للعلة معنيان:
الأول: معنى خاص: وهو الذي أشار إليه ابن الصلاح بقوله: «هو الحديث الذي اطُّلِعَ فيه على علة، تقدح في صحته مع أنَّ ظاهره السلامة
_________________
(١) " معرفة أنواع علم الحديث ": ١٨٦ بتحقيقي.
(٢) " التقريب " المطبوع مع " تدريب الراوي " ١/ ٢٥١.
(٣) " شرح التبصرة والتذكرة " ١/ ٢٧٢ بتحقيقي.
(٤) " القاموس المحيط " مادة (علل).
(٥) انظر: " تدريب الراوي " ١/ ٢٥١.
(٦) " التقييد والإيضاح ": ١١٧، وعبارته في " شرح التبصرة والتذكرة " ١/ ٢٧٣ بتحقيقي: «والأجود في تسميته: المعل» وقد عقب البقاعي على ذلك، فقال في " النكت الوفية " ١/ ٤٩٩ بتحقيقي: «يفهم أنَّ في استعمال معلل جودةً ما، وليس كذلك؛ فإنَّه لا يجوز أصلًا، فيحمل على أنَّ مراد الشيخ أنَّه أجود من المعلول».
[ ١ / ٢٦ ]
منها» (^١)، والحاكم بقوله: «وإنما يعلل الحديث من أوجه ليس للجرح فيها مدخل ..» (^٢).
«ولعل تخصيص المتأخرين هذا النوع باسم العلل؛ لأنَّ أكثر أحاديث كتب العلل من هذا النوع، كما هو ظاهر وصرّح به السخاوي؛ أو لأنَّه أدقها وأغمضها .. ولعل ما ذهب إليه المتأخرون نوع من الحصر والتقييد، لا تغيير في المنهج بالمعنى العام ..» (^٣).
وبهذا يتضح لنا أنَّ العلة شيء خارج عن الجروح الموجهة إلى رجال الإسناد؛ وذلك لأنَّ ميدان الإعلال إنَّما هو الأحاديث التي ظاهرها الصحة، يقول ابن الصلاح: «ويتطرق ذلك إلى الإسناد الذي رجاله ثقات، الجامع شروط الصحة من حيث الظاهر» (^٤).
وكل من جاء بعد ابن الصلاح وعرّف المعل اشترط فيه خفاء العلة وكونها قادحة: كالطيبي (^٥)، والعراقي (^٦)، والسيوطي (^٧)، وأبي الفيض محمد بن محمد بن علي بن فارس (^٨)، وغيرهم.
لكننا مع ذلك نجد بعض العلماء يطلق العلة ويريد بها ما هو أعم من ذلك؛ حيث يدخل فيها العلة الظاهرة وغير الظاهرة: «وهذا الاستعمال إنما هو من باب التوسع فقط، واستعمال اللفظ بمعناه العام، وإلا فما حاز علم العلل هذه الشهرة، وحظي بالتقديم والتبجيل دون سائر علوم الحديث، إلا بخفاء العلل التي يبحث فيها ودقتها» (^٩) وهو الثاني من معنيي العلة. أي المعنى
_________________
(١) " معرفة أنواع علم الحديث ": ١٨٧ بتحقيقي.
(٢) " معرفة علوم الحديث ": ١١٢ ط. العلمية، وعقب (٢٧٠) ط. ابن حزم.
(٣) " قواعد العلل وقرائن الترجيح ": ١١.
(٤) " معرفة أنواع علم الحديث ": ١٨٧ بتحقيقي.
(٥) "الخلاصة ":٧٠.
(٦) " شرح التبصرة والتذكرة " ١/ ٢٧٤ بتحقيقي.
(٧) " التدريب " ١/ ٢٥٢.
(٨) " جواهر الأصول ": ٤٨
(٩) " العلة وأجناسها ": ٢١.
[ ١ / ٢٧ ]
العام. فهذا الحافظ ابن الصلاح يقول: «ثم اعلم أنَّه قد يطلق اسم العلة على غير ما ذكرناه من باقي الأسباب القادحة في الحديث، المخرجة له من حال الصحة إلى حال الضعف، المانعة من العمل به على ما هو مقتضى لفظ العلة في الأصل؛ ولذلك تجد في كتب علل الحديث الكثير من الجرح بالكذب، والغفلة، وسوء الحفظ، ونحو ذلك من أنواع الجرح، وسمى الترمذي النسخ علة (^١) من علل الحديث، ثم إنَّ بعضهم أطلق اسم العلة على ما ليس بقادح من وجوه الخلاف، نحو إرسال من أرسل الحديث الذي أسنده الثقة الضابط» (^٢).
وعقب الحافظ ابن حجر فقال: «مراده بذلك أنَّ ما حققه من تعريف المعلول، قد يقع في كلامهم ما يخالفه، وطريق التوفيق بين ما حققه المصنف وبين ما يقع في كلامهم أنَّ اسم العلة إذا أُطلق على حديث، لا يلزم منه أنْ يُسمى الحديث معلولًا اصطلاحًا. إذ المعلول ما علته قادحةٌ خفية، والعلة أعم من أنْ تكون قادحة أو غير قادحة، خفية أو واضحة» (^٣).
وقد ذكر الصنعاني ما يدل على أنَّ تقييد العلة بكونها خفية قادحة هو عنده قيد أغلبي، حيث قال: «وكأنَّ هذا التعريف أغلبي للعلة، وإلا فإنَّه سيأتي أنهم يعللون بأشياء ظاهرة غير خفية ولا غامضة» (^٤).
والفرق بين المعنيين أنَّ المعنى العام هو علم الأولين، أما المعنى الخاص فهو علم المتأخرين، فالأخير هو الذي صنّف فيه المتأخرون، وشددوا على صعوبته
وأهميته ودقته، وقلة من برز فيه على عكس المعنى العام.
_________________
(١) وكذلك ابن أبي حاتم كما يُعلم ذلك من صنيعه في علله. انظر حديث (١١٤) و(٢٤٦) ولم يرتض العراقي هذا الإطلاق؛ وذلك أنَّ الترمذي إنْ أراد أنَّ النسخ علة في العمل، فهو كلام صحيح مقبول، أما إنْ أراد أنَّه علة تقدح في صحة الحديث أو في صحة نقله، فذلك غير مقبول؛ لأنَّ في كتب الصحيح أحاديث كثيرة صحيحة منسوخة. انظر: " شرح التبصرة والتذكرة " ١/ ٢٨٩ بتحقيقي.
(٢) " معرفة أنواع علم الحديث ": ١٩٠ - ١٩١ بتحقيقي.
(٣) " نكت ابن حجر " ٢/ ٧٧١ و:٥٣٧ بتحقيقي.
(٤) " توضيح الأفكار" ٢/ ٢٧.
[ ١ / ٢٨ ]
والحديث في المعنى العام لا يشترط فيه السلامة، بخلاف الحديث في المعنى الخاص، فيشترط فيه السلامة، ويطّلع بعد التفتيش على قادح، قال ابن حجر: «وفي هذا رد على من زعم، أنَّ المعلول يشمل كلَّ مردود» (^١).
وأن يكون هذا القادح خفيًا في المعنى الخاص، يقول ابن حجر: «المعلول ما علته قادحة خفية» (^٢)، على خلاف المعنى العام فلا يشترط أنْ يكون قادحًا أو خفيًا، قال ابن الصلاح: «إنَّ بعضهم أطلق اسم العلة على ما ليس بقادح» (^٣).
وتجدر الإشارة إلى أنَّ المعنى الاصطلاحي الخاص للعلة، إنما يشمل العلة القادحة الخفية التي يكون الظاهر السلامة منها. وهذه تختص برواية الثقات. أما العلة بالمعنى الأعم فإنها تتعلق بالرواية عمومًا، سواء أكان الراوي ثقة أم ضعيفًا، وسواء كذلك أكان الوهم بالإسناد أم بالمتن، ومن الملاحظ: أنَّ الخطأ في رواية الثقة أشد غموضًا من الخطأ في رواية الضعيف؛ لأنَّ الأصل في رواية الثقة الصواب - والخطأ طارئ - فالقلب من حيث الأساس مطمئن إلى رواية الثقة، وليست كذلك رواية الضعيف، فالقلب غير مطمئن أساسًا إليها، فالأصل الحكم عليها بالخطأ - والصواب طارئ - ومع ذلك فإنَّ معرفة الخطأ في رواية الضعيف ليس بالأمر السهل؛ وذلك لأنَّ الحكم عليه بالضعف أساسًا يحتاج إلى متابعة روايته ومقارنتها برواية الثقات، فإن كثرت مخالفته لهم، حُكم بضعفه. وأيضًا فإنَّ الضعف درجات؛ وإذا لم يكن شديدًا في الراوي، فإنَّ بالإمكان الاستفادة من بعض أحاديثه؛ لأنَّ خطأ الضعيف غير مقطوع به؛ لذلك فإنَّ من أحاديثه ما يصح وما يضعف، ويُعرف الخطأ والصواب بالبحث والموازنة.
ومن ينظر في كتب الشروح والتخريج والعلل يجد إطلاق لفظ العلة
_________________
(١) " نكت ابن حجر " ٢/ ٧١٠ و: ٤٨٥ بتحقيقي.
(٢) " نكت ابن حجر " ٢/ ٧٧١ و:٥٣٧ بتحقيقي.
(٣) " معرفة أنواع علم الحديث ": ١٩١ بتحقيقي.
[ ١ / ٢٩ ]
والمعلول والمعل على كثير من الأحاديث التي فيها جرح ظاهر، وقد قمت باستقراء كتاب علل ابن أبي حاتم - وهو كتاب عظيم النفع غير أنَّ مصنفه ذكر فيه العلل الخفية والجلية، فهو غير خاص بالعلل الخفية كما يظن (^١) -، وأشرت إلى الأحاديث التي أُعلت بالجرح الظاهر، فوجدتها كثيرة العدد، يزيد مجموعها على مئتين وسبعة وأربعين حديثًا، فقد أَعل بالانقطاع سبعة وعشرين حديثًا، منها الأحاديث: (٢٤) و(٧٤) و(١٠٨) و(١٣٢) و(١٦٤) و(٢١٤) و(٥٩٤) و(٦٢٢) و(٧٥٣) و(٩٠٥) و(١٢٥٩) و(١٣٧١).
وأَعَلَّ بضعف الراوي مئة وثلاثة وأربعين حديثًا منها: (٥٣) و(١٠٠) و(١٥١) و(١٧٦) و(٢٠٨) و(٢٥٠) و(٣٠٩) و(٤٢١) و(٥٠) و(٥٦٥) و(٦٠٩) و(٦٤١) و(٧٢٧) و(٨٥٤) و(٩٨٨) و(١٠٥٣) و(١١٥٦) و(١٢٤١) و(١٤٧٣).
وأَعل بالجهالة ثمانية وستين حديثًا منها: (٨٩) و(١٨٠) و(٣٤٥) و(٤٤١) و(٧٠١) و(١٠٧٠) و(١١٥٢) و(١٣١١) و(١٤٨٤) و(١٥٧٩) و(١٦٨٩) و(١٧٦٠) و(١٨٢٩) و(١٩٦٦) و(٢١٥١).
وأَعل بالاختلاط حديثين هما: (٢٧٩) و(٢٢٢٠).
وأَعل بالتدليس أربعة أحاديث هي: (٢١١٩) و(٢٢٥٥) و(٢٢٧٥) و(٢٥٧٩).
وكذلك نجد في كلام كثير من جهابذة العلم إطلاق العلة على الجرح الظاهر كما في " نصب الراية " للزيلعي ٣/ ٨٥ و٣/ ٢٣٩ و٣/ ٢٨٧ و٣/ ٣٥٨ و٣/ ٣٧٠ و٣/ ٤٣١ و٤/ ٤٧.
وفي كلام ابن القيم كما في " زاد المعاد " ١/ ١٧٧ و٢٤٤.
وكذلك وقع في كلام الحافظ ابن حجر إعلال بعض الأحاديث بالعلة
_________________
(١) ومثله كتاب " علل الدارقطني " ذكر فيه جميع أنواع العلل الخفية والجلية، و" مسند البزار " مهم في العلل القادحة الجلية؛ لأنَّه يريد بالعلة معناها العام، ومفهوم العلة في أكثر هذه الكتب يشمل المعنى العام للعلة.
[ ١ / ٣٠ ]
الظاهرة كالإعلال بالانقطاع الظاهر، وبالإرسال الظاهر، وبالجهالة، وبضعف الرواة .. كما في " التلخيص الحبير " ١/ ١١٧ (١) و١/ ١٢٩ (٣) و١/ ١٥٩ (١٠) و١/ ١٦٤ (١٣) و١/ ١٧٣ (٢٢)، و" فتح الباري " ١/ ٨٣ و٢/ ٤٤٦، وانظر: " سبل السلام " ١/ ٦٩ و٧٢ و٧٥.
وقد أشرت - فيما سبق - إلى أنَّ الصنعاني قد عد تقييد العلة في التعريف بكونها خفية قادحة قيدًا أغلبيًا .. وقد قال الحافظ ابن حجر:
«.. لأنَّ الضعف في الراوي علة في الخبر، والانقطاع في الإسناد علة في الخبر، وعنعنة المدلس علة في الخبر، وجهالة حال الراوي علة في الخبر» (^١). وفي حوار مع أستاذي العلاّمة الدكتور هاشم جميل قد تنبهت على أمر آخر، وهو: أنَّ المحدّثين إذا تكلموا على العلة بوصفها أنَّ خلو الحديث منها يعد قيدًا لا بد منه لتعريف الحديث الصحيح، فإنهم في هذه الحالة يطلقون العلة ويريدون بها المعنى الاصطلاحي الخاص، وهو السبب الخفي القادح، وإذا تكلموا في نقد الحديث بشكل عام، فإنَّهم في هذه الحالة يطلقون العلة ويريدون بها المعنى العام، أي: السبب الذي يعل الحديث به، سواء أكان خفيًا أم ظاهرًا، قادحًا أم غير قادح.
وهذا توجد له نظائر عند المحدّثين، منها: المنقطع (^٢)، فهو بالمعنى الخاص: ما حصل في إسناده انقطاع في موضع أو أكثر من موضع لا على التوالي.
هذا المصطلح نفسه يستعمله المحدّثون أيضًا استعمالًا عامًا فيريدون: كل ما حصل فيه انقطاع، في أي موضع في السند، فيشمل:
المعلّق (^٣): وهو الذي حصل فيه انقطاع في أول السند.
والمرسل (^٤): وهو الذي حصل فيه انقطاع في آخر السند.
_________________
(١) " نكت ابن حجر " ١/ ٤٠٧ و: ٢٠٣ بتحقيقي
(٢) انظر: " معرفة أنواع علم الحديث ": ١٣٢ وما بعدها بتحقيقي.
(٣) انظر: " معرفة أنواع علم الحديث ": ٩٢ بتحقيقي.
(٤) انظر: " معرفة أنواع علم الحديث ": ١٢٦ بتحقيقي.
[ ١ / ٣١ ]
والمعضل (^١): وهو الذي حصل فيه انقطاع في أثناء السند، باثنين فأكثر على التوالي.
ويشمل أيضًا المنقطع بالمعنى الخاص الذي ذكرناه (^٢).
وهكذا نرى أنَّ مصطلح المنقطع يستعمله المحدّثون استعمالًا خاصًا في المنقطع الاصطلاحي، ويستعملونه استعمالًا عامًا في كل ما حصل فيه انقطاع فيشمل المنقطع الاصطلاحي، والمعلق، والمرسل، والمعضل. وعلى هذا المنوال جرى استعمالهم لمصطلح العلة؛ فهم يستعملونه بالمعنى الاصطلاحي الخاص، وهو: السبب الخفي القادح، ويستعملونه استعمالًا عامًا، ويريدون به: كل ما يعل الحديث به، فيشمل العلة بالمعنى الاصطلاحي، والعلة الظاهرة، والعلة غير القادحة.