حاتم أنَّه سأل أبا زرعة عن حديث المغيرة بن شعبة في المسح على الخفين قائلًا: «فأيهما الصحيح عندك؟ قال: أنا إلى حديث الشعبي بلا عروة أميل، إذ كان للشعبي أصل في المسح» (^١).
١٤ - الترجيح بقرينة الزيادة: قال ابن أبي حاتم: «قلت لأبي: لِمَ حكمت برواية ابن لهيعة، وقد عرفت ابن لهيعة وكثرة أوهامه؟ قال أبي: في رواية ابن لهيعة زيادة رجل، ولو كان نقصان رجل كان أسهل على ابن لهيعة في حفظه» (^٢).
١٥ - الترجيح بقرينة العمل بالحديث: الترمذي ﵀ كثير الاستعمال لهذه القرينة، بل في بعض الأحيان تجد الحديث ظاهر الضعف، ثم يقول الترمذي: «والعمل على هذا عند أهل العلم»، مثال ذلك ما أخرجه من طريق إسماعيل بن مسلم، عن الحسن، عن سمُرةَ بن جندب، قال: أمرنا رسولُ اللهِ ﷺ إذا كنَّا ثلاثةً أنْ يتقدَّمنا أحدُنا. قال عقبه: «وحديث سمرة حديث حسن غريب، والعمل على هذا عند أهل العلم» (^٣) هكذا حسّنه
﵀ على الرغم من ضعف إسماعيل بن مسلم، والحسن لم يسمع من سمرة غير حديثين كما بيّنت في كتابي هذا.
أما قرائن الإعلال فقد تقدم كثير منها في أسباب العلة وطرائق كشف العلة، وأزيد هنا:
أ - فقدان الحديث من كتب الراوي: وهذا مخصوص بالرواة المشهورين بالتصنيف، أو كتابة مسموعاتهم وتدوينها، ومن الشواهد على ذلك ما نقله الخلاّل في علله عن الإمام أحمد أنَّه قال: «ليس هذا في كتب إبراهيم، لا ينبغي أنْ يكون له أصل» (^٤)، وقال أبو حاتم: «لو كان صحيحًا لكان في مصنفات ابن أبي عروبة» (^٥) وقال أيضًا: «وكان الوليد صنّف كتابًا في الصلاة وليس فيه هذا الحديث» (^٦).
_________________
(١) " علل الحديث " (٨).
(٢) " علل الحديث " (٤٨٨).
(٣) " الجامع الكبير " (٢٣٣).
(٤) كما في " المنتخب " (٨).
(٥) " علل الحديث " لابنه (٦٠).
(٦) " علل الحديث " لابنه (٤٨٧).
[ ١ / ١٣٨ ]
ب - مخالفة الراوي لما يرويه: قال ابن رجب: «قاعدة في تضعيف حديث الراوي إذا روى ما يخالف رأيه، قد ضعّف (^١) الإمام أحمد وأكثر الحفاظ أحاديث كثيرة بمثل هذا» (^٢) وقال المناوي: «وقيل: إنَّ مخالفة الراوي بمنع وجوب العمل؛ لأنَّه إنَّما خالفه لدليل ..» (^٣) يعني: لدليل عند الراوي منعه من العمل بموجب ما روى، وهذه القرينة استعملها النقاد للكشف عن بواطن علل راجت على غيرهم، وأما غير المحدّثين فلم يلتفتوا لمثل هذا الأمر، وقد بين المناوي سبيل قبول أحاديث كذا حالها فانظره تجد كبير فائدة.
وخلاصة الأمر: إنَّ موضوع كتابنا هذا هو العلل الخفية، وعلم العلل هو العلم الذي يبحث في أخطاء الثقات. ومعرفة الخطأ في أحاديث الثقات ليس بالأمر الهين، وقد ينقدح للناقد علة في الحديث، ويكون ظاهر الإسناد الصحة، ثم يعمِّق الناقد البحث ليبحث عما يقوي ظنَّه بوجود تلك العلة فيتطلع على ما يحف بالرواية، ومن ذلك أنْ ينظر الناقد إلى من دار عليهم الإسناد - أقصد المدار (^٤) ومن فوقه من الرواة - للبحث هل لهم أو لأحدهم رأي فقهي يخالف هذه الرواية، فإذا وجد ذلك دل على عدم صحة هذا الحديث من طريقهم؛ لأنَّ صحة الحديث عندهم موجب للعمل به مالم يكن منسوخًا أو مخصصًا أو مقيدًا، وستأتي لذلك أمثلة عدة إن شاء الله (^٥).
_________________
(١) ط. همام: «ضعفه» والمثبت من ط. عتر.
(٢) " شرح العلل " ٢/ ٧٩٦ ط. عتر و٢/ ٨٨٨ ط. همام.
(٣) " فيض القدير " ٤/ ٣٦٠.
(٤) مدار إسناد الحديث: هو الراوي الذي تلتقي أسانيد ذلك الحديث عليه مهما تعددت عنه، فيتفرد بذلك الحديث مطلقًا، ثم يرويه عنه اثنان فأكثر.
(٥) ومن ذلك نعلم جميعًا أنَّ نقد المحدّثين للحديث لم يكن قاصرًا على الإسناد فحسب، ولا على المتن فقط، ولم يكن ذلك قاصرًا على الإسناد والمتن فقط، بل إنَّ نقدهم نقد شامل ويدخل في ذلك نظرهم إلى فقه الراوي وميوله العقدية، وأنا إذ أذكر ذلك فهو ليس من التهويل، بل هو من التأصيل العلمي لأهل النقد من أئمة هذا الدين الذين كانت لهم الأيادي البيضاء في تنقية السنة مما شابها.
[ ١ / ١٣٩ ]
ج - أن تكون في الحديث مبالغة في الأجر، أو العذاب على بعض الأفعال اليسيرة: فتجد مثلًا أحاديث من قال كذا فله ألف ألف حسنة، ووضع عنه ألف ألف سيئة، وكذا وكذا، فنحن في الوقت الذي نظن بالله ﷿ أنَّه أكرم من ذلك، وكرمه تعالى لا يتصوره عقل إلا أنَّ مثل هذه المبالغات في الأجر على الفعل اليسير، تجعلنا نجزم بعدم ثبوت مثل هذه الأقوال عن النبي ﷺ، قال الحافظ ابن حجر: «ومن جملة القرائن الدالة على الوضع: الإفراط بالوعيد الشديد على الأمر اليسير، أو بالوعد العظيم على الفعل اليسير، وهذا كثير موجود في حديث القصاص والطرقية، والله أعلم» (^١).
د - أن يكون المتن مما يرده العقل، ولا تستسيغه الفطرة السليمة: ولسنا بذا نقول ما يقوله بعضهم في رد الأحاديث الصحيحة بالحجج العقلية، ولكن نقول: هناك بعض الأحاديث التي لا يشك منصف في بطلانها؛ لمخالفتها العقل الصحيح السليم المعتد به في الدين، قال السخاوي - في أثناء ذكره قرائن الحكم بالوضع -: «والركة في المعنى: كأن يكون مخالفًا للعقل ضرورة أو استدلالًا، ولا يقبل تأويلًا بحال …؛ لأنه لا يجوز أن يرِد الشرعُ بما ينافي مقتضى العقل» (^٢)، أما رد الأحاديث بمجرد مخالفتها عقول المتكلمين وأهواءهم وأذواقهم فلا، قال العلامة المعلمي: «هذا وقد عرف الأئمة الذين صححوا الأحاديث أنَّ منها أحاديث تثقل على بعض المتكلمين ونحوهم، ولكنهم وجدوها موافقة للعقل المعتد به في الدين، مستكملة شرائط الصحة الأخرى، وفوق ذلك وجدوا في القرآن آيات كثيرة توافقها أو تلاقيها أو هي من قبيلها قد ثقلت هي أيضًا على المتكلمين، وقد علموا أنَّ النبي ﷺ كان يدين بالقرآن ويقتدي به فمن المعقول جدًا أن يجيء في كلامه نحو ما في القرآن من الآيات» (^٣)، من ذلك - أعني الأحاديث التي تخالف العقل الصريح -
_________________
(١) " النكت " ٢/ ٨٤٣ - ٨٤٤ و: ٥٩٦ بتحقيقي.
(٢) " فتح المغيث " ١/ ٢٩٤ ط. العلمية و٢/ ١٢٨ ط. الخضير.
(٣) " الأنوار الكاشفة ": ٧.
[ ١ / ١٤٠ ]
ما رواه الطبراني (^١) من طريق حسّان بن إبراهيم الكرماني، عن عبد العزيز بن أبي رواد، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قلت: يا رسول الله، الوضوء من جر جديد مخمر أحب إليك أم من المطاهر؟ فقال: «لا، بل منَ المطاهر، إنَّ دينَ اللهِ الحنيفية السمحة» قال: وكان رسول الله ﷺ يبعث إلى المطاهر، فيؤتى بالماء فيشربه يرجو بركة أيدي المسلمين.
فهذا الحديث العقل يرده قبل النقل فكيف يتبرك الرسول ﷺ بمن دونه، أليس هو خاتم النبيين؟! أليس هو إمام المتقين؟! فكيف إذن يتبرك بمن هو دونه؟! وقد أبان شيخنا العلاّمة المحدّث عبد الله بن عبد الرحمان السعد عن علل هذا الحديث (^٢) فشفى وكفى، والحمد لله رب العالمين.
هـ - إعراض المتقدمين عن تخريج الحديث في كتبهم ولاسيما الكتب الجامعة منها "كمسند أحمد" و"مصنف ابن أبي شيبة"، و"صحيح ابن حبان"، فضلًا عن الكتب الستة، فإذا وجدت حديثًا فيه حكم من الأحكام، وليس في الكتب المتقدمة، فاعلم أنَّ ذلك من قرائن تضعيف هذا الحديث، قال أبو داود واصفًا كتابه السنن: «وهو كتاب لا يرد عليك سنة عن النبيِّ ﷺ بإسناد صالح إلا وهي فيه ..» (^٣)، فهذا يعني أنَّ المتقدمين ما أعرضوا عن تخريج هذا الحديث أو ذاك إلا لعلة اطلعوا عليها دون غيرهم، فلذلك كانت كتب المتقدمين حجة، وإعراضهم حجة، بل وسكوتهم حجة، قال الحافظ ابن عبد الهادي مضعفًا حديثًا: «حديث ضعيف الإسناد منكر المتن لا يصلح الاحتجاج به، ولا يجوز الاعتماد على مثله، ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة، ولا رواه الإمام أحمد في " مسنده " ..» (^٤).
و- التفرد: وهو ليس علة بحد ذاته، فقد يغرب الحافظ بأحاديث لا يشاركه فيها غيره، قال الإمام مسلم: «وللزهري نحو من تسعين حديثًا، يرويه
_________________
(١) في " الأوسط " (٧٩٨) ط. الحديث و(٧٩٤) ط. العلمية.
(٢) شرح الموقظة - تسجيل صوتي -، وانظر: " الفوائد المجموعة ": ١٨.
(٣) " رسالة أبي داود إلى أهل مكة ": ٤٥.
(٤) " الصارم المنكي ": ٦٨.
[ ١ / ١٤١ ]
عن النَّبيِّ ﷺ لا يشاركه فيه أحد بأسانيد جياد» (^١). فإذن التفرد ليس بعلة في حق من اشتهرت عدالته وحفظه، ولكنَّه يكون طريقًا لتسليط الضوء على العلة في الأحاديث التي ينفرد بها رواة لم يبلغوا معشار ما وصله الزهري وطبقته، وسيأتي مزيد بيان في موضعه.
ز - تنصيص أهل العلم: إذا وجدت حديثًا قد نص النقاد على علته أو صحته فعض عليه بالنواجذ فهم أدرى بما يقولون، وما أطلق ذاك الحكم لاهٍ ولا عابث، بل حكم به من هو أعلم منك وأعرف، فلم يساور أحكامهم المنطق أو المجاملة أو المحاباة، قال أبو حاتم: «واتفاق أهل الحديث على شيء يكون حجة» (^٢).
ح - معرفة الأسانيد التي لا يصح منها شيء: وهذه القرينة أعدّ لها ابن رجب بابًا سماه ذكر الأسانيد التي لا يثبت منها شيء (^٣) أذكر بعضًا منها على سبيل الاختصار:
- قتادة، عن الحسن، عن أنس، عن النبي ﷺ.
- قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ.
- يحيى بن سعيد الأنصاري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ.
- يحيى بن سعيد الأنصاري، عن أنس.
- حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر …
ط - مخالفة الحديث لأهل المدينة: كما هو معروف أنَّ أرض المدينة كانت معمورة بتواجد غالب أصحاب النبي ﷺ فيها؛ لذا فمن البديهي أنْ تكون هذه الأرض محط ركاب المحدّثين والباحثين عن أقوال نبيهم ﷺ وأفعاله وتقريراته، ولما تقدم أنَّ أهل البلد أعرف بحديثهم، ولما كانت المدينة المنورة قبلة المحدّثين كان أهل المدينة أعرف بالحديث من غيرهم، لذلك
_________________
(١) " صحيح مسلم " ٥/ ٨٢ (١٦٤٧).
(٢) " المراسيل " لابنه (٧٠٣).
(٣) " شرح العلل " ٢/ ٧٣٢ ط. عتر و٢/ ٨٤٥ - ٨٤٦ ط. همام.
[ ١ / ١٤٢ ]
كانت هذه القرينة من قرائن إعلال الروايات المخالفة لأهل المدينة (^١).
وأُجمل هنا بعض القواعد مما يستعين بها الناقد في الترجيح والإعلال منها:
١ - يغلب الوهم والغلط على حديث أغلب الصالحين غير العلماء؛ لأنَّهم قليلو الحفظ والضبط، فحديثهم متوقف فيه.
٢ - المشتغلون بالرأي لا يكادون يحفظون الحديث أسانيده ومتونه، مخالفين بذلك الحفاظ.
٣ - إذا حدّث الثقةُ الحافظ من حفظه، وليس بفقيه، قال عنه ابن حبان: «لا يجوز عندي الاحتجاج بخبره» (^٢).
٤ - إذا تفرد الثقة الحافظ بإسناد، فحكمه قريب من زيادة الثقة، أما إنْ كان حفظه سيئًا، فلا يُعبأ بانفراده، ويحكم عليه بالوهم.
٥ - المدلس إذا عُرف له شيوخ لم يدلس عنهم، فحديثه عنهم متصل.
٦ - قال العجلي: «إذا قال سفيان بن عيينة: عن عمرو: سمع جابرًا فصحيح، وإذا قال سفيان: سمع عمرو جابرًا: فليس بشيء» (^٣). فقوله بالعبارة الأولى يعني: أنَّ السماع حاصل بها، أما العبارة الثانية فلم يحصل السماع.
٧ - جهابذة النقاد لكثرة ممارستهم الحديث واختلاطه بلحمهم ودمهم، لهم فهم خاص خُصّوا به عن سائر أهل العلم، أنَّ هذا الحديث يشبه حديث فلان ولا يشبه حديث فلان، وهذا ليس على إطلاقه.
٨ - يضعف حديث الصحابي، إذا صَحّ عنه رواية ما يخالفه، أو يخالف رأيه.
٩ - «إذا اختُلِفَ في وصل رواية وإرسالها، وترجَّح لدينا أنَّ من وصلها أخطأ، وأنَّ الصواب أنها مرسلة، فالرواية الموصولة غير صالحة للاعتبار بها؛
_________________
(١) هذه القرينة أغلبية سيأتي ما يناقضها.
(٢) " المجروحين " ١/ ٩٣.
(٣) نقله ابن رجب في " شرح العلل " ٢/ ٧٥٢ ط. عتر و٢/ ٨٥٧ ط. همام.
[ ١ / ١٤٣ ]
لأنها خطأ متحقق، فوجودها وعدمها سواء، وإنما يعتبر بالرواية المرسلة فحسب» (^١).
١٠ - إذا أخطأ الثقة في روايته، فهي شاذة ساقطة، لا تنفعها ثقته (^٢).
١١ - إذا روى الحافظ المكثر الثبت حديثًا بأكثر من إسناد، حُمل على سعة روايته، أما إذا كان غير ذلك فيُحمل على اضطرابه وعدم حفظه.
١٢ - «وصحة الإسناد يتوقف على ثقة الرجال، ولو فرض ثقة الرجال لم يلزم منه صحة الحديث، حتى ينتفي منه الشذوذ والعلة» (^٣).
١٣ - المحدّث إذا خالفته جماعة في نقله، فالقول قول الجماعة، والقلب إلى روايتهم أشدّ سكونًا من رواية الواحد (^٤).
١٤ - تفرد الثقة متوقف فيه، حتى يُتابع عليه، ولا سيما إذا كان غير مشهور بالحفظ والإتقان (^٥).