وَهُوَ أن يروي الرَّاوِي عمن لقيه ما لَمْ يسمعه مِنْهُ بصيغة محتملة (^٣).
والمراد بالصيغة المحتملة: أن لا يصرح بالسماع أَو الإخبار مثل: (حَدَّثَنَا، وأخبرنا، وأنبأنا، وسمعت، وَقَالَ لنا)، وإنما يجيء بلفظ يحتمل الاتصال وعدمه، مثل: (إن، وعن، وَقَالَ، وحدّث، وروى، وذكر)، لذا لَمْ يقبل الْمُحَدِّثُوْنَ حَدِيْث المدلِّس ما لَمْ يصرِّح بالسماع (^٤).
ومما دُلِّسَ فيه الضعفاء ما روى عباد بن منصور، عن عكرمة، عن ابن عباس: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «اكتحلوا بالإثمد، فإنَّه يجلو البصرَ وينبتُ الشعرَ». وزعم أنَّ النَّبيَّ ﷺ كانت له مكحلةٌ يكتحلُ بها كلَّ ليلةٍ ثلاثةً في هذه وثلاثةً في هذه.
أخرجه: الطيالسي (٢٦٨١)، ومن طريقه الترمذي (١٧٥٧) وفي "الشمائل" (٤٩) بتحقيقي وفي " العلل الكبير "، له: ٧٣٣ (٣٠٧)، والبيهقي ٤/ ٢٦١.
_________________
(١) " لسان العرب " و" القاموس المحيط " مادة (دلس).
(٢) " النكت " ٢/ ٦١٤ و:٣٨٥ بتحقيقي.
(٣) انظر: " معرفة أنواع علم الحديث ": ١٥٧ بتحقيقي، و" التقريب " المطبوع مع " التدريب " ١/ ٢٢٣، و" الخلاصة ": ٧٤.
(٤) انظر: " معرفة أنواع علم الحديث ": ١٥٧ بتحقيقي، و" العواصم والقواصم " ٣/ ٦٠.
[ ١ / ٢٠٤ ]
وأخرجه: ابن سعد في " الطبقات " ١/ ٣٧٥، وابن أبي شيبة (٢٣٨٣٧) و(٢٦٠٢٩)، ومن طريقه ابن ماجه (٣٤٩٩).
وأخرجه: أحمد ١/ ٣٥٤، وعبد بن حميد (٥٧٣)، والترمذي (٢٠٤٨) وفي " الشمائل "، له (٥٠) بتحقيقي، وأبو يعلى (٢٦٩٤)، وابن حبان في … " المجروحين " ٢/ ١٥٧، وأبو الشيخ في
"أخلاق النَّبيِّ " ﷺ (٥٢٠) و(٥٢١)، والطبراني في " الكبير " (١١٨٨٨)، والحاكم ٤/ ٤٠٨، والبيهقي في " شعب الإيمان " (٦٤٢٦) ط. العلمية و(٦٠٠٨) ط. الرشد، والبغوي (٣٢٠٣) من طرق عن عباد بن منصور، بهذا الإسناد.
قال الترمذي في "العلل الكبير": ٧٣٤ (٣٠٧): «سألت محمدًا عن هذا الحديث، فقال: هو حديث محفوظ. وعباد بن منصور صدوق»، وقال في
"الجامع الكبير " عقب (١٧٥٧): «حديث ابن عباس حديث حسن (^١)، لا نعرفه على هذا اللفظ إلا من حديث عباد بن منصور».
وقال الحاكم ٤/ ٤٠٨: «هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، وعباد لم يتكلم فيه بحجة» إلا أنَّ الذهبي تعقبه في التلخيص، فقال: «ولا هو حجة» (^٢).
والصواب في هذا الحديث أنَّ إسناده ضعيف؛ لأجل عباد بن منصور، قال عنه يحيى بن معين في "تاريخه" (٣٦٠١) برواية الدوري: «ليس بشيء»، وضعفه النَّسائي في "الضعفاء والمتروكون" (٤١٤)، وقال البخاري فيما نقله عنه الذهبي في "ميزان الاعتدال" ٢/ ٣٧٧ (٤١٤١): «ربما دلس عباد عن عكرمة»، وقال أبو حاتم في "الجرح والتعديل" لابنه ٦/ ١٠٣ (٤٣٨): «كان ضعيف الحديث يكتب حديثه، ونرى أنَّه أخذ هذه الأحاديث عن ابن أبي
_________________
(١) كذا في " الجامع الكبير " ط. بشار عواد معروف، وفي " تحفة الأشراف " ٤/ ٥٨٨ (٦١٣٧). إلا أنَّه في " الجامع الكبير " ط. العلامة أحمد شاكر: «حسن غريب». وكذلك جاء كلام الترمذي عقب حديث (٢٠٤٨) إذ قال: «هذا حديث حسن غريب».
(٢) وإنما قال الذهبي مقالته تعليقًا على قول الحاكم: «عباد لم يتكلم فيه بحجة». وانظر "مختصر استدراك الحافظ الذهبي على مستدرك الحاكم" ٧/ ٣٢١٩ (١٠٧٦).
[ ١ / ٢٠٥ ]
يحيى، عن داود بن حصين، عن عكرمة، عن ابن عباس»، ونقل العقيلي في "الضعفاء الكبير" ٣/ ١٣٦، وابن حبان في "المجروحين" ٢/ ١٥٧ بسنديهما عن علي بن المديني أنَّه قال: «سمعت يحيى بن سعيد القطان، يقول: قلت لعباد بن منصور الناجي: عن من (^١) سمعت: «ما مررت بملأ من الملائكة، والنبي ﷺ كان يكتحل ثلاثًا؟» فقال: حدثني ابن أبي يحيى، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس»، وقال ابن حبان في "المجروحين" ٢/ ١٥٧: «كل ما روى عن عكرمة سمعه من إبراهيم بن أبي يحيى، عن داود بن الحصين فدلسها عن عكرمة: منها عن عكرمة، عن ابن عباس: أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان له مكحلة يكتحل بها …».
فإذا قبلنا مع ذلك رواية عباد التي صرح بها بالسماع عن إبراهيم بن أبي يحيى، عن داود بن الحصين، عن عكرمة عن ابن عباس، به فيبقى الحديث ضعيفًا؛ لأجل إبراهيم بن أبي يحيى؛ إذ هو متروك الحديث، قال عنه علي بن المديني فيما نقله عنه ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" ٢/ ٧٣ (٣٩٠): «ما رأيت أحدًا ينص يحيى بن سعيد بالكذب، إلا إبراهيم بن أبي يحيى، ونفسين آخرين»، ونقل عن يحيى بن معين أنَّه قال: «إبراهيم بن أبي يحيى ليس بثقة، كذاب»، وقال عنه أحمد بن حنبل كما في "الجامع في العلل" ٢/ ٣٦ (٢٩٩): «إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى ترك الناس حديثه وكان قدريًا»، وقال البخاري في "الضعفاء الصغير" (٨): «كان يرى القدر»، ونقل ابن حبان في "المجروحين" ١/ ١٠٥ عن يحيى بن سعيد القطان أنَّه قال: «لم يترك إبراهيم بن أبي يحيى للقدر إنَّما تُرِكَ للكذب»، وقال ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" ٢/ ٧٤ (٣٩٠): «سمعت أبي يقول: إبراهيم بن أبي يحيى كذاب متروك الحديث ترك ابن المبارك حديثه»، وقال: «سُئِلَ أبو زرعة عن إبراهيم بن أبي يحيى، فقال: ليس بشيء»، وقال النَّسائي في " الضعفاء والمتروكون" (٥): «متروك الحديث»، وذكره الدارقطني في "الضعفاء والمتروكون" (١٤).
_________________
(١) عبارة: «عن من» لم ترد في ضعفاء العقيلي.
[ ١ / ٢٠٦ ]
كما أنَّ داود بن الحصين في روايته عن عكرمة شيء. نقل الذهبي في "ميزان الاعتدال" ٢/ ٥ (٢٦٠٠) عن علي بن المديني أنَّه قال: «ما رواه عن عكرمة فمنكر»، وقال أيضًا: «مرسل الشعبي وسعيد بن المسيب أحب إليَّ من داود، عن عكرمة، عن ابن عباس»، وعن أبي داود قال: «أحاديثه عن عكرمة مناكير، وأحاديثه عن شيوخه مستقيمة».
فالإسناد مسلسل بالعلل الموجبة لضعف الحديث.
إلا أنَّ هذا الحديث ورد من وجه آخر عن ابن عباس:
إذ أخرجه: عبد الرزاق (٦٢٠٠) و(٦٢٠١)، والحميدي (٥٢٠)، وابن سعد في "الطبقات" ١/ ٣٧٦، وابن أبي شيبة (٢٣٨٣٣) و(٢٦٠٢٤)، وأحمد ١/ ٢٣١ و٢٤٧ و٢٧٤ و٣٢٨ و٣٥٥ و٣٦٣، وأبو داود (٤٠٦١)، وابن ماجه (٣٤٩٧)، والترمذي في "الشمائل" (٦٧) بتحقيقي، والنسائي ٨/ ١٤٩، وأبو يعلى (٢٤١٠) و(٢٧٢٧)، وابن حبان (٥٤٢٣)، والطبراني في "الكبير" (١٢٤٨٥) و(١٢٤٨٦) و(١٢٤٨٨) و(١٢٤٨٩) و(١٢٤٩٠) و(١٢٤٩١) و(١٢٤٩٢) و(١٢٤٩٣)، والحاكم ٤/ ١٨٥، والقضاعي في "مسند الشهاب" (١٢٥٣)، والبغوي (١٤٧٧)، والضياء المقدسي في "المختارة" ١٠/ ١٩٧ - ٢٠١ (١٩٩) و(٢٠٠) و(٢٠٢) و(٢٠٣) و(٢٠٤) و(٢٠٦) و(٢٠٧) من طرق عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: «خيرُ أكاحلكم الإثمدُ عندَ النومِ؛ يُنبتُ الشعرَ ويجلو البصر، وخيرُ ثيابكم البياضُ، البسوها وكفِنوا فيها موتاكم».
وهذا إسناد حسن؛ من أجل عبد الله بن عثمان بن خثيم: إذ نقل الذهبي في "ميزان الاعتدال" ٢/ ٤٥٩ (٤٤٤٢) عن يحيى بن معين أنَّه قال: «أحاديثه ليست بالقوية» ولكن نقل عنه أيضًا أنَّه قال: «ثقة حجة»، وقال النسائي ٨/ ١٤٩ عقب الحديث: «عبد الله ابن عثمان بن خثيم لين الحديث» (^١)، إلا أنَّ
_________________
(١) ثم رجعت إلى كتاب " منهج الإمام أبي عبد الرحمان النسائي في الجرح والتعديل ٥/ ٢٣١٢ (١٧) وقد حرر المؤلف الدكتور قاسم علي سعد الترجمة فقال: «عبد الله بن عثمان بن خثيم أبو عثمان القاريّ المكي، قال النسائي: ثقة. وقال أيضًا ليس بالقوي في الحديث … ويحيى بن سعيد القطان لم يترك حديث ابن خثيم ولا عبد الرحمان إلا أنَّ علي بن المديني قال: ابن خثيم منكر الحديث وكأن علي بن المديني خلق للحديث، وقال أيضًا: ليَّن الحديث». وانظر: مصادر المؤلف.
[ ١ / ٢٠٧ ]
العجلي أورده في " ثقاته " (٩٣١) وقال: «مكي ثقة»، وقال أبو حاتم في " الجرح والتعديل" لابنه ٥/ ١٣٥ (٥١٠): «ما به بأس صالح الحديث»، وذكره ابن حبان في "ثقاته" ٥/ ٣٤ وقال فيه: «يخطئ»، وقال عنه ابن حجر في "التقريب" (٣٤٦٦): «صدوق».
وانظر: " تحفة الأشراف " ٤/ ٥٨٧ (٦١٣٧)، "وإتحاف المهرة" ٧/ ٥٩٩ (٨٥٥٧)، و" أطراف المسند" ٣/ ٢١٢ (٣٧٢٠)، و" إرواء الغليل" (٧٦).
ومما دلس فيه الثقةُ عن الضعفاء لأكثر من راوٍ ما روى أبو إسحاق السبيعي، عن علي بن ربيعة، قال: شهدتُ عليًّا أُتي بدابةٍ ليركبها، فلما وضعَ رجلَهُ في الرِّكاب، قال: بسم الله. فلما استوى على ظهرها، قال: الحمدُ لله. ثم قال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنينَ وَإنَّا إلَى ربِّنَا لَمنْقَلِبُونَ﴾ (^١). ثُمَّ قال: الحمدُ لله، ثلاثًا. الله أكبرُ، ثلاثًا. سُبحانكَ إني ظلمتُ نَفْسي، فاغفرْ لي فإنَّه لا يغفرُ الذنوبَ إلا أنتَ، ثمَّ ضحكَ. فقلتُ له: من أيِّ شيء ضحكتَ يا أميرَ المؤمنين؟ قال: رأيتُ رسولَ اللهِ ﷺ صنعَ كما صنعتُ، ثمَّ ضحكَ، فقلتُ: منْ أيِّ شيء ضحكت يا رسولَ الله؟ قال: «إنَّ ربَّكَ ليعجبُ منْ عَبده إذا قال: ربِّ اغفرْ لي ذُنُوبي، إنَّه لا يغفرُ الذنوبَ غيركَ».
أخرجه: الطيالسي (١٣٢)، وأبو داود (٢٦٠٢)، والترمذي (٣٤٤٦) وفي "الشمائل"، له (٢٣٣) بتحقيقي، والنَّسائي في "الكبرى" (٨٨٠٠) ط. العلمية و(٨٧٤٨) ط. الرسالة، وابن حبان (٢٦٩٨)، والطبراني في "الكبير" (٧٨٤)، والبيهقي في "الأسماء والصفات" (٩٨١) و(٩٨٢)، والبغوي (١٣٤٣) وفي "الأنوار"، له (٣٠٦) من طريق أبي الأحوص.
_________________
(١) الزخرف: ١٣ - ١٤.
[ ١ / ٢٠٨ ]
وأخرجه: معمر في "جامعه" (١٩٤٨٠)، ومن طريقه أحمد ١/ ١١٥، وعبد بن حميد (٨٨)، والطبراني في "الدعاء" (٧٨٢)، والبيهقي ٥/ ٢٥٢، والبغوي (١٣٤٢) وفي "الأنوار"، له (١١٢١) (^١).
وأخرجه: أحمد ١/ ١٢٨، وعبد بن حميد (٨٩)، والطبراني في "الدعاء" (٧٨٣) من طريق إسرائيل.
وأخرجه: أحمد ١/ ٩٧ من طريق شريك القاضي.
وأخرجه: ابن أبي حاتم في "العلل" (٧٩٩)، والطبراني في "الدعاء" (٧٨١)، والدارقطني في "العلل" ٤/ ٦٢ - ٦٣ عقب (٤٣٠)، والآجري في "الشريعة": ٢٨١ من طريق سفيان الثوري.
وأخرجه: البزار (٧٧٣)، والنَّسائي في "عمل اليوم والليلة" (٥٠٢)، وأبو يعلى (٥٨٦)، والطبراني في "الدعاء" (٧٨٥)، والآجري في "الشريعة": ٢٨١، وابن السني في "عمل اليوم والليلة" (٤٩٧)، والحاكم ٢/ ٩٩ من طريق جرير بن عبد الحميد، عن منصور بن المعتمر.
وأخرجه: الدولابي في "الكنى والأسماء" (٢٨٠٥)، وابن حبان (٢٦٩٧) من طريق علي بن سليمان أبي نوفل.
_________________
(١) في رواية عبد بن حميد، والبيهقي، والبغوي في " شرح السنة " وفي الأنوار: «معمر، عن أبي إسحاق، قال: أخبرني علي بن ربيعة ٠٠٠» كذا، وفيه تصريح أبي إسحاق بالسماع من علي بن ربيعة، وهذا خطأ؛ لأنَّ الحديث في جامع معمر لم يرد به التصريح بالسماع وكذلك عند أحمد من طريق عبد الرزاق، عن معمر، به لم يرد التصريح بالسماع، وحتى لو صح عن معمر أنَّه نقل عن أبي إسحاق أنَّه قال: أخبرنا علي بن ربيعة، فذكر التصريح بالسماع لا يصح؛ لأنَّ معمرًا تفرد بذكره من دون الرواة الآخرين عن أبي إسحاق الذين رووه عن أبي إسحاق عن علي ابن ربيعة من غير التصريح بالسماع، ومن هؤلاء الذين رووه عن أبي إسحاق عن علي بن ربيعة، سفيان الثوري وهو أعلم بحديث أبي إسحاق. كما أنَّ أبا إسحاق نفسه صرح بأنه لم يسمع هذا الحديث من علي بن ربيعة كما سيأتي، زد على ذلك أن لمعمر أخطاء في روايته عن أبي إسحاق. ومن بدائه هذا العلم أن ليس كل تصريح بالسماع سماعًا؛ إذ إنَّ النقاد يحكمون على بعض ذلك بالوهم كما سبق لنا بيان نظائر ذلك، والله الموفق الهادي لأقوم طريق.
[ ١ / ٢٠٩ ]
وأخرجه: الطبراني في "الدعاء" (٧٨٧) من طريق عبد الرحمان الرؤاسي.
وأخرجه: الطبراني في "الدعاء" (٧٨٦)، وابن عدي في "الكامل" ٢/ ١٣٧ - ١٣٨ من طريق الأجلح (^١).
وأخرجه: ابن عساكر في "تاريخ دمشق" ٦٢/ ٢٤ من طريق عمرو بن قيس الملائي.
جميعهم: (أبو الأحوص، ومعمر، وإسرائيل، وشريك، وسفيان، ومنصور، وعلي، وعبد الرحمان، والأجلح، وعمرو) عن أبي إسحاق السبيعي، به.
وهذا إسناد ضعيف؛ أبو إسحاق مشهور بالتدليس (^٢)، وهو لم يسمع هذا الحديث من علي بن ربيعة.
قال البخاري في "التاريخ الصغير" ١/ ٣٢٦: «قال عبد الرحمان بن مهدي، وذكر عنده حديث علي بن ربيعة الذي رواه يحيى القطان، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن علي بن ربيعة، قال: كنت ردف علي … قال عبد الرحمان: قال شعبة: قلت لأبي إسحاق ممّن سمعته؟ قال: من يونس بن خباب، قال: فأتيت يونس بن خباب، قلت: ممن سمعته؟ قال: من رجل أُراه عن علي بن ربيعة» (^٣).
قال ابن أبي حاتم في " العلل " (٧٩٩): «وسألت أبي عن حديث رواه الثوري وغيره، عن أبي إسحاق، عن علي بن ربيعة، قال: كنت رديف عليّ،
_________________
(١) قال الدارقطني في " العلل " ٤/ ٦٠ - ٦١: «واختلف عنه - أي الأجلح - فقال مصعب بن سلام: عن الأجلح، وأبو يوسف القاضي، عن ليث جميعًا عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي. ووهما والصواب ما رواه شيبان، عن الأجلح، عن أبي إسحاق، عن علي بن ربيعة. وكذلك قال أصحاب أبي إسحاق عنه».
(٢) ذكره النَّسائي في " المدلسين ": ١٢٢ (٩). وانظر: " تهذيب الكمال " ٥/ ٤٣٣ (٤٩٨٩).
(٣) وبنحوه أخرجه: ابن أبي حاتم في " العلل " (٨٠٠) عن عبد الرحمان بن مهدي.
[ ١ / ٢١٠ ]
فقال حين ركب: الحمد لله، ثلاثًا، سبحان الذي سخر لنا هذا … فقال أبي: حدثني أبو زياد القطان، عن يحيى بن سعيد قال: كنت أعجب من حديث عليّ بن ربيعة: كنت ردف عليٍّ؛ لأنَّ عليَّ بن ربيعة كان حدثًا في عهد عليّ، ومثله أنكرت أنْ يكون ردف عليٍّ حتى حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن عليّ بن ربيعة. قلت لسفيان: سمعه أبو إسحاق من
عليِّ بن ربيعة. فقال: سألت أبا إسحاق عنه فقال: حدثني رجل عن علي بن ربيعة».
أما طريق سفيان الذي أشار إليه أبو حاتم، فقد أخرجه: البخاري في "التاريخ الصغير" ١/ ٣٢٦ قال: حدثنا مسدد، قال: حدثنا يحيى، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن علي بن ربيعة، بهذا.
وقال الدارقطني في "العلل" ٤/ ٦١ س (٤٣٠): «وأبو إسحاق لم يسمع هذا الحديث من علي بن ربيعة، يبيّن ذلك: ما رواه عبد الرحمان بن مهدي، عن شعبة، قال: قلت لأبي إسحاق: سمعته من علي بن ربيعة؟ فقال: حدثني يونس بن خباب، عن رجل، عنه». والرجل المبهم هنا هو شقيق الأزدي؛ إذ أخرجه: الطبراني في "الدعاء" (٧٧٩) وفي "الأوسط"، له (١٧٧)
ط. الحديث و(١٧٥) ط. العلمية من طريق سعيد بن أبي مريم، عن ابن لهيعة، عن عبد ربه بن سعيد، عن يونس بن خباب، عن شقيق الأزدي، عن علي بن ربيعة، عن علي بن أبي طالب ﵁ به.
وهذا إسناد ضعيف؛ يونس بن خباب هو الأسيدي الكوفي كان رافضيًا نقل ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" ٩/ ٢٩٣ (١٠٠١) عن يحيى بن معين أنَّه قال: «يونس بن خباب لا شيء»، ونقل الذهبي في "ميزان الاعتدال" ٤/ ٤٧٩ (٩٩٠٣) عن يحيى بن سعيد أنَّه قال عنه: «كان كذّابًا»، وعن يحيى ابن معين أنَّه قال: «رجل سوء ضعيف»، وعن البخاري أنَّه قال: «منكر الحديث»، وقال أبو حاتم في "الجرح والتعديل" ٩/ ٢٩٣ (١٠٠١): «مضطرب الحديث ليس بالقوي»، وقال النَّسائي في "الضعفاء والمتروكون" (٦١٩): «ضعيف»، وقال الدارقطني في "الضعفاء والمتروكون" (٦٠٤): «كوفيٌ سيّئ المذهب»، ونقل عنه الذهبي أنَّه قال: «رجل سوء فيه شيعية
[ ١ / ٢١١ ]
مفرطة»، وقال ابن حبان في "المجروحين" ٣/ ١٣٩ - ١٤٠: «لا يحل الرواية عنه؛ لأنَّه كان داعية إلى مذهبه، ثم مع ذلك ينفرد بالمناكير التي يرويها عن الثقات، والأحاديث الصحاح التي يسرقها عن الأثبات فيرويها عنهم».
أمّا شقيق الأزدي، فقال الطبراني عنه عقب الحديث: «هو شقيق بن أبي عبد الله»، وقال الدارقطني في "العلل" ٤/ ٦١ - ٦٢: «شقيق بن عقبة الأسدي». قال ابن حجر كما في "الفتوحات الربانية" ٥/ ١٢٦: «شقيق هذا ما عرفت اسم أبيه، ولا حاله هو، والعلم عند الله تعالى، وأمّا يونس بن خباب فهو ضعيف فيه شيعية مفرطة كان يسب عثمان».
إلا أنَّ هذا الحديث ورد من طريق صحيح إلى علي بن ربيعة.
إذ أخرجه: الطبراني في "الدعاء" (٧٧٨)، والحاكم ٢/ ٩٨ - ٩٩ من طريق ميسرة بن حبيب النهدي، عن المنهال بن عمرو، عن علي بن ربيعة، به، قال الدارقطني في "العلل" ٤/ ٦٢: «وأحسنها إسنادًا حديث المنهال بن عمرو، عن علي بن ربيعة، والله أعلم»، وقال ابن حجر كما في " الفتوحات الربانية" ٥/ ١٢٥: «رجاله كلهم موثوقون من رجال الصحيح إلا ميسرة وهو ثقة».
وللمنهال بن عمرو متابعات عن علي بن ربيعة، ولكنها لا تخلو من ضعف.
فأخرجه: ابن أبي شيبة (٢٩٨٩٢)، والبزار (٧٧١)، والطبراني في "الدعاء" (٧٧٧) من طريق إسماعيل بن عبد الملك بن أبي الصفيراء (^١)، عن علي ابن ربيعة، به.
إلا أنَّ إسماعيل بن عبد الملك بن أبي الصفيراء (^٢) ذكره الذهبي في "ميزان الاعتدال" ١/ ٢٣٧ (٩١١) وقال: «قال أبو حاتم وابن معين: ليس بالقوي، ووهّاه ابن مهدي .. وقال يحيى القطان: تركته، ثم كتبت عن
_________________
(١) في رواية الطبراني: «الصغير».
(٢) جاء في " ميزان الاعتدال ": «الصغير». وسيأتي مزيد بيان لاسمه.
[ ١ / ٢١٢ ]
سفيان، عنه …»، وذكره البخاري في "الضعفاء الصغير" (١٧)، وقال النَّسائي في "الضعفاء والمتروكون" (٣٣): «ليس بالقوي»، وقال ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" ٢/ ١٢٦ (٦٢٩): «سمعت أبي يقول: إسماعيل بن عبد الملك بن أبي الصفيراء: ليس بقوي الحديث، وليس حده الترك، قلت: يكون مثل الأشعث بن السوار في الضعف؟ فقال: نعم».
إلا أنَّ ابن عدي قال في "الكامل" ١/ ٤٥١: «إسماعيل بن عبد الملك له أخبار يرويها، وحدَّث عنه الثوري وجماعة من الأئمة، وهو ممن يكتب حديثه»، وقال ابن حجر في "التقريب" (٤٦٥): «صدوق كثير الوهم» (^١).
فهو - والله أعلم - ممن يقبل حديثه في المتابعات والشواهد، وهو هنا اجتمع مع المنهال بن عمرو، عن علي بن ربيعة، به.
وأخرجه: الطبراني في "الدعاء" (٧٨٠) من طريق محمد بن عبد الرحمان ابن أبي ليلى، عن الحكم بن عتيبة، عن علي بن ربيعة، به.
ومحمد بن عبد الرحمان بن أبي ليلى صدوق سيئ الحفظ. ونقل ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" ٧/ ٤٣١ (١٧٣٩) عن شعبة، قال: «ما رأيت أحدًا أسوأ حفظًا من ابن أبي ليلى»، وعن أحمد بن حنبل، قال: «ابن أبي ليلى كان سيّئ الحفظ مضطرب الحديث، وكان فقه ابن أبي ليلى أحب إلينا من حديثه، حديثه فيه اضطراب»، وقال أبو حاتم: «محله الصدق كان سيّئ الحفظ شُغل بالقضاء فساء حفظه، لا يتهم بشيء من الكذب، إنَّما ينكر عليه كثرة
_________________
(١) اختلف في اسم إسماعيل بن عبد الملك بن أبي الصغير: ففي مصادر التخريج ورد باسم: إسماعيل بن عبد الملك فقط دون ذكر باقي نسبه، وورد في علل الدارقطني ٤/ ٦٢، وميزان الاعتدال ١/ ٢٣٧: إسماعيل بن عبد الملك بن أبي الصغير، وورد عند البخاري في" التاريخ الكبير" ١/ ٣٤٣ (١١٦٢) وفي "الضعفاء الصغير"، له (١٧)، والنسائي في "الضعفاء والمتروكون" (٣٣)، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" ٢/ ١٢٦ (٦٢٩)، وابن عدي في" الكامل " ١/ ٤٥٠: باسم إسماعيل بن عبد الملك بن أبي الصفيراء، وورد في "الضعفاء الكبير" للعقيلي ١/ ٨٥، وفي " علل الدارقطني " ٣/ ٩٠، "وتهذيب الكمال " للمزي ١/ ٢٤٢ (٤٥٧): إسماعيل بن عبد الملك بن أبي الصفير.
[ ١ / ٢١٣ ]
الخطأ، يكتب حديثه، ولا يحتج به …»، وقال أبو زرعة: «هو صالح ليس بأقوى ما يكون»، وقال النَّسائي في " الضعفاء والمتروكون " (٥٢٥): «ليس بالقوي في الحديث» (^١). فهو معتبر به في المتابعات والشواهد.
وانظر: "تحفة الأشراف" ٧/ ١١٠ (١٠٢٤٨)، و"إتحاف المهرة" ١١/ ٥٨٠ - ٥٨١ (١٤٦٦١) و(١٤٦٦٣)، و"أطراف المسند" ٤/ ٤٦٤ (٦٣٧٠).
وتقبل عنعنة المدلس في رواة مخصوصين، مثاله: روى الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الرحمان بن يزيد (^٢)، عن عبد الله، قال: من أحب القرآن فليبشر (^٣).
أخرجه: ابن أبي شيبة (٣٠٥٨١) من طريق محمد بن عبيد الطنافسي (^٤).
وأخرجه: الدارمي (٣٣٢٣) من طريق أبي عوانة (^٥).
وأخرجه: الدارمي (٣٣٢٤) من طريق يعلى بن عبيد الطنافسي (^٦).
ثلاثتهم: (محمد، وأبو عوانة، ويعلى) عن الأعمش، بهذا الإسناد موقوفًا.
هذا الحديث موقوف، إسناد رجاله ثقات، إلا أنَّ العلماء أعلوه بعلتين:
الأولى: عنعنة الأعمش.
والثانية: إنَّ إبراهيم أرسله عن عبد الله بن مسعود.
_________________
(١) وانظر: " تهذيب الكمال " ٦/ ٤٠٢ - ٤٠٣ (٥٩٩٧)، و" ميزان الاعتدال " ٣/ (٧٨٢٥).
(٢) وهو: «ثقة» " التقريب " (٤٠٤٣).
(٣) قال الزمخشري في " الفائق " ١/ ١١٠: «قيل المراد بقوله: «فليبشر» بالضم، أن يضمر نفسه لحفظه، فإن كثرة الطعام تنسيه إياه، من بشر الأديم وهو أخذ باطنه بشفرة، ومثله قوله: إني لأكره أن أرى الرجل سمينًا نسيًا للقرآن» وذكره ابن الأثير في " النهاية" ١/ ١٢٩ بلفظ : «فليَبشَر» بالفتح، وقال: «أي فليفرح وليسر، ومن رواه بالضم …» وذكر كلامًا نحو كلام الزمخشري، وجاءت في "إتحاف المهرة" ١٠/ ٣٣٥ (١٢٨٨٣): «فليستبشر».
(٤) وهو: «ثقة» " التقريب " (٦١١٤).
(٥) وهو - الوضاح اليشكري -: «ثقة ثبت» " التقريب " (٧٤٠٧).
(٦) وهو: «ثقة» " التقريب " (٧٨٤٤).
[ ١ / ٢١٤ ]
أما عنعنة الأعمش فتكون مقبولة ومحمولة على الاتصال، كما قال الذهبي في " الميزان " ٢/ ٢٢٤ (٣٥١٧): «هو يدلس، وربما دلس عن ضعيف، ولا يدرى به، فمتى قال: حدثنا، فلا كلام، ومتى قال: «عن» تطرق إليه احتمال التدليس إلا في شيوخ له أكثر عنهم كإبراهيم، وابن أبي وائل (^١)، وأبي صالح السمان، فإنَّ روايته عن هذا الصنف محمولة على الاتصال».
وأما إرسال إبراهيم للحديث عن عبد الله بن مسعود.
فقد أخرجه: سعيد بن منصور (٣) (التفسير) عن أبي معاوية الضرير، عن الأعمش، عن إبراهيم، قال: قال عبد الله: مَنْ أحب القرآن فليبشر.
فقد قال الأعمش فيما أسنده إليه المزي في " تهذيب الكمال " ١/ ١٤٦ (٢٦٠): «قلت لإبراهيم النخعيِّ: أَسند لي عن عبد الله بن مسعود، فقال إبراهيم: إذا حدثتكم عن رجل، عن عبد الله فهو الذي سمعت، وإذا قلت: قال عبد الله: فهو عن غير واحد، عن عبد الله».
وقال ابن رجب في " شرح علل الترمذي " ١/ ٢٩٤ ط. عتر و١/ ٥٤٢ ط. همام: «وهذا يقتضي ترجيح المرسل على المسند، لكن عن النخعي خاصة فيما أرسل عن ابن مسعود خاصة»، ونقل عن الإمام أحمد أنَّه قال: «مراسيل النخعي لا بأس بها»، وعن ابن معين أنَّه قال: «مرسلات إبراهيم
صحيحة إلا حديث تاجر البحرين (^٢)، وحديث الضحك في الصلاة (^٣)».
كما أنَّ الحديث روي كما تقدم من طريق ثلاثة من الثقات، عن الأعمش متصلًا فيما بين إبراهيم، وابن مسعود، بعبد الرحمان بن يزيد وهذا الطريق هو الصواب، لاتفاق الثقات عليه.
انظر: " إتحاف المهرة " ١٠/ ٣٣٥ (١٢٨٨٣).
وقد يعنعن المدلس عن شيخه الذي سمع منه ثم يبين لدى
_________________
(١) كذا في المطبوع، ولعله يريد أبا وائل شقيق بن سلمة، والله أعلم.
(٢) أخرجه: ابن أبي شيبة (٨٢٣٨)، وابن معين في " تاريخه " (٩٦٠) برواية الدوري.
(٣) أخرجه: البيهقي ١/ ١٤٧.
[ ١ / ٢١٥ ]
البحث أنَّه أسقط وساطة بينه وبين شيخه ويكون الساقط ضعيفًا، ثم بعد جمع الطرق ومعرفة ضعف الضعيف يتبين خطؤه في متن الحديث. مثاله: روى ابن
جريج، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تَبُلْ قائمًا».
أخرجه: ابن حبان (١٤٢٣) بهذا الإسناد.
وقال: «أخاف أنَّ ابن جريج لم يسمعْ من نافع هذا الخبر».
علق الحافظ ابن حجر في " إتحاف المهرة " ٩/ ١٥٥ (١٠٧٦٦) على هذا القول بقوله: «قلت: وهو كذلك فقد رواه عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عبد الكريم بن أبي المخارق، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر. وابن أبي المخارق ضعيف. ورواه عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر موقوفًا، وهو الصواب» (^١).
وهذا الحديث ظاهره الصحة لكون رجاله ثقات لولا عنعنة ابن جريج وهو مدلس.
وقد تحققتْ مخاوف ابن حبان؛ إذ صرّح ابن جريج بمن أسقط، حيث رواه عن عبد الكريم بن أبي المخارق، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر، قال: رآني رسولُ الله ﷺ أبولُ قائمًا، فقال: «يا عُمرُ لا تبلْ قائمًا» فما بلتُ قائمًا بعد.
أخرجه: عبد الرزاق كما في " إتحاف المهرة " ٩/ ١٥٥ (١٠٧٦٦)، وابن ماجه (٣٠٨)، وأبو عوانة ٤/ ٢٥ (٥٨٩٨)، وابن عدي في " الكامل " ٧/ ٤٠، والحاكم ١/ ١٨٥، والبيهقي ١/ ١٠٢ من طريق ابن جريج، عن
عبد الكريم.
قال البيهقي: «وعبد الكريم بن أبي المخارق ضعيف».
وعلقه الترمذي عقب (١٢) وقال: «وإنَّما رفع هذا الحديث عبد الكريم ابن
_________________
(١) هذا من درر الحافظ ابن حجر الذي طرز فيها كتابه النافع الماتع " إتحاف المهرة " على أنَّه مقلٌ في ذكر العلل في هذا الكتاب، وله سلف في ذلك هو صنيع المزي في " تحفة الأشراف " والمزي يكثر من ذلك، ولو أنَّ أحد الباحثين جمع علل الكتابين أو علل أحدهما لكان عملًا نافعًا.
[ ١ / ٢١٦ ]
أبي المخارق، وهو ضعيف عند أهل الحديث، ضعّفه أيوب السَّختياني وتكلم فيه».
وعبد الكريم بن أبي المخارق، قال عنه ابن معين في " تاريخه " (٦٨١) برواية الدارمي: «ليس بشيء»، وقال النسائي في " الضعفاء والمتروكون "
(٤٠١): «متروك الحديث»، وذكره الدارقطني في " الضعفاء والمتروكون " (٣٦١).
قال البوصيري في " مصباح الزجاجة " ١/ ٤٥: «هذا إسناد ضعيف، عبد الكريم متفق على تضعيفه، وقد تفرّد بهذا الخبر وعارضه خبر عبيد الله بن عمر العمري الثقة المأمون المجمع على ثقته، ولا يغتر بتصحيح ابن حبان (^١) هذا الخبر من طريق هشام بن يوسف، عن ابن جريج، عن نافع، عن ابن عمر».
وخبر عبيد الله بن عمر المشار إليه أخرجه: ابن أبي شيبة (١٣٣٢)، والبزار (١٤٩)، والطحاوي في " شرح معاني الآثار " ٤/ ٢٦٨ وفي ط. العلمية (٦٦٧٨) من طريق عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر، قال: ما بلتُ قائمًا منذُ أسلمتُ. موقوفًا.
وذكره الترمذي معلقًا عقب (١٢) وقال: «وهذا أصح من حديث عبد الكريم».
إذن فالصواب في الحديث الوقف، والرفع خطأ أخطأ فيه عبد الكريم، ورواية ابن حبان فيها تدليس ابن جريج (^٢).
وللشيخ محمد ناصر الدين الألباني رأيٌ آخر في إعلال هذا الحديث؛ إذ
_________________
(١) ابن حبان لم يصحح الحديث؛ إذ إنَّه توقف فيه. وابن حبان في كثير من تصرفاته ناسج نسج شيخه ابن خزيمة، فابن خزيمة صحح جميع ما في كتابه " مختصر المختصر " إلا ما ضعفه، أو توقف فيه، أو ما قدم المتن على الإسناد. فابن حبان على طريقة شيخه في أغلب الأمور، والله أعلم.
(٢) قال الدارقطني: «شر التدليس تدليس ابن جريج فإنَّه قبيح التدليس، لا يدلس إلا فيما سمعه من مجروح». " طبقات المدلسين " (٨٣).
[ ١ / ٢١٧ ]
إنَّه أعل حديث ابن جريج بما روي عن عبد الله بن عمر أنَّه رأى عبد الله بن دينار بال قائمًا، فقد قال الشيخ ﵀ في " الضعيفة " (٩٣٤) معقّبًا على كلام البوصيري: «ولم أعرف حديث عبيد الله الذي أشار إليه … لكن الظاهر أنَّه يعني مثل حديث عبد الله بن دينار أنَّه رأى عبد الله بن عمر بال قائمًا. أخرجه البيهقي ١/ ١٠٢ وقال: وهذا يضعف حديث عبد الكريم، وقد روينا البول قائمًا عن عمر وعلي وسهل بن سعد وأنس بن مالك …، ثم وقفت على حديث عبيد الله العمري في "مصنَّف" ابن أبي شيبة ١/ ١٢٤ طبع الهند (^١)، ومسند البزار (٣١ زوائده) (^٢) فإذا هو لا يعارض حديث الترجمة كما ادعى البوصيري فإنَّه رواه عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر، قال: ما بلتُ قائمًا منذ أسلمت. وإسناده صحيح فالأولى المعارضة بأثر عبد الله بن دينار المتقدم عن ابن عمر على اعتبار أنَّه هو الذي روي الحديث عنه كما هو ظاهر، ثم بما روى ابن أبي شيبة أيضًا قبيل الموضع المشار إلى صفحته آنفًا من طريق أخرى عن زيد، قال: رأيت عمر بال قائمًا، وزيد هذا هو ابن وهب
الكوفي، وهو ثقة كسائر من دونه فالإسناد صحيح أيضًا، ولعل هذا وقع
من عمر ﵁ بعد قوله المتقدم، وبعد ما تبين له أنَّه لا شيء في البول
قائمًا».
قلت: الذي تميل إليه النفس هو الإعلال بما أعله به البوصيري إنَّما هو عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر. فالإعلال برواية عبيد الله بن عمر أجود؛ لاتحاد المخرج وهو نافع. لكن يبقى الاستشكال وهو أنَّ ابن جريج في روايته التي دلّس فيها عبد الكريم وهي التي أخرجها ابن حبان قصر الحديث المرفوع إلى ابن عمر، ولم يجعله من مسند أبيه، فالله أعلم وما ذهب إليه العلامة الألباني ينفع في قوة إعلال الحديث، وأنَّ الحديث المرفوع حديث فائدةٌ.
انظر: "إتحاف المهرة" ٩/ ١٤٨ (١٠٧٤٥) و٩/ ١٥٥ (١٠٧٦٦)
و١٢/ ٢٦٠ (١٥٥٣٧) و(١٥٥٣٨).
_________________
(١) في ط. الرشد (١٣٣٢).
(٢) وهو في ط. الرسالة (٢٤٤).
[ ١ / ٢١٨ ]
مثال آخر: روى أبو إسحاقَ السَّبيعيُّ، عن فَرْوةَ (^١) بن نوفَلٍ الأشجعيِّ، عن أبيه، قالَ: دفعَ إليَّ النَّبيُّ ﷺ ابنةَ أمِّ سلمةَ، وقال: «إنَّما أنتَ ظِئْري (^٢)» قالَ: فمكثَ ما شاء اللهُ، ثم أتيتهُ فقال: «ما فعلتِ الجاريةُ - أو
الجويريةُ-؟» قال: قلتُ: عند أمِّها، فقال: «فمجيءُ ما جئتَ؟» قال: قلتُ: تعلِّمني ما أقول عند منامي، فقال: «اقرأْ عند منامكَ: ﴿قل يا أيها الكافرون﴾» قالَ: «ثُمَّ نمْ على خاتمتها، فإنَّها براءةٌ منَ الشِّركِ» (^٣).
أخرجه: أبو عبيد في " فضائل القرآن " (١ - ٤٥)، وابن الجعد في
"مسنده " (٢٦٥٤) ط. الفلاح و(٢٥٦٠) ط. العلمية، وابن أبي شيبة (٢٦٩٣٨) و(٢٩٧٩٤)، وأحمد ٣٩/ ٤٨٨ (٢٤٠٠٩/ ٤٩) استدراكات
ط. الرسالة، والدارميُّ (٣٤٢٧)، والبخاريُّ في "التاريخ الكبير" ٨/ ٤ (٢٣٧٢)، وأبو داود (٥٠٥٥)، والنَّسائيُّ في " الكبرى " (١٠٦٣٧)
و(١١٧٠٩) ط. العلمية و(١٠٥٦٩) و(١١٦٤٥) ط. الرسالة وفي " عمل اليوم والليلة "، له (٨٠١)، وابن قانع في " معجم الصحابة " (١٧٩٩)، وابن حبان (٧٩٠) و(٥٥٢٦) و(٥٥٤٦)، وابن السُّنيِّ في " عمل اليوم والليلة " (٦٩١)، وأبو نعيم في " معرفة الصحابة " (٦٤٦٨)، والحاكم ٢/ ٥٣٨، والبيهقيُّ في " شعب الإيمان" (٢٥٢٠) ط. العلمية و(٢٢٨٩) ط. الرشد، والخطيب في " الأسماء المبهمة ": ٣٠٨، وابن الأثير في " أسد الغابة " ٥/ ٣٤٨ من طريق زهير بن معاوية.
وأخرجه: أحمد ٥/ ٤٥٦ وفي ٣٩/ ٣٨٨ (٢٤٠٠٩/ ٥٠) استدراكات ط.
_________________
(١) في مطبوع سنن أبي داود: «مروة»، وكذلك في جميع الطبعات، وجاء على الصواب في "تحفة الأشراف " ٨/ ٣٠١ (١١٧١٨)، و" عون المعبود " ١/ ٣٩٥. تنبيه: جاء على الصواب في طبعة محمد عوامة (٥٠٥٦) وهو محقق تتفاوت تحقيقاته فتارة يجيد وتارة لا يجيد فمما حققه جيدًا " الكاشف " للذهبي، ومما لم يخرجه جيدًا " سنن أبي داود " و" مصنف ابن أبي شيبة ".
(٢) أي زوج مرضعة ابنة أم سلمة.
(٣) الروايات فيها تطويل واختصار، واللفظ من مسند أحمد ٥/ ٤٥٦.
[ ١ / ٢١٩ ]
الرسالة، والترمذيُّ (٣٤٠٣) (م)، والنَّسائيُّ في " الكبرى " (١٠٦٣٨) ط. العلمية و(١٠٥٧٠) ط. الرسالة وفي " عمل اليوم والليلة "، له (٨٠٢)، وابن الأعرابي في " معجم شيوخه " (١١٨٢)، والحاكم ١/ ٥٦٥، والبيهقي في " شعب الإيمان " (٢٥٢١) ط. العلمية و(٢٢٩٠) ط. الرشد من طريق إسرائيل (^١).
وأخرجه: ابن حبان (٥٥٢٥) من طريق زيد بن أبي أنيسة (^٢).
وأخرجه: ابن قانع في " معجم الصحابة " (١٧٩٨) من طريق شريك، وأبي مريم (^٣)، ومحمد بن أبان (^٤) (مقرونين).
وأخرجه: ابن قانع في " معجم الصحابة " عقب (١٧٩٩)، والطبراني في "الدعاء" ٢٧٨) من طريق أشعث بن سوار (^٥).
سبعتهم: (زهير، وإسرائيل، وزيد، وشريك، وأبو مريم، ومحمد، وأشعث) عن أبي إسحاق السَّبيعيِّ، بالإسناد المتقدم.
قال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه».
قلت: رجال الحديث ثقات، إلا أنَّ فيه أبا إسحاق السَّبيعيَّ وهو مدلس، قال ابن حبان في " الثقات " ٥/ ١٧٧: «وكان مدلسًا»، وقال العلائي في
"جامع التحصيل ": ٢٤٥ (٥٧٦): «تقدم أنَّه مكثر من التدليس»، وقال سبط ابن العجمي في " التبيين ": ١٦٠ (٥٨): «مشهور به» أي بالتدليس، وقال
_________________
(١) في المطبوع من مستدرك الحاكم: «إسرائيل بن أبي إسرائيل، عن فروة ..» وهذا خطأ واضح، والصواب: إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن فروة ٠٠، كذا جاء في" إتحاف المهرة " على الصواب ١٣/ ٦١٠ (١٧٢١٧)، وكذا هو في " تلخيص المستدرك للذهبي ".
(٢) وهو: «ثقة، له أفراد» " التقريب " (٢١١٨).
(٣) وهو عبد الغفار بن القاسم، قال الذهبي في " ميزان الاعتدال " ٢/ ٦٤٠ (٥١٤٧): «رافضي، ليس بثقة».
(٤) وهو محمد بن أبان بن صالح الجعفي، قال الذهبي في " ميزان الاعتدال " ٣/ ٤٥٣ (٧١٢٨): «ضعّفه أبو داود وابن معين، وقال البخاري: ليس بالقوي، وقيل: كان مرجئًا».
(٥) وهو: «ضعيف» " التقريب " (٥٢٤).
[ ١ / ٢٢٠ ]
العراقي في كتاب " المدلسين ": ٧٧ (٤٧): «مشهور بالتدليس»، وقال الحافظ ابن حجر في " طبقات المدلسين ": ٤٢/ (٩١): «مشهور بالتدليس .. وصفه النَّسائيُّ وغيره بالتدليس (^١)».
وانظر: " تحفة الأشراف " ٨/ ٣٠١ (١١٧١٨).
زيادة على عنعنة أبي إسحاق، فقد اخْتُلِفَ عليه اختلافًا واسعًا فروي عنه عن فروة بن نوفل، عن أبيه، به كما تقدم. ورواه عنه سفيان الثوريُّ.
إذ أخرجه: النَّسائيُّ في " الكبرى " (١٠٦٤٠) ط. العلمية و(١٠٥٧٢) ط. الرسالة وفي " عمل اليوم والليلة "، له (٨٠٤) من طريق عبد الله بن المبارك.
وأخرجه: أحمد ٣٩/ ٤٨٩ (٢٤٠٠٩/ ٥١) استدراكات ط. الرسالة، والبيهقي في "شعب الإيمان " (٢٥١٩) ط. العلمية و(٢٢٨٨) ط. الرشد من طريق أبي أحمد الزبيريِّ.
وأخرجه: أحمد ٣٩/ ٤٨٩ (٢٤٠٠٩/ ٥٢) استدراكات ط. الرسالة عن عبد الرزاق.
وأخرجه: أحمد ٣٩/ ٤٨٩ (٢٤٠٠٩/ ٥٣) عن يحيى بن آدم.
أربعتهم: (ابن المبارك، وأبو أحمد، وعبد الرزاق، ويحيى بن آدم) عن الثوري، عن أبي إسحاق، عن فروة بن نوفل (^٢)، به مرسلًا.
وخالفهم مخلد بن يزيد.
إذ أخرجه: النَّسائيُّ في " الكبرى " (١٠٦٣٩) ط. العلمية و(١٠٥٧١) ط. الرسالة وفي " عمل اليوم والليلة "، له (٨٠٣) من طريق مخلد بن يزيد (^٣)، عن سفيان الثوريِّ، عن أبي إسحاق، عن فروة الأشجعيِّ (^٤)، عن ظئرٍ
لرسول الله ﷺ، به.
_________________
(١) انظر: " كتاب ذكر المدلسين ": ١٢٢ (٩) للنسائي.
(٢) في " شعب الإيمان ": «عن أبي فروة»، وهو خطأ نبه عليه الحافظ ابن حجر في " التقريب " عقب (٨٣٠٦).
(٣) وهو: «صدوق، له أوهام» " التقريب " (٦٥٤٠).
(٤) جاء في مصادر التخريج كافة: «أبو فروة» وهو خطأ، قال الحافظ في " التقريب " عقب (٨٣٠٦): «أبو فروة الأشجعي صوابه فروة».
[ ١ / ٢٢١ ]
وهذه رواية شاذة، والصواب رواية الجماعة عن سفيان؛ لأنهم أكثر
عددًا وحفظًا من مخلد بن يزيد، قال الترمذيُّ عقب (٣٤٠٣) (م): «وقد اضطرب أصحاب أبي إسحاق في هذا الحديث»، وقال ابن عبد البر في "الاستيعاب": ٧١٧ (٢٥٦٧): «مختلف فيه، مضطرب الإسناد، لا يثبت».
قلت: ووجه الاضطراب فيه أنَّ زهيرًا وإسرائيل ومن تابعهما قد رووا الحديث عن أبي إسحاق موصولًا، في حين رواه الثوريُّ وهو أتقن أصحاب
أبي إسحاق (^١) مرسلًا.
وتعقب الحافظ ابن حجر ابن عبد البر فقال في " الإصابة " ٥/ ٣٦٩ (٨٨٣١): «وزعم ابن عبد البر بأنَّه حديث مضطرب، وليس كما قال، بل الرواية التي فيها (عن أبيه) أرجح، وهي الموصولة، رواته ثقات، فلا يضرّه مخالفة (^٢) مَنْ أرسله، وشرط الاضطراب أنْ تتساوى الوجوه في الاختلاف، وأما إذا تفاوتت فالحكم للراجح بلا خلاف».
قلت: حتى لو فرضنا أنَّ الحديث خالٍ من الاضطراب، فإنَّ فيه عنعنة أبي إسحاق السبيعي وهو مدلس كما مر تبيان هذا الأمر. وبعد مراجعة جميع طرق الحديث لم أقف على تصريحه بالسماع من شيخه.
وقد روي الحديث من طرق أخرى عن أبي إسحاق.
إذ أخرجه: الترمذيُّ (٣٤٠٣) من طريق أبي داود الطيالسيِّ، قال: أخبرنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن رجل، عن فروة بن نوفل: أنَّه أتى النَّبيَّ
ﷺ … فذكره (^٣).
_________________
(١) قال ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " ٤/ ٢١١ (٦٠٩١): «سُئل أبو زرعة من أحفظ أصحاب أبي إسحاق؟ فقال: أحفظ الناس عن أبي إسحاق: سفيان»، وقال أبو حاتم: «سفيان فقيه، حافظ، زاهد، إمام أهل العراق، وأتقن أصحاب أبي إسحاق».
(٢) في المطبوع: «مخافة».
(٣) والذي نعتقده ونميل إليه أنَّ هذا الإسناد هو الإسناد الراجح؛ إذ إنَّ شعبة لما رواه عن أبي إسحاق ذكر فيه الواسطة بين أبي إسحاق وفروة، وهو الرجل المبهم، وهذه من قرائن الترجيح في علم العلل، فشعبة لا يحمل عن شيوخه ما دلسوا فيه، وقد صرح هو نفسه بهذا، خاصة في أحاديث أبي إسحاق، فآل الأمرُ إلى أنَّ العلة الرئيسة في الحديث تدليس أبي إسحاق، وأنَّ المدلس رجلٌ مجهول.
[ ١ / ٢٢٢ ]
قال الترمذيُّ عقب الحديث: «وروى زهير هذا الحديث عن أبي
إسحاق، عن فروة بن نوفل، عن أبيه، عن النَّبيِّ ﷺ، نحوه، وهذا أشبه وأصح من حديث شعبة»، وقال المزيُّ في " تحفة الأشراف " ٨/ ٣٠٢ (١١٧١٨): «رواه شعبة، عن أبي إسحاق، عن رجل، عن فروة بن نوفل: أنَّه أتى النَّبيَّ ﷺ … فذكره، والأول أصحُ» يعني حديث زهير.
وهذا الطريق لو صح لاقتضى أنْ يكون فروة صحابيًا، وليس كذلك. ولعل الناظر يظن أنَّ شعبة تابع سفيان الثوري، وليس كذلك أيضًا؛ لأن طريق شعبة فيه زيادة رجل مبهم، فلا يصح أن يكون متابعًا لطريق سفيان، وإن اشتركا في الإرسال إلا أنَّ الطريقين مختلفان.
وأخرج الحديث أيضًا الحارث بن أبي أسامة كما في " بغية الباحث " (١٠٥٣)، وأبو يعلى (١٥٩٦)، ومن طريقه ابن حبان في " الثقات " ٣/ ٣٣٠ - ٣٣١ من طريق عبد العزيز بن مسلم، عن أبي إسحاق، عن فروة، قال: قال لي رسول الله ﷺ .. فذكره.
قال ابن حبان عقبه: «القلب يميل إلى أنَّ هذه اللفظة ليست بمحفوظة من ذكر صحبة رسول الله ﷺ، وإنا نذكره في كتاب التابعين أيضًا؛ لأنَّ ذلك الموضع به أشبه، وعبد العزيز بن مسلم القَسْملي، ربما أوهم فأفحش».
وقال الحافظ ابن حجر في " النكت الظراف " (المطبوع مع تحفة الأشراف) (^١) (١١٧١٨): «أقرّ المؤلف - يعني: المزي- هذا الحديث ولم يتعقبه، وهو يوهم ثبوت صحبة فروة، وليس كذلك» ثم ذكر كلام ابن حبان السالف وتعقبه، فقال: «واللفظة ثابتة، وإنَّما سقط من رواية
عبد العزيز قوله: (عن أبيه) فإنَّ ذلك محفوظ عنه، وهو صحابيٌّ باتفاق .. وكان ينبغي للمؤلف أنْ ينبه على ذلك».
_________________
(١) طبعة عبد الصمد شرف الدين، أما طبعة الدكتور بشار فلم يجعل " النكت الظراف " مع كتابه، مما جعل الآخرين يعيدون الكتاب مع التحفة، ومن أجود ذلك قرص " إتقان الحرفة في إكمال التحفة " فهو نافع جدًا.
[ ١ / ٢٢٣ ]
وانظر: " تحفة الأشراف " ٧/ ٤٩٠ (١١٠٢٥).
وروي الحديث بإسناد آخر.
إذ أخرجه: النَّسائيُّ في " الكبرى " (١٠٦٣٦) ط. العلمية و(١٠٥٦٨) ط. الرسالة وفي "عمل اليوم والليلة"، له (٨٠٠) من طريق سعيد بن سليمان، عن شريك، عن أبي إسحاق، عن فروة، عن جبلة، قال: سألتُ رسول الله ﷺ … فذكره.
وأخرجه: الطبراني في " الكبير " (٢١٩٥) وفي" الأوسط"، له (١٩٦٨) ط. العلمية و(١٩٨٩) ط. الحديث من طريق محمد بن الطفيل، قال:
حدثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن جبلة بن حارثة … فأسقط من السند (فروة) وهي رواية منكرة بلا ريب؛ إذ المحفوظ من طريق شريك ذكر فروة ابن نوفل.
وقد أخرج الحديث الإمام أحمد كما في " تفسير ابن كثير": ٢٠٤١ قال: حدثنا حجاج، قال: حدثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن فروة بن نوفل، عن الحارث بن جبلة.
ولعل هذا خطأ وقع في نسخة ابن كثير من المسند، إذ إنَّ الموجود في كتب تراجم الصحابة جبلة بن حارثة، وكذا هو في مصادر التخريج كما تقدم. أو قد يكون الوهم من شريك؛ لأنه خالف أصحاب أبي إسحاق في مخرج الحديث، أو يكون الوهم من أبي إسحاق باعتبار اضطرابه في هذا الحديث.
وهذا الطريق ضعيف؛ لأنَّ شريكًا خالف أصحاب أبي إسحاق كما أنَّه قد اخْتُلِف عليه، إذ رواه موافقًا لزهير وإسرائيل مرةً، ورواه هنا مخالفًا الجميع وجعل الحديث عن جبلة بن حارثة. إلا أنَّ العجيب أنَّ الحافظ ابن حجر قد صحح هذا الطريق؛ إذ قال في "الإصابة" ١/ ٣٣٦ (١٠٧٢): «وله في النَّسائيِّ حديث متصل صحيح الإسناد، من رواية أبي إسحاق، عن فروة، عن جبلة بن حارثة، في القول عند النوم …»، لكن الحافظ رجع وقال في موضع آخر من " الإصابة " ٤/ ٣٤١ (٦٩٧٩): «وخالف الجميع شريك بن عبد الله القاضي، فقال: عن أبي إسحاق، عن جبلة بن حارثة، أخرجه النَّسائيُّ من رواية سعيد بن سليمان، عنه».
[ ١ / ٢٢٤ ]
أقول: سعيد بن سليمان رواه عن شريك بإثبات فروة في السند، أما الرواية التي عناها الحافظ فهي رواية محمد بن الطفيل، وذِكْر جبلة بن حارثة لا أعلم لشريك متابعًا له عليه، والطرق التي تقدمت عن أبي إسحاق تبين ذلك.
وانظر: " تحفة الأشراف " ٢/ ٥٤٨ (٣١٨٣).
وروي هذا الحديث من طريق مروان بن معاوية، عن أبي مالك الأشجعي، عن عبد الرحمان بن نوفل الأشجعي، عن أبيه.
إذ أخرجه: ابن أبي شيبة (٢٦٩٣٩) و(٢٩٧٩٦)، وابن أبي عاصم في " الآحاد والمثاني " (١٣٠٤)، وأبو نعيم في " معرفة الصحابة " (٦٤٦٩) من طريق مروان بن معاوية، بهذا الإسناد.
قال الترمذي عقب (٣٤٠٣) (م): «وقد روي هذا الحديث من غير هذا الوجه، قد رواه عبد الرحمان بن نوفل، عن أبيه، عن النبي ﷺ وعبد الرحمان أخو فروة بن نوفل».
وهذا إسناد ضعيف؛ فيه عبد الرحمان بن نوفل، ذكره البخاريُّ في
"التاريخ الكبير " ٥/ ٢٢١ (١١٣٤)، وابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " ٥/ ٣٥٦ (١٣٩٢) ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا. ولم يوثّقه أحد، إلا أنَّ ابن حبان ذكره في " الثقات " ٥/ ١١٢ على عادته في توثيق المجاهيل، وذكره العجلي في " معرفة الثقات " (١٠٨٣) وقال: «كوفي تابعي ثقة».
ولكن هذا الطريق فيه بعض من بشارات القبول فإنه من رواية الأبناء عن الآباء، إذن فهذا الحديث من موروث عبد الرحمان عن أهل بيته مما يقتضي أنه حفظه، وعبد الرحمان تابعه أخوه فروة.
وللحديث شواهد لا يفرح بها، فقد ورد من حديث ابن عباس ﵄.
إذ أخرجه: أبو يعلى كما في "إتحاف الخيرة المهرة" ٦/ ٣٠٦ (٥٩٠٥)، وابن عدي في " الكامل " ٢/ ٥٢٨، والطبراني في " الكبير " (١٢٩٩٣)، وأبو نعيم في " الحلية " ٤/ ٩٦ من طريق جبارة بن مغلس، قال: حدثنا حجاج بن
[ ١ / ٢٢٥ ]
تميم، عن ميمون، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: «ألا أدُلكم على كلمةٍ تُنْجيكم منَ الإشراكِ بالله؟ ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ عند منامكم».
وهذا إسناد معلول بعلتين: الأولى: جبارة بن مغلس، قال عنه النَّسائيُّ في " الضعفاء والمتروكون " (١٠١): «ضعيف»، وقال ابن حبان في
"المجروحين " ١/ ٢٢١: «كان يقلب الأسانيد ويرفع المراسيل، أفسده يحيى الحماني …»، وقال الدارقطني كما في" سؤالات البرقاني " (٧١): «متروك»، وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد"١٠/ ١٢١: «وفيه جبارة بن المغلس وهو ضعيف جدًا».
أما العلة الثانية: فهي ضعف الحجاج بن تميم الجزري، قال عنه النَّسائيُّ فيما نقله المزيُّ في " تهذيب الكمال " ٢/ ٥٨ (١٠٩٨): «ليس بثقة»، وقال الذهبيُّ في " ميزان الاعتدال " ١/ ٤٦١ (١٧٢٨): «وأحاديثه تدل على أنَّه واهٍ».
وعلى هذا الكلام في حجاج بن تميم فقد تكلم أهل العلم في روايته عن ميمون بن مهران؛ إذ قال ابن عدي في " الكامل " ٢/ ٥٢٨: «روايته عنه ليست بالمستقيمة».
وقد توبع الحجاج بن تميم.
أخرجه: ابن عدي في " الكامل " ٧/ ٣٠٠ من طريق شيبان، عن محمد ابن زياد، عن ميمون بن مهران، عن ابن عباس.
وهذا إسناد موضوع؛ فيه محمد بن زياد، قال عنه أحمد في " الجامع في العلل" ٢/ ١٩٩ (١٨٥٤): «كذابٌ، خبيثٌ، أعور، يضع الحديث»، وقال البخاريُّ في " التاريخ الكبير " ١/ ٨٧ (٢٦٦): «كان محمد بن زياد يُتهم بوضع الحديث»، وقال النَّسائيُّ في " الضعفاء والمتروكون " (٥٤٧): «متروك الحديث»، وقال ابن عدي في "الكامل " ٧/ ٢٩٧: «كان كذابًا خبيثًا».
وروي من حديث خباب بن الأرتّ ﵁.
أخرجه: البزار كما في " كشف الأستار " (٣١١٣)، والطبراني في
[ ١ / ٢٢٦ ]
"الكبير " (٣٧٠٨) من طريق شريك وجابر الجعفيِّ، عن معقل الزبيديِّ، عن عباد أبي الأخضر، عن خباب، عن نبي الله ﷺ: أنَّه لم يأتِ فراشه قط إلا قرأ: ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ حتى يختم.
وهذا إسناد ضعيف جدًا فيه علتان:
الأولى: جابر الجعفي، قال عنه يحيى بن معين في " تاريخه " (١٣٥٦) برواية الدوريِّ: «ليس بشيء»، وبه أعله الهيثميُّ في " مجمع الزوائد " ١٠/ ١٢١ قال: «وفيه جابر الجعفيُّ وهو ضعيف».
والثانية: شريك، وهو سيئ الحفظ، وقد تقدمت ترجمته.
وروي من حديث أنس بن مالك ﵁.
أخرجه: البيهقيُّ في " شعب الإيمان " (٢٥٢٢) ط. العلمية و(٢٢٩١) ط. الرشد من طريق شيبان، عن قتادة، عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ لمعاذ: «اقرأ ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ عند منامك، فإنَّها براءة من الشرك».
وقال عقبه: «هو بهذا الإسناد منكر؛ وإنما يعرف بالإسناد الأول - يعني: إسناد إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن فروة بن نوفل، عن أبيه -».
وقد يعنعن المدلِّس في حديث، ثم بعد البحث والتفتيش نجده قد أسقط واسطة دلسها ثم تبين من خلال البحث علل أخرى حصلت في تلك
الرواية، مثاله ما روى أبو إسحاق السَّبيعيُّ، عن شُرَيحِ بن النُّعمان الصائديِّ - وهو الهمْداني- عن عليِّ بن أبي طالب، قالَ: أمرنا رسولُ اللهِ ﷺ أنْ نستشرف العينَ والأذنَ، وأنْ لا نُضحّي بمقابلة ولا مدابرةٍ، ولا شَرْقاء، ولا خَرْقاء (^١).
هذا الحديث اختلف فيه على أبي إسحاق في سنده.
فقد أخرجه: أحمد ١/ ١٠٨ و١٤٩، وأبو داود (٢٨٠٤)، والنَّسائيُّ ٧/ ٢١٦ - ٢١٧ وفي " الكبرى "، له (٤٤٦٣) ط. العلمية و(٤٤٤٧)
ط. الرسالة،
_________________
(١) لفظ رواية الترمذي.
[ ١ / ٢٢٧ ]
والطحاوي في " شرح المعاني " ٤/ ١٦٩ وفي ط. العلمية (٦٠٥٦)، والبيهقي ٩/ ٢٧٥، والمزي في " تهذيب الكمال " ٣/ ٣٨١ (٢٧١٣) من طريق زهير.
وأخرجه: أحمد ١/ ١٢٨، والدارميُّ (١٩٥٢)، والبخاري في " التاريخ الكبير " ٤/ ١٩٤ (٢٦١٤)، والترمذي (١٤٩٨) (م)، والحاكم ٤/ ٢٢٤، والبيهقي ٩/ ٢٧٥، والبغوي (١١٢١) من طريق إسرائيل.
وأخرجه: أحمد ١/ ١٢٨ من طريق علي بن صالح (^١).
وأخرجه: أحمد ١/ ٨٠، ومن طريقه الضياء في " المختارة " ٢/ ١١٤ (٤٨٨). وأخرجه: ابن ماجه (٣١٤٢)، والنَّسائيُّ ٧/ ٢١٧ وفي "الكبرى"، له (٤٤٦٤) ط. العلمية و(٤٤٤٨) ط. الرسالة، وابن الجارود (٩٠٦)، والطحاوي في "شرح المعاني" ٤/ ١٦٩ وفي ط. العلمية (٦٠٥٨)، والحاكم ٤/ ٢٢٤ من طريق أبي بكر بن عياش.
وأخرجه: الترمذي (١٤٩٨) من طريق شريك.
وأخرجه: النَّسائيُّ ٧/ ٢١٧ وفي " الكبرى "، له (٤٤٦٥) ط. العلمية
و(٤٤٤٩) ط. الرسالة، والطحاوي في " شرح المعاني " ٤/ ١٦٩ وفي
ط. العلمية (٦٠٥٥)، والخطيب في " تلخيص المتشابه " (٩٠١) من طريق زياد بن خيثمة.
وأخرجه: النَّسائيُّ ٧/ ٢١٦ وفي " الكبرى "، له (٤٤٦٢) ط. العلمية
و(٤٤٤٦) ط. الرسالة من طريق زكريا بن أبي زائدة.
سبعتهم: (زهير، وإسرائيل، وعلي، وأبو بكر، وشريك، وزياد، وزكريا) عن أبي إسحاق، عن شريح بن النعمان (^٢)، به.
وقد جاء في رواية إسرائيل من الزيادة، قال أبو إسحاق: «المقابلة: ما قطع طرف إذنها، والمدابرة: ما قطع من جانب الأذن، والشرقاء: المشقوقة، والخرقاء: المثقوبة».
_________________
(١) جاء مقرونًا مع إسرائيل.
(٢) نقل زهير في روايته عن أبي إسحاق أنَّه قال عقب ذكره لاسم شيخه: «كان رجل صدق».
[ ١ / ٢٢٨ ]
وقد ذهب بعض أهل العلم إلى تصحيح هذه الرواية، فقال الترمذي عقب الحديث: «هذا حديث حسن صحيح».
وقال الحاكم: «هذا حديث صحيح أسانيده كلها ولم يخرجاه؛ وأظنه لزيادة ذكرها قيس بن الربيع، عن أبي إسحاق على أنَّهما لم يحتجا بقيس».
فمتابعة هؤلاء الرواة بعضهم لبعض مما يقوي هذا الحديث، إلا أنَّ العبرة فيمن بعدهم، فالملحوظ: أنَّ أبا إسحاق لم يصرحْ ولا بطريق من هذه الطرق بسماعه من شيخه، وكما هو معروف فإنَّه مشهورٌ بالتدليس. وقد جاء في غير الطرق التي قدمناها أنَّ أبا إسحاق لم يسمع هذا الحديث من شريح.
فقد أخرجه: البخاريُّ في " التاريخ الكبير " ٤/ ١٩٤ (٢٦١٤) من طريق أبي وكيع.
وأخرجه: ابن أبي حاتم في " العلل " (١٦٠٦) عن أبيه أنَّه قال: رأيتُ في كتاب عمر بن علي بن أبي بكر الكندي، عن أبيه، عن الجراح بن الضحاك الكندي.
وأخرجه: الدارقطني في " المؤتلف والمختلف ": ١٢٧٩، والحاكم ٤/ ٢٢٤، وابن حزم في " المحلى " ٨/ ٩ من طريق قيس بن الربيع.
ثلاثتهم: (أبو وكيع الجراح بن مليح، والجراح بن الضحاك، وقيس بن الربيع) عن أبي إسحاق، عن سعيد بن أشوع، عن شريح بن النعمان، عن عليٍّ، به.
فزاد هؤلاء في الإسناد: «سعيد بن أشوع» ومما يؤكد أنَّ الإسناد هكذا هو المحفوظ، ما جاء في رواية قيس بن الربيع أنَّه قال: «قلت لأبي إسحاق: سمعته من شريح؟ قال: حدثني به ابن أشوع عنه»، فهذا أبو إسحاق قد صرّح بالسماع في هذه الرواية فترجحت على الرواية المتقدمة.
وقد ذهب أهل العلم إلى ترجيح رواية ابن أشوع، فقال أبو حاتم فيما نقله عنه ابنه في " العلل " (١٦٠٦): «وهذا أشبه»، وقال الدارقطني في
"العلل " ٣/ ٢٣٨ عقب (٣٨٠): «ولم يسمعْ هذا الحديث أبو إسحاق من شريح»، وقال
[ ١ / ٢٢٩ ]
المزي في " تهذيب الكمال " ٣/ ٣٨١ (٢٧١٣): «وقيل: إنَّ أبا إسحاق لم يسمع منه إنَّما سمع من ابن أشوع عنه».
قلت: والناظر في كلام الحاكم سيجد أنَّ صاحبي الصحيحين عزفا عن تخريجه لعنعنة أبي إسحاق.
وأنَّ إسناده منقطع، والصواب ذكر ابن أشوع فيه، وابن أشوع ثقة (^١)، وعلى هذا فيكون الإسناد الثاني متصلًا، إلا أنَّ الحديث معلول بغير هذا بعلتين:
الأولى: أنَّ أبا إسحاق قد خالف من هو أوثق منه.
فقد أخرجه: الدارقطني في " العلل " ٣/ ٢٣٩ (٣٨٠) وفي " المؤتلف والمختلف"، له: ١٢٧٨ - ١٢٧٩ من طريق سفيان، قال: حدثني ابن أشوع، عن شريح بن النعمان، قال: كنتُ عند عليٍّ فسأله رجل عن الأضحية، فقال: لا مدابرة، ولا مقابلة، ولا شرقاء، سليمة العينِ والأذنِ.
ووجه المخالفة أنَّ سفيان رواه موقوفًا على عليٍّ ﵁، في حين أنَّ أبا إسحاق رفعه، كما ذهب بعض الأئمة إلى ترجيح الموقوف، فقد قال البخاري في "التاريخ الكبير" ٤/ ١٩٤ (٢٦١٤): «لم يثبت رفعه»، وقال الدارقطني في " العلل " ٣/ ٢٣٩ قبيل (٣٨١): «ويشبه أنْ يكون القول قول الثوري، والله أعلم».
وأما العلة الثانية: فهي حال شريح، فقد قال عنه ابن سعد في "الطبقات" ٦/ ٢٤٥: «وكان قليل الحديث»، وقال ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " ٤/ ٣٠٧ (١٤٦٠): «سألت أبي: عن شريح بن النعمان الصائدي وهبيرة بن يريم، قال: ما أقربهما، قلت: يحتج بحديثهما؟ قال: لا، هما شبيهان بالمجهولين»، وذكره ابن حبان في " الثقات" ٤/ ٣٥٣، وقال ابن حجر في
"تهذيب التهذيب " ٤/ ٣٠١: «روى له الأربعة حديثًا واحدًا في الأضحية»،
_________________
(١) " التقريب " (٢٣٦٨).
[ ١ / ٢٣٠ ]
وقال الذهبي في " الكاشف " (٢٢٦٨): «وثّق» (^١) وقال في " المغني "، له (٢٧٥٩): «قويُّ الأمر»، وذكره ابن شاهين في " تاريخ أسماء الثقات " (٥٣٤) وقال: «كان رجل صدق» (^٢).
وبعد هذه الترجمة يتبين أنَّه لم يُؤْثَر توثيقهُ عن أحد من الأعلام سوى ما ذكره ابن حبان في " ثقاته "، وهذا لا يعوّل عليه، وأما بقية أقوال أهل العلم فإنَّها متأرجحة بين مضعِّف كما هو عند أبي حاتم، وموثِّق كما عند ابن حبان والذهبي، ولا شك في رجحان المجرِّح على اعتبار أنَّه جرح مفسَّر، فسره أبو حاتم، والقاعدة تقول: «الجرح المفسَّر مقدمٌ على التعديل». بانَ الآن ضعف هذا الطريق.
وانظر: " تحفة الأشراف " ٧/ ٤٧ (١٠١٢٥)، " وإتحاف المهرة " ١١/ ٤١٧ (١٤٣٢٩)، " وأطراف المسند " ٤/ ٤١٨ (٦٢٦٣).
وقد روي هذا الحديث عن أبي إسحاق بإسناد آخر.
فأخرجه: عبد الله بن أحمد في " زياداته " على " مسند أبيه " ١/ ١٣٢، والطبراني في " الأوسط " (٧٩٧٣) كلتا الطبعتين من طريق محمد بن بكار، عن أبي وكيع الجراح بن مليح، عن أبي إسحاق الهمداني، عن هبيرة بن يريم، عن عليِّ بن أبي طالب، قال: أَمرنا رسولُ اللهِ ﷺ أنْ نستشرفَ العينَ والأذنَ فصاعدًا.
قال الطبراني: «لم يرو هذا الحديث عن أبي إسحاق، عن هبيرة إلا أبو وكيع، تفرد به: محمد بن بكار. ورواه الناس: عن أبي إسحاق، عن شريح
ابن النعمان».
وهذا الإسناد فيه ما فيه فإنَّه طريق الجراح، والذي وافقه فيه الجراح بن الضحاك وقيس بن الربيع، ونظرة فاحصة للإسنادين تبين أنَّ محمد بن بكار جعله عن أبي إسحاق، عن هبيرة، والصواب: أبو إسحاق، عن سعيد بن أشوع، كما مر في الطرق المتقدمة.
_________________
(١) ومعلوم لدى التحقيق أنَّ الذهبي إذا قال هذه اللفظة فهو يقصد توثيق ابن حبان.
(٢) ولخص ابن حجر القول فيه فقال في " التقريب " (٢٧٧٧): «صدوق».
[ ١ / ٢٣١ ]
وانظر: " إتحاف المهرة " ١١/ ٦٥٣ (١٤٨٠٧)، و" أطراف المسند " ٤/ ٤٨٦ (٦٤٢٤).
وقد روي هذا الحديث عن عليٍّ ﵁ من غير هذا الطريق.
فأخرجه: الطيالسي (١٦٠)، وعبد الرزاق (١٣٤٣٧)، وأحمد ١/ ٩٥ و١٠٥ و١٢٥ و١٥٢، والدارمي (١٩٥١)، وابن ماجه (٣١٤٣)، والترمذي (١٥٠٣)، والبزار (٧٥٣) و(٧٥٤)، والنسائي ٧/ ٢١٧ وفي
"الكبرى "، له (٤٤٦٦) ط. العلمية و(٤٤٥٠) ط. الرسالة، وابن خزيمة (٢٩١٤) و(٢٩١٥) بتحقيقي، وأبو يعلى (٦١٥) و(٣٣٣)، والطحاوي في " شرح المعاني " ٤/ ١٦٩ وفي ط. العلمية (٦٠٥٩) و(٦٠٦٠)، وابن حبان (٥٩٢٠)، والطبراني في " الأوسط " (٩٣٩١) كلتا الطبعتين، والحاكم ١/ ٤٦٨ و٤/ ٢٢٤ - ٢٢٥ و٢٢٥، والبيهقي ٩/ ٢٧٥، والخطيب في " تاريخ بغداد " ٩/ ٣ وفي ط. الغرب ١٠/ ١٣٢ من طرق عن سلمة بن كُهيل، عن حجيَّة - وهو ابن عدي - قال: سألَ رجلٌ عليًا عن البقرةِ، فقالَ: عنْ سبعةٍ، فقالَ: مكسورةُ القرنِ؟ فقال: لا يضركَ، قال: العرجاءُ؟ قالَ: إذا بلغتَ
المنسكَ فاذبحْ، أمرنا رسولُ الله ﷺ أنْ نستشرف العينَ والأذنَ (^١).
وهذا إسناد لين؛ من أجل حُجيَّة بن عديٍّ، فقد قال عنه أبو حاتم فيما نقله عنه ابنه في "الجرح والتعديل" ٣/ ٣١١ (١٤٠٠): «شيخ لا يحتجّ بحديثه، شبيه بالمجهول، شبيهًا بشريح بن النعمان الصائدي، وهبيرة بن يريم»، فتعقّبه الذهبيُّ في " الميزان " ١/ ٤٦٦ (١٧٥٩) فقال: «روى عنه الحكم وسلمة بن كهيل وأبو إسحاق، وهو صدوقٌ إنْ شاء الله، قد قال فيه العجلي: ثقة (^٢)»، وقال عنه ابن سعد في " الطبقات " ٦/ ٢٤٦: «وكان معروفًا وليس بذاك» (^٣).
قلت: وقعتْ في أسانيد هذا الحديث أُطروفةٌ، فإنَّ أبا حاتم رمى شريح
_________________
(١) لفظ رواية أحمد، وجاء في رواية الترمذي: «العينين والأذن».
(٢) " ثقاته " (٢٧٥).
(٣) ولخص ابن حجر القول فيه، فقال في " التقريب " (١١٥٠): «صدوق يخطئ».
[ ١ / ٢٣٢ ]
ابن النعمان، وحجية بن عدي وهبيرة بن يريم بالجهالة، فإذا الثلاثة يجتمعون ليرووا حديثًا واحدًا. والعجب أنَّ أبا حاتم نوقش في الرواة الثلاثة.
قلت: فبضرب هذه الروايات بعضها ببعض يتبين أنَّ رواية أبي إسحاق فيها إدراج فقوله: «أنْ نستشرفَ العين» هو الجزء المرفوع منه، وأما بقية الحديث فإنَّه موقوفٌ على عليٍّ، والله أعلم.
وانظر: " تحفة الأشراف " ٧/ ٢١ (١٠٠٦٤)، و" إتحاف المهرة " ١١/ ٣٣٥ (١٤١٤٥)، و" أطراف المسند " ٤/ ٣٩٥ (٦١٩٧).
ومما أُعل بتدليس الإسناد، مع أمور شائكة في إسناده.
حَدِيْث همام بن يحيى (^١)، عن ابن جريج، عن الزهري، عن أنس، قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إذا دخلَ الخلاءَ وضعَ خاتمه».
رَوَاهُ أبو داود (^٢)، وابن ماجه (^٣)، والترمذي (^٤)، والنسائي (^٥)،
وابن حبان (^٦)، والحاكم (^٧)، والبيهقي (^٨). وقد اختلفت أحكام أهل العلم في هذا الحديث فقَالَ أبو داود عقب الْحَدِيْث: «هَذَا حَدِيْث منكر، وإنَّما يعرف عن
_________________
(١) هُوَ همام بن يحيى بن دينار العوذي، أبو عَبْد الله، توفي سنة (١٦٤ هـ): ثقة ربما وهم. انظر: "سير أعلام النبلاء" ٧/ ٢٩٦، و" تذكرة الحفاظ " ١/ ٢٠١، و" التقريب " (٧٣١٩).
(٢) في " سننه " (١٩).
(٣) في " سننه " (٣٠٣).
(٤) في " جامعه " (١٧٤٦)، وفي " الشمائل "، له (٩٣) بتحقيقي.
(٥) أحمد بن شعيب بن علي الخراساني، أبو عَبْد الرحمان النسائي الحافظ صاحب السنن، ولد سنة (٢١٥ هـ)، وتوفي سنة (٣٠٣ هـ). انظر: " تذكرة الحفاظ " ٢/ ٦٩٨ - ٧٠١، و" سير أعلام النبلاء " ١٤/ ١٢٥ - ١٣٥، و" التقريب " (٤٧). والحديث أخرجه: في " المجتبى " ٨/ ١٧٨، وفي " الكبرى "، له (٩٥٤٢) ط. العلمية و(٩٧٤٠) ط. الرسالة.
(٦) في " صحيحه " (١٤١٣).
(٧) في " مستدركه " ١/ ١٨٧.
(٨) في " سننه الكبرى " ١/ ٩٤ و٩٥.
[ ١ / ٢٣٣ ]
ابن جريج، عن زياد بن سعد (^١)،
عن الزهري، عن أنس، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ اتخذ خاتمًا من وَرِقٍ ثُمَّ ألقاه، والوهم فِيْهِ من همام، وَلَمْ يروه إلا همام» (^٢). وقَالَ النسائي عقب تخريجه: «هَذَا حَدِيْث غَيْر محفوظ» (^٣)، في حين قال أبو الطيب: «قال موسى بن هارون: لا أدفع أنْ يكونا حديثين، ومال ابن حبان إليه فصححهما معًا، ويشهد له أنَّ ابن سعد أخرج بهذا السند: أنَّ أنسًا نقش في خاتمه محمد رسول الله، فكان إذا أراد الخلاء وضعه، لا سيما وهمام لم ينفرد بل تابعه عليه يحيى بن المتوكل، عن ابن جريج» (^٤). أقول: الاستدلال بالموقوفات والمقاطيع لتقوية المرفوعات ليس من صنيع أهل الحديث بل إنَّ الموقوف يكون علة للمرفوع.
وناقش الحافظ أحكام المصححين والمضعفين بما لا مزيد عليه فقال: «وقد نوزع أبو داود في حكمه عليه بالنكارة مع أنَّ رجاله من رجال الصحيح، والجواب: إنَّ أبا داود حكم عليه بكونه منكرًا؛ لأنَّ همامًا تفرد به عن ابن جريج، وهما وإنْ كانا من رجال الصحيح، فإن الشيخين لم يخرجا من رواية همام، عن ابن جريج شيئًا؛ لأنَّ أخذه عنه كان لما كان ابن جريج بالبصرة، والذين سمعوا من ابن جريج بالبصرة في حديثهم خلل من قبله، والخلل في هذا الحديث من جهة أنَّ ابن جريج دلسه عن الزهري، بإسقاط الواسطة، وهو زياد بن سعد، ووهم همام في لفظه على ما جزم به أبو داود وغيره، وهذا وجه حكمه عليه بكونه منكرًا، وحكم النسائي عليه بكونه غير محفوظ أصوب فإنَّه شاذ في الحقيقة (^٥) ..
_________________
(١) هُوَ: ابن عَبْد الرحمان الخراساني ثُمَّ المكي: ثقة ثبت، قَالَ عَنْهُ ابن عيينة: كَانَ زياد بن سعد أثبت أصحاب الزهري. انظر: " تهذيب الكمال " ٣/ ٥٠ (٢٠٣٣)، و" سير أعلام النبلاء " ٦/ ٣٢٣، و" التقريب " (٢٠٨٠).
(٢) " سنن أبي داود " عقب (١٩).
(٣) " السنن الكبرى " عقب (٩٥٤٢) ط. العلمية و(٩٤٧٠) ط. الرسالة.
(٤) " عون المعبود " ١/ ٣٦.
(٥) وهذا من ابن حجر محاكمة للمتقدمين بمصطلحات المتأخرين، وهو مسلك غير صحيح، فالمنكر وغير المحفوظ هما واحد عند المتقدمين، وهو ما حصل فيه خطأ، ومثل هذا هو الذي جعلنا نفرق بين منهج المتقدمين والمتأخرين، حتى لا نرد على المتقدمين بمصطلحات المتأخرين.
[ ١ / ٢٣٤ ]
على أنَّ للنظر مجالًا في تصحيح حديث همام؛ لأنَّه مبنيٌ على أنَّ أصله حديث الزهري، عن أنس في اتخاذ الخاتم، ولا مانع أنْ يكون هذا متنٌ آخر غير ذلك المتن، وقد مال ابن حبان فصححهما جميعًا، ولا علة له عندي إلا تدليس ابن جريج، فإنْ وجد عنه التصريح بالسماع فلا مانع من الحكم بصحته في نقدي، والله أعلم» (^١).
أقول: الحديث الَّذِيْ عناه أبو داود أخرجه: أحمد (^٢)، ومسلم (^٣)، وأبو عوانة (^٤)، وابن حبان (^٥)، وأبو الشيخ (^٦) من طريق ابن جريج، عن زياد بن سعد، عن الزهري، عن أنس بألفاظ مختلفة والمعنى واحد: «أنَّه أبصر في يد رَسُوْل الله ﷺ خاتمًا من وَرِق يومًا واحدًا، فصنع الناس خواتيمهم من وَرِق. قَالَ: فطرحَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ خاتمهُ، فطرحَ الناسُ خواتيمهم».
وقد يقول قائل: إنَّ نسبة الوهم فِيْهِ إلى همام فيها نظر، ووجهة النظر فيه:
إنَّ توهيم همام في متن الْحَدِيْث وإسناده إنما يتجه فِيْمَا لَوْ صحت
دعوى تفرده ومخالفته متنًا وإسنادًا، ولكننا نجد أنَّ همامًا متابع عَلَيْهِ متنًا
وإسنادًا، فَقَدْ رَوَاهُ الْحَاكِم (^٧) - ومن طريقه البيهقي (^٨) - وأخرجه
البغوي (^٩)
من طريق
_________________
(١) " نكت ابن حجر " ٢/ ٦٧٧ - ٦٧٨ و: ٤٥٣ - ٤٥٥ بتحقيقي.
(٢) في " مسنده " ٣/ ٢٠٦.
(٣) في " صحيحه " ٦/ ١٥٢ (٢٠٩٣) (٦٠).
(٤) في " مسنده " ٥/ ٢٢٥ (٨٦٢٧).
(٥) في " صحيحه " (٥٤٩٢)، وَقَالَ فِيْهِ: «خاتمًا من ذهب».
(٦) عَبْد الله بن مُحَمَّد بن جعفر بن حيان، أبو مُحَمَّد، الإمام المسند الحافظ، محدّث أصبهان، ولد سنة (٢٧٤ هـ (، ومات سنة (٣٦٩ هـ) انظر: " سير أعلام النبلاء " ١٦/ ٢٧٦، و" طبقات الحفاظ ": ٣٨٢ (٨٦٤)، و" شذرات الذهب " ٣/ ٦٩. والحديث أخرجه: في " أخلاق النَّبِيّ ﷺ " (٣٧١).
(٧) في " مستدركه " ١/ ١٨٧.
(٨) في " سننه الكبرى " ١/ ٩٥.
(٩) هُوَ الحافظ المفسر، حسين بن مسعود بن مُحَمَّد بن الفراء البغوي الشَّافِعِيّ، أبو مُحَمَّد، ويلقب محيي السنة، من أشهر مصنفاته: " شرح السنة " و" معالم التنْزيل في التفسير "، توفي سنة (٥١٦ هـ). انظر: "سير أعلام النبلاء" ١٩/ ٤٣٩، و"البداية والنهاية" ١٢/ ١٧١، و"طبقات المفسرين": ٣٨. والحديث أخرجه: في " شرح السنة " (١٨٩).
[ ١ / ٢٣٥ ]
يحيى بن المتوكل البصري (^١)، عن ابن جريج، عن الزهري، عن أنس، بِهِ مرفوعًا.
فنقول: أما يحيى بن المتوكل، فقد ذكره البخاري في " التاريخ الكبير " ٨/ ١٨٧ (٣١٠٨)، وابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " ٩/ ٢٣٤ (٧٨٩) ولم يذكراه بجرح ولا تعديل، ويكنى أبا بكر، وذكره ابن حبان وقال: «كان راويًا لابن جريج .. كان يخطئ» (^٢)، قَالَ العراقي: «ولا يقدح فِيْهِ قَوْل ابن معين: لا أعرفه، فَقَدْ عرفه غيره، وروى عَنْهُ نحو من عشرين نفسًا» (^٣).
فمن هَذَا يظهر أنَّ حال يحيى يصلح للمتابعة والاعتضاد، ولاسيما قَدْ نص
العلماء عَلَى عدم اشتراط أعلى مراتب الثقة في المُتابِع (^٤). أما قَوْل ابن معين: «لا أعرفه»، فأراد بِهِ غَيْر المتبادر إلى الذهن وَهُوَ جهالة العين، فَقَدْ
_________________
(١) هُوَ أبو بكر يحيى بن المتوكل الباهلي البصري: صدوق يخطئ، من التاسعة، مات بالمصيصة. انظر: " التاريخ الكبير " ٨/ ١٨٧ (٣١٠٧)، و" تهذيب الكمال " ٨/ ٨٢ (٧٥٠٤)، و" التقريب " (٧٦٣٤).
(٢) " الثقات " ٧/ ٦١٢.
(٣) " التقييد والإيضاح ": ١٠٨، وانظر: " سؤالات ابن الجنيد " ليحيى بن معين (٨٧٩). وقد حصل لابن عدي خلط بين يحيى بن المتوكل البصري وراو آخر اسمه يحيى بن المتوكل يكنى أبا عقيل، فنراه يجعل الترجمة هكذا: «يحيى بن المتوكل الباهلي مولى آل عمر مديني يكنى أبا عقيل». ثُمَّ يسوق سندًا يقول فِيْهِ: «حَدَّثَنَا الحسين بن عَبْد الله بن يزيد، قال: حَدَّثَنَا موسى ابن مروان، حَدَّثَنَا يحيى بن المتوكل البصري». " الكامل " ٩/ ٣٩. وهكذا نجده جعل الباهلي مدنيًا، وَهُوَ بصري، وساق سند البصري في ترجمة المديني، والله أعلم.
(٤) انظر: " شرح السيوطي عَلَى ألفية العراقي ": ١٢٩.
[ ١ / ٢٣٦ ]
عنى جهالة الحال (^١) ولذا قَالَ العراقي - كَمَا نقلناه آنفًا -: «قَدْ عرفه غيره».
وبهذا تظهر صحة متابعة يحيى بن المتوكل لهمام، غير أنَّ أهل العلم ضعفوا هذه المتابعة، إذ قال البيهقي عقبه: «وهذا شاهد ضعيف والله أعلم» وقال الحافظ ابن حجر: «وأما متابعة يحيى بن المتوكل له، عن ابن جريج، فقد تفيد، لكن قول يحيى بن معين: لا أعرفه أراد جهالة عدالته لا جهالة عينه فلا يعترض عليه بكونه روى عنه جماعة فإنَّ مجرد روايتهم عنه لا تستلزم معرفة
حاله، وأما ذكر ابن حبان له في " الثقات "، فإنَّه قال فيه مع ذلك: كان يخطئ، وذلك مما يتوقف به عن قبول أفراده» (^٢).
ويبدو أنَّ الخطأ في هَذَا الْحَدِيْث من ابن جريج، ولاسيما أنَّ ابن المتوكل وهمامًا بصريان (^٣)، وَقَدْ نص العلماء عَلَى أنَّ رِوَايَة البصريين عن ابن جريج فِيْهَا خلل من جهة ابن جريج لا من جهة أهل البصرة (^٤).
وبيانه: أنَّ ابن جريج دلّس للبصريين الوساطة بينه وبين الزهري، وَهُوَ زياد بن سعد، وصرّح بِهِ لغيرهم. كَمَا أنَّه - وعند تحديثه لأهل البصرة - لَمْ يَكُنْ متقنًا لحفظ الْمَتْن فأخطأ فِيْهِ.
فانحصر الخطأ في تدليس ابن جريج، ولهذا نجد الحافظ ابن حجر
يقول: «ولا علة لَهُ عندي إلا تدليس ابن جريج، فإن وجد عَنْهُ
التصريح بالسماع فلا مانع من الحكم بصحته في نقدي» (^٥). غير أنَّ قول الحافظ يعترض عليه بأنَّه أجاب عن الوهم في السند ولم يبين ما في المتن من خلل.
وقد تكلم بعض أهل العلم في رواية ابن جريج، عن الزهري، فقَالَ ابن معين: «ليس بشيء في الزهري» (^٦). ونقل ابن محرز عن ابن معين أنَّه قَالَ:
_________________
(١) انظر: " نكت ابن حجر " ٢/ ٦٧٨، و: ٤٥٤ بتحقيقي.
(٢) " نكت ابن حجر " ٢/ ٦٧٨ و: ٤٥٤ بتحقيقي.
(٣) انظر: ثقات ابن حبان ٧/ ٦١٢، و" التقريب " (٧٣١٩).
(٤) انظر: " نكت ابن حجر " ٢/ ٦٧٧ و: ٤٥٤ بتحقيقي.
(٥) " النكت " ٢/ ٦٧٨ و: ٤٥٥ بتحقيقي.
(٦) " تاريخ يحيى بن معين " رِوَايَة الدارمي: (١٣).
[ ١ / ٢٣٧ ]
«كَانَ يحيى بن سعيد لا يوثقه في الزهري» (^١). وقد بين الأئمة سبب هذا الضعف، فَقَالَ أبو زرعة الرازي: «أخبرني بعض أصحابنا، عن قريش بن أنس (^٢)، عن ابن جريج، قَالَ: ما سَمِعْتُ من الزهري شيئًا، إنما أعطاني الزهري جزءًا فكتبته وأجازه» (^٣). وَقَالَ يحيى بن سعيد القطان: «كَانَ ابن جريج لا يصحح أنه سَمِعَ من الزهري شَيْئًا. قَالَ - يعني: الفلاس (^٤) - فجهدت بِهِ في حَدِيْث «إن ناسًا من اليهود غزوا مع رَسُوْل الله ﷺ فأسهم لَهُمْ»، فَلَمْ يصحح أنه سَمِعَ من الزهري» (^٥).
فإن كان هذا هو سبب تضعيف رواية ابن جريج عن الزهري فسوف يكون هذا القول مرجوحًا؛ لأنَّ هذا الذي ذكره ابن جريج، يكون تحمله عنه إجازة، وهي إحدى صيغ التحمل الجيدة. وإنْ كان غير ذلك فيحيى بن معين أدرى بما يقول، على أنَّ الجماعة قد أخرجوا له عن الزهري.
وقد روي الحديث من طرق عن أنس أعني من غير طريق الزهري.
فرَوَاهُ ثابت عن أنس بن مالك: أنَّ النَّبِيّ ﷺ صنع خاتمًا من وَرِق، فنقش فِيْهِ: مُحَمَّد رَسُوْل الله، ثُمَّ قَالَ: «لا تنقشوا عَلَيْهِ».
الْحَدِيْث أخرجه: معمر (^٦)، وأحمد (^٧)، والترمذي (^٨)، وأبو الشيخ (^٩)،
_________________
(١) " سؤالات ابن محرز " ١/ ٥٥٤.
(٢) الأنصاري، وَقِيْلَ: الأموي، أبو أنس من أهل البصرة، مات سنة (٢٠٨ هـ) وَقِيْلَ: (٢٠٩ هـ)، قَالَ ابن حبان: كَانَ شيخًا صدوقًا إلا أنه اختلط في آخر عمره. انظر: " المجروحين " ٢/ ٢٢٣، و" تهذيب الكمال " ٦/ ١١٨ (٥٤٦٢)، و" تاريخ الإِسْلَام ": ٣٠٠ وفيات سنة (٢٠٨ هـ).
(٣) " الجرح والتعديل " ٥/ ٤٢٠ (١٦٨٧).
(٤) هُوَ الحافظ الناقد أبو حفص عمرو بن علي بن بحر بن كنيز الباهلي البصري الصيرفي الفلاس، ولد سنة نيف وستين ومئة، وتوفي سنة (٢٤٩ هـ). انظر: " الجرح والتعديل " ٦/ ٣٢٣ (١٣٧٥)، و" سير أعلام النبلاء " ١١/ ٤٧٠ و٤٧٢، و" العبر " ١/ ٤٥٤.
(٥) " الجرح والتعديل " ١/ ٢١٤ المقدمة.
(٦) في " جامعه " (١٩٤٦٥).
(٧) في " مسنده " ٣/ ١٦١.
(٨) في " الجامع الكبير " (١٧٤٥).
(٩) في " أخلاق النَّبِيّ ﷺ " (٣٧٧).
[ ١ / ٢٣٨ ]
والبيهقي (^١)، والبغوي (^٢).
ورواه عَبْد العزيز بن صهيب (^٣)، عن أنس بن مالك: أن رَسُوْل الله ﷺ اتخذ خاتمًا من فضة، ونقش فِيْهِ: مُحَمَّد رَسُوْل الله، وَقَالَ: «إنِّي اتَّخذْتُ خاتمًا مِنْ وَرِق وَنَقَشْتُ فِيْهِ: مُحَمَّد رَسُوْل الله، فلا يَنْقُشَنَّ أَحَدٌ عَلَى نَقْشِهِ».
أخرجه: ابن سعد (^٤)،
وابن أبي شيبة (^٥)، وأحمد (^٦)،
والبخاري (^٧)، ومسلم (^٨)، وابن ماجه (^٩)، والنسائي (^١٠)، وأبو يعلى (^١١)، وأبو
_________________
(١) في " السنن الكبرى "١٠/ ١٢٨، وفي " شعب الإيمان "، له (٦٣٣٩) ط. العلمية و(٥٩٢٥) ط. الرشد.
(٢) في "شرح السنة " (٣١٣٧). وَقَدْ أخرجه: عَبْد بن حميد (١٣٥٩) عن ثابت مقرونًا بحميد عن أنس قَالَ: «كَانَ نقش خاتم النَّبِيّ ﷺ: مُحَمَّد رَسُوْل الله». وأخرجه: عَبْد بن حميد (١٣٥٨)، ومسلم ٦/ ١٥٢ (٢٠٩٥) (٦٣) عن ثابت عن أنس: «هكذا كَانَ خاتم النَّبِيّ ﷺ وأشار بيساره ووضع إبهامه عَلَى ظهر خنصره». انظر: " تحفة الأشراف " ١/ ٣١٤ (٤٨٠).
(٣) ثقة، توفي سنة (١٣٠ هـ). انظر: " التاريخ الكبير " ٥/ ٢٩٧ (١٥٣٤)، و" تهذيب الكمال " ٤/ ٥١٩ (٤٠٤١)، و" التقريب " (٤١٠٢).
(٤) هُوَ الحافظ أبو عَبْد الله مُحَمَّد بن سعد بن منيع البغدادي، صاحب الطبقات، ولد بَعْدَ سنة (١٦٠ هـ)، وقيل: سنة (١٦٨ هـ)، وتوفي سنة (٢٣٠ هـ). انظر: " الجرح والتعديل " ٧/ ٣٤٩ (١٤٣٣)، و" الفهرست ": ١١١ - ١١٢، و" سير أعلام النبلاء " ١٠/ ٦٦٤ - ٦٦٦. والحديث أخرجه: في " الطبقات " ١/ ٣٦٨.
(٥) في " مصنفه " (٢٥٤٨٦).
(٦) في " مسنده " ٣/ ١٠١ و١٨٦ - ١٨٧ و٢٩٠.
(٧) في " الصَّحِيْح " ٧/ ٢٠٢ (٥٨٧٤) و٧/ ٢٠٣ (٥٨٧٧)، وفي " خلق أفعال العباد "، له (٣٨٨) و(٣٨٩).
(٨) في " الصَّحِيْح " ٦/ ١٥٠ - ١٥١ (٢٠٩٢) و٦/ ١٥١ (٢٠٩٢).
(٩) في " سننه " (٣٦٤٠).
(١٠) في " المجتبى " ٨/ ١٧٦ و١٩٣ وفي " الكبرى "، له (٩٥١٠) (٩٥٣٤) ط. العلمية و(٩٤٤٤) و(٩٤٦٣) ط. الرسالة.
(١١) هُوَ الإمام الحافظ أبو يعلى أحمد بن علي بن المثنى التميمي الموصلي، صاحب " المسند " و" المعجم "، ولد سنة (٢١٠ هـ)، وتوفي سنة (٣٠٧ هـ). انظر: " العبر " ٢/ ١٤٠، و" سير أعلام النبلاء " ١٤/ ١٧٤ و١٧٩، و" مرآة الجنان " ٢/ ١٨٦ - ١٨٧. والحديث أخرجه: في " مسنده " (٣٨٩٦) و(٣٩٣٦) و(٣٩٤٣).
[ ١ / ٢٣٩ ]
عوانة (^١)، وابن حبان (^٢)، وأبو الشيخ (^٣)، وأبو نعيم (^٤)، والبيهقي (^٥).
ورواه قتادة عن أنس بن مالك، قَالَ: «لما أراد النَّبِيُّ ﷺ أنْ يكتبَ إلى الرومِ، قِيْلَ لَهُ: إنَّهم لنْ يقرؤا كتابكَ إذا لَمْ يَكُنْ مختومًا، فاتخذَ خاتمًا منْ فضةٍ ونقشَهُ: مُحَمَّدٌ رَسُوْلُ اللهِ، فكأنّما أنظر إلى بياضه في يده».
الْحَدِيْث أخرجه: ابن سعد (^٦)، وابن الجعد (^٧)، وأحمد (^٨)، والبخاري (^٩)،
ومسلم (^١٠)، وأبو داود (^١١)، والترمذي (^١٢)،
_________________
(١) في " مسنده " ٥/ ٢٦٢ (٨٦٥٩) و٥/ ٢٦٣ (٨٦٦٠) و(٨٦٦١).
(٢) في " صحيحه " (٥٤٩٧) و(٥٤٩٨).
(٣) في " أخلاق النَّبِيّ ﷺ " (٣٧٥).
(٤) هُوَ الإمام أبو نعيم أحمد بن عَبْد الله بن أحمد بن إسحاق المهراني الأصبهاني، صاحب "الحلية "، ولد سنة (٣٣٠ هـ)، وتوفي سنة (٤٣٠ هـ). انظر: " وفيات الأعيان " ١/ ٩١ - ٩٢، و" سير أعلام النبلاء " ١٧/ ٤٥٣ - ٤٥٤ و٤٦٢، و" شذرات الذهب " ٣/ ٢٤٥. والحديث أخرجه: في " تاريخ أصبهان " ٢/ ٣٠ - ٣١.
(٥) في " السنن الكبرى " ١٠/ ١٢٨ وفي " شعب الإيمان "، له (٦٣٣٨) ط. العلمية و(٥٩٢٤) ط. الرشد.
(٦) في " الطبقات " ١/ ٣٦٥ و٣٦٨.
(٧) هُوَ الحافظ الحجة أبو الحسن علي بن الجعد البغدادي الجوهري مولى بني هاشم، صاحب "المسند "، ولد سنة (١٣٤ هـ)، وَقِيْلَ: (١٣٦ هـ)، وتوفي سنة (٢٣٠ هـ). انظر: " طبقات ابن سعد " ٧/ ٣٣٨ - ٣٣٩، و" الجرح والتعديل " ٦/ ٢٢٨ (٩٧٤)، و" سير أعلام النبلاء " ١٠/ ٤٥٩ - ٤٦٠ و٤٦٧. والحديث أخرجه: في " مسنده " (٩٥٥) و(٩٥٦) و(٩٥٧) و(٩٥٨) ط. الفلاح و(٩٢٤) و(٩٢٥) و(٩٢٦) و(٩٢٧) ط. العلمية.
(٨) في " مسنده " ٣/ ١٦٨ - ١٦٩ و١٧٠ و١٨٠ و١٩٨ و٢٢٣ و٢٧٥.
(٩) في " صحيحه " ١/ ٢٥ (٦٥) و٤/ ٥٤ (٢٩٣٨) و٧/ ٢٠٢ (٥٨٧٢) و٧/ ٢٠٣
(١٠) و٩/ ٨٣ (٧١٦٢).
(١١) في " صحيحه " ٦/ ١٥١ (٢٠٩٢) (٥٦) و(٥٧) و(٥٨).
(١٢) في " سننه " (٤٢١٤) و(٤٢١٥).
(١٣) في " الجامع الكبير " (٢٧١٨) وفي " الشمائل "، له (٩٠) و(٩٢) بتحقيقي، وفيه: «أنَّ النَّبِيّ ﷺ كَانَ يتختم في يمينه».
[ ١ / ٢٤٠ ]
والنسائي (^١)، وأبو يعلى (^٢)، وأبو عوانة (^٣)، والطحاوي (^٤)، وابن حبان (^٥)، والطبراني (^٦)، وأبو الشيخ (^٧)، والبيهقي (^٨)، والبغوي (^٩).
ورواه ثمامة (^١٠) بن عَبْد الله، عن أنس بن مالك: «أنَّ أبا بكر (^١١) ﵁ لما
_________________
(١) في " المجتبى " ٨/ ١٧٤ و١٩٣ وفي " الكبرى "، له (٥٨٦٠) و(٨٨٤٨) و(٩٥٢١) و(٩٥٢٥) و(١١٥١٢) ط. العلمية و(٥٨٢٩) و(٨٧٩٧) و(٩٤٥٥) و(١١٤٤٨) ط. الرسالة. وأخرجه: النسائي في " المجتبى " ٨/ ١٩٣، وفي " الكبرى "، له (٩٥٢٠) ط. العلمية و(٩٤٥٤) ط. الرسالة من طريق قتادة عن أنس قَالَ: «كأني أنظر إلى بياض خاتم النَّبِيّ ﷺ في أصبعه اليسرى». وفي " المجتبى " ٨/ ١٩٣، وفي " الكبرى "، له (٩٥١٩) ط. العلمية و(٩٤٥٣) ط. الرسالة من طريق قتادة أَيْضًا عن أنس: «أنَّ النَّبِيّ ﷺ كَانَ يتختم في يمينه».
(٢) في " مسنده " (٣٠٠٩) و(٣٠٧٥) و(٣١٥٤) و(٣٢٧١) و(٣٢٧٢).
(٣) في " مسنده " ٤/ ٢٧٥ (٦٧٤٣) - (٦٧٤٧) و٥/ ٢٥٦ (٨٦٢٨) و(٨٦٢٩) و(٨٦٣١) و(٨٦٣٢).
(٤) في " شرح معاني الآثار " ٤/ ٢٦٤ وفي ط. العلمية (٦٦٥٢) و(٦٦٥٣).
(٥) في " صحيحه " (٦٣٩٢).
(٦) هُوَ الحافظ الرحال الجوال، أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب الطبراني، صاحب المعاجم الثلاثة، ولد سنة (٢٦٠ هـ)، وتوفي سنة (٣٦٠ هـ). انظر: " المنتظم " ٧/ ٥٤، و" سير أعلام النبلاء " ١٦/ ١١٩ و١٢٩، و" مرآة الجنان " ٢/ ٢٧٩ - ٢٨٠. والحديث أخرجه: في " الأوسط " (٦٥٢٨) كلتا الطبعتين.
(٧) في " أخلاق النَّبِيّ ﷺ " (٣٧٤).
(٨) في " السنن الكبرى " ١٠/ ١٢٨ وفي " جزء الخاتم "، له (٣).
(٩) في " شرح السنة " (٣١٣١) و(٣١٣٢).
(١٠) ابن عَبْد الله بن أنس بن مالك الأنصاري البصري: صدوق. انظر: " الجرح والتعديل " ٢/ ٨٩٣ (١٨٩٣)، و" تهذيب الكمال " ١/ ٤١٦ (٨٣٩)، و" التقريب " (٨٥٣).
(١١) هُوَ خليفة رَسُوْل الله ﷺ وصاحبه في الضيق والطريق والغار، عَبْد الله بن عثمان بن عامر القرشي، أَبُو بكر الصديق بن أبي قحافة، ولد بَعْدَ عام الفيل بسنتين وستة أشهر، وتوفي سنة (١٣ هـ). انظر: " طبقات ابن سعد " ٣/ ١٢٥، و" معجم الصَّحَابَة " ٢/ ١٨، و" تاريخ الإِسْلَام ": ٨٧ (عهد الخلفاء الراشدين)، و" الإصابة " ٣/ ٢٤٦ (٤٨١٥).
[ ١ / ٢٤١ ]
استخلف بعثه إلى البحرين وكتب لَهُ هَذَا الكتاب وختمه بخاتم النَّبِيّ ﷺ، وَكَانَ نقش الخاتم ثلاثة أسطر: مُحَمَّد سطر، ورسول سطر، والله سطر».
أخرجه: ابن سعد (^١)، والبخاري (^٢)، والترمذي (^٣)، والطحاوي (^٤)، وابن حبان (^٥)، وأبو الشيخ (^٦)، والبيهقي (^٧)، والبغوي (^٨).
ورواه حميد (^٩) الطويل، عن أنس بن مالك: «أنَّ النَّبِيّ ﷺ كَانَ خاتمه من فضة وَكَانَ فصه مِنْهُ».
أخرجه: ابن سعد (^١٠)، والحميدي (^١١)، وأحمد (^١٢)، والبخاري (^١٣)،
_________________
(١) في " الطبقات " ١/ ٣٦٨.
(٢) في " صحيحه " ٤/ ١٠٠ (٣١٠٦)، و٧/ ٢٠٣ (٥٨٧٨). ووقع في رِوَايَة أخرى عِنْدَ البخاري ٧/ ٢٠٣ (٥٨٧٩) من طريق ثمامة عن أنس بلفظ: «كَانَ خاتم النَّبِيّ ﷺ في يده وفي يد أبي بكر بعده وفي يد عمر بَعْدَ أبي بكر فلما كَانَ عثمان جلس عَلَى بئر أريس قَالَ: فأخرج الخاتم فجعل يعبث بِهِ فسقط، قَالَ: فاختلفنا ثلاثة أيام مع عثمان فنَزح البئر فَلَمْ نجده».
(٣) في " الجامع الكبير " (١٧٤٧) و(١٧٤٨)، وفي " الشمائل "، له (٩١) بتحقيقي.
(٤) في " شرح معاني الآثار " ٤/ ٢٦٤ وفي ط. العلمية (٦٦٥١).
(٥) في " صحيحه " (١٤١٤) و(٥٤٩٦) و(٦٣٩٣).
(٦) في " أخلاق النَّبِيّ ﷺ " (٣٧٨)، وفي (٣٦٢) وقع فِيْهِ أن النقش كَانَ: «لا إله إلا الله مُحَمَّد رَسُوْل الله».
(٧) في " الخاتم " (١٦) و(١٧).
(٨) في " شرح السنة " (٣١٣٦).
(٩) هُوَ أَبُو عبيدة حميد بن أبي حميد الطويل البصري، مولى طلحة الطلحات، اختلف في اسم أبيه، ولد سنة (٦٨ هـ)، وتوفي سنة (١٤٠ هـ)، وَقِيْلَ: (١٤٢ هـ): ثقة مدلس. انظر: " الجرح والتعديل " ٣/ ٢٣٩ (٩٦٧)، و" سير أعلام النبلاء " ٦/ ١٦٣ و١٦٨، و" التقريب " (١٥٤٤).
(١٠) في " الطبقات " ١/ ٣٦٦.
(١١) هُوَ الإمام الحافظ عَبْد الله بن الزبير بن عيسى، أبو بكر القرشي الأسدي الحميدي المكي، صاحب "المسند"، توفي سنة (٢١٩ هـ (. انظر: " التاريخ الكبير " ٥/ ٧ (٢٧٦)، و" العبر " ١/ ٣٧٧، و" سير أعلام النبلاء " ١٠/ ٦١٦. والحديث أخرجه: في مسنده (١٢١٤).
(١٢) في " مسنده " ٣/ ٩٩ و٢٦٦.
(١٣) في " صحيحه " ٧/ ٢٠١ (٥٨٧٠).
[ ١ / ٢٤٢ ]
وأبو داود (^١)، والترمذي (^٢)، والنسائي (^٣)، وأبو يعلى (^٤)، وابن حبان (^٥)، وأبو الشَّيْخ (^٦)، والبغوي (^٧)، والبيهقي (^٨).
ورواه أبان بن أبي عياش، عن أنس بن مالك: أنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ اصطنعَ خاتمًا كله منْ فضةٍ وَقَالَ: «لا يصنعُ أحدٌ عَلَى صفته».
أخرجه: ابن سعد (^٩).
فكل هَذِهِ الروايات عن أنس ليس فِيْهَا: أنَّ رَسُوْل الله ﷺ طرح خاتم الوَرِق.
أما رِوَايَة الزهري عن أنس، فإنَّ لها طرقًا أخرى غير ما تقدم، إِذْ رَوَاهُ إبراهيم (^١٠) بن سعد (^١١)،
_________________
(١) في " سننه " (٤٢١٧).
(٢) في " الجامع الكبير " (١٧٤٠) وفي " الشمائل "، له (٨٩) بتحقيقي وقال: «هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه».
(٣) في " المجتبى " ٨/ ١٧٣ و١٧٤ و١٩٣ وفي " الكبرى "، له (٩٥١٥) - (٩٥١٨) ط. العلمية و(٩٤٤٩) - (٩٤٥٢) ط. الرسالة.
(٤) في " مسنده " (٣٨٢٧).
(٥) في " صحيحه " (٦٣٩١).
(٦) في " أخلاق النَّبِيّ ﷺ " (٣٦٧).
(٧) في " شرح السنة " (٣١٣٩).
(٨) في " الخاتم " (١٤) و(١٥).
(٩) في " الطبقات " ١/ ٣٦٦.
(١٠) هُوَ إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عَبْد الرحمان بن عوف الزهري، أَبُو إسحاق المدني: ثقة، حجة، وَقَدْ تُكلمَ فِيْهِ بلا قادح، ولد سنة (١٠٨ هـ)، وتوفي سنة (١٨٣ هـ). انظر: "تهذيب الكمال" ١/ ١١٠ - ١١٢ (١٧٠)، و"الكاشف" (١٣٨)، و"التقريب" (١٧٧).
(١١) عِنْدَ أحمد ٣/ ١٦٠ و٢٢٣، ومسلم ٦/ ١٥١ (٢٠٩٣) (٥٩)، وأبي داود (٤٢٢١)، والنسائي ٨/ ١٩٥، وفي " الكبرى "، له (٩٥٤٤) ط. العلمية و(٩٤٧٢) ط. الرسالة، وأبي يعلى (٣٥٣٨) و(٣٥٦٥)، وأبي عوانة ٥/ ٢٥٤ (٨٦٢٢) و٥/ ٢٥٥ (٨٦٢٤)، وابن حبان
(١٢) . وَقَدْ وقع عِنْدَ النسائي (٩٥٠٦) ط. العلمية و(٩٤٤٠) ط. الرسالة من طريق إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عن أنس: «أن النَّبِيّ ﷺ رأى في يد رجل خاتم ذهب فضرب إصبعه بقضيب كَانَ مَعَهُ حَتَّى رمى بِهِ». قَالَ أبو حاتم كما في " العلل " لابنه (١٤٥٣): «هكذا رَوَاهُ إبراهيم بن سعد، عن الزهري أنَّ النَّبِيّ ﷺ … قَالَ: والخطأ من عَبْد العزيز أبي سلمة العمري، وَالصَّحِيْح من حَدِيْث الزهري، عن أبي إدريس، عن رجلٍ من أصحاب النَّبِيّ ﷺ». وذكر في " العلل " لابن أبي حاتم: إن الخاتم كَانَ حديدًا، وانظر: (١٤٤٨). وأخرجه: النسائي (٩٥٠٧) ط. العلمية و(٩٤٤١) ط. الرسالة، من طريق الزهري: أن رَسُوْل الله ﷺ … الخ. وَقَالَ النسائي: «وهَذَا مرسل أشبه بالصواب والله ﷾ أعلم». وفي رِوَايَة أبي يعلى زاد هَذَا اللفظ في الْحَدِيْث (٣٥٣٨).
[ ١ / ٢٤٣ ]
وشعيب بن أبي حمزة (^١)، ومحمد بن عَبْد الله (^٢)، ثلاثتهم عن الزهري، عن أنس بن مالك: «أنَّه أبصرَ في يدِ رَسُوْل الله ﷺ خاتمًا منْ وَرِق يومًا واحدًا، قال: فصنعَ الناسُ الخواتم من وَرِق،
فلبسوه، فطرح النَّبِيُّ ﷺ خاتمه، فطرح الناس خواتيمهم». وهذا لفظ رِوَايَة مُسْلِم.
وخالفهم يونس، فرواه عن الزهري، عن أنس: «أنَّ رَسُوْل الله ﷺ اتخذَ خاتمًا منْ وَرِق، وله فصٌ حبشيٌّ ونقشه: مُحَمَّد رَسُوْل الله». وجاء في بعض الروايات: كَانَ يجعل فصه مِمَّا يلي كفه.
واختلف عَلَى يونس في رِوَايَة هَذَا الْحَدِيْث، فرواه عَبْد الله بن وهب (^٣)، وعثمان (^٤) بن عمر (^٥)، عن يونس، عن الزهري، عن أنس بلفظ: «أنَّ رَسُوْلَ الله ﷺ اتخذَ خاتمًا منْ وَرِق لَهُ فصٌ حبشيٌّ ونقشه: مُحَمَّدٌ رَسُوْلُ الله».
_________________
(١) عِنْدَ أحمد ٣/ ٢٢٥، وأبي عوانة ٥/ ٢٥٧ (٨٦٣٧).
(٢) عِنْدَ أبي الشيخ في " أخلاق النَّبِيّ ﷺ " (٣٧٠).
(٣) عِنْدَ ابن سعد في " الطبقات " ١/ ٣٦٦، وأحمد ٣/ ٢٢٥، ومسلم ٦/ ١٥٢ (٢٠٩٤) (٦١)، وأبي داود (٤٢١٦)، والترمذي (١٧٣٩)، وفي " الشمائل "، له (٨٧) بتحقيقي، والنسائي ٨/ ١٩٣ وفي " الكبرى "، له (٩٥١٢) ط. العلمية و(٩٤٤٦) ط. الرسالة، وأبي يعلى (٣٥٣٧)، وأبي الشيخ في " أخلاق النبي ﷺ " (٣٦٥)، والبغوي
(٤) ابن فارس بن لقيط العبدي، أَبُو مُحَمَّد البصري، وأصله من بخارى: ثقة، صالح، توفي سنة (٢٠٩ هـ). انظر: " تهذيب الكمال " ٥/ ١٣٠ (٤٤٣٧)، و" الكاشف " (٣٧٢٧)، و" التقريب "
(٥) عِنْدَ ابن سعد في " الطبقات " ١/ ٣٦٦، وابن أبي شيبة (٢٥٥١٦)، وابن ماجه (٣٦٤١)، والنسائي ٨/ ١٧٢ و١٩٣، وفي "الكبرى"، له (٩٥١٣) ط. العلمية و(٩٤٤٧) ط. الرسالة، وأبي يعلى (٣٥٤٤).
[ ١ / ٢٤٤ ]
ورواه سليمان (^١) بن بلال (^٢)، وطلحة (^٣) بن يحيى (^٤)، عن يونس،
عن الزهري، عن أنس: «أنَّ رَسُوْل الله ﷺ لبس خاتم فضة في يمينه، فِيْهِ فص حبشي، كَانَ يجعل فصه مِمَّا يلي كفه»، في حين تفرد الليث (^٥)، عن يونس، عن الزهري، عن أنس، بنحو رِوَايَة إبراهيم بن سعد ومن تابعه.
وَقَدْ جمع ابن حجر (^٦) بعض أقوال العلماء في التوفيق بَيْنَ الروايتين:
الأول: أنَّ رَسُوْل الله ﷺ اتخذ خاتمًا من وَرِق عَلَى لون من الألوان، وكره أنْ يتخذ أحد مثله، فلما اتخذوا مثله رماه ثُمَّ بعد أنْ رموا خواتيمهم اتخذ خاتمًا آخر ونقشه ليختم بِهِ، وهو قول الإسماعيلي (^٧).
_________________
(١) هُوَ أبو مُحَمَّد سليمان بن بلال القرشي التيمي المدني، مولى عَبْد الله بن أبي عتيق: ثقة، إمام، توفي سنة (١٧٢ هـ). انظر: " الثقات " ٦/ ٣٨٨، و" تهذيب الكمال " ٣/ ٢٦٦ و٢٦٧ (٢٤٨٠)، و" الكاشف "
(٢) عِنْدَ مُسْلِم ٦/ ١٥٢ (٢٠٩٤) (٦٢)، وابن ماجه (٣٦٤٦)، وأبي يعلى (٣٥٣٦)، وابن حبان (٦٣٩٤)، والبغوي (٣١٤٥).
(٣) ابن النعمان بن أبي عياش الزرقي الأنصاري المدني: صدوق يهم. انظر: " تهذيب الكمال " ٣/ ٥١٥ (٢٩٧٢)، و" الكاشف " (٢٤٨٣)، و" التقريب "
(٤) عِنْدَ مُسْلِم ٦/ ١٥٢ (٢٠٩٤) (٦٢)، والنسائي ٨/ ١٧٣، وفي " الكبرى "، له (٩٥١٤) ط. العلمية و(٩٤٤٨) ط. الرسالة، وأبي يعلى (٣٥٨٤)، وأبي الشيخ في " أخلاق النبي ﷺ " (٣٦٦)، والبغوي (٣١٤١).
(٥) هُوَ الإمام الحافظ أبو الحارث الليث بن سعد بن عَبْد الرحمان الفهمي، ولد سنة (٩٤ هـ) وَقِيْلَ: (٩٣ هـ)، وتوفي سنة (١٧٥ هـ). انظر: " الثقات " ٧/ ٣٦٠، و" تهذيب الكمال " ٦/ ١٨٤ (٥٦٠٥)، و" سير أعلام النبلاء " ٨/ ١٣٦. وحديثه عِنْدَ البخاري ٧/ ٢٠١ (٥٨٦٨).
(٦) في " فتح الباري " ١٠/ ٣٩٣ - ٣٩٥ عقب (٥٨٦٨).
(٧) هُوَ الإمام الحافظ أبو بكر أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل الجرجاني الإسماعيلي، صاحب "الصَّحِيْح "، ولد سنة (٢٧٧ هـ)، وتوفي سنة (٣٧١ هـ). انظر: " المنتظم " ٧/ ١٠٨، و" سير أعلام النبلاء " ١٦/ ٢٩٢ - ٢٩٦، و" مرآة الجنان " ٢/ ٢٩٨.
[ ١ / ٢٤٥ ]
الثاني: أنه اتخذ الخاتم للزينة، فلما تبعه الناس عَلَى ذَلِكَ ألقاه وألقوا بَعْدَ ذَلِكَ خواتيمهم، فلما احتاج إلى ختم اتخذ خاتمًا آخر.
الثالث: أنَّه لما طرح خاتم الذهب اتخذ مكانه خاتم الفضة؛ لأنَّهُ لا يستغني عن الختم عَلَى كتبه، فيكون طرح الخاتم الَّذِي في رِوَايَة الزهري يقصد بِهِ خاتم الذهب، فَقَدْ جعله الموصوف -أي خاتم الذهب- في قوله: «فطرح خاتمه فطرحوا خواتيمهم» وَهُوَ قَوْل المهلب والنووي (^١) والكرماني (^٢)، قَالَ الْقَاضِي عِيَاض: «وهذا يشاع لَوْ جاء الكلام مجملًا»، وأشار إلى أنَّ رِوَايَة الزهري لا تحتمل هَذَا التأويل (^٣).