إنَّ علم الحديث ليس كبقية العلوم، فهو يستفرغ العمر كله؛ لأنَّ بالمعلل حاجة إلى عدد من العلوم، بل إلى جميع العلوم كلها، فضلًا عن كونه علمًا تتعدد فروعُهُ، وتتنوعُ علومه، وتتشعبُ أفنان فنونه، ولم يبالغ الحازميُّ عندما قال: «اعلم أنَّ علمَ الحديث يشتمل على أنواع كثيرة تقرب من مئة نوع، وكلُّ نوعٍ منها علمٌ مستقلٌ لو أنفق الطالب فيه عمرَهُ لما أدرك نهايتَه» (^١) لذلك فإنَّ علم الحديث وصناعته لأهل الحديث خاصة، قال مسلم: «إنَّ صناعة الحديث ومعرفة أسبابه من الصحيح والسقيم، إنَّما هي لأهل الحديث خاصة؛ لأنَّهم الحفاظ لروايات الناس، العارفون بها دون غيرهم، إذ الأصل الذي يعتمدون لأديانهم السنن والآثار المنقولة من عصر إلى عصرٍ من لدن النبيِّ ﷺ إلى عصرنا هذا، فلا سبيل لمنْ نابذهم منَ الناس، وخالفهم في المذهب إلى معرفة الحديث، ومعرفة الرجال من علماء الأمصار فيما مضى من الأعصار من نقلة الأخبار وحُمّال الآثار، وأهل الحديث هم الذين يعرفونهم ويميّزونهم حتى ينزلوهم منازلهم في التعديل والتجريح، وإنمَّا اقتصصنا هذا الكلام، لكي يتبينهُ من جهل مذهب أهل الحديث ممن يريد التعلم والتنبّه على تثبيت الرجال وتضعيفهم، فيعرف ما الشواهد عندهم والدلائل التي بها ثبتوا الناقل للخبر من نقله، أو أسقطوا من أسقطوا منهم، والكلام في تفسير ذلك يكثر» (^٢).
هكذا أبان الإمام مسلم أنَّ صناعة الحديث ومعرفة علله هو علم يختص
_________________
(١) نقله الحافظ ابن حجر في "النكت" ١/ ٢٣٣ و: ٦٢ بتحقيقي عن كتاب "العجالة" للحازمي.
(٢) " التمييز" (١٠٢).
[ ١ / ١٥٧ ]
به أهل الحديث خاصة، وهذا النص الذي نقلته بطوله منْ أنفس النصوص، وأقدمها، ومن خلاله يبين للقارئ - أي قارئ - أنَّ هذا العلم منْ أصعب العلوم وأحنكها، ولا يتمكن فيه إلا من كان تقوى الله رائدُهُ، والتقرب بالنوافل ديدنه، والكف عن المحارم طريقته؛ إذ إنَّ صِمام الأمان تقوى الله أولًا، ثم المعرفة التامة لذلك العلم قال الذهبي: «فحق على المحدِّث أنْ يتورع في ما يؤديه، وأنْ يسأل أهل المعرفة والورع ليعينوه على إيضاح مروياته، ولا سبيل إلى أنْ يصير العارف الذي يزكي نقلة الأخبار ويُجرّحهم جِهبذًا إلا بإدمان الطلب والفحص عن هذا الشأن، وكثرة المذاكرة والسهر والتيقظ والفهم مع التقوى والدين المتين والإنصاف والتردد إلى مجالس العلماء والتحري والإتقان وإلا تفعل:
فَدعْ عَنْكَ الكتابةَ لستَ مِنها … ولو سَوّدتَ وجهكَ بالمداد
قال الله تعالى ﷿: ﴿فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾ (^١) فإنْ آنستَ يا هذا من نفسك فهمًا وصدقًا ودينًا وورعًا وإلا فلا تتعن، وإنْ غلب عليك الهوى والعصبية لرأي ولمذهب فبالله لا تتعب، وإنْ عرفت أنَّك مخلطٌ مخبطٌ مهملٌ لحدودِ الله فأرحنا منْكَ، فبعد قليلٍ ينكشف البهْرج، وينكبُّ الزغل، ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله، فقد نصحتك فعلم الحديث صلفٌ، فأين علم الحديث؟ وأين أهله؟ كدت أنْ لا أراهم إلا في كتاب أو تحت تراب» (^٢).
إذن فهذا الفن ليس كبقية الفنون؛ إذ المعرفة به تستدعي علومًا أخرى خادمة له، وقد أعجبني كلامٌ طويلٌ لابن الأثير أنقله جميعه لأهميته، فقد قال رحمه الله تعالى: «… إلا أنَّ من أصول فروض الكفايات علم أحاديث
رسول الله ﵌، وآثار أصحابه ﵃ التي هي ثاني أدلة الأحكام ومعرفتها أمرٌ
_________________
(١) النحل: ٤٣
(٢) " تذكرة الحفاظ "١/ ٤، هكذا قال الذهبي رحمه الله تعالى في زمانه ذاك الذي يزخر بالعلم، فكيف لو رأى زماننا هذا، والناس في غربة العلم في هذا الفن العظيم نسأل الله العافية.
[ ١ / ١٥٨ ]
شريفٌ، وشأنٌ جليلٌ، لا يحيط به إلا من هذّب نفسه بمتابعة أوامر الشرع ونواهيه، وأزال الزيغ عن قلبه ولسانه، وله أصولٌ وأحكامٌ وقواعد وأوضاعٌ واصطلاحات ذكرها العلماء، وشرحها المحدّثون والفقهاء، يحتاج طالبُه إلى معرفتها، والوقوف عليها بعد تقديم معرفة اللغة والإعراب، اللذين هما أصلٌ لمعرفة الحديث، لورود الشريعة المطهرة بلسان العرب. وتلك الأشياء: كالعلم بالرجال، وأساميهم، وأنسابهم، وأعمارهم، ووقت وفاتهم، والعلم بصفات الرواة، وشرائطهم التي يجوز معها قبول روايتهم، والعلم بمستند الرواة، وكيفية أخذهم الحديث، وتقسيم طرقه، والعلم بلفظ الرواة وإيرادهم ما سمعوه، وإيصاله إلى من يأخذه عنهم، وذكر مراتبه والعلم بجواز نقل الحديث بالمعنى، ورواية بعضه والزيادة فيه، والإضافة إليه ما ليس منه، وانفراد الثقة بزيادة فيه. والعلم بالمسند وشرائطه والعالي منه والنازل، والعلم بالمرسل وانقسامه إلى المنقطع والموقوف والمعضل وغير ذلك واختلاف الناس في قبوله ورده، والعلم بالجرح والتعديل، وجوازهما ووقوعهما، وبيان طبقات المجروحين والعلم بأقسام الصحيح من الحديث والكذب (^١)، وانقسام الخبر إليهما وإلى الغريب والحسن وغيرهما، والعلم بأخبار التواتر والآحاد، والناسخ والمنسوخ وغير ذلك (^٢)
مما تواضع عليه أئمة الحديث، وهو بينهم متعارف، فمن أتقنها أتى دار هذا العلم من بابها، وأحاط بها من جميع جهاتها، وبقدر ما يفوته منها تنزل عن الغاية درجتُهُ، وتنحط عن النهاية رتبته، إلا أنَّ معرفة التواتر والآحاد، والناسخ والمنسوخ، وإنْ تعلقت بعلم الحديث -
_________________
(١) في المطبوع: «والكاذب» وهو غير مستقيم.
(٢) فمن أقحم نفسه في زمرة أهل الحديث، ولم يحُصِّل ما ذكر أو غالب ما ذكر، ثم عمد إلى إعلال الأحاديث خرج بمقدمات لانتائج لها، وبنى على غير أساس، وأساء من غير إفادة، وربما نقش قبل تثبيت العرش .. والعلماء حذروا من ذلك غاية التحذير؛ لأن الحكم على الحديث له أهمية في الشرع، فالسنة مصدر مهم من مصادر الأحكام يستنبط من صحيحها الحلال والحرام، فإدخال شيء إلى السنة ليس منها أو نفي شيء منها أمر تترتب عليه تبعات خطيرة أمام الله، نسأل الله السلامة.
[ ١ / ١٥٩ ]
فإنَّ المحدّث لا يفتقر إليها، لأنَّ ذلك من وظيفة الفقيه؛ لأنَّه يستنبط الأحكام من الأحاديث، فيحتاج إلى معرفة المتواتر والآحاد والناسخ والمنسوخ، فأمّا المحدّث، فوظيفتُهُ أنْ ينقل ويروي ما سمعه من الأحاديث كما سمعه، فإنْ تصدى لما وراءه فزيادةٌ في الفضل، وكمالٌ في الاختيار» (^١).
لقد أطال ابن الأثير رحمه الله تعالى وأطاب، وأبانَ لمن جاء بعده البضاعة لهذه الصناعة، وأنَّها صناعةٌ ليست كبقية الصناعات. ونحن نعلم أنَّ علم العلل رأسُ علوم الحديث، إذ من خلاله نعرف صحيح الحديث من ضعيفه، ونميز عدله من معوجه، ومرفوعه من موقوفه ومسنده من مرسله. وصاحبُهُ يحتاج جميع أدوات الفن مع حاجته إلى الفنون الأخرى من العلوم ليتقن فيها علم الحديث، قال الحافظ ابن حجر مبينًا صعوبة علم العلل: «وهو منْ أغمض أنواع علوم الحديث وأدقها، ولا يقوم به إلا من رزقه الله تعالى فهمًا ثاقبًا وحفظًا واسعًا، ومعرفة تامة بمراتب الرواة، وملكة قوية بالأسانيد والمتون، ولهذالم يتكلم فيه إلا القليل من أهل هذا الشأن: كعلي بن المديني، وأحمد بن حنْبل، والبخاري، ويعقوب بن شيبة، وأبي حاتم، وأبي زرعة، والدارقطني. وقد تقصر عبارة المعلل عن إقامة الحجة على دعواه كالصيرفي في نقد الدينار والدرهم» (^٢).
ثم إنَّ صعوبة تحصيل صفات رجل العلل أمر قد جعل هذا العلم خفيًّا على كثيرين، بل خَفِيَ على أكثر أهل الحديث خاصة فضلًا عن غيرهم، قال ابن كثير: «وَهُوَ فَنٌّ خَفِيٌّ (^٣) عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عُلَمَاءِ الحَدِيثِ، حَتَّى قَالَ بَعْضُ
_________________
(١) "جامع الأصول" ١/ ٣٦ - ٣٨، وعلى كلام ابن الأثير الأخير؛ فإنَّ رتبة الفقيه أعلى من رتبة المحدّث، فالمحدّث من أحاط بعلم الحديث رواية ودراية، فإذا أضيف إليها الاستنباط فهو الفقيه. أما من لم يحصل علم الحديث وجاء يتحذلق الفقه فهو ليس بفقيه؛ إذ شرط الفقيه أنْ يكون محدثًا.
(٢) "نزهة النظر": ٧٢، وهذا النص مقتبس من كلام العلائي وهو في " النكت " ٢/ ٧١١ و: ٤٨٥ و٢/ ٧٧٧ و:٥٤٣ بتحقيقي على أنَّه في الموضع الأول لم ينسبه، وفي الثاني نسبه للعلائي.
(٣) كلمة (خفي) مرفوعة على أنها اسم، وهي خبر ثانٍ أو صفة على خلاف بين البصريين والكوفيين، وهكذا جاءت الكلمة مجودة الضبط في نسختنا الخطية المصورة عن الأصل المحفوظ في الدار العراقية للمخطوطات رقم (١٤٠٨١)، وهي نسخة متقنة عليها خط ابن كثير ﵀ وقد أخطأ علي الحلبي فضبطها في نشرته لكتاب "الباعث الحثيث" ١/ ١٩٦ هكذا: «خَِفيَ» على أنها فعل، وما ذكر من أنها اسم أبلغ، فالجملة التي مستندها اسم تدل على الثبوت، والجملة التي مستندها الفعل تدل على التجدد. انظر: "معاني النحو" ١/ ١٥.
[ ١ / ١٦٠ ]
حُفَّاظِهِم: مَعْرِفَتُنَا بِهَذَا كِهَانَةٌ عِنْدَ الجَاهِلِ (^١).
وَإِنَّمَا يَهْتَدِي إِلَى تَحْقِيقِ هَذَا الفَنِّ الجَهَابِذَةُ النُّقَّادُ مِنْهُمْ، يُمَيِّزُونَ بَيْنَ صَحِيحِ الحَدِيثِ وَسَقِيمِهِ، وَمُعْوَجِّهِ وَمُسْتَقِيمِهِ، كَمَا يُمَيِّزُ الصَّيْرَفِيُّ البَصِيرُ بِصِنَاعَتِهِ بَيْنَ الجِيَادِ وَالزُّيُوفِ، وَالدَّنَانِيرِ وَالفُلُوسِ فَكَمَا لَا يَتَمَارَى هَذَا، كَذَلِكَ يَقْطَعُ ذَاكَ بِمَا ذَكَرْنَاهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَظُنُّ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقِفُ، بِحَسَبِ مَرَاتِبِ عُلُومِهِمْ وَحذقهِمْ وَاطِّلَاعِهِمْ عَلَى طُرُقِ الحَدِيثِ، وَذَوْقِهِمْ حَلَاوَةَ عِبَارَاتِ الرَّسُولِ ﷺ التِي لَا يُشْبِهُهَا غَيْرُهَا مِنْ ألفَاظِ النَّاسِ» (^٢).
_________________
(١) وليس معنى هذا أنَّ علم الحديث مبنيٌّ على غير قواعد، لا. بل إنَّ هذا العلم من أكثر العلوم تأصيلًا وأعظمها تقعيدًا، ولكن لصعوبة هذا الفن وشدته على غير أهله قيل ذلك. وأصل هذا الكلام هو ما أسنده ابن أبي حاتم في مقدمة العلل ١/ ٣٨٩ ط. الحميد إلى عبد الرحمان بن مهدي قال: «إنكارنا الحديث عند الجهال كهانةٌ»، وأسند عنه أيضًا قوله: «معرفة الحديث إلهامٌ»، وهذان النصان في كتاب "جامع العلوم والحكم" ٢/ ١٣٣ ط. العراقية بتحقيقي و: ٥٧٩ ط. ابن كثير بتحقيقي أيضًا. وليس معنى هذا على الحقيقة فإنمَّا هذا الخطاب يخاطب به من لا يحسن صنعة الحديث، ولا يدرك أغوار أسراره. وهذا الخطاب أيضًا للمبتدئ حتى يعرف صعوبة الفن ودقته ليأخذ الطالب بأسبابه، قال الخطيب في " الجامع لأخلاق الراوي " ٢/ ٣٨٢: «علمٌ يخلقه الله تعالى في القلوب بعد طول الممارسة له، والاعتناء به» .. وقد أجاد أخي الحبيب الدكتور علي الصياح معلقًا على قولي ابن مهدي: «ربما يفهم من بعض الأقوال المتقدمة أنَّ علم العلل يحصل= = … في القلب من فراغ بدون عمل ولا طلب، وهذا الفهم غير مراد قطعًا، لكن لما كان علم العلل خفيًا ودقيقًا وبحاجة إلى كثرة طلب، وسعة حفظ، وجودة فكر ودقة نظر وتوفيق من الله أولًا وآخرًا - هو ما توافر لأولئك النقاد - أصبح عند من لا يحسنه نوعًا من الكهانة والإلهام». "كيف نقرب علم العلل". مجلة البيان: ٦ العدد (٢٠٣).
(٢) "اختصار علوم الحديث": ١٤٩ بتحقيقي.
[ ١ / ١٦١ ]
ونحن حين نتحدث عن صفات المُعلل لابد أنْ نقدر لكل أهل زمان طاقتهم ومقدرتهم فلكل زمان قومه، ولابد من التنبيه إلى ما أشار إليه الحافظ المتقن عَلِيُّ بن الْمَدِينِيّ قال: لا يقاس الرجل إلا بأقرانه وأهل زمانه؛ فلقد قُلْتُ مَرّةً: سَعِيد أَعْلَم من حَمَّاد بن زَيْد، فبلغ ذَلِكَ يَحْيَى بن سَعِيد، فشق ذَلِكَ عليه؛ لئلا يقاس الرجل بمن هو أرفع منه لا يَقُول: سُفْيَانُ أَعْلَم من الشعبي، وأيُّ شيء كَانَ عند الشعبي مما عند سُفْيَان؟ وقيل لعلي بن الْمَدِينِيّ: إنَّ إنسانًا قَالَ: إنَّ مالكًا أفقه من الْزُّهْرِيّ، فَقَالَ عَلِيٌّ: أنا لا أقيس مالكًا إِلَى الْزُّهْرِيّ، ولا أقيس الْزُّهْرِيَّ إِلَى سَعِيد بن الْمُسَيَّب (^١).
ونحن ننتفع بهذا أنَّه من الصعوبة - وربما من المستحيل - أنْ يبرز أحدٌ في علل الحديث كما برز أولئك الأئمة المتقدمون، لكنَّ الله أمرنا بالاجتهاد والتعلم وأنْ نجدَّ في تحصيل العلوم حتى إذا لم نبلغ تلك المراتب العالية، فعلى طالب العلم أنْ يسدد ويقارب.
إذن لا بد لرجل العلل أنْ يعرف مصطلحات علماء الحديث - بالجملة - ومناهج أئمة العلل وطرائقهم في هذا الفن، مع ضرورة إدمان النظر في كتب العلل مع جودة الفهم، وترداد المقروء مع دِقَّة تامة في النظر والتطبيق العملي المستمر، وحفظ الرجال الذين تدور عليهم الأسانيد، ومراتب الرواة وطبقاتهم، ومعرفة الأسانيد الصحيحة والمعلة، وقرائن الترجيح وطرقه، ومعرفة الثقات من الضعفاء، ومعرفة مواليدهم ووفياتهم وبلدانهم، ومعرفة المكثرين من رواة الحديث ومعرفة مراتب أصحابهم فيهم، كأصحاب الزهري وقتادة ونحوهما من المكثرين، ومعرفة أشهر الأسانيد، ومعرفة المدلسين والمختلطين، ومعرفة المنقطع من الأسانيد. حتى يكون من العارفين بعلل الحديث حسن الترجيح لدى الاختلاف.
ثم إني - في كتابي هذا - أشرتُ مراتٍ عديدة إلى اتباع منهج المتقدمين، وإنَّ من اتباع المتقدمين تقوى الله ﷿ في السر والعلن والغضب والرضا، ومن
_________________
(١) "كيف نقرب علم العلل". د علي الصياح، مجلة البيان: ٩ العدد (٢٠٦).
[ ١ / ١٦٢ ]
تتبع سِيرَ من برعَ في هذا الفن من السابقين والمتأخرين والمعاصرين وجد أنَّ لهم أعمالًا صالحة ظاهرة وخفية، ومراقبةً تامة لله مما وفقهم الله به على الصواب في هذا الفن العظيم.
ثم لا بد من الصبر والجَلَد، وطول النَّفَس في البحث والتفتيش واستنفاد الوسع مع الإنصاف والعدل والفِطنة والذكاء وإظهار الذل والافتقار والإلحاح بالدعاء وصدق اللجأ إلى الله، قال الحافظ الذهبي: «قال محمد بن بَرَكة الحلبي: سمعتُ عثمان بن خُرَّزاذ يقول: يحتاج صاحب الحديث إلى خمس، فإن عدمتْ واحدةٌ فهي نقصٌ: يحتاج إلى عقلٍ جيدٍ، ودينٍ، وضبطٍ، وحذاقة بالصناعة، مع أمانة تعرف منه. قلت - القائل: الذهبي -: الأمانةُ جزء من الدِّين، والضبطُ داخلٌ في الحذقِ فالذي يحتاج إليه الحافظ أن يكون تقيًا، ذكيًا، نحويًا، لغويًا، زكيًا، حييًا، سَلَفيًا، يكفيه أن يكتب بيده مئتي مجلد، ويُحصِّل من الدواوين المعتبرة خمس مئة مجلدٍ، وأن لا يفتر من طلب العلم إلى الممات، بنيةٍ خالصةٍ وتواضعٍ، وإلاّ فلا يتعنَّ» (^١)،
وقال ابنُ القيِّم ﵀: «ينبغي للمفتي الموفق إذا نزلت به المسألة أنْ ينبعث من قلبه الافتقار الحقيقي الحالي لا العلمي المجرد إلى مُلهم الصواب، ومعلم الخير، وهادي القلوب، أنْ يلهمه الصواب، ويفتح له طريق السداد، يدله على حكمه الذي شرعه لعباده في هذه المسألة، فمتى قرع هذا الباب فقد قرع باب التوفيق، وما أجدر مَنْ أمَّل فضلَ ربه أنْ لا يحرمه إياه، فإذا وجد من قلبه هذه الهمة فهي طلائعُ بشرى التوفيق، فعليه أنْ يوجه وجهه ويحدق نظره إلى منبع الهدى، ومعدن الصواب ومطلع الرشد، وهو النصوص من القرآن والسنة وآثار الصحابة، فيستفرغ وسعه في تعرف حكم تلك النازلة منها، فإنْ ظفر بذلك أخبر به، وإن اشتبه عليه بادر إلى التوبة والاستغفار، والإكثار من ذكر الله، فإنَّ العلم نورُ الله يقذفه في قلب عبده، والهوى والمعصية رياحٌ عاصفةٌ تطفئ ذلك النور أو تكاد، ولا بد أنْ
_________________
(١) " سير أعلام النبلاء" ١٣/ ٣٨٠ ..
[ ١ / ١٦٣ ]
تضعفه (^١). وشهدتُ شيخَ الإسلام - قدّس الله روحه - إذا أعيته المسائل واستصعبتْ عليه فر منها إلى التوبة والاستغفار، والاستغاثة بالله واللَجأ إليه، واستنزال الصواب منْ عنده، والاستفتاح من خزائن رحمته.
فقلما يلبث المدد الإلهي أنْ يتتابع عليه مدًا، وتزدلف الفتوحات الإلهية إليه بأيتهنَّ يبدأ، ولا ريب أنَّ من وفق هذا الافتقار علمًا وحالًا، وسار قلبه في ميادينه بحقيقة وقصد، فقد أعطي حظه من التوفيق، ومنْ حرمه فقد منع الطريق والرفيق، فمتى أعين مع هذا الافتقار ببذل الجهد في درك الحق، فقد سلك به الصراط المستقيم، وذلك فضلُ الله يؤتيه منْ يشاء، والله ذو الفضل العظيم» (^٢).
وقال تلميذه العلامة الحافظ ابن رجب الحنبلي: «اعلم أنَّ معرفة صحة الحديث وسقمه تحصل من وجهين: أحدهما: معرفة رجاله وثقتهم وضعفهم، ومعرفة هذا هيِّن؛ لأنَّ الثقات والضعفاء قد دُوِّنوا في كثير من التصانيف، وقد اشتهرت بشرح أحوالهم التواليف. والوجه الثاني: معرفة مراتب الثقات، وترجيح بعضهم على بعض عند الاختلاف، إما في الإسناد، وإما في الوصل والإرسال، وإما في الوقف والرفع، ونحو ذلك. وهذا هو الذي يحصل من معرفته وإتقانه وكثرة ممارسته الوقوف على دقائق علل الحديث» (^٣). ولابد لطالب العلم في هذا الزمن ممن يريد أنْ يكون من العارفين بعلل الحديث أنْ يعلم أنَّ هذا العلم لا يأتي من فراغ، ولا يُتعلم في ليلة وضحاها، بل لا بد لتعلمه من مقدمات. فهو علم يتعلمه ويحسن معرفته من يأخذ بأسبابه كبقية العلوم، فلا بد من كثرة القراءة في كتب العلل النظرية والتطبيقية كـ"علل ابن
_________________
(١) قال الخليلي في " الإرشاد " ١/ ٤٠٨: «يحتاج في هذا الأمر إلى الديانة والإتقان والحفظ ومعرفة الرجال ومعرفة الترتيب ويكتب ما له وما عليه، ثم يتأمّل في الرجال فيميز بين الصحيح والسقيم، ثم يعرف التواريخ، وعمر العلماء، حتى يعرف من أدركَ مِمّن لم يُدرك، ويعرف التدليس للشيوخ».
(٢) "إعلام الموقعين" ٤/ ٢٠٧ - ٢٠٨.
(٣) "شرح علل الترمذي" ٢/ ٤٦٧ - ٤٦٨ ط. عتر و٢/ ٦٦٣ ط. همام.
[ ١ / ١٦٤ ]
المديني " و"علل ابن معين" و"علل الإمام أحمد" و"التمييز" و"علل الترمذي الكبير"، و"مسند البزار" و"علل ابن عمّار الشهيد" و"علل ابن أبي حاتم"، و"علل الدارقطني" وكتابه: "التتبع".
ومن أهم الواجبات على أهل هذا الزمان تتبّع أقوال كبار نقاد الحديث على الحديث المراد بحثه، وذلك بالرجوع إلى كتب العلل والمسانيد والجوامع وغيرها، وإلى كتب التخريج التي عند المتأخرين التي تنقل أقوال المتقدمين، ثم الاستفادة من كل كلمة يقولونها عن الحديث؛ لأنَّ إعلالات الأئمة للأخبار مبنيةٌ في الغالب على الاختصار، والإجمال، والإشارة وعدم التفصيل، فيقولون مثلًا: «الصواب رواية فلان» (^١)، أو «وَهِمَ فلانٌ» (^٢)، أو «لا يتابع عليه» (^٣) أو «لا يعرف الحديث إلا به» (^٤). أو «حديث فلان يشبه حديث فلان» (^٥) أو «دَخَلَ حديثٌ في حديث» (^٦) أو «حديث ليس له إسناد» (^٧) أو «هذا حديث فائدة» (^٨) وهم في الأعم الأغلب لا يذكرون الأدلة والأسباب التي دعتهم إلى ذلك القول؛ لأنَّ كلامهم في الغالب موجهٌ إلى أناسٍ يفهمون الصناعة الحديثية والعلل، يدركون المراد بمجرد إشارة الإمام للعلة وذكرها وكأنهَّم لا يحتاجون إلى مزيد إيضاح، ولسان حال أولئك أنَّهم ألفوا هذا العلم لهؤلاء القوم.
ثمّ بعدَ النظر إلى كلام الأئمة النقاد لا بد من دراسة أسباب هذا الحُكْم من الناقد، ثم الموازنة بين أقوال بقية النقاد له، وتجدر الإشارة إلى أنَّ كثرة الممارسة لكلام النقاد، وفهم مرادهم في إطلاقاتهم تتكون لدى الباحث مَلَكةٌ تؤدي إلى فهم هذا العلم فهمًا صحيحًا.
_________________
(١) انظر: "تهذيب التهذيب" ٨/ ٧٦.
(٢) انظر: "علل ابن أبي حاتم" (٤٥).
(٣) انظر: "العلل المتناهية" (٢٩٦)، وعند مراجعة كتابي "كشف الإيهام ": ٤٩٢ (٤٠٥) ستجد مثالًا جيدًا.
(٤) انظر: "العلل المتناهية" (١٨٥).
(٥) انظر: "الجامع في العلل ومعرفة الرجال" ٢/ ٤١ (٣٤٠).
(٦) انظر: "الكفاية": ١٤٢، و" فتح الباري " ١/ ٦٢١ عقب (٣٠٧٠).
(٧) انظر: "الكفاية": ١٤٢.
(٨) انظر: "الكفاية": ١٤٢.
[ ١ / ١٦٥ ]
ومن الأمور المهمة التي تلزم المعلل: معرفة عدد ما لكل راو عن شيخه من الأحاديث (^١) وكذلك ما يروى بالإسناد الواحد من الأحاديث، وهو ما يسميه المحدّثون "نسخة" أو " صحيفة "، وكذلك معرفة ما لم يسمعه الراوي من شيخه؛ فالراوي قد يسمع من شيخه مجموعة من الأحاديث، وبالمقابل لا يسمع من شيخه أحاديث أخرى، ومن أهم ما يلزم المعلل معرفة أحاديث الباب؛ إذ قد تأتي أحاديث معلولة ناتجة عن خطأ يظنها غير المتأمل شواهد تقوي أحاديث الباب، ثم لا بد للمعلل من معرفة الأسانيد التي لا يثبت منها شيء؛ لذا نجد المحدثين قد أولوا ذلك عناية بالغة (^٢)؛ إذ إنَّ بعض الأحاديث لا ترد إلا من تلك الأسانيد التي لا أصل لصحتها، ومثل ذلك أمارةٌ على بطلان تلك الأحاديث.
ثم لابد لرجل العلل من تفنن في العلوم جميعها الشرعية والتأريخية والمساعدة لهما من العلوم ومما أشكل عليَّ وسألت عنه أخي الشيخ أبا مالك العوضي هذه الراوية في " مسند الإمام أحمد " ٣٤/ ٤٧ (٢٠٤٧١) طبعة الرسالة مع تصحيح السند، والطبعة القديمة ٥/ ٣٩ وطبعة دار الحديث القاهرية ١٥/ ٢٠٦ (٢٠٢٨٦) شرح حمزة أحمد الزين: قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا
يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، قال: حَدَّثَنَا قُرَّةُ، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ - يَعْنِي: ابْنَ سِيرِينَ - عَنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، وَعَنْ رَجُلٍ آخَرَ - وَهُوَ فِي نَفْسِي أَفْضَلُ مِنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ -، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، قَالَ عَبْد اللهِ (^٣): قَالَ غَيْرُ أَبِي عَنْ يَحْيَى فِي هَذَا الْحَدِيثِ أُفَضِّلُ فِي نَفْسِي حُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمانِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَطَبَ النَّاسَ بِمِنًى، فَقَالَ: «أَلَا تَدْرُونَ أَيُّ يَوْمٍ هَذَا»؟ قُلْنَا:
اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، فَقَالَ:
_________________
(١) انظر في هذا بحثًا نفيسًا في "معرفة مدار الإسناد" ١/ ٢٦٨ - ٢٨٦.
(٢) انظر: " شرح علل الترمذي " ٢/ ٧٣٢ ط. عتر، و٢/ ٨٤٥ ط. همام، و"العجاب في بيان الأسباب" ١/ ٢٠٩، و"البحر الذي زخر" ٣/ ١٢٩٣.
(٣) هو ابن الإمام أحمد، راوي "المسند" عن أبيه.
[ ١ / ١٦٦ ]
«أَلَيْسَ بِيَوْمِ النَّحْرِ»؟ قُلْنَا: نَعَمْ. قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا»؟ قُلْنَا:
اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: «أَلَيْسَ بِالْبَلْدَةِ»؟ قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ وَأَبْشَارَكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا أَلا هَلْ بَلَّغْتُ»؟ قُلْنَا: نَعَمْ. قَالَ: «اللَّهُمَّ اشْهَدْ، لِيُبَلِّغ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ فَإِنَّهُ رُبَّ مُبَلِّغٍ يُبَلِّغُهُ مَنْ هُوَ أَوْعَى لَهُ مِنْهُ، فَكَانَ كَذَلِكَ، وَقَالَ: لا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ». فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ حَرْقِ ابْنِ الْحَضْرَمِيِّ؛ حَرَّقَهُ جَارِيَةُ بْنُ قُدَامَةَ، قَالَ: أَشْرَفُوا عَلَى أَبِي بَكْرَةَ فَقَالُوا: هَذَا أَبُو بَكْرَةَ. فَقَال عَبْدُ الرَّحْمانِ: فَحَدَّثَتْنِي أُمِّي أَنَّ أَبَا بَكْرَةَ قَالَ: لَوْ دَخَلُوا عَلَيَّ مَا بَهَشْتُ إِلَيْهِمْ بِقَصَبَةٍ. وكتبت للشيخ: الإشكال: أَلَيْسَ بِيَوْمِ النَّحْرِ؟ قُلْنَا: نَعَمْ. فأجاب:
المعروف في اللغة أنَّ (بلى) تختص بجواب النفي وإثباته (^١)، وأنَّ (نعم) لتصديق الخبر نفيًا كان أو إثباتًا (^٢). وهذا من المتواتر في اللغة، وشواهده لا تحصى، فلا يحتاج لنقل، ومن المشهور عن ابن عباس في قوله تعالى: «ألست بربكم قالوا بلى» أنه قال: لو قالوا (نعم) لكفروا (^٣). وقد وردت شواهد قليلة جدًا ظاهرها استعمال (نعم) في موطن (بلى) (^٤)، وقد استعملها سيبويه نفسه في الكتاب، ولحّنه ابن الطراوة في ذلك (^٥). واختار أكثر النحويين أنَّ هذا خطأ، وردّوا ما ورد من هذه الشواهد. وبعضهم تأول الشواهد الواردة في ذلك بما يخرجها عن ظاهرها جريًا على المشهور.
_________________
(١) بلى: حرف جواب يختص بالنفي، ويفيد إبطاله، سواء كان النفي مجردًا أم مقرونًا بالاستفهام، فمثال الأول قوله تعالى: «زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي»، ومثال الثاني: «أليس زيد بقائم» فنقول: بلى. انظر: " مغني اللبيب " ١/ ١٠٠.
(٢) نعم: حرف يفيد تصديق المخبر بنفي أو إيجاب، فلو قال قائل: «ما قام زيد» فتصديقه (نعم) وتكذيبه (بلى)، ولو قال: «قام زيد» فتصديقه (نعم) وتكذيبه (لا). انظر: "مغني اللبيب" ٢/ ١٠.
(٣) انظر: "مغني اللبيب" ٢/ ١١.
(٤) انظر بعض تلك الشواهد في " مغني اللبيب " ٢/ ١١.
(٥) انظر " مغني اللبيب " ٢/ ١١.
[ ١ / ١٦٧ ]
وبعضهم انتصر لسيبويه فأجازها حملًا على المعنى إنْ لم يحصل في الكلام لبسٌ (^١).
ولو سلمنا بالقول الأخير فغايته أنْ يكون ذلك لغة جائزة في الجملة وليست بالفصيحة. وأما الحديث المذكور فلا شك أنَّه من تغيير النساخ، ولا أقول من تغيير الرواة، بل من تغيير النساخ؛ لأنَّ الحديث معروف من رواية قرة عن ابن سيرين، ومن رواية يحيى بن سعيد عن قرة بلفظ (بلى)، وهذه الألفاظ موجودة في الصحيحين وغيرهما. بل إنَّ الروايات الأخرى للحديث في المسند نفسه من غير طريق (يحيى بن سعيد) كلها بلفظ (بلى).
ومعلوم أنَّ الإمام أحمد لم يكن يحدث إلا من كتاب (^٢)، فمن المستبعد جدًا أنْ يكون هذا التغيير من الإمام أحمد نفسه، وكذلك من المستبعد أنْ يكون من ابنه عبد الله؛ لأنَّه كان يروي من كتاب أبيه. فالذي يترجح لي - والله أعلم - أنَّ هذا الخطأ وقع من النساخ الذين نسخوا المسند، وليس من الرواة المتقدمين (^٣).
والشراح - رحمهم الله تعالى - لهم في مثل هذا الموطن مسالك
_________________
(١) وإلى هذا ذهب ابن هشام في " مغني اللبيب " ٢/ ١١ وقال: «وعلى ذلك جرى كلام سيبويه، والمُخطِّئُ مُخْطئٌ».
(٢) انظر: " تهذيب الكمال " ١/ ٧٢ (٩٣).
(٣) بل نقطع أنَّ الخطأ من النساخ، وليس من الإمام أحمد، ولا من الرواة المتقدمين، فالحديث المذكور أخرجه: الإمام أحمد ٥/ ٣٩ عن يحيى بن سعيد القطان، عن قرة، عن محمد بن سيرين، عن عبد الرحمان بن أبي بكرة، عن أبي بكرة، به. والحديث بهذا الإسناد صحيح غير أنَّ في متنه عبارةً منكرةً وهي لفظة: «نعم» وقد تقدم بيان باعث الحكم على نكارتها من كلام الشيخ أبي مالك، وحجتنا في ذلك أنَّ الرواة من لدن يحيى بن سعيد قد توبعوا كما سيأتي في تخريج بقية الطرق، ومحمد بن سيرين هو مدار الحديث، وكما هو معلوم عند أهل هذا الفن أنَّ من مذهبه عدم جواز الرواية بالمعنى. انظر: " الكفاية ": ٢٠٦، و" شرح علل الترمذي " ١/ ٥٠ ط. عتر و١/ ٤٢٩ ط. همام وأمر آخر أنَّ الحديث مشهور مبثوث في كتب الحديث. ولم نقف على غير رواية الإمام أحمد باللفظ المذكور باللفظة المنكرة، ومما يُبرّئ ساحة الرواة من الوهم أنهم متابعون، فقد أخرجه: أحمد ٥/ ٤٩ من طريق أبي عامر العقدي، عن قرة، عن ابن سيرين بلفظ: «بلى»، فهذه متابعة ليحيى بن سعيد القطان، وتوبع قرة إذ أخرجه: أحمد ٥/ ٣٧ من طريق أيوب. وأخرجه: أحمد ٥/ ٣٧ من طريق ابن عون، وأخرجه: أحمد ٥/ ٤٠ من طريق أشعث، ثلاثتهم: (أيوب، وابن عون، وأشعث) عن ابن سيرين بلفظ: «بلى». ومما يقطع بكون الوهم من النساخ أنَّ الحديث روي من طريق يحيى بن سعيد فجاء على الصواب، فقد أخرجه: البخاري ٩/ ٦٣ (٧٠٧٨) عن مسدد، عن يحيى بن سعيد، عن قرة، = = … به، وأخرجه: البزار (٣٦١٧) عن يحيى بن حكيم، عن قرة، به، وفي كلتا الروايتين جاء الحديث على الصواب. على أنَّ للحديث طرقًا أخرى كثيرة اقتصرت على موضع الشاهد منها، وللتوسع انظر: "تحفة الأشراف" ٨/ ٢٨٣ (١١٦٨٢)، و" نصب الراية " ٤/ ٣٢٤ - ٣٢٥، و" أطراف المسند " ٦/ ١٠٧ (٧٨٦٥)، و" إتحاف المهرة " ١٣/ ٥٩٣ (١٧١٩٣).
[ ١ / ١٦٨ ]
فبعضهم يذهب إلى تصويب الرواة والنساخ مطلقًا، ويبحث عن مسوغ لكل لفظة مهما كان ما خالفها من الروايات بعيدًا، إحسانًا للظن بهم، وهذه طريقة إمام النحو جمال الدين ابن مالك وتلميذه الإمام النووي ومن تبعهم كالقاري وبعضهم يذهب إلى تخطئة الرواة مطلقًا في كل ما خالف المشهور من العربية حتى لو اتفق الرواة على هذه اللفظة، وهذه طريقة أبي البركات الأنباري وابن الجوزي والعكبري والسيوطي.
وبعضهم يتوسط فينظر في اختلاف الرواة فحيث اتفقوا حكم بصحة اللفظة؛ لأنَّ طرق إثبات اللغة ليست أقوى من هذه الأسانيد الصحيحة، وحيث اختلف الرواة حكم بأنَّ هذا من تصرف الرواة، وهذه طريقة الحافظ ابن حجر وغيره. وهذه الطريقة الأخيرة هي الطريقة المرضية التي لا يسوغ غيرها في نظري.
انتهى كلام الشيخ أبي مالك العوضي وفقه الله تعالى، ومنه تظهر قوة عبارته وجودة قريحته وتفننه في العلوم، وإنما سقت هذا بطوله لأدلل على ضرورة التفنن في العلوم لرجل العلل، وما ذكرته من هذا المثال المطول فهو فيما يتعلق بعلم واحد مساعد لرجل العلل، ومنه تدرك ضرورة التفنن والتوسع في هذا الفن، وعودًا على بدء، فلا بد لطالب العلم من طول المذاكرة، وكثرة الممارسة، وإدمان التخريج، والنظر لإدراك مسالك أهل العلم في إعلال الأحاديث، قال الحافظ ابن رجب: «ولا بد في هذا العلم من طول الممارسة وكثرة المذاكرة، فإذا عدم المذاكر به، فليكثر طالبه المطالعة في كلام الأئمة
[ ١ / ١٦٩ ]
العارفين به، كيحيى القطان، ومن تلقى عنه كأحمد وابن المديني وغيرهما، فمن رزق مطالعة ذلك وفهمه، وفقهت نفسه فيه، وصارت له فيه قوة نفس وملكة صلح له أن يتكلم فيه» (^١).
وربما أطلت في هذا الموضوع لأهميته لكني أختم بكلام العلاّمة المعلمي اليماني في أسباب تحصيل الملكة الحديثية، قال ﵀: «وهذه «المَلَكَةُ» لم يُؤتوها من فراغ، وإنما هي حصاد رحلةٍ طويلة من الطلب، والسماع، والكتابة، وإحصاء أحاديث الشيوخ، وحفظ أسماء الرجال، وكناهم، وألقابهم، وأنسابهم، وبلدانهم، وتواريخ ولادة الرواة ووفياتهم، وابتدائهم في الطلب والسماع، وارتحالهم من بلد إلى آخر، وسماعهم من الشيوخ في البلدان، من سمع في كل بلد؟ ومتى سمع؟ وكيف سمع؟ ومع من سمع؟ وكيف كتابه، ثم معرفة أحوال الشيوخ الذين يحدث الراوي عنهم، وبلدانهم، ووفياتهم، وأوقات تحديثهم، وعادتهم في التحديث، ومعرفة مرويات الناس في هؤلاء الشيوخ، وعرض مرويات هذا الراوي عليها، واعتبارها بها، إلى غير ذلك مما يطول شرحه. هذا مع سعة الاطلاع على الأخبار المروية، ومعرفة سائر أحوال الرواة التفصيلية، والخبرة بعوائد الرواة ومقاصدهم وأغراضهم، وبالأسباب الداعية إلى التساهل والكذب، وبمظنات الخطأ والغلط، ومداخل الخلل.
هذا مع اليقظة التامة، والفهم الثاقب، ودقيق الفطنة، وامتلاك النفس عند الغضب، وعدم الميل مع الهوى، والإنصاف مع الموافق والمخالف، وغير ذلك.
وهذه المرتبة بعيدة المرام، عزيزة المنال، لم يبلغها إلا الأفذاذ، وقد كانوا من القلة بحيث صاروا رؤوس أصحاب الحديث فضلًا عن غيرهم، وأضحت الكلمة إليهم دون من سواهم» (^٢).
_________________
(١) " شرح علل الترمذي " ٢/ ٤٦٩ ط. عتر و٢/ ٦٦٤ ط. همام.
(٢) "النكت الجياد" ١/ ١٢٨.
[ ١ / ١٧٠ ]