يمكن جعل البداية الحقيقية لهذا العلم من مرحلة النقد الحديثي الذي ابتدأت بواكيره على أيدي كبار الصحابة كأبي بكر وعمر وعلي (^٣)، فهم أول من فتّش عن الرجال في الرواية، وبحثوا عن النقل في الأخبار.
ثم تلقّى التابعون عن الصحابة نقد الأخبار وتمييز الروايات، كسعيد بن جبير، والشعبي، وابن سيرين، وفي هذا العصر ازدادت الحاجة إلى النقد، حيث طرأت أمور دعتهم إلى نقد المرويات وتمييزها، فقد كثرت الفتن، وتعددت الفرق، وظهرت البدع والمحدثات، كبدعة التشيع والخوارج، وكثر المشتغلون بعلم الحديث، واتسعت دائرتهم، وزادت أعداد حملة الآثار، ونشطوا للرحلة والطلب .. فدخل في ذلك من يحسن ومن لا يحسن، واختلفت أغراض الرواة، وتعددت مشاربهم (^٤).
وفي عصر تابعي التابعين زادت الأمور السالفة خطرًا، فانتشرت البدع
_________________
(١) انظر: " تحرير علوم الحديث " ٢/ ٦٤٩.
(٢) انظر: " الخبر الثابت ": ١٢٥، و" العلة وأجناسها ": ٨.
(٣) انظر: " السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي ": ٨٣ - ٨٤.
(٤) انظر: " العلة وأجناسها ": ٢٦ - ٢٧.
[ ١ / ٣٨ ]
بشكل متزايد، وكثر موجودها، وطالت الأسانيد وكثر رجالها، ولم يبق الوهم مقتصرًا على الحفظ والضبط، بل دخل في المصنفات والكتب.
وذهب بعض الباحثين إلى أنَّ هذا المنهج تسارع ارتقاؤه، وتعاظم ازدهاره في فترة زمنية قصيرة، حصرها بين محمد بن سيرين المتوفى سنة (١١٠ هـ) ويحيى بن معين المتوفى سنة (٢٣٣ هـ) أي في خلال (١٢٠) سنة تقريبًا، زاعمًا أنَّ هذه الفترة تضاعفت فيها أعداد الأسانيد حتى وصلت إلى المليون.
ولما دخل عصر التدوين كان هذا العلم أول ما عني به الأئمة.
وهذه المؤلفات تعطي لنا تصورًا مجملًا عن نشأة علم العلل، وأنَّه بدأ في عصر مبكر جدًا مقارنة مع بقية علوم الحديث، وعلى الرغم من قدمِ نشأته فقد قوبل بقلة الاهتمام وضعف الجانب (^١).