القطع لغة: إبانة بعضِ أجزاء الجرْم من بعضٍ فصلًا. والمنقطع: الشيء نفسه (^١).
واصطلاحًا: هو الإسناد الذي فيه قبل الوصول إلى التابعي راوٍ لم يسمع من الذي فوقه، والساقط بينهما غير مذكور لا معينًا ولا مبهمًا، ومنه الإسناد الذي ذكر فيه بعض رواته بلفظ مبهم نحو رجل أو شيخ أو غيرهما (^٢)، وقال النووي: «الصحيح الذي ذهب إليه الفقهاء والخطيب وابن عبد البر وغيرهم من المحدثين: أنَّ المنقطع ما لم يتصل إسناده على أي وجه كان انقطاعه، وأكثر ما يستعمل في رواية من دون التابعي عن الصحابي كمالك، عن ابن عمر» (^٣) هذا القول تعقبه الشيخ عبد الله الجديع فقال: «وهذا صحيح، لكنَّه قاصر، فصورة الانقطاع فيما بين تبع أتباع التابعين، والتابعين مثلًا لا تندرج في هذا، وكذلك الانقطاع في طبقة دونها» (^٤).
وتوسع في تعريفه المتقدمون فأطلقوه على كل ما لا يتصل.
_________________
(١) " لسان العرب " مادة (قطع).
(٢) نقله ابن الصلاح في " معرفة أنواع علم الحديث ": ١٣٢ بتحقيقي عن الحاكم، وقد جعل الحاكمُ المنقطع في " معرفة علوم الحديث ": ٢٧ - ٢٨ ط. العلمية وقبل (٥٠) ط. ابن حزم على ثلاثة أقسام: الأول منها ما فيه راو مبهم لم يسم، والثاني ما فيه راو مبهم في سند ورد التصريح باسمه في إسناد آخر، ثم عرف النوع الثالث من المنقطع، فقال: «أنْ يكون في الإسناد رواية راو لم يسمع من الذي يروي عنه الحديث قبل الوصول إلى التابعي الذي هو موضع الإرسال، ولا يقال لهذا النوع من الحديث مرسل، إنما يقال له منقطع».
(٣) " التقريب " المطبوع مع " التدريب " ١/ ٢٠٧ - ٢٠٨.
(٤) " تحرير علوم الحديث " ٢/ ٩٠٩.
[ ١ / ١٨٤ ]
ويفترق المنقطع عن المقطوع بكون المقطوع يراد به كلام الصحابي أو التابعي أو من دونه، والمنقطع يراد به البتر في الإسناد (^١).
ويُعرف الانقطاع بأمور منها:
١ - التنصيص على عدم السماع، ويقع ذلك من الراوي نفسه - وهو قليل - كقول عمرو بن مرة: قلت لأبي عبيدة (يعني: ابن عبد الله بن مسعود): "تذكر من أبيك شيئًا؟ قال: لا".
٢ - تنصيص من روى عنه من الثقات: كقول عبد الله بن ميسرة "الضحاك لم يسمع من ابن عباس".
٣ - تنصيص الناقد العارف من الجهابذة - بناءً على الاستقراء والنظر - على عدم الإدراك أو اللقاء أو السماع.
٤ - يُعرف عدم السماع بتاريخ وفاة الشيخ ومولد التلميذ، فإنْ كان التلميذ وُلد بعد وفاة الشيخ، أو كان صغيرًا في سن لا يحتمل السماع، فهو انقطاع.
٥ - يُعرف بوجود قرينة تدل على الانقطاع كقول الراوي: حُدثت عن فلان أو أخبرت عن فلان، وهذه تقيد بكون التلميذ غير معروف بالرواية عن الشيخ؛ لأنَّ الكلام هنا عن مرويات التلميذ عن الشيخ من حيث الجملة لا من حيث الخصوص.
٦ - يُعرف بافتراق بلد الراوي وشيخه بما يكون قرينة على عدم التلاقي.
وهذه الأمور تدرك بمراجعة كتب الرجال (^٢).
والانقطاع في الإسناد حسب موضع الانقطاع أنواع:
فإذا كان الانقطاع في أول السند سمي معلقًا، وإذا كان في آخر السند
_________________
(١) قد وجد التعبير عن المنقطع بـ (المقطوع) في كلام الشافعي والحميدي والطبراني والدارقطني على خلاف استعمال الأكثرين. انظر: " معرفة أنواع علم الحديث ": ١١٩ بتحقيقي، و" نكت ابن حجر " ٢/ ٥١٤ و: ٢٩٥ بتحقيقي.
(٢) انظر: " تحرير علوم الحديث " ٢/ ٩١٣ - ٩١٩.
[ ١ / ١٨٥ ]
سمي مرسلًا، وإذا كان في وسطه، وكان الساقط واحدًا سمي منقطعًا، وإذا توالى سقوط رجلين من وسط الإسناد سمي معضلًا، وإذا سقط رجلان لا على التوالي، يكون السند منقطعًا في موضعين (^١).
وقد يكون في الإسناد مدلس لم يصرح بالسماع؛ فيخشي سقوط رجل، فله حكم الانقطاع.
وعد بعضهم وجود رجل مبهم في الإسناد انقطاعًا (^٢).
والمنقطعات ليست على درجة واحدة من الضعف: فمنها: الضعيف، ومنها: ما هو أشد ضعفًا؛ فالانقطاع آخر السند أيسر من الانقطاع في أوله أو وسطه، وإذا كان الساقط واحدًا أيسر من سقوط اثنين، وتدليس من يدلس عن الثقات أيسر من الذي يدلس عن الضعفاء.
وسوف أتكلم عن الانقطاع في خمسة أنواع، وعلى النحو الآتي:
١ - التعليق:
الحديث المعلَّق: -هو ما حذف من من مبتدإ إسناده راوٍ واحد أو راويان أو ثلاثة أو أكثر أو الإسناد (^٣)، كل ذلك جميع يسمى معلقًا. "وسمي بهذا الاسم؛ لأنَّه مأخوذ من تعليق الجدار أو الطلاق؛ لاشتراكهما في قطع
_________________
(١) " معرفة أنواع علم الحديث ": ٩٢ و١٢٧ و١٢٨ بتحقيقي.
(٢) كما صنع الحاكم في " معرفة علوم الحديث ": ٢٨ ط. العلمية وقبل (٥٠) ط. ابن حزم، والبيهقي في " السنن الكبرى " ٣/ ٣٣٣ و٤/ ٥٤ و٧/ ١٣٤، والجياني في " تقييد المهمل " ٣/ ٧٩٨ - ٨٠٧، وابن الصلاح في " معرفة أنواع علم الحديث ": ١٣٢ بتحقيقي، وقارن بالنكت ٢/ ٥٦١ و: ٣٣٦ - ٣٣٧ بتحقيقي، و" المنهل الروي ": ٤٩، و" غرر الفوائد المجموعة ": ١٢٠، وقال العلائي في " جامع التحصيل ": ١٠٨: «والتحقيق أنَّ قول الراوي: عن رجل ونحوه متصل، ولكن حكمه حكم المنقطع لعدم الاحتجاج به».
(٣) انظر: " معرفة أنواع علم الحديث ": ٩٢ بتحقيقي، و" التقريب " المطبوع مع " التدريب " ١/ ١١٧، و" الخلاصة ": ٤٧، و" شرح ألفية السيوطي ": ٧٩ محمد محيي الدين عبد الحميد.
[ ١ / ١٨٦ ]
الاتصال" (^١)، "فالسلسلة القصيرة مثلًا تعلق في السقف فتكون متصلة من طرفها الأعلى، وغير متصلة من طرفها الأدنى وكذلك شأن الإسناد المعلق" (^٢).
وخصَّ القدماء اسم التعليق بما يرويه المُعلِّق - كالبخاري - بصيغة الجزم، مثل: (قال، وفعل، وأمر، ونهى، وذكر، وحكى)، فلم يستعملوه في صيغ التمريض مثل: (يُروى، ويُقال ويُذكر، ويُحكى) - بالبناء للمجهول -، لكن أطلق بعض المتأخرين التعليق في غير المجزوم به، كالحافظ المزي، حين أورد في "الأطراف" ما في صحيح البخاري من ذلك وعليه علامة التعليق (خت) أي: البخاري تعليقًا (^٣).
وقصر التعليق على ما جاء بصيغ الجزم قاله ابن جماعة (^٤)، والنووي (^٥)، والسخاوي (^٦)، وهو فاسد لوجوه:
١ - أنَّه يخالف يخالف صنيع الأئمة قبلهم وبعدهم، فقد حاول الحافظ أبو علي الغساني ومن بعده أبو عبد الله المازري وصل المعلقات في "صحيح مسلم" غير أن المحاولتين لم تتما (^٧)، ثم خلفهما رشيد الدين العطار فصنف "غرر الفوائد"، وصل فيه جميع معلقات مسلم (^٨)، والمتتبع لأسانيد العطار يجده وصل المعلقات دون التفات إلى جزمه أو تمريضه.
ثم صنف الحافظ ابن حجر "تغليق التعليق"، وصل به معلقات البخاري، ولم يشترط هذا الشرط.
٢ - أنه يخالف ما ذهب إليه ابن الصلاح بقوله: "وأما المعلق وهو الذي حذف من مبتدإ إسناده واحد أو أكثر. . ." (^٩) فلم يتقيد بما تقيدوا به، ولا
_________________
(١) " المنهل الروي ": ٤٩.
(٢) " لسان المحدثين " (التعليق).
(٣) انظر: " لسان المحدّثين " (التعليق).
(٤) انظر: " المنهل الروي ": ٤٩.
(٥) انظر: " التقريب " المطبوع مع " التدريب " ١/ ٢٢٠.
(٦) انظر: " شرح التقريب والتيسير ": ١٢٤. في حين أنَّه تجاوز هذا الشرط في " التوضيح الأبهر ": ٤٤ وعرفه بجادته.
(٧) انظر: " غرر الفوائد " ١٠٨ - ١٠٩.
(٨) انظر: المصدر السابق: ١٠٩.
(٩) " معرفة أنواع علم الحديث ": ٩٢ بتحقيقي.
[ ١ / ١٨٧ ]
يخفى أنَّ غالب من جاء بعده، دارت كتبهم في فلك كتابه، ومشى عليه العراقي (^١) وابن حجر (^٢)، وغيرهما.
٣ - إذا قيد المعلق بالمجزوم فقط: فماذا نسمي ما يأتي بصيغة التمريض؟!
٤ - الاختلاف الذي وقع بين المجزوم والممرَّض، إنَّما وقع في معلقات البخاري خاصة، والعام لا يقيد بالخاص، والله أعلم.
وقد علق البخاري - رحمه الله تعالى - جملة من الأحاديث في كتابه الصحيح (^٣)، ووصلها الحافظ ابن حجر في كتابه "تغليق التعليق"، ولخصه في مقدمة الفتح (^٤).
وقد تكلم الحافظ نفسه عن تعاليق البخاري في نكته على ابن الصلاح (^٥) بما لا مزيد عليه، فقال: الأحاديث المرفوعة التي لم يوصل البخاري إسنادها في صحيحه، منها ما يوجد في موضع آخر من كتابه، ومنها ما لا يوجد إلا معلقًا.
فأما الأول: فالسبب في تعليقه: أنَّ البخاري من عادته في صحيحه أنْ لا يكرر شيئًا إلا لفائدة، فإذا كان المتن يشتمل على أحكام: كرره في الأبواب بحسبها، أو قطعه في الأبواب إذا كانت الجملة يمكن انفصالها من
_________________
(١) إذ قال فيما نقله السيوطي في " تدريب الراوي ": «وقد استعمله غير واحد من المتأخرين في غير المجزوم به ..».
(٢) مقدمة " تغليق التعليق " ٢/ ٧ - ٨.
(٣) والمحكوم بصحته من أحاديث الصحيحين هو ما روياه بالإسناد المتصل، أما المعلقات فليست من نمط الصحيح؛ إنما ذكرها استشهادًا واستئناسًا؛ ليكون الكتاب جامعًا لمعاني الإسلام، وبلغت عند البخاري ألفًا وثلاث مئة وواحدًا وأربعين معلقًا، منها مئة وتسعة وخمسون مرفوعًا، والبقية موقوفات ومقاطع، وعند مسلم المعلقات قليلة بلغت اثني عشر معلقًا، فلا يعاب عليه إخراجه لها؛ لأنَّه وسم كتابه بـ «الجامع الصحيح المسند» فكل حديث ليس مسندًا لم يحكم عليه البخاري بالصحة. انظر: " هدي الساري ": ٨ و١٩، و" توجيه النظر " ١/ ٢٣٣.
(٤) " هدي الساري ": ٢٠ - ٦٨.
(٥) ١/ ٣٢٥ - ٣٢٦ و: ١٣٦ - ١٣٧ بتحقيقي.
[ ١ / ١٨٨ ]
الجملة الأخرى. ومع ذلك فلا يكرر الإسناد، بل يغاير بين رجاله: إما شيوخه أو شيوخ شيوخه، ونحو ذلك، فإذا ضاق مخرج الحديث ولم يكن له إلا إسناد واحد، أو اشتمل على أحكام - واحتاج إلى تكريرها -؛ فإنَّه والحالة هذه إما أنْ: يختصر المتن، أو: يختصر الإسناد، وهذا أحد الأسباب في تعليقه الحديث الذي وصله في موضع آخر.
وأما الثاني: - وهو ما لا يوجد فيه إلا معلقًا - فهو على صورتين: إما بصيغة الجزم وإما بصيغة التمريض.
فأما الأول: فهو صحيح إلى من علقه عنه، وبقي النظر فيما أبرز من رجاله، فبعضه يلتحق بشرطه. والسبب في تعليقه له: إما لكونه لم يحصل له مسموعًا - وإنما أخذه على طريق المذاكرة أو الإجازة -، أو كان قد خرّج ما يقوم مقامه، فاستغنى بذلك عن إيراد هذا المعلق مستوفى السياق، أو لمعنى غير ذلك. وبعضه يتقاعد عن شرطه وإن صححه غيره أو حسنه، وبعضه يكون ضعيفًا من جهة الانقطاع خاصة.
وأما الثاني: وهو المعلق بصيغة التمريض - مما لم يورده في موضع آخر -، فلا يوجد فيه ما يلتحق بشرطه إلا مواضع يسيرة، قد أوردها بهذه الصيغة لكونه ذكرها بالمعنى كما نبه عليه شيخنا رضي الله تعالى عنه (^١). نعم! فيه ما هو صحيح، وإن تقاعد عن شرطه إما لكونه لم يخرج لرجاله، أو لوجود علة فيه - عنده - ومنه ما هو حسن، ومنها ما هو ضعيف، وهو على قسمين: أحدهما: ما ينجبر بأمر آخر، وثانيهما: ما لا يرتقي عن مرتبة الضعيف، وحيث يكون بهذه المثابة، فإنَّه يبين ضعفه ويصرح به حيث يورده في كتابه" (^٢).
أما ما ذكره عن شيوخه: فقد قال العراقي ﵀: "أما ما عزاه البخاري إلى بعض شيوخه بصيغة الجزم، كقوله: قال فلان، وزاد فلان"، ونحو ذلك،
_________________
(١) عنى بذلك شيخه الحافظ العراقيَّ، وكلامه في " التقييد والايضاح ": ٣٦. وترضيه عن شيخه دلالة أنه ألف " النكت " في وقت مبكر في حياة شيخه، رحم الله الجميع.
(٢) انتهى كلام الحافظ.
[ ١ / ١٨٩ ]
فليس حكمه حكم التعليق عن شيوخ شيوخه ومن فوقهم، بل حكمه حكم الإسناد المعنعن، وحكمه الاتصال، بشرط ثبوت اللقاء والسلامة من التدليس، واللقاء في شيوخه معروف، والبخاري سالم من التدليس فله حكم الاتصال" (^١).
وقد تبين مما ذكرناه: أنَّ أكثر المعلقات عند البخاري بصيغة الجزم صحيحة إلى من علق عنه.
وقد خالف ذلك بعض العلماء - منهم: ابن حزم - فلم يجعلوا لمعلقات الصحيح مزية على غيرها، سواء كان بصيغة الجزم أو بصيغة التمريض، وإنما جعلوا لها حكم غيرها من المنقطعات.
وقد استشكل العراقي: بأنَّ البخاري قد يوجد في صحيحه أحاديث يرويها عن بعض شيوخه، قائلًا: قال فلان، ويوردها في موضع آخر بوساطة بينه وبين ذلك الشيخ (^٢).
وقد أجاب الحافظ ابن حجر عن هذا ذاكرًا عدة صور لما قال فيه البخاري: "قال فلان"، فقال - أعني: ابن حجر -: "الذي يورده البخاري من ذلك على أنحاء، منها: ما يصرح فيه بالسماع عن ذلك الشيخ بعينه، إما في نفس الصحيح، وإما خارجه، والسبب في الأول: إما أن يكون أعاده في عدة أبواب - وضاق عليه مخرجه - فتصرَّف فيه حتى لا يعيده على صورة واحدة في مكانين، وفي الثاني: أن لا يكون على شرطه إما لقصور في بعض رواته، وإما لكونه موقوفًا، ومنها ما يورده بواسطة عن ذلك الشيخ، والسبب فيه كالأول، لكنه في غالب هذا لا يكون مكثرًا عن ذلك الشيخ، ومنها ما لا يورده في مكان آخر من الصحيح … فهذا مما أشكل أمره عليّ، والذي يظهر لي الآن أنه لقصور في سياقه. . ."، ثم قال: وقد تقرر عند الحفاظ أنَّ الذي يأتي به البخاري من التعاليق كلها بصيغة الجزم يكون صحيحًا إلى من علقه عنه، ولو
_________________
(١) " شرح التبصرة والتذكرة " ١/ ١٤٣ بتحقيقي، وانظر:" معرفة أنواع علم الحديث ": ٩٢ - ٩٦ بتحقيقي.
(٢) انظر: " التقييد والإيضاح ":٩١.
[ ١ / ١٩٠ ]
لم يكن من شيوخه، لكن إذا وجد الحديث المعلق من رواية بعض الحفاظ موصولًا إلى من علقه بشرط الصحة أزال الإشكال" (^١).
والجواب عن المعلقات أنَّ وضع الكتابين "صحيح البخاري" و"صحيح مسلم" إنَّما هو للمسند، والمعلقات ليست بمسندة، بدلالة أنَّ الدارقطني لم يتعرض للأحاديث المعلقة التي لم توصل في موضع آخر - فيما انتقده على - الصحيحين؛ لأنَّها ذُكرت استئناسًا واستشهادًا، وليست من موضوع الكتاب (^٢).
فائدة: سمى الدمياطي ما يعلقه البخاري عن شيوخه: "حوالة" (^٣).
٢ - الإرسال بمعناه الواسع:
المرسَل - في إطلاق المتقدمين - يراد به كل انقطاع في السند، سواء كان الانقطاع في أول السند أو في وسطه أو في آخره، وهذا هو مذهب أكثر الأصوليين وأهل الفقه والخطيب وجماعة من المحدّثين (^٤). وقد وقع تباين بين المتقدمين والمتأخرين في معنى المرسَل.
ثم استقر الاصطلاح في: أنَّ المرسَل لا يطلق إلا على ما رفعه التابعي إلى النبي ﷺ (^٥)، كما هو متداول في كتب مصطلح الحديث.
وقد مزج ابن الصلاح بين التدليس والإرسال الخفي، فقد عرّف تدليس الإسناد بقوله: "هو أنْ يروي الراوي عمن لقيه ما لم يسمعه منه، موهمًا أنَّه سمعه منه، أو عمن عاصره ولم يلقه، موهمًا أنَّه لقيه وسمعه منه" (^٦).
_________________
(١) " فتح الباري " ١٠/ ٦٧ عقب (٥٥٩٠).
(٢) انظر: " توجيه النظر إلى أصول الأثر " ١/ ٢٣٦.
(٣) " نكت ابن حجر " ١/ ٣٣٢ و: ١٤٢ بتحقيقي.
(٤) انظر: " معرفة أنواع علم الحديث ": ١٢٨ بتحقيقي، و" شرح النووي على مسلم " ١/ ٣١ المقدمة، و" الخلاصة ": ٦٦، و" شرح التبصرة والتذكرة " ١/ ٢٠٥ بتحقيقي، و" جواهر الأصول ": ٤٣ - ٤٤، و" النكت " ٢/ ٥٤٣ و:٣١٩ بتحقيقي، و" فتح المغيث " ١/ ١٣٠ - ١٣١ ط. العلمية و١/ ٢٤١ ط. الخضير، و" شرح ألفية السيوطي ": ٢٧.
(٥) انظر: " الكفاية ": ٢١.
(٦) " معرفة أنواع علم الحديث ": ١٥٧ بتحقيقي.
[ ١ / ١٩١ ]
وقد اعترض الحافظ ابن حجر على قوله: "عمن عاصره ولم يلقه" بأنَّه ليس من التدليس، بل هو من المرسل الخفي إذ قال: "والتحقيق فيه التفصيل: وهو أنَّ من ذُكر بالتدليس أو الإرسال، إذا ذُكر بالصيغة الموهمة عمن لقيه، فهو تدليس، أو عمن أدركه ولم يلقه، فهو المرسل الخفي، أو عمن لم يدركه، فهو مطلق الإرسال" (^١).
فتبين لنا من هذا أنَّ كلمة الإرسال تدل على أربعة معانٍ:
الأول: الانقطاع الظاهر: وهو أنْ يروي الراوي عمن لم يعاصره.
الثاني: تدليس الإسناد وهو: أن يروي الراوي عمن لقيه - وسمع منه - ما لم يسمعه.
الثالث: المرسل الخفي: وهو أن يروي الراوي عمن عاصره ولم يلقه.
الرابع: سقوط من فوق التابعي.
وسوف أتكلم عن كل معنى من هذه المعاني، وأمثل له بما يصح التمثيل به.