تنوعت مناهج التصنيف وطرائقه إلى أفنان (^١) كثيرة، فمن كتب العلل ما اختص ببيان علل الحديث، ومنها ما اشتمل عليها وعلى غيرها من الموضوعات، فهي غير مختصة بالعلل، أما الكتب المختصة بالعلل وبيانها، فمنها المرتب ومنها غير المرتب، قال ابن رجب عن التصنيف في علل الحديث: «وقد صُنِّفتْ فيه كتب كثيرة مفردة، بعضها غير مرتبة .. وبعضها مرتبة، ثم منها ما رُتِّب على المسانيد .. ومنها ما هو مرتب على الأبواب ..» (^٢).
وهذا إيضاح لكل منها:
١ - كتب غير مختصة بعلل الحديث، مثل كتب مصطلح الحديث، وكتب رواية السنة وتخريجها، وكتب الرجال، وشروح الحديث، ومصادر الفقه وغيرها، فليست غاية تصنيف هذه الكتب بيان علل الأحاديث، وإنما قد تذكر العلل استطرادًا.
٢ - كتب مختصة بالعلل وبيانها: وهي كتب كثيرة وفيها قسمان:
الأول: غير مرتب: مثل كتب المسائل المتفرقة، والغالب على هذه الكتب أنها ليست من تأليف وجمع مؤلفيها، وإنَّما يتولى ذلك تلميذ من تلاميذ الشيخ فيجمع هذه المسائل في كتاب، مثل العلل المنقولة عن يحيى بن معين
_________________
(١) الأفنان: جمع فنن - بفتحتين - وهو الغُصن. والفنون جمع فنٍ، وهو الضرب من الشيء، أي النوع، ويجمع أيضًا على أفنان. انظر: " نكت الحافظ ابن حجر " ١/ ٢٢٧ و: ٥٧ بتحقيقي، و" لسان العرب " مادة (فنن).
(٢) " شرح علل الترمذي " ٢/ ٨٠٥ - ٨٠٦ ط. عتر و٢/ ٨٩٢ ط. همام.
[ ١ / ١٥٤ ]
حيث جمعها عباس الدوري، وكذا فعل عثمان الدارمي، وابن الجنيد، وابن محرز، ونقل أقوال أحمد بن حَنْبل ابناه عبد الله وصالح، كما نقلها الميموني وابن هانئ والأثرم .. فهؤلاء المذكورون كل واحد جمع كتابًا من المسائل في العلل عن ابن معين أو أحمد بن حنبل.
الثاني: المرتب: هذه الكتب مرتبة وفق السياقات الآتية:
١ - الأبواب الفقهية: وهو أنْ ترتب الأحاديث على الأبواب الفقهية، ثم تذكر علل كل حديث بعد ذلك، مثل علل الترمذي، وعلل ابن أبي حاتم، والعلل لأبي بكر الخلاّل.
٢ - المسانيد: وهو أنْ ترتب الأحاديث على مسانيد الصحابة، فتذكر أحاديث الصحابي، ثم تذكر عللها بعد ذلك، مثل مسند علي بن المديني، والمسند المعلل ليعقوب بن شيبة، والمسند الكبير المعلل للبزار المعروف بالبحر الزخار، وعلل الدارقطني.
٣ - مرويات شيخ معيّن: وهو أنْ يعمد المصنف إلى شيخ بعينه، فيجمع أحاديثه المعلة، وفائدة هذا المنهج معرفة نسبة العلل في أحاديث هذا الشيخ (^١)، مثل تصنيف ابن المديني لعلل حديث ابن عيينة، وكذا فعل محمد بن يحيى الذهلي حيث صنّف علل حديث الزهري.
٤ - كتاب معيّن: وهو أنْ يعمد المصنف إلى كتاب معين، فيبين أحاديثه المعلة، من ذلك ما صنّفه أبو الفضل بن عمّار الشهيد في كتابه علل الأحاديث في كتاب الصحيح لمسلم بن الحجاج، ذكر فيه علل أحاديث انتقدها على مسلم، ومثله بيان الوهم والإيهام لابن القطان، والتتبع للدارقطني وغيرها.
٥ - نوع من العلل: وهو أنْ يجمع المصنف أحاديث علتها واحدة مبينًا لها، ومن هذا القبيل كتاب " تمييز المزيد في متصل الأسانيد " للخطيب البغدادي، وكتاب " تقريب المنهج بترتيب المدرج "، و" تقويم السناد بمدرج الإسناد "، و" المقترب في بيان المضطرب " كلها للحافظ ابن حجر.
_________________
(١) انظر: مقدمة " شرح علل الترمذي " ١/ ٤٦ ط. همام.
[ ١ / ١٥٥ ]
٦ - حديث معيّن: أنْ يبين الناقد علة أو علل حديث واحد معين، من ذلك كتاب علة الحديث المسلسل في يوم العيد للحافظ عبد الله بن يوسف الجرجاني.
٧ - موضوع معيّن: وهو أنْ يعمد الناقد إلى أحاديث موضوعها واحد، كأحاديث الصلاة أو الطب النبوي أو غيرهما، ويبين المعلول منها وعلته.
٨ - التراجم: وهو ترتيب التراجم هجائيًا أو على الطبقات، ثم ذكر علل المترجم له، من ذلك كتاب الضعفاء الكبير للعقيلي، والكامل لابن عدي وغيرهما ..
هذه أهم مناهج العلماء المصنِّفين في عرضهم للأحاديث المعلة، وفيها النافع وغيره، إلا أنَّ المرتَّب المستوعِب أنفع.
[ ١ / ١٥٦ ]