أشرت فيما سبق إلى أنَّ العلة ظاهرة وخفية:
فالعلة الظاهرة قد تزول بالمتابعات (^٦) والشواهد (^٧)، ويكون ذلك
_________________
(١) " الإرشادات في تقوية الأحاديث بالشواهد والمتابعات ": ٤٧.
(٢) انظر: " الإرشادات في تقوية الأحاديث بالشواهد والمتابعات ": ١٢٢.
(٣) " نصب الراية " ١/ ٣٤٧.
(٤) انظر: " التمهيد " ١/ ٢٤٥.
(٥) انظر: " فتح الباري " لابن رجب ٤/ ١٧٤.
(٦) المتابع: هو الحديث المشارك لحديث آخر في اللفظ أو المعنى مع الاتحاد في الصحابي، فإنْ كانت المشاركة من أول السند سميت متابعة تامة، وإنْ لم تكن من أول السند تسمى متابعة قاصرة. انظر: " ضوء القمر ": ٣٩، وقارن " باختصار علوم الحديث ": ١٤٢ بتحقيقي، و"الخلاصة": ٥٧ - ٥٨، و" النكت " ٢/ ٦٨٢ و: ٤٥٨ بتحقيقي، و" لسان المحدّثين " (متابعة).
(٧) الشاهد: هو الحديث المشارك لحديث آخر في اللفظ أو المعنى مع عدم الاتحاد في الصحابي. انظر: " ضوء القمر ": ٣٩، وقارن " باختصار علوم الحديث ": ١٤٣ بتحقيقي و"الخلاصة": ٥٧ - ٥٨، و" النكت " ٢/ ٦٨٢ و: ٤٥٨ بتحقيقي.
[ ١ / ١٤٤ ]
بالاعتبار (^١) وسبر الطرق، وقد تزول العلة بتلقي أهل العلم للحديث، فيقبل الحديث ويزول أثر العلة، أو تحديث مدلس، أو وجود قرينة تدل على حفظ الراوي ذلك الحديث. أما العلل الخفية فلا تزول، وهي على نوعين:
أحدهما: ما سببه المخالفة، فالراجحة محفوظة أو معروفة، والمرجوحة شاذة أو منكرة.
وثانيهما: أحاديث أُعلت بأسباب أخرى غير المخالفة: كمعارضة القرآن، أو نص صحيح متواتر، أو تاريخ مجمع عليه فهذه لا تزول، ويبقى الحديث مُعَلًّا.
فالعلل الظاهرة وهي التي سببها انقطاع في السند، أو ضعف في الراوي، أو تدليس، أو اختلاط تتفاوت ما بين الضعف الشديد والضعف اليسير، فما كان يسيرًا زال بمجيئه من طريق آخر مثله أو أحسن منه، وما كان ضعفه شديدًا فلا تنفعه كثرة الطرق. وبيان ذلك أنَّ ما كان ضعفه بسوء الحفظ أو اختلاط أو تدليس أو انقطاع يسير، فالضعف هنا يزول بالمتابعات وسبر الطرق، وقبل أنْ يذهب الناقد إلى تقوية حديث ما بمتابعة ما، وقبل الاعتبار بالرواية وضمها إلى غيرها؛ لإحداث التقوية والاعتضاد، يجب عليه أنْ يوفي الرواية حقها من النقد الخاص، وذلك بالنظر في رواتها، وهل فيهم من هو متهم بالكذب، أو غير ذلك مما يفضي إلى اطراح روايته، وعدم الاعتبار بها وأنْ يمحص رجال الإسناد فلعل راويًا سيئ الحفظ انقلب عليه براوٍ آخر، وهذا الاهتمام طبعًا لا يقتصر على السند فقط وإنما المتن أيضًا، فقد يكون أصل الحديث مشهورًا إلا أنَّ أحد الرواة زاد في المتن زيادة منكرة ليست هي في الحديث، فهذه الزيادة لا يعتبر بها؛ لأنها منكرة، ليس لذكرها في الحديث أصل يرجع إليه. فيجب
_________________
(١) الاعتبار: هو أنْ يعمد الناقد إلى حديث بعض الرواة، فيعتبره بروايات غيره من الرواة، بسبر طرق الحديث، وذلك بالتتبع والاختبار، والنظر في المسانيد والجوامع والمعاجم وغيرها؛ ليعلم هل هنالك متابع للحديث أو شاهد أم لا. انظر: " تدريب الراوي " ١/ ٢٠٢، و" ضوء القمر ": ٣٩.
[ ١ / ١٤٥ ]
على الباحث أنْ يولي الرواية حقها من البحث الذاتي، قبل اعتبارها بغيرها مكتفيًا بحال الراوي فحسب (^١)، وما كان انقطاعه شديدًا أو قدح في عدالة الراوي فلا يزول، قال الحافظ ابن الصلاح رحمه الله تعالى: «لعل الباحث الفهِم يقول: إنَّا نجد أحاديث محكومًا بضعفها، مع كونها قد رويت بأسانيد كثيرة من وجوه عديدة، مثل حديث: «الأُذُنانِ منَ
الرَّأسِ» (^٢) ونحوه، فهلاّ جعلتم ذلك وأمثاله من نوع الحسَنِ؛ لأنَّ بعض ذلك عضد بعضًا .. وجواب ذلك: أنَّه ليس كل ضعف في الحديث يزول بمجيئه من وجوه، بل ذلك يتفاوت، فمنه ضعف يزيله ذلك؛ بأنْ يكون ضعفه ناشئًا من ضَعْفِ حفظ راويه مع كونه من أهل الصدق والديانة، فإذا رأينا ما رواه قد جاء من وجه آخر عرفنا أنَّه مما قد حفظه، ولم يختل فيه ضبطه له، وكذلك إذا كان ضعفُهُ من حيث الإرسال زال بنحو ذلك، كما في المرسل الذي يرسله إمام حافظ؛ إذ فيه ضعف قليل يزول بروايته من وجه آخر، ومن ذلك ضعف لا يزول بنحو ذلك؛ لقوة الضَّعْف وتقاعد هذا الجابر عن جبره ومقاومته، وذلك كالضَّعْف الذي ينشأ من كون الراوي متهمًا بالكذب، أو كون الحديث شاذًا، وهذه جملةٌ تفاصيلها تدرك بالمباشرة والبحث، فاعلم ذلك، فإنَّه من النفائس العزيزة، والله أعلم» (^٣).
من هذا يتبين لنا أنَّ الأحاديث الشديدة الضعف إذا كثرت وتعددت، تبقى ضعيفة ولا ترتقي إلى درجة القبول.
وقد ذكر السيوطي عن الحافظ ابن حجر أنَّ شديد الضعف بكثرة الطرق،
_________________
(١) انظر: " الإرشادات في تقوية الأحاديث ": ١٢١ - ١٢٢.
(٢) هو قويٌّ عند بعضهم، أخرجه: أحمد ٥/ ٢٦٨، وابن ماجه (٤٤٤)، والدارقطني في " سننه " ١/ ١٠٣ ط. العلمية و(٣٦١) ط. الرسالة، وذكر طرقه الزيلعي في " نصب الراية " ١/ ١٨، وقد جمع الحافظ ابن حجر طرقه، وأشار إلى تقويته معقبًا على تضعيف ابن الصلاح للحديث. انظر: " النكت " ١/ ٤١٠ - ٤١٥ و: ٢٠٥ - ٢١١ بتحقيقي.
(٣) " معرفة أنواع علم الحديث ": ١٠٣ - ١٠٤ بتحقيقي.
[ ١ / ١٤٦ ]
ربما يرتقي بمجموع طرقه عن كونه منكرًا أو لا أصل له إلى درجة المستور والسيئ الحفظ (^١).
وقد مشى الحافظ ابن حجر ﵀ على هذه القاعدة في تحقيقه لبعض الأحاديث، كما صنع في قصة الغرانيق (^٢) حيث قال: «وكلها سوى طريق سعيد بن جبير إما ضعيف وإلا منقطع، لكن كثرة الطرق تدل على أنَّ للقصة أصلًا» (^٣).
وقد أصّل السيوطي لها فقال في ألفيته (^٤):
ضَعفًا لسوء الحفظ أو إرسالٍ أوْ … تدليس أو جهالةٍ إذا رأوا
مجيئَه من جهةٍ أخرى وما … كان لفسقٍ أو يُرى مُتّهما
يَرقَى عن الإنكار بالتعدد … بل ربما يصير كالذي بُدي
وقد تعقّب العلاّمة أحمد شاكر هذا بقوله: «وأما إذا كان ضعف الحديث لفسق الراوي أو اتهامه بالكذب، ثم جاء من طرق أخرى من هذا النوع، فإنَّه لا يرقى إلى الحسن، بل يزداد ضعفًا إلى ضعف، إذ إنَّ تفرد المتهمين بالكذب أو المجروحين في عدالتهم بحديث لا يرويه غيرهم، يُرجِّح عند الباحث المحقق التهمة ويؤيد ضعف روايتهم، وبذلك يتبين خطأ المؤلف هنا وخطؤه في كثير من كتبه (^٥)
في الحكم على أحاديث ضعاف بالترقي إلى الحسن مع
_________________
(١) انظر: " تدريب الراوي " ١/ ١٧٧.
(٢) قال العلاّمة أحمد شاكر في تعليقه على " جامع الترمذي " ٢/ ٤٦٥: «وهي قصة باطلة مردودة كما قال القاضي عياض والنووي رحمهما الله، وقد جاءت بأسانيد باطلة ضعيفة أو مرسلة ليس لها إسناد متصل صحيح، وقد أشار الحافظ في الفتح إلى أسانيدها ولكنَّه حاول أنْ يدعي أنَّ للقصة أصلًا؛ لتعدد طرقها وإنْ كانت مرسلة أو واهية، وقد أخطأ في ذلك خطأ لا نرضاه له، ولكل عالم زلة وعفا الله عنه».
(٣) " فتح الباري " ٨/ ٥٥٨ عقب (٤٧٤٠).
(٤) ألفية الحديث للسيوطي بشرح أحمد شاكر: ١٠.
(٥) كدفاعه عن كثير من الأحاديث الواهية في " اللآلئ المصنوعة " لكثرة طرقها الواهية. انظر على سبيل المثال: ١/ ٤ و١١ و١٢ و١٥ و١٨ و٢٤ و٣١ و٣٤ و٤٣ وغيرها. وكما يعلم ذلك من تسويده كتابه " الجامع الصغير " بالأحاديث الضعيفة والواهية وتقويتها. انظر: انتقاد المناوي عليه في " فيض القدير " (٥٣) و(٦٢) و(٢٠٢) و(٢٣١) و(٤٨٦) و(٥٠٧) و(٥٨١) و(٦٦٨) و(٦٩٦) و(٧٢٨) و(٨٤٠) و(٨٤٧) و(٨٧١) و(٩١٩) و(٩٢٤) و(٩٢٦) و(٩٣٤) و(٩٥٠) و(٩٦٠) و(١٠٠٦) و(١٠١٧) و(١٠١٨) و(١٠٣٢) و(١٠٦٠) و(١٠٧١) وغيرها.
[ ١ / ١٤٧ ]
هذه العلة القوية» (^١).
غير أن السيوطي ﵀ قال: «إذا روي الحديث من وجوه ضعيفة، لا يلزم أنْ يحصل من مجموعها أنَّه حسن: بل ما كان ضعفه، لضعف حفظ راويه الصدوق الأمين زال بمجيئه من وجه آخر» (^٢).
وهذا هو الحق الذي لا مرية فيه، فإنَّ الضعفاء قد يسرق بعضهم من بعض ويشتهر عندهم فقط، ولا نجده في روايات الثقات الأثبات، مما لا يزيد الضعيف إلا ضعفًا على ضعف.
وقال ابن جماعة: «والضعف لكذب راويه وفسقه، فلا ينجبر بتعدد طرقه» (^٣).
وقال الجرجاني: «وأما الضعيف لكذب راويه وفسقه، لا ينجبر بتعدد طرقه كما في حديث: «طلبُ العلمِ فريضةٌ» (^٤) قال البيهقي: هذا حديث مشهور بين الناس، وإسناده ضعيف، وقد روي من أوجه كثيرة كلها
ضعيفة» (^٥).
أما تلقي العلماء لحديث بالقبول فهو من الأمور التي تزول به العلة أحيانًا، وتخرج الحديث من حيز الرد إلى العمل بمقتضاه (^٦)، بل ذهب بعض العلماء إلى أنَّ له حكم الصحة، قال الحافظ ابن حجر: «وقد وجدت فيما حكاه إمام الحرمين في " البرهان " (^٧) عن الأستاذ أبي بكر محمد بن الحسن بن
_________________
(١) " شرح الألفية ": ١٠. وله نحوه في " الباعث الحثيث ": ٤٠ فانظره فإنَّه من النفائس.
(٢) " تدريب الراوي " ١/ ١٧٦.
(٣) " المنهل الروي ": ٣٧.
(٤) هو حسن عند قوم، كما نص عليه المزي فيما نقله السخاوي في " المقاصد " (٦٦٠). وقد جمع السيوطي طرقه في جزء لطيف بلغت خمسين طريقًا، وانظر " شرح التبصرة والتذكرة " ٢/ ٧٤ - ٧٥ مع تعليقي عليه.
(٥) " رسالة في علوم الحديث ": ٧٦.
(٦) انظر النتيجة في آخر هذا المقال.
(٧) " البرهان " (٥٢٠).
[ ١ / ١٤٨ ]
فورك ما يصرح بهذا التفصيل الذي أشرت إليه، فإنَّه قال في الخبر الذي تلقته الأمة بالقبول مقطوع بصحته، ثم فصل ذلك فقال: إن اتفقوا على العمل به لم يقطع بصدقه، وحمل الأمر على اعتقادهم وجوب العمل بخبر الواحد. وإن تلقوه بالقبول قولًا وفعلًا حكم بصدقه قطعًا. وحكى أبو نصر القشيري عن القاضي أبي بكر الباقلاني أنَّه بيّن في كتاب " التقريب " أنَّ الأمة إذا اجتمعت أو أجمع أقوام لا يجوز عليهم التواطؤ على الكذب من غير أنْ يظهر منهم ذلك التواطؤ على أنَّ هذا الخبر صدق، كان ذلك دليلًا على الصدق، قال أبو نصر: وحكى إمام الحرمين عن القاضي أنَّ تلقي الأمة لا يقتضي القطع بالصدق، ولعل هذا فيما إذا تلقته بالقبول، ولكن لم يحصل إجماع على تصديق الخبر، فهذا وجه الجمع بين كلامي القاضي. وجزم القاضي أبو نصر عبد الوهاب المالكي في كتاب " الملخص " بالصحة فيما إذا تلقوه بالقبول قال:
وإنَّما اختلفوا فيما إذا أجمعت على العمل بخبر المخبر هل يدل ذلك على صحته أم لا؟ ..» (^١).
وقال ابن عبد البر -لما حكى عن الترمذي أنَّ البخاري صحح حديث البحر: «هُوَ الطَّهُورُ ماؤُهُ» (^٢) -: «وهذا الحديث لا يحتج أهل الحديث بمثل إسناده، وهو عندي صحيح؛ لأنَّ العلماء تلقوه بالقبول له، والعمل به» (^٣).
وروى جابر عن النَّبيِّ ﷺ: «الدينارُ أربعٌ وعشرونَ قيراطًا».
قال: «وهذا الحديث وإنْ لم يصح إسناده، ففي قول جماعة العلماء به، وإجماع الناس على معناه، ما يغني عن الإسناد فيه» (^٤).
وقال الزركشي: «إنَّ الحديث الضعيف إذا تلقته الأمة بالقبول، عمل به على الصحيح، حتى إنَّه ينزل منزلة المتواتر في أنَّه ينسخ المقطوع» (^٥).
_________________
(١) " النكت " ١/ ٣٧٢ - ٣٧٣ و: ١٧٤ - ١٧٥ بتحقيقي.
(٢) سيأتي تخريجه.
(٣) " التمهيد " ٦/ ١٠٧ وفي " الاستذكار "، له ١/ ١٩٨ - ١٩٩ قال: «وهذا يدلك على أنَّه حديث صحيح المعنى، يتلقى بالقبول، والعمل الذي هو أقوى من الإسناد المنفرد».
(٤) " التمهيد " ٧/ ٢٨٨.
(٥) نكته على ابن الصلاح ١/ ٣٩٠.
[ ١ / ١٤٩ ]
وقال الشيخ طاهر الجزائري: «وأيضًا فالخبر الذي تلقته الأمة بالقبول تصديقًا له أو عملًا بموجبه يفيد العلم عند جماهير السَلف والخلف، وهذا في معنى المتواتر ..» (^١).
وعند الحنفية يعدون الضعيف إذا تلقاه العلماء بالقبول في حيز المتواتر، كما نص عليه الجصاص فقد قال عند الكلام على حديث ابن عمر وعائشة، عن النبي ﷺ: «طلاقُ الأمةِ تطليقتانِ، وعِدتُها حَيْضتان» (^٢):
«وقد تقدم ذكر سنده، وقد استعملت الأمة هذين الحديثين في نقصان العدة وإنْ كان وروده من طريق الآحاد فصار في حيز التواتر؛ لأنَّ ما تلقاه الناس بالقبول من أخبار الآحاد فهو عندنا في معنى المتواتر لما بيّناه في مواقع» (^٣).
والذي يبدو لي أنَّ الشافعي رحمه الله تعالى هو أول من أشار إلى تقوية الضعيف بتلقي العلماء، فقد قال: «فاستدللنا بما وصفت من نقل عامة أهل المغازي عن النبيِّ ﷺ أنْ «لا وصيةَ لوارثٍ» (^٤) على أنَّ المواريث ناسخة للوصية للوالدين والزوجة مع الخبر المنقطع عن النبي ﷺ وإجماع العامة على القول به» (^٥).
ثم إنَّ الإمام الشافعي قد أشار إلى ذلك عند كلامه على شروط قبول المرسل، فقال: «وكذلك إن وجد عوامٌ من أهل العلم يفتون بمثل معنى ما روي عنهم عن النبي» (^٦).
وربما التمس الترمذي ذلك من كلام الشافعي، فأخذ يقول في كثير من الأحاديث الضعيفة (^٧)
الإسناد من حيث الصناعة الحديثية: «وعليه العمل عند
_________________
(١) " توجيه النظر " ١/ ٣٢٣.
(٢) أخرجه: أبو داود (٢١٨٩)، والترمذي (١١٨٢)، وابن ماجه (٢٠٨٠)، والحاكم ٢/ ٥٠٢، والبيهقي ٧/ ٣٧٠ وفيه مظاهر بن أسلم المخزومي المدني، ضعيف انظر: "التقريب " (٦٧٢١).
(٣) " أحكام القرآن " ١/ ٤٦٧.
(٤) وهذا الحديث سوف يأتي تخريجه وبيان طرقه مفصلًا في موضعه.
(٥) " الرسالة " (٤٠٣) بتحقيقي.
(٦) " الرسالة " (١٢٧٠) بتحقيقي.
(٧) وكما في الأحاديث التالية: (٣٧) و(١١٣) و(١٨٨) و(١٩٩) و(٢٨٢) و(٢٨٨) و(٣٤٥) و(٣٦٤) و(٤٠٨) و(٤١١) و(٥٠٩) و(٥١٣) و(٥٩١) و(٦٣٨) و(٧٢٠) و(٨٤٦) و(١١١٧) و(١١٤٢) و(١١٨٢) و(١٤٥٠) و(١٤٦٠) و(١٤٦١) و(١٤٦٧) و(٢١٠٩) و(٢١١٢) و(٢١١٣) و(٢١٢٢).
[ ١ / ١٥٠ ]
أهل العلم» مشيرًا في ذلك -والله أعلم- إلى تقوية الحديث عند أهل العلم؛ لأنَّ عملهم بمقتضاه يدل على اشتهار أصله عندهم. وقد يلتمس هذا من صنيع البخاري ﵀ فقد قال في كتاب الوصايا: «ويذكر أنَّ النبي ﷺ قضى بالدَّيْن قبل الوصية» (^١). وقد علّق على ذلك الحافظ ابن حجر قائلًا: «وكأنَّ البخاري اعتمد عليه؛ لاعتضاده بالاتفاق على مقتضاه، وإلا فلم تجر عادته أنْ يورد الضعيف في مقام الاحتجاج به» (^٢).
وقال ابن الوزير: «وقد احتج العلماء على صحة أحاديث بتلقي الأمة لها بالقبول» (^٣)، وقال الحافظ ابن حجر: «من جملة صفات القبول التي لم يتعرض لها شيخنا أنْ يتفق العلماء على العمل بمدلول حديث، فإنَّه يقبل حتى يجب العمل به، وقد صرّح بذلك جماعة من أئمة الأصول، ومن أمثلته قول الشافعي ﵁: وما قلت من أنَّه إذا غُيّر طعم الماء وريحه ولونه، يروى عن النبي ﷺ من وجه لا يثبت أهل الحديث مثله، ولكنَّه قول العامة لا أعلم بينهم فيه خلافًا. وقال في حديث: «لا وصيةَ لوارثٍ» لا يثبته أهل العلم بالحديث، ولكن العامة تلقته بالقبول وعملوا به، حتى جعلوه ناسخا لآية الوصية
للوارث» (^٤).
أقول: فالشافعي رحمه الله تعالى يشير بذلك إلى حديث أبي سعيد الخدري: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «الماءُ طَهُورٌ لا ينجِّسُهُ شيءٌ». أخرجه:
_________________
(١) " صحيحه " ٤/ ٦ عقب (٢٧٤٩) والحديث وصله أحمد ١/ ٧٩، والترمذي (٢١٢٢)، وابن ماجه (٢٧١٥) وفيه الحارث الأعور كذبه الشعبي في رأيه ورمي بالرفض وفي حديثه ضعف. انظر: " التقريب " (١٠٢٩). والبخاري ﵀ إنما ذكره هنا بصيغة التمريض ففيه دلالة على ضعفه.
(٢) " الفتح " ٥/ ٤٦٢ عقب (٢٧٥٠).
(٣) " العواصم والقواصم " ٢/ ٣٩٧.
(٤) " نكت ابن حجر " ١/ ٤٩٤ - ٤٩٥ و: ٢٧٩ - ٢٨٠ بتحقيقي.
[ ١ / ١٥١ ]
أحمد (^١)، وأبو داود (^٢)، والترمذي (^٣)، والنسائي (^٤). وقد صححه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وابن حزم (^٥).
وقد جاء هذا الحديث من طريق ضعيف عن أبي أمامة الباهلي، عن النَّبيِّ ﷺ: «إنَّ الماءَ لا ينجّسُهُ شيءٌ، إلا ما غَلَبَ على ريحِهِ وطعمِهِ ولونِهِ» (^٦). فزيادة قوله: «إلا ما غلب على ريحه … الخ» ضعيفة؛ لأنَّها من طريق رشدين بن سعد (^٧) وهو رجل صالح لكنه ضعيف أدركته غفلة الصالحين فخلط في حديثه (^٨).
فالشافعي - رحمه الله تعالى - يشير إلى هذه الزيادة، فهو قد احتج بها مع ضعفها؛ لأنَّ الأمة تلقتها بالقبول، حيث لا خلاف بين العلماء أنَّ الماء إذا غيرته النجاسة تنجس.
وقال الكمال بن الهمام: «ومما يصحح الحديث أيضًا: عمل العلماء على وفقه» (^٩).
وقال السيوطي - بعد أنْ ذكر حديث حنش، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «مَنْ جَمعَ بينَ الصَّلاتينِ مِنْ غيرِ عُذرٍ فقدْ أتى بَابًا مِنْ أبوابِ الكبائر» (^١٠) - «أخرجه الترمذي (^١١) وقال: العمل على هذا عند أهل العلم؛ فأشار بذلك إلى أنَّ الحديث اعتضد بقول أهل العلم، وقد صرح غير واحد بأنَّ دليل صحة الحديث قول أهل العلم به وإنْ لم يكن له إسناد يعتمد على مثله» (^١٢).
_________________
(١) في "مسنده " ٣/ ٣١ و٨٦.
(٢) في " سننه " (٦٦) و(٦٧).
(٣) في " جامعه " (٦٦).
(٤) في " المجتبى " ١/ ١٧٤.
(٥) انظر: " التلخيص الحبير " ١/ ١٢٦ (٢).
(٦) أخرجه: ابن ماجه (٥٢١).
(٧) قال الحافظ في " التلخيص " ١/ ١٣٠ (٣): «وفيه رشدين بن سعد، وهو متروك».
(٨) انظر: " التقريب " (١٩٤٢).
(٩) " فتح القدير " ٣/ ١٤٣.
(١٠) سيأتي إعلال هذا الحديث، وإبراز الصنعة الحديثية فيه.
(١١) " جامع الترمذي " (١٨٨).
(١٢) " التعقبات على الموضوعات ": ١٢
[ ١ / ١٥٢ ]
وأكتفي بما نقلته من نصوص عن الأئمة في هذه المسألة، ولكن يبدو لي من كلام الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: أنَّه ينبغي التفريق بين الحكم بصحة الحديث، وقبوله والعمل به؛ وذلك أنَّ التصحيح على مقتضى الصناعة الحديثية شيءٌ وقبول الحديث شيء آخر، فإذا وجد حديث مثل هذا فهو مقبول يعمل به لكنَّه لا يسمى صحيحًا، ورحم الله الحافظ ابن حجر حيث قال: «لأنَّ اتفاقهم على تلقي خبر غير ما في الصحيحين بالقبول، ولو كان سنده ضعيفًا يوجب العمل بمدلوله» (^١) فقد أشار ﵀ إلى العمل ولم يتكلم عن الصحة الاصطلاحية، ومن دقق النظر في كلام الشافعي السابق، يجده ينحو هذا المنحى (^٢).
_________________
(١) " النكت " ١/ ٣٧٢ و: ١٧٤ بتحقيقي.
(٢) وبعد الانتهاء من تأليف كتابي هذا، وحين العمل بفارسه وأنا في السحب النهائي في تجارب التنضيد وقفت على بحث ممتاز تأليف الشيخ أحمد بن إبراهيم العثمان عنوانه " وجوه ترجيح أحكام المتقدمين على المتأخرين في علل الحديث" ضمنه كتاب " المحرر في مصطلح الحديث ": ٢٨٥ - ٣٤٨، وهو من أفضل ما قرأت في هذا الباب، أحيل القارئ إليه لجودته وأصالته. وكذلك وقفت على أطروحة " المنهج النقدي عند المتقدمين من المحدثين وأثر تباين المنهج " لحسن فوزي حسن الصعيدي وهي أطروحة نفيسة مهمة في هذا الباب.
[ ١ / ١٥٣ ]