مضى بنا في تعريف التدليس لغة أنّ مجموع معانيه تؤول إلى إخفاء
العيب، وليس من معانيه الكذب، ومع ذَلِكَ فَقَد اختلف العلماء في حكمه، وحكم أهله.
فَقَدْ ورد عن بعضهم - ومنهم شعبة - التشديد فِيْهِ، فروي عَنْهُ أنَّه قَالَ:
«التدليس أخو الكذب» (^٢)، وَقَالَ أَيْضًا: «لأنْ أزني أحب إليّ من أن أدلس» (^٣) بل روي عن حماد بن زيد أنَّه قال: «التدليس كذب» (^٤).
_________________
(١) وهذا النوع من أنواع علل الحديث ذكره ابن رجب الحنبلي في شرحه لعلل الترمذي ٢/ ٨١٣ ط. همام، و٢/ ٦٧٢ ط. عتر بعنوان: «ذكر من ضعف حديثه إذا جمع الشيوخ دون ما إذا أفردهم» ثم ساق تحت هذا الباب فوائد بديعة، رحمه الله تعالى، وهذا النوع شرحه شرحًا وافيًا الشيخ سعد الحميّد في مقدمته لتحقيق علل ابن أبي حاتم ١/ ١٤٥ - ١٥٠.
(٢) " الكفاية ": ٣٥٥.
(٣) " الكفاية ": ٣٥٦.
(٤) " الكفاية ": ٣٥٦.
[ ١ / ٢٨٨ ]
ومنهم من سهّل أمره وتسمّح فِيْهِ كثيرًا، قَالَ أبو بكر البزار: «التدليس ليس بكذب، وإنَّما هُوَ تحسين لظاهر الإسناد» (^١).
وَالصَّحِيْح الَّذِيْ عليه الجمهور أنَّه ليس بكذب يصح به القدح في عدالة الرَّاوِي حَتَّى نرد جميع حديثه، وإنَّما هُوَ ضَرْبٌ من الإيهام، وعلى هَذَا نصّ الشَّافِعِيّ ﵀ فَقَالَ: «ومن عرفناه دلّس مرة فَقَدْ أبان لنا عورته في روايته، وليست تِلْكَ العورة بالكذب فنرد بِهَا حديثه، ولا النصيحة في الصدق،
فنقبل مِنْهُ ما قبلنا من أهل النصيحة في الصدق» (^٢).
ويمكن حمل التشدد الوارد عن شعبة عَلَى «المبالغة في الزجر عَنْهُ والتنفير» (^٣).
وإذا تقرر هَذَا، فما حكم حَدِيْث من عرف بِهِ؟ للعلماء فِيْهِ خمسة مذاهب:
الأول: لا تقبل رِوَايَة المدلِّس، سواء صرّح بالسماع أم لم يصرّح، حكاه ابن الصَّلَاحِ عن فريق من أهل الْحَدِيْث والفقه، وهذا مبنيُّ عَلَى القَوْل بأنَّ التدليس نفسه جرح تسقط بِهِ عدالة من عُرِف بِهِ. وهذا الَّذِي استظهره عَلَى أصول مذهب الإمام مالكٍ القاضي عَبْدُ الوهّاب في " الملخص ".
الثاني: قبول رِوَايَة المدلس مطلقًا، وَهُوَ فرع لمذهب من قَبِلَ المرسَل، ونقله الْخَطِيْب البغدادي عن جمهور من قَبِلَ المراسيل، وحكاه الزركشي عن بعض شارحي أصول البزدوي من الحنفية. وبنوا هَذَا عَلَى ما بنوا عَلَيْهِ قبول المرسَل من أنّ إضراب الثقة عن ذكر الرَّاوِي تعديل لَهُ، فإنَّ من مقتضيات ثقته التصريح باسم من روى عَنْهُ إذا كَانَ غَيْر ثقة.
الثالث: إذا كَانَ الغالب عَلَى تدليسه أنْ يَكُون عن الثقات، فهو مقبول
_________________
(١) " نكت الزركشي " ٢/ ٨١.
(٢) " الرسالة " (١٠٣٣) و(١٠٣٤) بتحقيقي.
(٣) " معرفة أنواع علم الحديث ": ١٥٩ بتحقيقي.
[ ١ / ٢٨٩ ]
كيفما كانت صيغة التحديث (^١)، وإن كَانَ عن غَيْر الثقة هُوَ الغالب، رد حديثه حَتَّى يصرح بالسماع، حكاه الْخَطِيْب عن بعض أهل العلم، ونقله الزركشي عن أبي الفتح الأزدي.
الرابع: التفصيل بَيْنَ أن يروي بصيغة مبينة للسماع فيقبل حديثه، وبين أن يروي بصيغة محتملة للسماع وغيره فلا يقبل. وهذا الَّذِي عَلَيْهِ جمهور أَهْل الْحَدِيْث وغيرهم وصححه جمع، مِنْهُم: الْخَطِيْب البغدادي وابن الصَّلَاحِ وغيرهما وهو الحق.
الخامس: قال أبو الحسن بن القطان: «إذا صرح المدلس قُبِل بلا
خلاف، وإذا لم يصرح، فقد قبله قوم ما لم يتبين في حديث بعينه أنَّه لم يسمعه، ورده آخرون ما لم يتبين أنَّه سمعه، قال: فإذا روى المدلس حديثًا بصيغة محتملة ثم رواه بواسطة تبين انقطاع الأول عند الجميع» (^٢).