إذا كان كل علم يشرف بمدى نفعه، فإنَّ علم علل الحديث يعد من أشرف العلوم؛ لأنَّه من أكثرها نفعًا، فهو نوع من أَجَلِّ أنواع علم الحديث، وفن من أهم فنونه، قال الخطيب: «معرفة العلل أَجَلُّ أنواع علم الحديث» (^٣)،
_________________
(١) انظر: " معرفة أنواع علم الحديث ": ١٣٥ بتحقيقي. .
(٢) انظر: " التدريب " ١/ ٢٠٧ وما بعدها، و" شرح البيقونية في مصطلح الحديث ": ٩٨. وكذلك المرسل يستعملونه استعمالًا عامًا في كل انقطاع في السند، ويستعملونه استعمالًا خاصًا ويريدون به ما أضافه التابعي إلى النبي ﷺ.
(٣) " الجامع لأخلاق الراوي " قبيل (١٩٠٨).
[ ١ / ٣٢ ]
ورحم الله الإمام النووي حيث قال: «ومن أهم أنواع العلوم تحقيق معرفة الأحاديث النبويات، أعني: معرفة متونها: صحيحها وحسنها وضعيفها، متصلها ومرسلها ومنقطعها ومعضلها، ومقلوبها، ومشهورها وغريبها وعزيزها، ومتواترها وآحادها وأفرادها، معروفها وشاذها ومنكرها، ومعللها وموضوعها ومدرجها وناسخها ومنسوخها …» (^١).
فعلماء الحديث قد اهتموا بالحديث النبوي الشريف عمومًا؛ لأنَّه المصدر التشريعي الثاني بعد القرآن الكريم، وقد اهتموا ببيان علل الأحاديث النبوية من حيث الخصوص؛ لأنَّ بمعرفة العلل يعرف كلام النبيِّ ﷺ من غيره، وصحيح الحديث من ضعيفه، وصوابه من خطئه، قيل لعبد الله بن المبارك (^٢): هذه الأحاديث المصنوعة؟ قال: «تعيش لها الجهابذة» (^٣).
وقد ذكر الحاكم: «أنَّ معرفة علل الحديث من أجَلِّ هذه العلوم» (^٤) وقال: «معرفة علل الحديث، وهو علم برأسه غير الصحيح والسقيم، والجرح والتعديل» (^٥).
وعلم العلل ممتد من مرحلة النقد الحديثي الذي ابتدأت بواكيره على أيدي كبار الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، حيث كان أبو بكر الصديق وعمر الفاروق ﵄ يحتاطان (^٦) في قبول الأخبار، ويطلبان الشهادة على
_________________
(١) مقدمة شرحه لصحيح مسلم ١/ ٦.
(٢) هو عبد الله بن المبارك المروزي، ثقة ثبت، فقيه عالم، جواد مجاهد جمعت فيه صفات الخير. "التقريب " (٣٥٧٠).
(٣) أخرجه: ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " ١/ ٣١١ (المقدمة)، وابن عدي في " الكامل " ١/ ١٩٢، وذكره ابن الجوزي في مقدمة " الموضوعات " ١/ ٤٦ ط. الفكر وعقب (٢٢) ط. أضواء السلف.
(٤) " معرفة علوم الحديث ": ١١٩ ط. العلمية وعقب (٢٨٩) ط. ابن حزم.
(٥) " معرفة علوم الحديث ": ١١٢ ط. العلمية وقبيل (٢٧٠) ط. ابن حزم.
(٦) في احتياط الصحابة، انظر: " السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي " لمصطفى السباعي: ٧٥، وكان علي بن أبي طالب ﵁ يستحلف الراوي أحيانًا، فقد روى الإمام أحمد في مسنده ١/ ٢ عن علي، قال: «كنت إذا سمعت من رسول الله ﷺ حديثًا نفعني الله بما شاء منه، وإذا حدثني عنه غيري استحلفته»، قال الحافظ ابن حجر في " تهذيب التهذيب " ١/ ٢٦٧ - ٢٦٨: «هذا حديث جيد الإسناد».
[ ١ / ٣٣ ]
الحديث أحيانًا؛ من أجل تمييز الخطأ والوهم في الحديث النبوي، ثم اهتم العلماء به من بعد؛ لئلا ينسب إلى السنة المطهرة شيء ليس منها خطأ. فعلم العلل له مزية خاصة، فهو كالميزان لبيان الخطأ من الصواب، والصحيح من المعوج، وقد اعتنى به أهل العلم قديمًا وحديثًا، ولا يزال الباحثون يحققون وينشرون تلكم الثروة العظيمة التي دَوَّنَها لنا أولئك الأئمة العظام كعلي ابن المديني، وأحمد، والبخاري، والترمذي، وابن أبي حاتم، والدارقطني، وغيرهم (^١).
وما ذلك إلا لأهمية هذا الفن فـ «التعليل (^٢) أمر خفي، لا يقوم به إلا نقاد أئمة الحديث دون الفقهاء الذين لا اطلاع لهم على طرقه وخفاياها» (^٣). ولأهميته أيضًا نجد بعض جهابذة العلماء يصرّح بأنَّ معرفة العلل والبحث عنها، مقدم على مجرد الرواية دون سبر ولا تمحيص، يقول عبد الرحمان بن مهدي: «لأَنْ أعرف علة حديث هو عندي، أحب إليَّ من أنْ أكتب حديثًا ليس عندي» (^٤).
ويزيد هذا العلم أهمية أنَّه من أشد العلوم غموضًا، فلا يدركه إلا من رُزِقَ سعة الرواية، وكان مع ذلك حاد الذهن، ثاقب الفهم، دقيق النظر، واسع المران، قال الحاكم: «إنَّ الصحيح لا يعرف بروايته فقط، وإنَّما يُعرف بالفهم والحفظ وكثرة السماع، وليس لهذا النوع من العلم عون أكثر من مذاكرة أهل الفهم والمعرفة، ليظهر ما يخفى من علة الحديث، فإذا وُجد مثل
_________________
(١) انظر ماسيأتي من المصنفات فيه.
(٢) قال البقاعي في " النكت الوفية " ١/ ٥٠٣ بتحقيقي: «صوابه الإعلال».
(٣) " نكت ابن حجر " ٢/ ٧١٤ و: ٤٨٨ بتحقيقي.
(٤) " علل الحديث " لابن أبي حاتم ١/ ٣٨٧ ط. الحميّد (المقدمة)، وقد نقله الحاكم في " معرفة علوم الحديث ": ١١٢ ط. العلمية و(٢٧٠) ط. ابن حزم، وابن رجب في "شرح العلل " ١/ ١٩٩ ط. عتر و١/ ٤٧٠ ط. همام.
[ ١ / ٣٤ ]
هذه الأحاديث بالأسانيد الصحيحة غير مخرّجة في كتابي الإمامين البخاري ومسلم ﵄، لزم صاحب الحديث التنقير عن علته، ومذاكرة أهل المعرفة به لتظهر علّته» (^١).
ونقل ابن أبي حاتم عن محمود بن إبراهيم بن سميع، أنَّه قال: سمعت أحمد ابن صالح (^٢) يقول: «معرفة الحديث بمنزلة معرفة الذهب والشَّبَه، فإنَّ الجوهر إنَّما يعرفه أهله، وليس للبصير فيه حجة إذا قيل له: كيف قلت: إنَّ هذا بائن؟! يعني: الجيد أو الرديء» (^٣) لذا فإنَّ وجود العارفين في فن العلل بين العلماء عزيز، قال ابن رجب: «وقد ذكرنا … شرف علم العلل وعزته، وأنَّ أهله المتحققين به أفراد يسيرة من بين الحفاظ وأهل الحديث، وقد قال أبو عبد الله بن منده الحافظ: إنما خص الله بمعرفة هذه الأخبار نفرًا يسيرًا من كثير ممن يدّعي علم الحديث» (^٤).
وقال الحافظ ابن حجر: «وهو من أغمض أنواع علوم الحديث وأدقها، ولا يقوم به إلا من رزقه الله تعالى فهمًا ثاقبًا، وحفظًا واسعًا، ومعرفة تامة بمراتب الرواة، وملكة قوية بالأسانيد والمتون؛ ولهذا لم يتكلم فيه إلا قليل من أهل هذا الشأن: كعلي بن المديني، وأحمد بن حنبل، والبخاري، ويعقوب ابن شيبة، وأبي حاتم، وأبي زرعة، والدارقطني …» (^٥).
وليس يلزم كشف العلة لأول وهلة ولا لثانيها ولا ولا .. يقول الخطيب: «فمن الأحاديث ما تخفى علته، فلا يوقف عليها إلا بعد النظر الشديد، ومُضِيِّ الزمن البعيد» (^٦). وأسند عن علي بن المديني، قال:
_________________
(١) " معرفة علوم الحديث ": ٥٩ - ٦٠ ط. العلمية وعقب (١٠٣) ط. ابن حزم.
(٢) وهو أبو جعفر المعروف بابن الطبري ثقة حافظ. " تهذيب التهذيب " ١/ ٤٩، و" التقريب" (٤٨).
(٣) " علل الحديث " لابن أبي حاتم ١/ ٣٨٩ - ٣٩٠ ط. الحميّد (المقدمة)، ومن طريقه أخرجه: الخطيب في " الجامع لأخلاق الراوي " (١٧٨٧).
(٤) " شرح علل الترمذي " ١/ ٣٣ - ٣٤ ط. عتر و١/ ٣٣٩ - ٣٤٠ ط. همام.
(٥) " نزهة النظر ": ٧٢.
(٦) " الجامع لأخلاق الراوي " عقب (١٧٨٨).
[ ١ / ٣٥ ]
«ربما (^١) أدركت علة حديث بعد أربعين سنة» (^٢).
بل ربما يكشف العالم ما خفي على من هو أعلم منه، كالدارقطني، وأبي علي الجياني، وأبي مسعود الدمشقي، وأبي الحسن بن القطان، وابن تيمية، وابن القيم، وابن حجر، وغيرهم من أئمة هذا الشأن، فقد تعقّبوا البخاري ومسلمًا - وهما من هما في الحفظ والإتقان، بل وعلو الكعب في علم العلل عينه - في كثير من أحاديث صحيحيهما وبينوا عللها (^٣) … أو قد يخالف ما قاله هو نفسه، كما حصل لأبي حاتم الرازي حين سأله ابنه عن حديث ابن صائد أهو عن جابر أم عن ابن مسعود؟ قال: «عبد الله أصح، لو كان عن جابر، كان متصلًا. قلت: كيف كان؟ قال: لأنَّ أبا نضرة قد أدرك جابرًا، ولم يدرك ابن مسعود، وابن مسعود قديم الموت. وسألت أبي مرة أخرى عن هذا الحديث. فقال: يحيى القطان ومعتمر وغيرهما، يقولون: عن التيمي، عن أبي نضرة، عن جابر، عن النبيِّ ﷺ، وهو أشبه بالصواب» (^٤).
وقد يتوقف الناقد في حديث ما؛ لخفاء علته، وفي نفسه حجج للقبول والرد ولكن ليس له حجة، قال السخاوي: «يعني: يعبِّر بها غالبًا، وإلا ففي نفسه حجج للقبول وللدفع» (^٥)، وقال ابن حجر: «وقد تقصر عبارة المعلل
_________________
(١) ربما: هي (رُبّ) دخلت عليها (ما) الزائدة، فكفتها عن الجر، وأزالت اختصاصها بالأسماء، ويكثر دخولها على الجملة الفعلية، وترد للتكثير كثيرًا وللتقليل قليلًا، فليس معناها التقليل دائمًا، ولا التكثير دائمًا. انظر: " مغني اللبيب " ١/ ١١٨، و" معجم الشوارد النحوية ": ٣١٢.
(٢) " الجامع لأخلاق الراوي " عقب (١٧٨٩).
(٣) وفي هذا المعنى قال شيخ الإسلام ابن تيمية في " مجموع الفتاوى " ١/ ١٨٣: «ولهذا كان جمهور ما أُنكر على البخاري مما صححه يكون قوله فيه راجحًا على قول من نازعه، بخلاف مسلم بن الحجاج فإنَّه نُوزِع في عدة أحاديث مما خرجها، وكان الصواب فيها مع من نازعه ..». وانظر: " العلة وأجناسها ": ٨٣.
(٤) " علل الحديث " لابن أبي حاتم (٢٧٥٤).
(٥) " فتح المغيث " ١/ ٢٥٥ و٢/ ٦٧ ط. الخضير، وجاء في ط. العلمية: «للرفع»، وهو خطأ.
[ ١ / ٣٦ ]
منهم، فلا يفصح بما استقر في نفسه من ترجيح إحدى الروايتين على الأخرى، كما في نقد الصيرفي سواء» (^١).
من هذا العرض تتبين أهمية هذا العلم " علل الحديث "؛ لارتباطه بالحديث النبوي أولًا؛ ولأنَّه الفيصل بين الصحيح الذي ظاهره وباطنه السلامة وغيره.