ذَلِكَ.
وتداول الإسناد وانتشاره معجزة من المعجزات النبوية (^٢) الَّتِيْ أشار إِلَيْهَا المصطفى ﷺ في قوله: «تَسْمَعُون ويُسْمَع منكم ويُسْمَع مِمَّنْ يَسْمَع منكم» (^٣).
_________________
(١) هُوَ كتاب فريد في بابه، جمع فِيْهِ الْخَطِيْب نوادر من أخبار العلماء في رحلاتهم من أجل الْحَدِيْث الواحد، وما أشبه ذَلِكَ. وَقَدْ صدر الكتاب بأحاديث وآثار تدلل عَلَى ذَلِكَ وترغب فِيْهِ، وَقَدْ طبع الكتاب في بيروت بطبعته الأولى عام ١٩٧٥ في دار الكتب العلمية بتحقيق: د. نور الدين عتر.
(٢) انظر: " بغية الملتمس ": ٢٣.
(٣) أخرجه: أحمد ١/ ٣٥١، وأبو داود (٣٦٥٩)، وابن حبان (٩٢)، والرامهرمزي في "المحدّث الفاصل" (٩٢)، والحاكم ١/ ٩٥، وفي " مَعْرِفَة علوم الْحَدِيْث "، له: ٢٧ ط. العلمية و(٤٩) ط. ابن حزم، والبيهقي ١٠/ ٢٥٠ وفي " الدلائل "، له ٦/ ٥٣٩، والخطيب في "شرف أصحاب الْحَدِيْث" (٧٠)، وابن عَبْد البر في " جامع بَيَان العلم " ١/ ٥٥ و٢/ ١٥٢، والقاضي عياض في " الإلماع ":١٠ من طرق عن الأعمش، عن عَبْد الله بن عَبْد الله، عن سعيد بن جبير، عن ابن عَبَّاسٍ، بِهِ مرفوعًا. وصححه الْحَاكِم، وَلَمْ يتعقبه الذهبي، وَقَالَ العلائي في " بغية الملتمس ": ٢٤: «هَذَا حَدِيْث حسن من حَدِيْث الأعمش». وأخرجه: البزار كما في " كشف الأستار " (١٤٦)، والرامهرمزي في " المحدّث الفاصل " (٩١)، والطبراني في " الكبير " (١٣٢١)، والحاكم في " معرفة علوم الحديث ": ٦٠ ط. العلمية و(١٠٥) ط. ابن حزم، والخطيب في "شرف أصحاب الْحَدِيْث " (٦٩) من حَدِيْث ثابت بن قيس بلفظ: «تسمعون ويُسمع منكم ويُسمع من الَّذِيْنَ يسمعون منكم ثُمَّ يأتي من بَعْدِ ذَلِكَ قوم سمان يحبون السِّمَن، يشهدون قَبْلَ أن يُسألوا».
[ ١ / ١٧٩ ]
ثُمَّ إنَّ للإسناد أهمية كبيرة عِنْدَ المسلمين وأثرًا بارزًا؛ وذلك لما للأحاديث النبوية من أهمية بالغة، إذ إنَّ الْحَدِيْث النبوي الشريف ثاني أدلة أحكام الشرع، ولولا الإسناد واهتمام الْمُحَدِّثِيْنَ بِهِ لضاعت علينا سنة نبينا ﷺ ولاختلط بِهَا ما ليس مِنْهَا، ولما استطعنا التمييز بَيْنَ صحيحها وسقيمها؛ إذن فغاية دراسة الإسناد والاهتمام بِهِ هِيَ مَعْرِفَة صحة الْحَدِيْث أو ضعفه، فمدار قبول الْحَدِيْث غالبًا عَلَى إسناده، قَالَ القاضي عياض: «اعلم أولًا أنّ مدار الحَدِيْث عَلَى الإسناد فبه تتبين صحته ويظهر اتصاله» (^١). وَقَالَ ابن الأثير (^٢): «اعلم أنَّ الإسناد في الحَدِيْث هُوَ الأصل، وعليه الاعتماد، وبه تعرف صحة الحديث وسقمه» (^٣)، وذكر كلامًا نفيسًا عن أوضاع الإسناد واصطلاحه وشرائطه.
_________________
(١) " الإلماع ": ١٩٤.
(٢) المبارك بن مُحَمَّد بن عَبْد الكريم الشيباني، العلامة مجد الدين أبو السعادات ابن الأثير الجزري، ثُمَّ الموصلي، من مصنفاته: "جامع الأصول" و" النهاية "، ولد سنة (٥٤٤ هـ)، وتوفي سنة (٦٠٦ هـ). انظر: " وفيات الأعيان " ٤/ ١٤١، و" تاريخ الإِسْلَام ": ٢٢٥ - ٢٢٦ وفيات (٦٠٦ هـ)، و" سير أعلام النبلاء " ٢١/ ٤٨٨.
(٣) " جامع الأصول " ١/ ١٠٩.
[ ١ / ١٨٠ ]
وهذا المعنى مقتبس من عبارات المتقدمين. وأسند الخطيب البغدادي إلى سفيان الثوري قال: «الإسناد سلاح المؤمن، إذا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ سلاح فبأيِّ شيءٍ يقاتل؟» (^١).
وهذا أمير المؤمنين في الحَدِيْث شعبة بن الحجاج (^٢) يقول: «إنَّما يعلم صحة الحَدِيْث بصحة الإسناد» (^٣).
وَقَالَ عَبْد الله بن المبارك: «الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء» (^٤)، وقال أيضًا: «مثل الذي يطلب أمرَ دينه بلا اسنادٍ كمثل الذي يرتقي السطحَ بلا سُلَّمٍ» (^٥)، وقال الشافعي ﵁: «الذي يطلب العلم بلا سند كحاطب ليل يحمل حزمة حطب، وفيه أفعى، وهو لا يدري» (^٦).
وعلى هَذَا فالإسناد لابد مِنْهُ؛ من أجل أنْ لا ينضاف إلى النَّبِيِّ ﷺ ما ليس من قوله أو فعله. وهنا جعل الْمُحَدِّثُوْنَ الإسناد أصلًا لقبول الْحَدِيْث؛ فلا يقبل الْحَدِيْث إذا لَمْ يَكُنْ لَهُ إسناد نظيف، أو له أسانيد يتحصل من مجموعها الاطمئنان إلى أنّ هَذَا الْحَدِيْث قَدْ صدر عمن ينسب إِلَيْهِ، فهو أعظم وسيلة استعملها الْمُحَدِّثُوْنَ من لدن الصَّحَابَة ﵃ إلى عهد التدوين كي ينفوا الخبث عن حَدِيْث النَّبِيّ ﷺ، ويبعدوا عَنْهُ ما ليس مِنْهُ.
وَقَدْ اهتم الْمُحَدِّثُوْنَ بجمع أسانيد الْحَدِيْث الواحد؛ لما لِذَلِكَ من أهمية كبيرة في ميزان النقد الحديثي، فجمع الطرق كفيل ببيان الخطأ، إذا صدر عن بعض الرُّوَاة، وبذلك يتميز الإسناد الجيد من الرديء، قَالَ علي بن المديني:
_________________
(١) " شرف أصحاب الْحَدِيْث " (٨١).
(٢) هُوَ شعبة بن الحجاج بن الورد العتكي، مولاهم، أبو بسطام الواسطي، ثُمَّ البصري: ثقة حافظ متقن، كَانَ الثوري يقول: هُوَ أمير المؤمنين في الحَدِيْث، وَهُوَ أول من فتش بالعراق عن الرجال، وذب عن السنة، وَكَانَ عابدًا، مات سنة (١٦٠ هـ). انظر: " تهذيب الأسماء واللغات " ١/ ٢٤٤ - ٢٤٦، و" سير أعلام النبلاء " ٧/ ٢٢ و٢٢٧، و" التقريب " (٢٧٩٠).
(٣) " التمهيد " ١/ ٥٧.
(٤) مقدمة صَحِيْح مُسْلِم ١/ ١٢، و" شرف أصحاب الحَدِيْث " (٧٨)، و" الإلماع ": ١٩٤.
(٥) " شرف أصحاب الحديث " (٧٩).
(٦) " فيض القدير " ١/ ٥٥٥.
[ ١ / ١٨١ ]
«الباب إذا لَمْ تجمع طرقه لَمْ يتبين خطؤه» (^١).
ثُمَّ إنّ لجمع الطرق فائدة أخرى؛ فيستفاد تفسير النصوص لبعضها، إِذْ إنّ بعض الرُّوَاة قَدْ يحدث عَلَى المعنى، أو يروي جزءًا من الْحَدِيْث، وتأتي البقية في سند آخر؛ لذا قَالَ الإمام أحمد بن حَنْبَل: «الْحَدِيْث إذا لَمْ تجمع طرقه لَمْ تفهمه، والحديث يفسر بعضه بعضًا» (^٢). والتفسير هنا لا يقيد بالمتن فقط، وإنَّما يسري إلى الإسناد، فربما فسر بوساطة التكرار راو مبهم، أو كشف تدليس مدلس، والفوائد في هذا الباب جمة التحصيل.
وَقَالَ الحافظ أبو زرعة العراقي (^٣): «الْحَدِيْث إذا جمعت طرقه تبين المراد مِنْهُ، وليس لنا أن نتمسك برواية ونترك بقية الروايات» (^٤).
ويعرف - أَيْضًا - بجمع الطرق: الْحَدِيْث الغريب متنًا وإسنادًا، وَهُوَ الَّذِيْ تفرد بِهِ الصَّحَابِيّ أَوْ تفرد بِهِ راوٍ دون الصَّحَابِيّ، ومن ثَمَّ يعرف هل المتفرد عدل أو مجروح، فتكرار الأسانيد لَمْ يَكُنْ عبثًا وإنما لَهُ مقاصد وغايات يعلمها المشتغلون بهذه الصنعة. قَالَ الإمام مُسْلِم في ديباجة كتابه " الجامع الصَّحِيْح ": «إنا نعمد إلى جملة ما أسند من الأخبار عن رَسُوْل الله ﷺ فنقسمها عَلَى ثلاثة أقسام وثلاث طبقات من الناس عَلَى غَيْر تكرار، إلا أنْ
_________________
(١) " الجامع لأخلاق الرَّاوِي " (١٦٥٢)، و" معرفة أنواع علم الْحَدِيْث ": ١٨٨ بتحقيقي، و" شرح التبصرة والتذكرة " ١/ ٢٧٥ بتحقيقي.
(٢) " الجامع لأخلاق الرَّاوِي " (١٦٥١).
(٣) هُوَ الإمام العلامة الحافظ ولي الدين أبو زرعة أحمد بن عَبْد الرحيم بن الحسين العراقي الأصل المصري الشَّافِعِيّ ولد سنة (٧٦٢ هــ)، وبكّر بِهِ والده بالسماع فأدرك العوالي، وانتفع بأبيه جدًا، ودرّس في حياته، توفي سنة (٨٢٦ هـ (، من تصانيفه: "الإطراف بأوهام الأطراف" و"تكملة طرح التثريب" و" تحفة التحصيل في ذكر رواة المراسيل" وغيرها. انظر: "طبقات الشافعية" لابن قاضي شهبة ٤/ ٨٠، و"لحظ الألحاظ": ٢٨٤، و"الضوء اللامع " ١/ ٣٣٦، و" حسن المحاضرة " ١/ ٣٦٣، ومقدمتنا لكتاب " شرح التبصرة والتذكرة " ١/ ٣٤.
(٤) " طرح التثريب " ٧/ ١٨١.
[ ١ / ١٨٢ ]
يأتي موضع لا يُستغنى فِيْهِ عن ترداد حَدِيْث فِيْهِ زيادة معنى أَوْ إسناد يقع إلى جنب إسناد لعلة تكون هناك (^١)؛ لأنَّ المعنى الزائد في الْحَدِيْث المحتاج إِلَيْهِ يقوم مقام حَدِيْث تام، فلابد من إعادة الْحَدِيْث الَّذِي فِيْهِ ما وصفنا من الزيادة، أو أن يفصل ذَلِكَ المعنى من جملة الْحَدِيْث عَلَى اختصاره إذا أمكن، ولكن تفصيله ربما عسر من جملته فإعادته بهيأته إذا ضاق ذَلِكَ أسلم» (^٢).
إذا تمهّد هذا فإني سأتحدث عن علل الإسناد في ستة أنواع وعلى النحو الآتي.
_________________
(١) ومنه يعلم أنَّ من منهج الإمام مسلم أنَّه يسوق بعض الأحاديث المعلة ليبين علتها، عن طريق عرض المعل على الصحيح فتكشف علته، فرحمه الله ما أدقه، وما أحسن صنيعه!
(٢) مقدمة " صحيح مسلم " ١/ ٣.
[ ١ / ١٨٣ ]